إميل باسيلي | الجالس خلف كل هذا الجمال

كتابةإيمان مرسال - يوليو/تموز 11, 2016

في مساء ٢٣ أكتوبر ٢٠١٤، كنتُ قد انتهيت من يوم تدريس طويل، واتجهت كالعادة إلى مكتبي حتى أترك ما أحمله من كتب وأوراق وأفلام قبل أن أغادر الحرم الجامعيّ. دخلت من الباب الرئيسي لمبنى الآداب القديم قاصدة الردهة على اليمين حيث مكتبي. بمجرد دخولي وقبل أن يتسرب الدفء الذي يحتويك عادة عندما تترك الصقيع في الخارج، ميّزتُ تقسيماً حيّاً على الكمنجة لمقطع من أغنية فكروني لأم كلثوم. وقفت لوهلة لا أعرف أين أنا بالضبط، غمرني ذلك الانتباه الذي تصيبك به رائحة طعام، أو جُملة من لغتك، أو نغمة موسيقيّة قادمة من ماضي أو جغرافيا ما فجأة، كأن تفتح بروتينيّة خزانة في بيتك فتجد إحدى لعبك التي لم ترها منذ كنت طفلاً فيتغيّر مزاجك وتنتبه حواسك على الفور. إنه مقام راست الذي لابد أن يكون لونه أزرق بينما يتلوّن كل ما حولي هنا، في أكتوبر، بالأبيض والرماديّ. استيقظت حواسي بعد إرهاق يوم عمل غائم وعادي في مدينة أجنبيّة ليست المقامات من بين أصواتها المتعددة، أو كما تقول الست في الأغنية صحوا نار الشوق في قلبي وفي عيوني”.

بدلاً من الاتجاه يميناً إلى مكتبي، اتجهتُ إلى فكروني في قاعة كونفوكايشن هول Convocation Hall التي تواجه الباب الرئيسيّ في وسط المبنى مباشرة. الكونفوكيشن هول هي أكبر قاعة للموسيقى والاحتفالات في جامعة ألبيرتا. كان عليّ أن انتظر انتهاء المقطوعة لأدفع الباب وأدخل. استرجعت معلومة أن هناك حفلتين متتاليتين في الرابع والعشرين والخامس والعشرين من أكتوبر لعازف الدرامز حسام رمزي مع زوجته الراقصة البرازيليّة سيرينا. رمزي مصريّ مقيم في لندن منذ منتصف السبعينيّات، وتعاون مع الكثير من الفنانين منهم روبرت بلانت وجيمي بايج Robert Plant, Jimmy Page في إحيائهما لفرقة لِد زبلين. بالطبع كنتُ أنوي الذهاب، ولكن من الذي يعزف على الكمنجة الآن؟

معظم الحفلات في هذه القاعة تنتمي للموسيقى الكلاسيكيّة، يحدث الاستثناء عندما يدعو قسم الموسيقى، أو للدقة، فرع الاثنوميزكُلوجي فيه، موسيقيين من خارج الموسيقى الكلاسيكية. دعي بعض الموسيقيين العرب لعمل ورش موسيقية تنتهي عادة بحفل موسيقيّ يشارك فيه الطلاب وفرقة الشرق الأوسط بالجامعة. حضر مثلاً الشيخ محمد الهلباوي من مصر في ٢٠٠٥ وقد اشتركت في ورشته بل وكنت أحد أعضاء الكورال خلفه في الحفلة النهائيّة، كما جاء مارسيل خليفة وعازف القانون المصريّ جورج ساوا المقيم في تورنتو، وأيضاً جورج كيرلس أحد أهم مؤدي التراتيل والترانيم القبطيّّة. فرغم ازدهار المشهد الموسيقي في مدينة إدمنتن في غرب كندا، ووجود مسارح عدّة تستقبل فنانين من كل العالم حيث من الصعوبة أحياناً أن تحجز كرسيّاً لبعضها، إلا أن سمّيع الموسيقى العربيّة لا يجد إلا هذه القاعة التي تقدم حفلتين كل عام، بالإضافة إلى بعض المطاعم اللبنانية التي تلتزم ببرنامج يوم سبت يقتصر عادة على عازف أورج يقدّم ما يجب أن تعزفه فرقة موسيقيّة كاملة خلف راقصة تكون عادة غير عربيّة. في الحقيقة، تمّ أكثر من مرة الإعلان عن حضور مغنيين شهيرين من العالم العربيّ ضمن رحلاتهم إلى المدن الكبرى في أمريكا الشماليّة، ولكن عادة تجهض مثل هذه االوعود في اللحظة الأخيرة بسبب الفشل في بيع ما يكفي من التذاكر لتغطية أجر النجم أو النجمة مع الفرقة المصاحبة.

على المسرح كان هناك بروفة للحفل قبله بيومين: بعض أعضاء فرقة الشرق الأوسط الموسيقيّة بالجامعة منامي Middle Eastern and North African Music Ensemble بقيادة مايكل فريشكوف، أستاذ الإثنوميزوكولوجي في قسم الموسيقى، وحسام رمزي على الطبلة، وموسيقيْين جاءا من لندن في صحبته وهو ما سأعرفه بعد ذلك وهما عازف الأكورديون الجمل الكوردي وعازف الكمنجة إميل باسيلي.

جلستُ في آخر القاعة الخالية أستمع، ولكن يهيأ لي أنني كنتُ هناك مع الكمنجة فقط، كأن أذنيّ كانت تُحمّل الكمنجة على تراك منفصل وتستقطبه من هذا الدمج متعدد الآلات لتسمعه وحده. بدأت أنتظر الفقرات التي يبدأ فيها عازف الكمنجة الارتجال وحده، مشدودة لنقاء االصوت والنقلات الناعمة بين المقامات وتماوج أصابعه على الكمنجة كأنه لا يتحدث إلا معها. بعد انتهاء البروفة، شعرت كأنني عدت للتوّ من رحلة لمكان غامض لدرجة أنني حتى لا أتذكر أين كنتُ.

إعلان

عندما تحدثت إلى إميل باسيلي بعد انتهاء البروفة، كنت أريد فقط أن أعبر له عن امتناني لفنه، ولكنه بدا خجولاً للغاية وكأنه لا يعرف كيف يرد على هذا النوع من المديح. غيّر الموضوع سريعاً وسألني عن نفسي مَن أنا وماذا أفعل هنا؟ بدأ بيننا ذلك الخيط الرهيف من الكلام وهو يدخن سيجارته الكهربائيّة وأنا أدخن سيجارتي الحقيقيّة خارج المبنى. التقينا عدة مرات خلال الأسبوع الذي قضاه في المدينة: في مقهى، الفندق الذي يقيم فيه، في الجامعة، وفي بيتي. بدأت أعرف شيئاً عن حياته وتشعّبت أسئلتي أكثر ولكني لا أتذكر اللحظة التي تحوّلت فيها رغبتي العارمة في الاستمتاع لقصّة إميل باسيلي إلى الرغبة في أن أكتبها وأجعل الآخرين يسمعونها. منذ البداية كانت فتنتي بعزفه هي المدخل لاهتمامي بالشخص خلف هذا الجمال؛ ولكن كان هناك ما يستحق التوثيق في قصة باسيلي لمن يهتمون بالمشاهد الموسيقيّة المتعددة خارج التأريخ الرسمي لحياة المشهورين من المغنيين والمغنيات: الراديو الذي أغرم به الموسيقيّ الصغير في الخمسينيّات، مغادرته الأهل إلى القاهرة ليلتحق بمعهد الموسيقى العربيّة وعذاباته فيه، أجواء الملاهي الليليّة في ستينيّات القاهرة، تجربته مع أم كلثوم، شهادته على نشأة فرق الجيش الموسيقيّة في الستينيّات ثم أفولها بعد هزيمة يونيو. لكن هناك وضعية باسيلي نفسه الموسيقيّ المهاجر إلى الغرب، شهادته على ازدهار الملاهي العربيّة في باريس ولندن في السبعينيّات ثم تراجعها في العقد التالي، آراؤه الشخصيّة عن ما يسميه موهبة وحظاً. بالإضافة لكل ذلك، أظن أيضاً أن الرغبة في نشر هذا الحوار لها علاقة باستمتاعي الشخصيّ بقصّة باسيلي وكيف حكاها لي باستمتاع كأنه يعيش كل لحظة مرة أخرى بينما يتذكر، دون فخر أو مرارة، بدقة جعلته يعيد تصحيح أي تاريخ أو اسم عبر الرسائل الالكترونيّة فيما بعد. العازف الفرد الذي نراه دائماً في فرقة موسيقيّة، خلف مغني أو مغنية، عنده قصة جديرة بالحكي، ويرغب في حكيها، وربما أن الصدفة وحدها هي التي جعلتني الوسيط في ذلك.


