أربع فرص ثمينة يقدمها باخ للموسيقي العربي

كتابةفادي العبد الله - أكتوبر/تشرين الأول 19, 2015

لا شك أن اسم باخ على قدر من الذيوع والانتشار في مختلف الأوساط إلى حد يسمح باستخدامه للسخرية من المهووسين بالموسيقى في بعض الأفلام الكوميدية المصرية كاللمبي. (ليس هنالك مثلاً استخدام مماثل لشونبرغ أو هاندل أو دفورجاك. المعادل الوحيد قد يكون بيتهوفن، الذي غار منه ابن بيت الطوشة)، إلا أن أن ذيوع الاسم لا يعني أننا قد استمعنا حقاً إلى باخ، وإلى ما يمكن أن يقدمه لنا اليوم. إذ ربما يكون في أعمال يوهان سيباستيان باخ فرصة ثمينة للموسيقي العربي لإثراء قدرته على صياغة الموسيقى في شكل أكثر غنى وتماسكاً وتشابكاً، وربما يكون هو تحديداً المؤلف الأوروبي الذي يمنحنا المجال الأوسع لاستدخال موارد غنية من عمله في موسيقانا اليوم، وذلك لأسباب عدة سنتناولها في هذا المقال.

لكن قبل تعداد الأسباب وذكرها، ينبغي تبديد التباسين محتملين: الأول هو الظن بأن تطوير الموسيقى الشرقية العربية يستدعي بالضرورة مماشاة سياق تطور الموسيقى الأوروبية في مختلف مراحلها. هذا الظن يأتي من الانبهار بالموسيقى الأوروبية واعتبارها أرقى الموسيقات العالمية، والحق أن تطوير الموسيقى الشرقية العربية لا يستدعي ذلك بالضرورة، إذ لا ضرورة تُحتّم مساراً أوحد، كما أن الإعجاب بمنجز الموسيقى الأوروبية لا يجب أن يحط من شأن موسيقات أخرى يمكن أيضاً استدخال مواردها، سواء كانت هندية أو أمريكية جنوبية أو تركية أو سوى ذلك.

استدخال هذه الموارد يجب أن يتجاوز الاقتباس السطحي السائد حالياً لدى بعض العازفين كاقتباس مطّطنين النغمة الهندية أو بعض الأبعاد التركية وحركات الريشة والتريلّ التردد ما بين نغمتين وما شابه ذلك من اقتباس يوازي في السطحية اقتباس حركة تعليق وتر الكردان واللعب على مقام الحجاز كار كرد في ما يسميه البعض المقطوعة الاسبانية، في إشارة إلى استورياس لـ البينيز، أو سطحية عزف موزارت على آلات التخت دون استيعاب أفكار موزارت الموسيقية في إطار موسيقى التخت. من ناحية أُخرى، إمكانية إثراء موسيقانا بعناصر غير أوروبية لا يعني استبعاد الموسيقى الأوروبية في مراحلها المختلفة ومواردها الغزيرة، في عنصرية مقلوبة.

الالتباس الثاني هو أن تطوير الموسيقى الشرقية عبر استدخال مثل هذه الموارد من موسيقات مغايرة سيؤدي إلى تهجينها وفقدانها هويتها وأصالتها. أُسمّي هذا التباساً لأنه مبني على افتراض وجود مثل هذه الهوية والأصالة التي نعجز بطبيعة الحال عن تحديد موعد ولادتها أو حتى مكانها الجغرافي. مثلاً، هل تقتصر الموسيقى الشرقية على مصر وبلاد الشام، وبالتحديد ما قبل الحرب العالمية الثانية وقبل انتشار التغريب الوهابي؟ الجواب يتضح بمجرد النظر إلى تأثر العراق بالموسيقى الفارسية، والخليج بالموسيقى الهندية والمغرب بالموسيقى الإفريقية، دون تجاهل تداخل الموسيقى المصرية والشامية بالموسيقى العثمانية، مقامات ومؤلفات، بما يتجاوز الأسطورة الخاطئة عن استعارة عبد الحمولي لمقامات الموسيقى التركية إثر زيارة قصيرة لاسطنبول. كما لا يُسمح بالقبول بأسطورة سيد درويش مخلّص الموسيقى المصرية من لهجتها العثمانية. أم ينبغي علينا العودة إلى العصر العباسي حيث تم دمج موارد الموسيقى الفارسية بالتنظيم الفلسفي اليوناني؟ أم العودة أقدم من ذلك إلى البابليين بل ربما السومريين أو موسيقى الفراعنة؟ لا شك أن بعض ملامح تلك الموسيقات القديمة لا تزال مستمرة في شكل أو بآخر في بعض المقامات أو الثيمات البسيطة والآلات. كما يبدو مثلاً من الأبعاد التي قيست في الناي الفرعوني وفي استمرار آلات شبيهة بالعود منذ الأشوريين حتى الآن.