من هو إميل باسيلي؟

أنا إميل عزيز باسيلي، اتولدت في اسكندرية وعشت فيها لغاية ما كان عندي سنة، بابا كان بيشتغل في السكة الحديد وتقرر نقله الى بورسعيد فرُحنا هناك وقامت الحرب العالمية التانية. أنا فاكر لما كان عمري تلاث سنين كنا ننزل المخبأ لما صفارة الإنذار تضرب. كان عندنا في السطوح بصل متخزّن وأمي قالت لي اطلع هات كام بصلة ولما وصلت للبصل صفارة الإنذار بدأت وشفت طيارة فوق مني وبعدها سمعت صوت القنبلة، طلعوا جابوني من فوق نزلت لقيت زجاج شباك حجرة النوم مكسور على السرير اللي كان نايم فيه أخويا فريد وكان عمره سنة وربنا ستر ولم يصبه أي شيء. بابا قرر يهجّرنا كفر الشيخ لإنها مكان آمن وبعدها قدّم طلب لنقله الى بلدة منوف فاتنقلنا هناك.

كنا ساكنين في منوف في الدور التاني فوق قهوة واخدة ناصيتين وبدأت أسمع موسيقى. راديو القهوة اللي تحت البيت ملعلع على آخره والحمد لله كانت نعمة بالنسبة لي لإن ماكنش عندنا راديو؛ كنا على قد حالنا، وتقريباً كان معظم وقتي في البلكونة لسماع هذا السحر. كنت في منتهى الشجن والطرب لمجرد سماع أي حاجة حلوة. في الوقت ده كانوا بيذيعوا حفلات أم كلثوم من الأزبكية وحفلات عبد العزيز محمود وكارم محمود من الأندلس وشفيق جلال والمطربة ملك والمطربة حافصه حلمي وصالح عبد الحي، وياعوف نصحتك السلطانية، علي بابا والأربعين حرامى المسلسل على ما أتذكر – كان وقتها طرب جميل وألحان جميلة ومطربين ومطربات عظمة وكان فيه شعور بمنتهى الأمان والسكينة وهدوء الأعصاب. عشت في منوف شبابي المبكر. كنت بسمع دايماً أم كلثوم. في سن تمانية أو تسعة كنت حافظ معظم كلام أغانيها وبغنيه بصوتي وبتهيألي كان صوتي حلو. أبويا شجعني لإنه كان مغرم بالمزيكا وبالذات محمد عبد الوهاب.

معهد الموسيقى العربيّة

خدت الإبتدائيّة من منوف. بابا قال لي أنا شايف إنك غاوي المزيكا قوي فهودّيك معهد الموسيقى؛ معهد فؤاد الأول للموسيقى العربيّة في شارع رمسيس. سني كان تقريباً ١١ سنة. اتقدّمت للمعهد على أساس أكون مغني يعني قسم أصوات. اتعرضت على واحد اسمه الأستاذ إبراهيم شفيق، كان كبير في السن وكان هو اللي بيمتحن المتقدمين للمعهد. طريقة الامتحان إنه يعطيك تون وانت تغنيه مع البيانو. الأستاذ ده قال لبابا أنصحك بلاش يغني، بلاش يخش قسم أصوات لإنه إذا بلغ فى السن فصوته ممكن يتغير ويبقى وحش. قال كمان: إحنا عندنا هنا أنور منسي وأحمد الحفناوي وعطية شرارة عازفي الكمان المشهورين دخلوا في السن ده فأحسن له يتعلم كمنجة. فأبويا اشترى لى كمنجة تلات تربع ودخلت المعهد.

كان أستاذي في الوقت ده اسمه أحمد عبيد، كان مايسترو في الأوركسترا السيمفوني، والشخص ده هو اللي كرهني في الكمنجة وفي المعهد. كنت كل لما أخش ألاقيه بيتكلم مع واحد من أصحابه، يقول لي: حط الدفتر على البيبتر، وقول. فأبتدي أنا: صول صول ري ري… يقوم سايب صاحبه وييجى زاقق دراعي لبرة بمنتهى القسوة والغطرسة ويسيبني ويمشي يكمل كلامه مع صاحبه. كرهت المعهد وكرهته جداً.

الدور العلوي في معهد فؤاد كان للدراسة وده أنا كرهته خلاص أما الدور الارضي ده فكنت بحبه جداً؛ كان مكان لبروفات كبار فنانين وموسيقين مصر، كان فيه غرفة شباكها بيطلّ على جنينة المعهد وكان في الوقت ده فرقة موسيقية كبيرة بقيادة عازف القانون سيد محمد بتعمل بروفاتها في الغرفة دي. كنت أحياناً أختلس النظرات من الشباك لإن كان ممنوع حد يبص عليهم وأشوف وأسمع الجمال كله. حاموت وأتمنى أكون واحد منهم ولكن في نفس الوقت كنت متأكد إن قدراتي لا تجاري هؤلاء العمالقة في هذا السن. أتذكر يوم كنت واقف على مدخل المعهد ودخل المطرب محمد فوزي كان أول مرة أشوفه وكان عامل مكياج، الظاهر كان جاي من تصوير فيلم وعبد الحميد البواب ابتدى ينده عليه يا أستاذ فوزى… يا أستاذ فوزى وأنا ماشي وراهم بتفرج والأستاذ فوزي عمال يطلع من جيبه حاجات ملونة وبيمسح بيها وشه وأنا طبعا جاي من الأرياف ومش فاهم إيه اللي بيعمله. اتضح بعد عمر طويل إن دي مناديل ورق.

باسيلي مع عازف الكمنجة محمود رشاد في خلفية مسرح شهرزاد (الملهى)، في شارع الألفي في القاهرة سنة ١٩٦٣/٦٤

باسيلي مع عازف الكمنجة محمود رشاد في خلفية مسرح شهرزاد (الملهى)، في شارع الألفي في القاهرة سنة ١٩٦٣/٦٤

كان أبويا عامل لي أبونيه في القطر رايح جاي مجاناً بصفته موظف في السكة الحديد. ساعة ونص تقريباً. ابتديت أروح مصر واتفسّح في الشوارع. لما غبت ١٥ يوم بعتوا لأبويا جواب. أبويا زعل جداً، قال لي: ليه كده يا ابني! ووداني مدرسة في شبين الكوم هي الوحيدة اللي قبلتني بعد تغيّب سنة عن الدراسة. في الوقت ده أنا عندي كمنجة وابتديت أطلّع عليها اللي أنا حافظه من غير أي توجيه من حد. طبعاً فشلت في أولى إعدادي وعِدت السنة، وفي تانية إعدادي لما أبويا لقاني كده قال لي لو خدت الإعدادية السنة دي هوديك المعهد تاني. بدأت أذاكر ليل نهار واحفظ المواد صم من غير فهم طبعاً لكن نجحت بقدرة قادر إزاي ما اعرفش.

أنا كاره للتعليم العادي، وما عنديش لا آمال ولا طموحات زي الطلبة اللي عايزين يبقوا دكاترة أو مهندسين. كل اللي كنت بحبه الموسيقى اللي في ودني. في الوقت ده، كان فيه في منوف مدرسة ثانوي للبنات، كنت أنا النجم بتاع المدرسة دي بقى (لمونة في بلد قرفانة). شاب صغير قوي وبيلعب كمنجة، كنت نجم. كانوا بيعملوا حفلات ومسرحيات كنت أعزف ليهم فيها النهر الخالد، وأغاني عبد الحليم. كانوا على المسرح بيسلطوا على النجم الصغير ده أنوار أحمر وأخضر وأصفر، وكنت أبقى فرحان جداً بالحكاية دي. كان عندي إحساس إني متميز في البلد دي وإن الناس بتحبني فكان إحساس حلو.