ما نسميه اليوم موسيقى شرقية هو حصيلة دمج كل تلك الروافد بالموسيقات البيزنطية والفارسية واليونانية والإفريقية والهندية، ومن ثم بالموسيقى الأوروبية التي اقتبسنا منها آلات كالكمنجة كانت في صلب التخت الشرقي، كما اقتبسنا منها مفردات موسيقية أصبحت في نسيج كل مؤلفاتنا الحاضرة، (وهو ما عدّل عميقاً مثلاً طول الجملة التراثية إلى الأقصر وأدخل التعديلات الكروماتية على السلالم – وهو ما يستعمله عبد الوهاب كثيراً – والقفزات على نسق الأربيج وعدة أمور أُخرى)، وإطارات وقوالب (كالكابريس caprice الذي استعمله الشريف محي الدين حيدر في تأليفه للعود مثلاً) وأفكار التوزيع واقتصاد الانتاج الموسيقي وغير ذلك. بعبارة أخرى، كل موسيقى هي أصلاً هجينة وغير أصيلة وذروة عبقريتها لا تنفصل عن علاقاتها وتداخلها مع الموسيقات الأخرى، ما يعني أن الاقتباس، في حد ذاته، لا يعيبها ولا يفسدها. إلا أن لذلك شرط، وهو أن يكون الاقتباس والتطوير متناسقين مع الملامح العامة لهذه الموسيقى. قد يكون من الصعب تعريف التناسق هذا وحدّه الجامع والمانع، إذ لا تقتصر الملامح العامة لها على المقامية وخلاياها النغمية الموروثة والهيتروفونية تعدد الأصوات دون اشتراط تآلفها والارتجال، غير أن تبيان أسباب الإشارة إلى باخ، وبالأخص إلى أعماله الموسيقية الآلاتية البحتة في هذه المقالة، قد يكون مفيداً كإشارة عملية إلى هذه الملامح وإلى كيفية التناسق معها في آن.

إعلان

السبب الأول: باخ المرتجل العظيم

رغم شهرة باخ المؤلف الدقيق والذكي، الذي يُخبئ في طيّات أعماله مختلف تقنيات التأليف الواعي والمبني على الرياضيات وأساليبها، فضلاً عن تضمينه مقطوعاته شفرات رقمية ذات دلالة كثالوث التأليه (الضربات الثلاث المضاعفة في الزمن الثالث من المازورة الثالثة والثلاثين من أول تمهيداته في وصلة التشيللو الأولى)، إلا أن باخ كان أيضاً وربما قبل ذلك مرتجلاً عظيماً.

فمن المرجح مثلاً أن التوكاتا التي وضعها للأرغن بُنيت على ارتجالات أدّاها في حضور الإمبراطور فريدريك الأول. فكما تروي الحكاية أن هديته الموسيقيةللامبراطور البروسي فريديرك الثاني نبعت أساساً من ارتجالاته أمام الإمبراطور على الثيمة المعقدة التي اقترحها هذا الأخير عليه كان الاعتقاد دارجاً وقتها أن باخ عازف ماهر لكن مؤلف متواضع وتقليدي، وأنه محدود بالنمط الكونترابونتالي. ولكن الأمر انتهى بأن ألّف باخ أحد أفضل المقطوعات في تاريخ الموسيقى الأوروبية، فارتجل باخ عليها ضمن عدد من القوالب وصولاً إلى الفوغة fugue مثلثة الأصوات، المسماة أيضاً بحثاً Ricercar بالإيطالية، قبل أن يرفع هذا العدد في تأليفه اللاحق إلى ستة أصوات ضمن قالب الفوغة، وهو قالب تتحول فيه الجملة نفسها إلى مصاحبة لنفسها عبر تكرارها مع تأخير التكرار قليلاً عن الجملة الأولى.