دخلت المعهد تاني سنة ١٩٥٤ وعرفت في الوقت ده إن عازف القانون سيد محمد انتحر ومات محروق ليه الله أعلم. فرقته بقت هي الفرقة الماسيّة تحت قيادة أحمد فؤاد حسن. حظي كان وحش قوي في المعهد ده؛ استلمني واحد اسمه إسماعيل العقاد، أستاذ في المعهد، كان شغال في الفرقة الماسية وبالليل مع نجوى فؤاد. أدخل الفصل ألاقيه نايم، هو تخين، حاطط قدّامه علبة السجاير البحاري الكبيرة (كان عليها صورة بحّار)، ونايم نايم.. الباب مفتوح وأنا عايز أصحيه بس خايف. يصحا، يقولي لي: خش، حط الدفتر على البيبتر (نفس الطريقة بالضبط). هو حرف واحد صول، أو اتنين صول ري، ويقلق، يتهيأله إني بقالي مدة طويلة بلعب. يقول لي: طيب، خلاص… روح. الخلاصة لم أستفد شيئاً.

إعلان

حصل نفس اللي حصل في الإبتدائية بالضبط؛ بطّلت أروح المعهد. بابا قال لي: لأ، ما فيش فايدة فيك. دخّلني مدرسة تجارة متوسطة برده في شبين الكوم، خدت أولى في سنتين. بعد كده قلت لبابا: سيبني أشقّ طريقي، كفاية كده.

– يا ابني طيب هتعمل إيه؟

– هتصرّف …

كان إنسان بمعنى الكلمة، متفاهم وصديق.

الانتقال للقاهرة

وأنا في منوف كان عندى صديق اسمه نظمى رمزى مبارك، كان أعز أصدقائي وفي الوقت ده هو وعيلته اتنقلوا للقاهرة. اتنقلت أنا بعدهم، تقريباً سنة ٥٧ أو ٥٨ وكان عندي في القاهرة أعمامي وعماتي فماكنش عندي مشكلة سكن. لكن نظمي جه في يوم وقال لي: اسمع، أنا عايش مع أهلي واحنا زي ما انت عارف عندنا فلوس، فأنا حاقولهم فى البيت نأجّر لك أوضه هنا جنبنا في شبرا وهمّا على أي حال بيحبوك جدا وحيوافقوا، ما تشيلش همّ ولا تروح تقعد عند عمّتك ولا عمامك خليك براحتك. كان عنده حق لإن كان عندي مشكلة لو كنت في حفلة وخلصت تلاتة أو أربعة الصبح إزاي أروح أخبط عليهم وأصحيهم … مشكلة طبعاً. (نظمي هاجر أمريكا تقريباً سنة ٦٦ وما سمعتش منه بعد كده).

وابتديت أروح المعهد وكنت معروف هناك من عبد الحميد البواب بتاع المعهد ومن الموسيقيين الهواة اللي زى حالاتي. ومن الحاجات الطريفة اللي حصلت لي في الوقت ده في القاهرة إني اتعرّفت على عازف قانون رحمه الله كان اسمه حسن عشماوي وبدأ ياخدني معاه إما حفلة بفلوس أي كلام يعني أربعين أو خمسين قرش، أو تكون حفلة مجاملة لحد من غير فلوس. افتكر منها حفلة كانت يا في الزمالك يا جاردن سيتي قال لي: واحد صاحبنا عيد ميلاده النهاردة وده حبيبي وتعالى نروح نجامله. روحنا وجه سلم علينا شاب أنيق ووسيم وعرفت إنه بيلعب جيتار مع جروب غربي، وفي يوم من الأيام أصبح هذا الشاب العازف الشهير عمر خورشيد.

كان معهد فؤاد ده حياتي. كنت أعشق هذا المكان واليوم اللي ماشوفش فيه المعهد ده كنت أشعر بالضياع، لكن الدور العلوي فيه ده أنا خرّجته من دماغي.

رأس البرّ

أوّل شغل رسمي ليا كان مع متعهد اسمه سعد المصريّ، ودّانا راس البرّ، كان معانا مطربة اسمها حوريّة سامي ومش فاكر اسم المطرب وكان فيه راقصات كمان. فهّمنا إننا هنعمل حفلات في دور السينما قبل عروض الأفلام. طلع موضوع نصب في نصب، وما حصلشي شغل وراح مسفّرنا دمياط وقعّدنا في أوتيل على أساس إنه هينزل مصر ويرجع لنا تاني.

المطربة والراقصات اللي معانا طلعوا أذكيا؛ خلعوا وسافروا مصر بعد يومين. أنا والمطرب اللي معايا قاعدين ومافيش معانا فلوس. هو كان أكبر مني سناً. كان ينادي الواد اللي قاعد في الريسبشن بجلابيّة ويقوله: تعالى هات لنا سجاير، تعالى هات لنا سندوتشات. قلت له وبعدين، افرض المتعهّد ماجاش! قال لي: ما تشيلش هم.

صحيت يوم من النوم لقيته قال لي: أنا ودّيت الكمنجة بتاعتك والعود بتاعي في محلّ الشحن، ورهنت ساعتي واشتريت تذكرتين سفر بالقطر بكره الصبح بدري، حنخرج ومش عاوزك تفتح بقك بأيّ كلمة … لو الواد إللي في الرسيبشن سأل انتم رايحين فين سيبنى أنا أرد. وفعلاً صحينا الصبح واحنا خارجين الولد سألنا رايحين فين رد هو عليه وقال له حنمشي شوية نشم هوا. بعد ما أخدنا الحاجة من مكتب الشحن بصيت لقيته بيقول لي: إجري بسرعة القطر داخل المحطة. أتاريه كان مظبط الأمور بالثانية وركبنا القطر. المطرب ده اشتغل في الكورال وكنت بشوفه في االتسجيلات الإذاعية او التلفزيونية مع الكورال وكنت بسلّم عليه من بعيد خوفاً من إني أحرجه لاحتمال إنه لا يرغب في ذكر هذا الماضي. ولكن ماذا لو كان هذا الإنسان أناني وقرر وقال ياللا نفسي وياروح مابعدك روح وخلع هو وتركني لمصير لا يعلمه إلا الله. ماكنتش أعرف حد في البلد دي وطبعاً ما كنش فيه لا تليفون ولا موبايل ولا أي شيء. وأعترف إني في هذا الوقت وفي هذا السن كنت في منتهى البساطة والسذاجة ولا أعلم عن الحياة أي شيء. وتعتبر هذه الواقعة أول تجربة حياة بالنسبة لي.

الثنائي ضياء وندا على مسرح كليوباترا بالإسكندرية ١٩٥٨

الثنائي ضياء وندا على مسرح كليوباترا بالإسكندرية ١٩٥٨.

كازينو شهرزاد وأوّل الاستقرار

في شارع الألفي في التوفيقيّة كان فيه كازينو اسمه شهرزاد، تملكه فتحية محمود؛ هي اللي كانت بتلعب دور أم صباح في فيلم بلبل أفندي، وكانت بتعمل استعراضات زمان. المحل ده كان فيه أكبر النجوم زي شكوكو، محمد العزبي، عبد المطلب، تيتي الراقصة (اللي هي نفسها كيتي الراقصة والممثلة في السينما) ، وثريا حلمي المنولوجست. صاحبة ملهى شهرزاد كانت هي نفسها صاحبة كازينو الأوبرج اللي كان في عماد الدين شارع في القاهرة، وكان بيروحه الملك فاروق كما كان يُقال. الحقيقة الشارع ده كان ملان كازينوهات.

كنت أنا بشتغل في الوقت ده مع متعهّد حفلات اسمه الجمل، مكتبه كان في شارع فؤاد. بدأ يشغّلني معاه وياخدني أفراح وسفريات في محافظات مصر والأجر ٧٥ قرش في الليلة، في أي مكان في مصر هما الـ ٧٥ قرش.

ازاي بقى رحت كازينو شهرزاد؟ هقولك؛ في راس البرّ اتعرّفت بعازف كمنجة اسمه محمود رشاد، ده أول ما شافني قال لي: إنت شكلك كده ابن ناس، أنا ساكن في شبرا، وأعطاني العنوان ولازم تيجي لي وبتاع. رحت له وبقينا أصدقاء. أصحاب شهرزاد فتحوا الأوبرج شهر واحد بس في سنة ٥٩ عشان يجددوا الرخصة – على ما سمعت. قالوا لمحمود رشاد يروح يشتغل قام قلهم أجيب إميل معايا، ومن هنا هم عرفوني.

وفي يوم كنت في طنطا مع الجمل المتعهد ده، لمّا الأتوبيس رجع بينا الصبح بعد الفرح، لقيت سيد سالم اللي كان بيعزف ناي مع أم كلثوم واقف على الرصيف. قال لي فين محمود رشاد؟ قلت له ده مسافر . كان محمود مسافر مع محمد رشدي ومطربة كانت معروفة اسمها نادية فهمي وراقصة اسمها سلوى المسيري إلى فايد في السويس لإحياء حفلة هناك. الأتوبيس اللي هم راجعين بيه القاهرة عمل حادثة ومحمد رشدي اتصاب ونادية فهمي ماتت هي وسلوى المسيري.

قلتُ له عايز محمود رشاد ليه؟ قال: فتحية محمود عايزانا نروح النهاردة نكتب العقود ونشتغل الليلة في شهرزاد لإنها مشّت بعض أعضاء الفرقة الموسيقية اللى كانت عندها. وقال لي: خلاص طالما محمود رشاد مش هنا، أنا مضطر أجيبك انت و عمر قدري. أنا الحقيقة ماكنتش أعرف عمر قدري ولا اشتغلت معاه قبل كده.

إعلان

المهم رحت الساعة واحدة الضهر، واتقابلت مع عمر قدري واتعرّفت عليه وقابلنا مدير شهرزاد واسمه شوقي وهو كان زوج فتحية، لقيناه قاعد ومعاه محمد عبد المطلب. شوقي سأل عبد المطلب: هل تعرف الأساتذة دول؟ وهنا قلبى وقع .. رد عبد المطلب وكانت المفاجأة: طبعاً، دول كانوا شغالين معايا في حفلة امبارح. اندهشت جداً من هذا الرد لإن عمري لا اشتغلت معاه ولا كنت أحلم حتى. حاجه غريبة لم أعرف لها تفسير حتى الآن إلا إن لما ربك يريد.

ومن المفارقات العجيبة إن بابا اتنقل القاهرة وفي اليوم ده بالذات جه عشان يأجّر شقة وأجّر شقة فعلاً في حارة ظريفة بالضاهر. يعني أصبحت مستقر من كل الجهات ومؤمّن مادياً بعمل ليلي دائم وفي وسط أهلي ومع أبويا وأمي واخواتي تحت سقف واحد. كتبنا العقود وكان مرتبي ٢١ جنيه والقبض كل ١٥ يوم.

خناقات الميكروفون

رحنا في نفس الليلة ملهى شهرزاد وبدأنا الشغل. تميّز عمر قدري – الكمنجاتي التاني اللي بيعزف معايا – بقدرات خرافية، كان ياخد الميكروفون بين رجليه طول الليل. المسرح كان كبير وفيه ميكروفون واحد. جُم في مرة قالوا له: يا عمر حرام عليك، اعطي الكمنجاتي اللي جنبك الميكروفون مرة عشان يقسّم. بعد كده بكم يوم، وبعد دَخْلة الراقصة وهنبدأ نقسّم، نقل عمر الميكروفون قدامي فجأة ومن غير مقدمات. طبعاً اتوتّرت جداً ومعرفش ازاي قسّمت كويس. الطبال والعوّاد بدأوا يصرخوا: يا ابو صُباع حلو.

النمرة اللي بعد كده كانت ثريّا حلمي. كان الجزء الأول في فقرة ثريّا تقول فيها مونولوجات بصحبة الأوركسترا واحنا ننزل من على المسرح. الجزء التاني كان شرقي، بتلبس فيه جلابية وتمسك عصاية واحنا نطلع معاها على المسرح. أثناء الجزء الأول بتمشّى في الطرقة اللي قدّام غرف الموسيقيين، ما لقيت إلا عمر قدري جه قدّامي وبيقول لي: يا أبو صباع حلو. وطخ، ضربني بالقلم. الحادثة دي كانت بعد شهرين ونص من بداية العمل والاستقرار في كازينو شهرزاد.

عمر كان تقنيّاً كمنجاتي كويّس لكن ما فيش حلاوة صُباع. لمّا ضربني بالقلم جامد، العوّاد راح لفتحية محمود وهي جت وقالت له: برّة. مسك لي دقنه بعد ما لمّ كمنجته، وقال لي: هستناك برّة. كنت خايف طبعاً لكن زمايلي قالوا لي هنكون معاك.

لما خلصنا الليلة ما كنشي هناك، والغريب إنه قابلني مرة بعدها وخدني بالحضن وقال لي: أنا آسف.

جه محمود رشاد واشتغل معايا وهو ده اللي أنا كنت بتمناه من الأول، هو كان الزعيم طبعاً. كانت مشكلة محمود إنه ما بيحبش يقعد في حتّة مدة طويلة. بعد شوية سابنا.

القانونجي بدأ يستفرد بالميكروفون، كل ده اتضح لي إنه كان في صالحي لإن كنت بحاول بمجهود كبير أطلّع صوت الكمنجة عشان أثبت وجودي. دا ساعدني إني أقوي قوسي. المسرح كان كبير والبروجرام كان مليان: الراقصة المشهورة كيتي ومحمد عبد المطلب وشكوكو وثريا حلمى وسيد الملاح المنولوجيست والمطربات فجر وعواطف فاضل وتيتا صالح وهند علام أخت هدى سلطان ومحمد فوزي. أنا كنت الكمنجاتي الوحيد على المسرح مع عازف القانون أحمد صبره الملحن وسيد سالم على الناي وهو كان في فرقة أم كلثوم، وهاني مهنى على الأكورديون أيام ما كان لسه بيعزف اكورديون قبل الأورج، وعبد الجواد بلبول على العود وعلي أحمد علي على الطبلة والديزل على الرق.

فرقة عبد العظيم حليم (فرقة النيل)

في الستينيّات، ماشي مرة في شارع سليمان باشا. نادي عليّا الناياتي جلال حليم من شباك تاكسي؛ قال لي: هات محمود رشاد وتعالى بكرة مكتب محمد الموجي (كان ورا شارع سليمان)، أخويا عبد العظيم حليم عمل فرقة جديدة. عبد العظيم حليم كان أساساً شغّال مع الفرقة الماسيّة أيّام ما كان أنور منسي لسّه عايش. أنور منسي أعظم كنمجاتي جه في مصر، وقع من على الحصان في الهرم على صخرة ومات في عز شبابه. كان متجوز الفنانة صباح وله منها بنتهم هويدا. بعد موته عبدالوهاب ما عملشي صولوهات كمنجة غربي.

قلت لنفسي الحمد لله! فرقة، هو ده اللي كنت بحلم بيه. رحت وبدأنا نعمل بروفات في مكتب الموجي لاحتفال اسمه عيد العنب بيتعمل في كازينو الهرم. ما رحتش الاحتفال وقلت لعبد العظيم مش هقدر أسيب فتحية وكازينو شهرزاد.

اتنقلت الفرقة إلى غرفة الدور الأول في معهد الموسيقى العربية، الغرفة اللي كنت بتفرّج من شباكها على فرقة سيد محمد وكنت بشوف محمد فوزي داخلها بمكياجه. ساعات أثناء البروفات أبصّ من الشباك وافتكر وأنا قاعد وقدامي محمد فوزي أو السنباطي واستغرب، إزاي طيب! وأحياناً كنت أحبس دموعي لو لقيت حد بيبص علينا من الشباك ده، كنت بشوف فيه نفسي وأسأل: إزاي اللي اتمنيته اتحقق كده… إزاي ده سؤال مش لاقي له إجابة حتى الآن.