أي أن باخ يؤكد لنا القدرة على منح الارتجال إمكانية النفاذ إلى عمق أكثر وإلى ارتجالات متشابكة ومتعاضدة الثنيات إلى حد أن تكون وحدة ارتجالية متكاملة غير مفككة، عبر الاستخدام الآني والارتجالي لقواعد التنويعات والبناء الموسيقي، بدل أن يكون الارتجال مجرد اكتفاء بترداد المحفوظ من الجمل والتفعيلات الإيقاعية، أو سرحاً وراء أقرب صور الخيال تناولاً وأبسطها. كما يسمح باخ أيضاً بتوضيح أن الارتجال ليس بالضرورة منفصلاً عن القوالب أو، في شكل أقل انضباطاً، عن الأطر التي تسمح لنا، حتى في تسجيلات أوائل القرن العشرين، بالتمييز بين الارتجالات الحرة تماماً، وتلك التي تستكشف مقاماً مُعيناً، أو تلك التي تلعب فقط دور استعراض أساسياته قبل الدخول في الغناء والتقاسيم الموقعة. في مثل هذه الأُطُر، كما لدى جماعة الأوليبو Oulipo الأدبية، لا تعيق قواعد القوالب والأطر الموسيقية حرية الموسيقي بل على العكس تحفّزه على تجاوز ذاته وصعوبات الإطار نحو إبداع أعقد وأثرى.

السبب الثاني: البوليفونية لا الهارموني

في إحدى المحاضرات التي استمعتُ فيها إليه، شدد الموسيقي الفرنسي المعروف ميكائيل ليفناس، ابن الفيلسوف المشهور، على أن قراءة مؤلفات باخ تعني فهم الكونتر بوان أو تعارض النغمات، في شكل مختلف. إذ أنها لدى باخ لا تتعارض بل تتخذ شكلاً آخر وفقاً لإحدى معاني كلمة كونترفي الفرنسية، هو الاتكاء، إذ تتكئ نغمات باخ على بعضها البعض في جمل مُتزامنة ومُتعارضة في الزمن ذاته. البوليفونية لدى باخ إذاً تعمل في شكل مختلف عن سابقيه، في ظل هذا الاتكاء الحميم الذي يسمح أحياناً لبعض النغمات أن تكون ملتقى للجمل المختلفة تلك. وفي هذا المجال، لا تعود الهارموني إطاراً خلفياً للجمل الأساسية والسهلة الميلودي كما لا تطغى الأولى فيصبح العمل تتابعاً هارمونياً لا تكاد تظهر فيه الجمل الميلودية. ويسمح نتاج باخ أيضاً باستيعاب الهارموني داخل الميلودي، وليس إلصاقها في الخلفية، فيمنح حلاً مبتكراً لموسيقى شرقية تحتكرها الجمل الميلودية البسيطةالمفردة، أو الخالية من تضاعيف الهارمونية.

في هذا أيضاً، يمكن لباخ أن يشكل مورداً عظيماً للموسيقيين العرب، ليس فقط لأن البوليفونية أقرب إلى الهيتروفونية المميزة للموسيقى الشرقية من الهارموني التي حاول بعض المؤلفين إقحامها خلال القرن العشرين، بل أيضاً لأن البوليفونية تمنح العازفين القدرة على فهم معنى عملهم وعلى امتلاك جمل كاملة في عزفهم للمؤلف. ذلك أن الموسيقى الشرقية، رغم محاولات تضخيم عدد الآلات، لا تحيا حقيقة إلا في غياب ثقافة الأوركسترا الغربية، حيث العازفين جميعاً تُروس صغيرة في آلة الأوركسترا الجبارة يؤدي كل منها دوراً صغيراً ومفككاً بحيث إن الاستماع إلى واحدهم بمفرده لا يُغني شيئاً، بل إن النظر إليه يوضح ما قاله ماركس وما عرضه شارلي شابلن أيضاً عن تفكك مُنتَج العامل الصناعي، وإفلات معنى عمله من يده، بخلاف الحرفي التقليدي الذي يصنع منتجه كاملاً.

بل إن أعمال باخ تتجاوز حتى هذا المجال، أي الإرضاء النفسي والمعنوي للعازفين عبر منح كلّ منهم جملاً متكاملة، نحو إنشاء بوليفوني وكونتر بوان حتى ضمن عزف آلة ميلودية منفردة كالكمان أو التشيللو في السوناتات والوصلات التي كتبها لهاتين الآلتين. وبالنظر إلى انتشار فكرة السوليست soliste حالياً بين العازفين، لا سيما عازفي العود والكمان، فإن من المغري إثراء النسيج الصوتي لهذه الآلات عبر استدخال مثل هذه الأفكار والموارد المستقاة من باخ في المؤلفات المحضّرة لهذه الآلات.

إعلان

السبب الثالث: تقنيات الزخرفة والعزف والتأويل

عبر باخ أيضاً، يستطيع الموسيقي العربي اليوم إعادة النظر في طبيعة الجمل الموسيقية السائدة، والاتجاه نحو جمل أطول (مثل جمل البشارف التركية، أو بعض السماعيات القديمة حيث تمتد الجملة على أكثر من طقم ايقاع أوحد مثل بشرف فرحفزا بشرف هو قالب (هيكل) تأليفي فرحفزا هو مقام من تأليف جميل بيك الطنبوري مثالاً) حيث تتعانق الخلايا النغمية في شكل ممتد ومتواصل أبعد من السياق الدارج الذي يكتفي بترداد الخلية الواحدة ثلاث مرات على درجات سلم المقام، إما صعوداً أو هبوطاً، ثم الخروج منها إلى قفلة الجملة. يمكن مثلاً الاستماع إلى مقدمة فايق يا هوى من ألحان فيلمون وهبي للعثور على استخدام جميل لهذه التقنية في بناء الجمل، إلا أن تحويلها إلى السبيل الوحيد والطاغي يخنق إمكانيات المقامات الشرقية في توليد جمل بديعة جديدة.

سماعي فرحفزا جميل بك الطنبوري بأداء أمين بك المهدي

بشرف عاصم بك:

فضلاً عن ذلك، يستخدم باخ عدداً من تقنيات الزخرفة والترجيف والتدعيم الديواني، بحسب التسمية التي يستعملها الباحث طارق عبد الله، أي استخدام أبعاد الأوكتاف، أو كامل السلم، لترسيخ الصوت ومنحها أيضاً طابعاً إيقاعياً، وتعليق الأوتار إرسال جملة مع الاستمرار في عزف وتر حرٍ غير معفوقٍ والعزف على وترين أو أكثر، يُضاف إليها نقلات مقامية مفاجئة وشغل كروماتي حاذق وعناية بارزة بالقفلات وتنويعها حتى ضمن العمل الواحد (كما في الجزئين الاول والثاني من الرقصة الألمانية في وصلة التشيللو الثانية). لكل ذلك شبيه في الموسيقى الشرقية بحيث تُشكّل هذه التقنيات مدخلاً مشتركاً يمكن استخدامه للولوج في عوالم باخ الغنية، واكتشاف ثراء زخارفه المقترحة المبثوثة في ثنايا التآليف، كما سنشير إليه أدناه.