مرة بعد كده بسنين، بعد ما اشتغلت مع أم كلثوم واسمي اتذاع في الراديو، ماشي في شارع الجيش فقابلني كمنجاتي ممتاز كنت بعرفه في منوف اسمه محمود السدّاوي. وقّفني وسألني: انت اشتغلت مع أم كلثوم إزاي؟ سألت نفسي، هو أستاذ وموهوب وازاي ما خدش فرصته وما اشتغلش أبداً في أي فرقة. قلت له: والله أنا نفسي معرفشي.

المهم ابتدينا بروفات في المعهد مع كل النجوم تقريباً ما عدا وردة وعبد الحليم. ليه بقى؟ لإنهم كانوا بيشتغلوا مع الفرقة الماسيّة فقط.

أول تسجيل اشتركت فيه لفرقة عبد العظيم حليم كانت أغنية وحيد لعبد الغني السيّد، لحن محمد الموجي، اتسجلت في إذاعة الشريفين. سجّلنا لصباح أكلك منين يا بطّة من ألحان فريد الأطرش، بعد كده وديع الصافي يا عيني على الصبر ألحان رياض البندق في إذاعة الشريفين. سجلنا مع نازك بس مش فاكر مين كان الملحن، وفايزة أحمد قالوا لي هان الود عليه وكانت حفلة مذاعة على الهوا، وجه محمد عبد الوهاب في المعهد حضر البروفة. يومها قلت لبابا ييجي يحضر البروفة لكنه قال بلاش يا ابني. أكيد ما كنش عايز يحرجني رغم علمي بحبه لعبد الوهاب. كان نفسي جداً يحضر. عبد العظيم حليم نفسه ألّف قطعة مشهورة على الكمنجة اسمها القطّة، محمود رشاد كان كمنجاتي عظيم لكن للأسف ما كنش بيألّف.

إعلان

مرة كان عندنا تصوير وتسجيل برنامج على شط النيل للتليفزيون وكان البرنامج فيه راقصة مش فاكر الحقيقة كانت مين، عبد العظيم حليم قال لي: إنت اللى حتقسّم. قلت أوكي، قسّمت وخلّصنا وتاني يوم الصبح كان عندنا تسجيل للأستاذ محمد فوزي. إحنا دخلنا الاستديو ودخل علينا الأستاذ فوزي وقبل مايقول صباح الخير لقيته بيسأل: ياعبد العظيم مين الكمنجاتي اللى كان بيقسّم امبارح؟ قاله: ده إميل وشاور عليا، لقيت الأستاذ فوزي بيقولي: عسل يابني، إنت حلو قوي برافو عليك. سمعت بقى من الفرقة: أيوه ياعم، شهادة أهه من الأستاذ فوزي يابختك ياعم!

الحقيقة لا أنكر إني فرحت جداً وزعلت عليه قوي لما اتوفى لإني قابليها كنت مرة قاعد لوحدي في جنينة المعهد وهو جه قعد جنبي فسألته سلامتك يا أستاذ فوزي، أنا بسمع إنك تعبان فيه إيه؟ قال لي: مش عارف يابني، أنا سافرت لندن ومش عارفين عندي إيه، أنا عندي آلام فظيعة في العضم خصوصاً لما ادخل أنام. قلت له سلامتك وربنا يشفيك يارب. بعدها سافر لندن تاني. مسكين مات هناك.

في الفتره دي كنت ماشي مرة في شارع طور سينا في الضاهر، لقيت واحدة ست قاعدة على كرسي بتشرب شيشة قدام عماره بتتبنى لسه. مش عارف إيه اللي خلاني رحت سألتها هل فيه شقة فاضية قالتلي: آه، ٤٥ جنيه مقدم و١٠ جنيه إيجار شهري. قولتلها اتفقنا. تاني يوم دفعتلها الفلوس وكتبت العقد مع أبو عوض صاحب المِلك لكن خليت العقد باسم بابا. كان لازم أعمل كده هو كبير العيلة طبعاً. واستلمنا الشقة بعد ما خلصت وقدّمت على التليفون. كان حظي حلو جه في بحر سنة فقط. وأهم من ده كله، جبت الراديو الكهربا اللي اتحرمت منه في صغري. كان لازم ده يحصل لإن الشقة اللي كنا فيها قبل دي كانت كارثة.

استمريت تلات سنين تقريبا مع فرقة عبد العظيم حليم وتركت العمل في شهرزاد بعد لما مرتبي أصبح ٣٠ جنيه في الشهر وتفرغت فقط للفرقة. لكني سبت فرقة عبد العظيم نفسها سنة ١٩٦٤.

الراقصة نعمة مختار على مسرح كليوباترا بالإسكندرية  ١٩٥٨.

الراقصة نعمة مختار على مسرح كليوباترا بالإسكندرية
١٩٥٨.

فرقة الجيش (الفرقة العربيّة)

ليه سبت عبد العظيم حليم مع إني كنت مخلص ليه؟ بصيت لقيت كل اللي حواليه تقريباً مشيو؛ عباس فؤاد (كونترباص)، حسّان كمال (تشيلو)، مجدي فؤاد بولس (تشيلو)، أحمد صبحي (بونجز)، ومدحت طه (رق) ومحمود رشاد (كمنجة). كل الفطاحل دول وكتير منهم كانوا بيشتغلوا مع أم كلثوم، سابوا فرقة النيل وكانوا أول مجموعة تمضي عقود مع أحمد الحفناوي. سمعت إن شمس بدران كلف أحمد الحفناوي بالتعاقد مع فرقة موسيقية تكون تابعة للجيش، تقوم بالعزف في أعياد الثورة والمناسبات القوميّة. وهيدفعوا أجور ثابتة ٤٥ جنيه في الشهر لكل عازف، وإننا هناخد نصّ العائد من أي تسجيلات أو حفلات والجيش ياخد النصّ التاني.

لما ده حصل قلت لنفسي لو فضلت أنا هنا لوحدي هعمل إيه. جه محمود رشاد كمان اترجاني وقال لي: يا إبني مش معقول لازم تيجي معانا. فمشيت من غير ما أقول حاجة لعبد العظيم. عبد العظيم كوّن فرقة تانية لكن كل الفطاحل كانوا سابوه واتهدّ عامود فرقته. هو مات السنة اللي فاتت ٢٠١٣. أنا زرته من حوالي خمس سنين، كان عنده القلب.

المهم، اتقابلت مع أحمد الحفناوي ورحنا الشؤون العامة للقوات المسلحة لمقابلة اللواء سعد الدين شكري ومضّاني على العقد. كان في شقة كبيرة في آخر دور في شارع ناسي اسمه خلف شارع الألفي، أصبحت مقر للبروفات.

بدأت العمل مع الفرقة العربية قيادة أحمد الحفناوي لحفلات الثورة ولأفراح الثورة، تسجيلات تليفزيون وإذاعة، كل المطربين والملحنيين تحولوا للعمل معانا. عملنا حفلات كتيرة أمام الرئيس جمال عبد الناصر أتذكر منها حفلة في نادي الظباط وكان الرئيس الروسي خروتشوف موجود معاه.

سافرت كتير مع مجموعة صغيرة من الفرقة إلى غزة والعريش ورفح واليمن. كان بيسافر معانا في الرحلات دى مطربين منهم كمال حسني، سعاد مكاوي، عبد العزيز محمود. وبمناسبة عبد العزيز محمود، بعتونا اليمن مرة، ركبونا طيارة روسي اسمها انتنوف من اللي بتنقل الجنود في الجيش، دكتين قصاد بعض وما فيش كراسي. حطوا لنا كمّامات عشان الأوكسجين لكن كنا بنشيلها ونتكلم مع بعض.