باخ، الرقصة الألمانية في وصلة التشيللو الثانية

غير أن أعمال باخ أيضاً تُقدم للموسيقي الشرقي إمكانية التفكير بشكل مغاير لقراءة المؤلَّف الموسيقي، أو تأويله، بما يتجاوز أيضاً عملية الزخرفة فحسب. فبالنظر إلى وصلات باخ للتشيللو مثلاً، التي تكاد تتألف حصرياً من سلسلة من النوتات ذات السنّين رمز موسيقي يكتب على المدرج الموسيقي للدلالة على نغمة، وتساوي في المدة نصف ذات السن الواحد بقليل جداً من السكتات، يمكن ملاحظة المساحات الواسعة التي تمنحُها للقراءة والتلاوة عبر مقارنة التسجيلات المختلفة (كاسالس، روستروبوفيتش، يويوما، بيلسما، شتاركر، كيراس، مايسكي، تورتيليه، فورنيه، واللائحة تطول)، والتي تُبرز الفهم المختلف لدى كل عازف للجمل الأساسية وتنويعاتها والمناخ اللائق بها ناهيك عن السرعة وضربات القوس المختلفة ما بينهم وكذلك إضاءاتهم المختلفة على النوتات ـ المفاتيح لهذه الجمل. يفتح كل ذلك أيضاً على مُساءلة العازفين العرب عن قراءاتهمللمؤلفات الموسيقية ومحاولاتهم لفهمها وتقديمها بشكل مختلف وليس فقط بشكل أكثر استعراضية، كما يفتح المجال لاستعراض علاقة الأنغام بالزمن. فباخ، عبر قراءات العازفين هذه، يُخلخل أيضاً الزمن حيث تلوي النوتات ـ المفاتيح لثقلها وجاذبيتها حقل الزمن (فيحاول بعض العازفين اللحاق به ضمن المازورة ـ في حين يلحق العازفون العرب حين يتأخرون بطقم الإيقاع التالي عموماً ـ ويعتبر البعض الآخر أن لا مناص من هذا التفاوت الزمني، فيشدد عليه ولا يعود إلى الانضباط الإيقاعي إلا في الجمل الأوضح رقصاً) ويخرج كل ذلك تتابع ذوات السنّين من كونه تتابعاً شكلياً محضاً فتبرز من خلاله ألوان وسرعات مختلفة ومتفاوتة حتى وإن لم تكن مكتوبة.

السبب الرابع: التأليف والتماسك

دروس باخ في التأليف لا حصر لها، سواء نظر المرء في الكم الهائل من الفوغات والقوانين canon التي وضعها انطلاقاً من خلية نغمية صغيرة أولى في كتاب فن الفوغة، أو إلى تقدمته الموسيقيةعلى ثيمة امبراطور بروسيا، أو عمله الإعجازي للكمان Chaconne المبني فقط على أربع نوتات هابطة، أو وصلاته للتشيللو حيث تتألف كل وصلة من سبعة مقطوعات يجمعها، فضلاً عن السلم المعتمد لها، إطار مشترك من التراكيب الأساسية والمفاتيح المفصلية والتتابعات التآلفية يستعرض عموماً في المقطوعة الأولى في الوصلة، أي التمهيد Prelude.

 

 

لكن يُمكن للمرء أن يعطي مثالاً أيضاً من أعمال أوركسترالية كالكونشرتو للكمان، في حركته الأولى، حيث تتضمن الموازير الأولى كل الخلايا النغمية مطوية في الجملة الأولى، وكأن ما يلي في الحركة الأولى هذه ليس إلا نشراً للمتضمن وتعييناً للمحتمل الافتراضي في تلك الجملة، من خلال تفكّيكها وتقليبها، والتنويع على مفرداتها، وإعادة تركيبها، ومن خلال المد والإطالة والقلب والإبدال والحذف والتكرار، حتى يتبدى للمتأمل فيها إن ماء الجملة الأولى هذه أو نسيجها يسريان في كامل الحركة الأولى ويغذيانها كالنسغ السري أو كالخيط لا ينقطع يجمع أجزاءها المتوالدة منه ويشدها جميعاً إلى بؤرة مشتركة. كل ذلك يسمح للمقطوعة بأن تحظى بتماسك استثنائي، لا يمنع تدفقها السلس والأخاذ بل يوضحه ويساهم في تطوره كأنما هو تفتّح للمكنون ونشر للطيّ، كما كتب دولوز عن خصائص فن الباروك.