رُحنا بالليل على الحفلة، عبارة عن مسرح خشبي في أرض واسعة لم أحدد مداها لإن الدنيا كانت ضلمة كُحل. المطرب الشعبي محمد طه كان بيغني على المسرح واحنا واقفين مع عبد العزيز محمود بنتكلم ومعانا الكمنجات في إيدنا وجاهزين لإن محمد طه على وشك يخلص نمرته. فجأة سمعنا فرقعة زي صوت قنبلة ولقينا فيه ناس جاية علينا تجرى من ناحية محمد طه فياروح ما بعدك روح، وقبل ما يوصلوا عندنا كنا بره المسرح في مكان مظلم ولا نستطيع رؤية شئ ولكن سمعت صوت مكرم مهنى – الله يرحمه – صوته جاي من تحت رجلي وبيقولي: نُط يا إميل نُط. فما كان مني إلا إني نطيت وأنا رافع إيديّا الاتنين لفوق لإني ماسك الكمنجة والقوس وخايف عليهم. أنا مش شايف بس طبعاً وواثق في مكرم. حسيت إن النطّة كانت غويطة كإني وقعت في حفرة. وابتدينا نجرى فى ظلام دامس. كان زي حقل وبعدين سمعنا صوت المسؤول عننا بيقول إيه اللى جابكم هنا؟ قلنا له حلوة منك يا فالح، واضح إنك ناطط قبلنا. قال ارجعوا للمسرح. قلنا له لا يمكن ورجعنا على القشلاء معسكر جيش، كلمة تركية الأصل اللي بننام فيه وعبد العزيز محمود ما غنّاش طبعاً ومحدّش قال لنا إيه اللي حصل.

تانى يوم طلب عبد الله السلال رئيس اليمن يقابلنا عشان يشكرنا. رحنا بيت بسيط جداً يشبه دوّار العمدة دخلنا عليه، كل واحد يخش لوحده يقوم الرئيس من على مكتبه المتواضع جداً يسلّم عليك ووانت خارج فيه موظف واقف على الباب يناولك يا إما كيس بُن يا راديو ترانزيستور. الحمد لله ربنا كان عالم كم كنت أفتقد الراديو فكان من نصيبي.

تونس والجزائر مع الجيش

سافرنا تونس والجزائر لمدة شهر كامل سنة ١٩٦٤ بالفرقة كلها كاملة ومعانا مجموعة كورال ولفينا لمدة شهر. كان معانا فريد شوقي، ويوسف وهبي، أحمد غانم المونولوجست، هدى سلطان، محمود شكوكو، محمد قنديل، شريفة فاضل، وفايدة كامل. عملنا أول حفلة في العاصمة في دار الأوبرا وحضرها الزعيم بن بيلا ودخل سلم علينا واحد واحد بعد الحفلة. الرحلة كانت من أجل جمع تبرعات لفلسطين. كانت الحفلات تُقام في استادات الكورة. المذيع أحمد سعيد الشهير في إذاعة صوت العرب كان بيسبقنا في كل حتة نروحها لترتيب الأمور. المفروض كنا هنروح المغرب لكن الملك الحسن رفض إن أحمد سعيد يدخل المغرب فاحنا ما رحناش. لفينا الجزائر كلها وتونس كلها ولغاية دلوقت ما قبضتش فلوس الرحلة دي. بس كانوا بيدونا مصروف ومن المصروف ده جبت أحلى حاجة للبيت؛ سخّان يعمل بالغاز للحمام كانوا بيدعولي كل لما يستحموا.

إنت الحب

لما بدأ عبد الوهاب يلحن أغنية إنت الحب، قرر يزوّد الكمنجات. الحفناوي اختارني. رحنا بيت عبد الوهاب خمس مرات. كنا بس خمس كمنجات ومجدي بولس على التشيلو. ما فيش إيقاع ولا حاجة تانية. عبد الوهاب كان عايش في شقة واحنا ندخل نقعد قدّامه وهو بالروب دي شامبر فوق القميص والبنطلون وكان بيحفّظنا اللحن بالعود وبصوته.

بعد كده نقلنا على فيلا أم كلثوم تلات مرات نفس الشيء؛ الخمس كمنجات ومجدي على التشيلو وهي بتغني معانا اللحن.

مرة خلصنا البروفة في الفيلا عندها وخرجنا تلاتة أخدوا تاكسي وفضلت أنا وسامي يوسف ومكرم مهنى ومحمود رشاد واقفين قدام الفيلا مستنيين تاكسي. خرج الأستاذ عبد الوهاب سألنا انتم رايحين فين. قلناله الإسعاف، المعهد. قال تعالوا معايا أوصّلكم في سكتي. هو عنده سوّاق، ركبنا وفي نصّ السكة قال أنا عاوزكم وانتم بتحطوا دماغكم على المخدة وقبل ماتناموا تراجعوا كل اللحن في سرّكم وناموا كده اللحن حيتخزن كويس عندكم. ووصّلنا وشكرناه.

قعدنا يوم البروفة التالتة وكانت قبل الحفلة بيوم، كان عددنا غير كامل بسبب إن عبد المنعم الحريرى ومحمود القصبجى ولبيب حسن وغيرهم كانوا أعضاء في الفرقه الماسية اللي كانت ساعتها بتحيي حفلة في الكويت. واحنا بنعمل البروفة رن جرس التليفون فسكتنا وقامت الست ترد قالت أيوه أهلا بيك، لا أبداً تبعتلهم طيارة خاصة تجيبهم، أنا حاعمل بروفة بكره ولازم يكونوا موجودين، شكراً وسلّم لي عليه كتير. انتهت المكالمة وفعلا تانى يوم الساعة ١١ الصبح كانوا موجودين ودي يمكن كانت المرّة الوحيدة في تاريخها اللي أم كلثوم عملت فيها بروفة يوم الحفلة.

مشينا يوم الحفلة بقى رحنا عندها الفرقة كلها كاملة الساعة ١١ الصبح. وقفنا في الجنينة لغاية ما كل العازفين يتجمّعوا، لمحتها من فوق السطوح بتتمشّى، بصّت براسها ودخلت. وبعدين قالوا لنا اتفضّلوا، دخلنا وقعدنا نستعد شوية وجه عبد الوهاب والطربوش في إيده، علّقه هو والبالطو وقعد قدّامنا. سلّم الفيلّا وراه. اتجهزت الفرقة وظبطنا الآلات وبعدين نزلت الست من على السلم. لقينا إن عبد الوهاب بيقف لمّا تعدّي من قدّامه ويقعد لمّا هي تقعد. قلت لمحمود رشاد: ياه، إيه ده؟ عبد الوهاب بجلالة قدره!

ابتدينا البروفة وكله تمام. خلصنا وكله ابتدا يمشي. دخلت أنا الحمام الصغير اللى في الصالة اللي عملنا فيها البروفة شربت مية من الحنفية، كنت عطشان، خرجت لقيت أم كلثوم وعبد الوهاب ومحمود واقفين على سلم الفيلا، هما بيكلموا بعض ومحمود مستننيني. وقفت أنا كمان معاهم.

سألها عبد الوهاب: هتقولي إيه النهاردة؟ قالت: أراك عصيّ الدمع، والأغنية الجديدة إنت الحب، وهختم بـ هوا صحيح الهوا غلّاب. بعدين قالت: “على فكرة” – وهنا كانت المفاجاة – قالت “أنا شايفة إن الطبقة واطية عليّا شوية”. المفروض إن طبقة أغنية إنت الحب نهاوند صول الطبقة الكبيرة العادية. بصّ لنا عبد الوهاب وقال: حد فيكم يطلع الكمنجة. سبت محمود يقوم بالمهمة دي لإنه أكبر مني سناً. قال له: ارفعهالي نص تون فرفعها محمود. عبد الوهاب سأل نفسه وقال فين أعلى حاجة في اللحن.. آه قولي كده “انت الأمل اللى مفيش غيره مفيش غيره راح يسعدني أو يشقيني”. فغنت أم كلثوم وقالت أيوه كده أحسن كتير. قال لها دلوقتي لازم أكلم فاروق سلامة علشان يروح يعدّل الاكورديون على الطبقة الجديدة دي. على هذا الأساس عزفنا الأغنية والكمنجات كلها مرفوعة نصّ تون، يعني بدل الصول لابيمول. يعني نهاوند على لابيمول (ري بقت مي – بيمول). لغاية دلوقت بسأل نفسي ليه سكتت أم كلثوم حتى آخر لحظة. هل احتراماً منها للأستاذ عبد الوهاب؟ الله أعلم.

عملنا الحفلة بالليل وكان بابا مع عمامي وعماتي قاعدين جنب الراديو لغاية لما سمعوا اسمي. قالولي قد إيه أبويا كان حاسس بسعادة غير عادية. أنا حاسس إنه كان بيفتخر بيا قدام اخواته. الله يرحمه كان إنسان.

أم كلثوم ما تفتحشي بيت

لمّا عملنا الحفلة ونجحت جداً والجمهور طلب إعادة كل كوبليه كم مرة، كنا مبسوطين جداً. لكن بعد الحفلة جه حسين معوّض المسؤول عن الفلوس وهو الرقّاق برده ومحامي كمان – على ما أسمع.. أعطى محمود رشاد عشرين جنيه وبيقول له إنت وإميل. محمود قال له: كل البروفات والتاكسيّات دي وعشرة جنيه لكل واحد! محمود رفض تماماً ياخد الفلوس دي، وقال له رجعهم لها وفعلا حسين أخد الفلوس وأنا قلت لنفسي كده بقى الموضوع وسع وربنا يستر. ولكن بعد فترة قصيرة طلبونا أنا ومحمود في تسجيل لأم كلثوم، أغنيتين من ألحان رياض السنباطي بمناسبة العيد القومي للكويت. رحنا البروفة في استديو مصرفون بتاع محمد فوزي بالعتبة بس كان طبعاً اتأمم وسجّلنا. حسين معوض رجّع العشرين جنيه وقال إن أم كلثوم مارضيتشي تزوّد. أنا مسكني الضحك لإن واضح إن الكلام ده ماحصلش وهى لا تعلم شيء عن هذا الموضوع من أساسه.

لمّا رحت فرنسا بعد كده سمعت إن مجدي بولس هو الوحيد اللي قال لها: مش ممكن الفلوس اللي انت بتدفعيها لنا دي، الفلوس دي ما تفتحش بيت. وسمعت إنها زوّدتهم شوية. الفلوس كانت قليلة جداً، عبده صالح القانونجي، عبد المنعم الحريري الكمنجاتي وأحمد الحفناوي ومحمد القصبجي، يعني الصف الأول وراها، كل واحد منهم كان بياخد خمسة وعشرين جنيه. الإيقاعات والكونترباس والتشيلو كل واحد عشرة جنيه!

المشكلة التانية اللي خلت الشغل مع أم كلثوم تضحية كبيرة هي إن بروفاتها كانت الصبح، يعني إذا كان العازف بيشتغل بالليل في كازينو تبقى بروفات الصبح دي عذاب.

CaptureWiz257

إميل باسيلي وأصدقاء في الاسكندرية عام ١٩٥٨/٥٩. من اليسار: عبد الرحمن منا، محمود رشاد، وهيب، إميل باسيلي، بهجت.

الرجوع لكازينو شهرزاد

استمريت بالعمل مع الفرقة العربية وذهبنا إلى اليمن مرة أخرى وفي السفرية دي قال لي محمود رشاد إنه زهق من الشغل فى ملهى شهرزاد وإنه بلغ شوقى مدير الملهى برغبته إنه يمشي، فقال له أوكي بس هاتلي إميل. محمود قال لي تعالى خد مكاني بس خلي بالك تاخد نفس المرتب اللي كنت باخده؛ خمسة وأربعين جنيه في الشهر. رجعت لشهرزاد ولفتحية محمود بس بشرط، إذا جات لي حفلة مع الحفناوي في الفرقة العربيّة أو مع أم كلثوم أروح.

الأستاذ رياض السنباطي ابتدا يقول إنه عايز يعمل بروفات الصبح بدري. قالولي إنه بيصحا بدري يشرب قهوة في جروبي قهوة في وسط البلد في القاهرة الساعة ٨ الصبح وبعدين البروفة. الحفناوي ما كنشي عنده مشكلة لإنه ما كنش بيشتغل في نايت كْلَبْ. أنا بخلص شغل في شهرزاد ٢ صباحاً وبعدين أتمشّى أنا وعبد الجواد عازف العود لغاية كلوت بك، وهناك بنقعد ناكل كباب عند عثمان الكبابجي، كان بيقعد هناك علي اسماعيل ومحمد الموجي. كنت أطلب تلت كيلو كباب واسباتس وطحينة بـ ١٥ قرش. يعني أروّح البيت وابتدي أنام ٦ أو ٧ الصبح. أمي الله يرحمها تصحيني بالعافية عشان أروح البروفة. آخد تاكسي وأجري على البروفة ورا شارع الألفي (تبع الجيش). أخش ألاقيهم شغالين، ورياض السنباطي يقول: عصاعيصو وصل. والفرقه بقى هههههههه كإنهم سمعوا نكتة.. طيب أوكى مرة واتنين وتلاتة وفي الرابعة بقى ماتحملتش وكنت صاحى متعصب، قلت له: أنا مش فاهم إيه حكاية عصاعيصو دى كل شويه وانتم ههههههههه .. يعنى إيه عصاعيصو وصل دي؟ طبعاً الكلام ده كان خارج مني في منتهى العصبية. فردّ بمنتهى الأدب: يا ابني انت شبه واحد صاحبي في السنبلاوين مدينة في محافظة الدقهلية، وكان اسمه عصاعيصو. معرفشي قال السنبلاوين ولا قال اسم بلد تانية، ماسمعتش كويس من العصبية اللى كنت فيها. ومن ساعتها حسيت إن اللي أنا بعمله ده مستحيل. ابتديت أفكر في ترك الفرقة، سبت الشغل مع الحفناوي وفرقة الجيش في أوائل ٦٧ لإنهم كانوا مسافرين اليمن أو العريش مش فاكر وأنا خلاص ما أقدرش أسافر. يعني سبت موضوع الجيش ده قبل هزيمة يونيه بحوالي ست شهور وفضلت أشتغل في كازينو شهرزاد.

في يوم رحت المعهد لقيت عبد العظيم حليم هناك وكان عرف إني سبت الحفناوي، قال لي تعالى اشتغل معايا، بكره البروفة الساعة ٤ العصر، فرُحت.

بعد هزيمة ٦٧ فرقة الجيش بتاع الحفناوي دي اتحلّت، ومعظم الكازينوهات قفلت ما عدا كازينو شهرزاد بس نزلوا الأجر للنصف لمدة شهر. محمود رشاد قال لي: يا ابن الإيه، إنت كنت بتقرا الكفّ، إنت الوحيد اللي شغّال فينا. لغاية سنة ٦٩ فضلت مع فرقة عبد العظيم حليم ومع كازينو شهرزاد. كان الكازينو راقي، بنات جميلات، راقصات، شمبانيا. وكتير من النجوم زي محمد العزبي، أحمد غانم، هند علّام، عواطف فاضل اللي كانت بتقلد أم كلثوم، جلال فكري، الراقصة كيتي، وطبعاً زينات علوي.

ماشي من غير بطاقة

في الفترة دي ماكنش عندى بطاقة شخصية فعبد الجواد عازف العود كلّم أخو فتحية محمود لإنه كان بيشتغل في قسم قصر النيل، بيشتغل إيه الحقيقة معرفش. المهم إنه عمل لي بطاقة بس كانت مدتها محدودة لإن اعتقد كان فيه قانون جديد لإصدار البطاقات. وفعلا انتهت ولما طلبت منه يجددها لي قال لابد المرة دي من شهادة معاملة من الجيش. وعلى كده مشيت في الحياة من غير بطاقة.