والواقع أن التآليف الموسيقية الشرقية، سواء كانت آلية، أم غنائية بمقدمات آلية، بالغة الضعف في هذا المجال، حيث لا يكاد المرء يستمع إلى جملة، جميلة أم لا، إلا وينتقل إلى أخرى أو إلى أداء ايقاعي يفترض به أن ينقله إلى الجملة التالية، بحيث تصبح المقطوعات تتابع جملٍ لا رابط لها ولا آصرة، بخاصة بعد أن تفكك السير التراثي للمقامات وأساليب العمل بها وانتهت إلى أن تكون مجرد سلالم تستخدم بحسب ما يشاء المرء ومن حيث أراد. ويحاول البعض حالياً التحايل على هذا التفكك، بالاكتفاء بجملة أو اثنتين وملء المساحات ما بينهما بارتجالات موقّعة، غير أن ذلك يفترض للارتجالات نفسها نوعاً من إطار ثابت يُثبّت التماسك المطلوب، كما يفعل عازف الكمان المصري الشهير عبده داغر مثلاً.

والتشديد على التماسك كقيمة للمؤلَّف الموسيقي يسمح بمتابعة واستئناف ما كان موجوداً في الموسيقى الشرقية وإن على خَفَر وفي شكل أكثر بساطة، مع داغر، كما في مؤلفات المشربية تبدأ في الدقيقة الثامنة أو مدى حيث يعتمد إما على التنويع على خليّة نغمية بأشكال مختلفة (المشربية) أو يؤمن التماسك من خلال الإيقاع والتنويع عليه (ثلاث إيقاعات مختلفة كلها ثلاثية الأساس) ومن قبل داغر أيضاً مع القصبجي، على سبيل المثال، في مؤلفه سماعي راست، الذي يوضح عزف حازم شاهين له مدى التماسك النغمي فيه.

إعلان

خاتمة: العودة إلى مادة الصوت

على الرغم من كل الشائع عن موسيقى باخ كموسيقى كنسية، وحتى في موسيقى آلام المسيح، إلا أن هنالك دفقاً هائلاً للحياة والحيوية في موسيقاه، ما كان يدعوه هو النعمة“. ليس فقط من خلال استخدام الرقصات القديمة وإيقاعاتها من أجل بناء موسيقى جديدة ببحث وهواجس خاصة في التطوير والإثراء، بل أيضاً من خلال المرح الخفي في إبدال النوتات بأخرى وفي النقلات والكروماتية وفي الإشارات الخفية إلى الأرقام والأسماء، بما في ذلك اسم باخ نفسه ونتيجته بحساب الجُمل. هذا ما يجعل موسيقاه فردية وخاصة، حتى وإن لم تكن تزعم التعبيرعن الذات كما في الموسيقى الرومنطيقية.

هذا أيضاً يسمح بالتماس ما بين باخ والموسيقى الشرقية، التي في أساسها التراثي أيضاً موسيقى مادية أي مرتبطة بمادة الصوت نفسه مباشرة ومجردة عن النزعات الرومنطيقية والتعبيرية، وفي الوقت عينه تسمح لكل عازف بأن يجد النبض والنفس الخاص به وبعزفه.

والهدف من اقتراح مثل هذا التماس ومحاولة إقامة البرهان على إمكانه وتناسقه وفائدته ينطلقان، لا من مركزية أوروبية تجاوزها الزمان، بل من إيمان بأن الموارد الموسيقية، أنى كان منشؤها، ملك مشترك للإنسانية وأن لكل فن إقليمي أن يسعى للتطور، كما حصل في السابق وإلا ما تراكم تراث، من خلال إدماج هذه الموارد المختلفة (وباخ مثال لها)، وإيمان أيضاً بأن كل مفردة موسيقية جديدة هي ككلمة جديدة في اللغة وكل تقنية جديدة في التأليف هي كقاعدة نحوية وتركيبية مبدعة، تتيحان لموسيقيي اليوم قول الجديد وتركيب جمل أوسع عبارة عن العالم الذي فيه يحيون.

Leave a Reply