في أوائل شغلي مع فتحية محمود في كازينو شهرزاد لما كنت لسه باخد واحد وعشرين جنيه في الشهر، طلعت قضية السفّاح محمود أمين سليمان مجرم مصري ارتكب عدة جرائم سطو ثم قتل امرأته وعشيقها بغد خروجه من السجن. استوحى نجيب محفوظ رواية اللص والكلاب من قصته. دي والكل كان بيتكلم عنها، والبوليس والحكومة كانوا بيدوّروا عليه. المهم كنت ماشي في شارع الجيش ومعايا قانونجي، وبعدين دخلت لوحدي على السكاكيني من قدّام قسم شرطة الضاهر وكنيسة سانت كاترين في طريقي للبيت، لقيت ناس بجلاليب واقفين بيتكلموا عن محمود أمين، وقفت اسمع فسكتوا، ابتديت أمشي وهما خطوتين مفيش غيرهم وسمعت: اقف عندك، ادوّر، تعالى هنا.. بطاقتك؟ قلت لهم مش معايا، بطاقتي في البيت. طلعوني سلالم ودخلوني القسم. لقيت ظابط كبير في السن حواليه أورطة عساكر قال: إيه ده؟ فقالوا له: كنّا بنتكلم عن السفّاح فوقف يتصنّت ومافيش معاه بطاقة. سألني: يا ابني فين بطاقتك؟ قلت له بصراحة ما عنديش بطاقة. قال لي: ولا أي حاجة تثبت شخصيتك؟ حطيت إيدي في جيب الجاكيت طلع العقد بتاعي مع ملهى شهرزاد، بص فيه وصرّخ فيهم وقال لهم: إنتم جايبين ليا إيه.. ده مزيكاتي؟

عشت عقد الستينيّات من غير بطاقة وكل السفريات اللي أنا سافرتها مع الجيش كنا بنسافر كمجموعة، ما كنش عندي جواز سفر وكمان ما حدّش طلبني أخدم في الجيش. ممكن أكون اتطلبت في مكان ولادتي في اسكندرية وشيخ الحارة ما عرفشي ليا عنوان أو ممكن أكون ساقط قيد، الله أعلم.

على أي حال ماكانش ينفع في الوقت ده بالذات أدخل الجيش لإن كان عليا التزامات تجاه أهلي. كانت حتبقى كارثة لهم بكل المقاييس؛ أخويا كان بيدرس في جامعة عين شمس … مش عايز أخوض كتير في الموضوع ده لإني بتألّم لما أفتكر الظروف الصعبة دي.

إميل باسيلي

أحمد الحفناوي، مجدي بولص، محمود رشاد، سيد البزرة، والأستاذ إميل باسيلي في رحلة لفرقة الجيش إلى تونس والجزائر. ١٩٦٤

مسألة الباسبور

كان معايا في شهرزاد عازف قانون معروف اسمه أحمد صبره، ملحن تلاقي اسمه دايماً في الأفلام الابيض واسود القديمة. جاله صديق من لندن اسمه غرام شيبه، لبناني يعمل عازف عود في ملهى عمر الخيام بلندن. غرام شيبه ده كان متزوج زمان الراقصة المشهوره أميرة أمير وهو كان بيغني أحياناً لما يكون فيه مطرب متأخر عن فقرته أو كده. جه طلب من صبره يساعده في أخد أرتيستات وراقصات من مصر، ويساعده مع المصنفات الفنية والشهر العقاري عشان يشتغلو في عمر الخيّام، وقال لنا لما أوصل لندن حابعتلكم تيجوا تشتغلوا معانا. غرام قال لصبره: الكمنجاتي اللي معاك ده حلو قوي وأنا عايزكم تيجوا معايا لندن انتم الاتنين. أحمد صبره قال لي: روح اعمل بسبور بسرعة.

كنت عديت تلاتين سنة وما فيش معايا بطاقة بس أقدر أعملها دلوقت عشان مش هيطلبوا شهادة معاملة. أول حاجة عملتها رحت قسم الضاهر وقلت لشابين حلوين إني بشتغل في شهرزاد وطلعت سجاير وبتاع. عملوا لي البطاقة، وعلى أساسها رحت التحرير عملت الباسبور. استنينا إن غرام شيبه ده يبعت لنا حاجة، ما بعتش. ولكن بعد مدة بعت جواب لصبره واعتذر إنه مش حيقدر يجيبنا لندن، بس ابن الإيه ده خدمني أكبر خدمة لانهم بعد كده على طول رفعوا سن التجنيد من ٣٠ إلى ٣٥ سنة، وكمان عشان اللي هحكيه لك عن قصة سفري لباريس.

رُحت باريس

استمريت في الشغل مع فرقة عبد العظيم حليم عشان الموسيقى وفي كازينو شهرزاد عشان الدّخل. وفي ليلة بعد ما خلصت شغل في الكازينو الساعة اتنين بالليل لقيت واحد مستنيني بعتاه ليا ثناء ندا أخت شريفة فاضل، قال لي تعالى مدام سناء مستنياك في كازينو القاهرة (أول عماد الدين على اليمين). رحت، وسألتني: معاك باسبور؟ تسافر باريس؟ لو عايز تعالى بكره قابل صاحب المحل.

طبعا ودني ما صدقتش اللي سمعته، عادتها تاني. باريس. وعلى طول ذهني مرّ فيه منوف ومناظر لباريس في الأفلام الأجنبية اللى كنت بشوفها. لحظات ذهول، يعنى من الأرياف للقاهرة لباريس! طبعاً أنا من ساعة ما رُحت الجزائر وشفت مناظر الجبال وجمال الزرع اللي عليها والبيوت الفرنسية الطراز وأنا بحلم بالسفر ، نفسي أسافر. عاوز اتفرّج على الدنيا. وفيه حاجه غريبة هنا عاوز أحكيها؛ ثناء ندا اشتغلت زمان معانا في شهرزاد ومشيت سنتين تقريباً لا أعلم عنها شيء وما شفتهاش طيلة هذه المدة وكان لما بتيجي سيرتها بيقولوا إنها بتشتغل في كذا ملهى ليلي في الهرم، والغريبة إنها بتتقابل مع عشرات من عازفين الكمان.. اشمعنا أنا اللي اختارتنى من كل دول؟ شئ ما اعرفش تفسيره حتى الآن إلا إن ربك لما يريد. المهم قالت لي صاحب الملهى في باريس موجود، تعالى بكرا عنده في كونتننتال أوتيل علشان تتفق معاه. رحت وشفته؛ جزائري اسمه محمد الشاذلي لكن شكله كان فرنسي جداً. كان حابب يسمعني فعزمته فى ملهى شهرزاد حيث أعمل وسمعني. تاني يوم كان عندي بروفة مع فرقة عبد العظيم حليم أخدته معايا وأخد مني كمان مجلة الكواكب اللي فيها صورتي مع فرقة أم كلثوم. سجلنا العقود في الشهر العقاري وكان فيه شرط من المصنفات الفنية وهو تحويل مبلغ شهري من حسابي في باريس إلى حسابي البنكي في القاهرة بالعُملة الصعبة. لا أتذكر كم كان المبلغ ولكن على أي حال كان من الطبيعي إني هبعت فلوس لأمي وزوجتي كل شهر.

رجع محمد الشاذلي إلى باريس وبعد كام شهر بعت لنا التذاكر على إن ميعاد سفرنا ٢٢ ديسمبر ١٩٦٩. هنا بقى فهمت ليه غرام شيبه جه مصر ووعدنا بالسفر للندن، أكيد علشان أجري أعمل الباسبور قبل سن التجنيد مايترفع إلى ٣٥ سنة …عجائب!

سافرت أنا وثناء ندا ورجاء يوسف الراقصة والممثلة وحسن عشماوي عازف القانون (صديقى من أيام ما كنا هواة) وحلبي عازف المزمار وزهير عازف العود. سافرنا وابتدينا العمل في ملهى كباريه الجزاير شارع دى لايوشيت في حي سان ميشيل؛ كباريه الجزاير كان أشهر ملهى عربي في باريس في ذلك الوقت. المحل الوحيد في باريس اللي راحه أم كلثوم وفريد الأطرش. الأجر كان ٦٠ فرنك والتبس الإكراميات كان كويس جداً، ماتتخضيش قوي لما تعرفي إن بعد كده بـ ٦ سنين رحلت إلى لندن وكل ما أملك من باريس ١٠٠٠ فرنك رغم إني لا بلعب قمار ولا حاجة. مجرد مصاريف لبس وفسح أنا ومراتي. أنا كده والحمد لله مش حاجة جديدة عليا.

رحت باريس! مراتي جت وبنتي اللي اتولدت في مصر عندها تلات شهور. أنا كنت في أوتيل مع الموسيقيين ولكن كنت حاجز أوتيل تاني في شارع ري كوجاس قبل وصول زوجتي، بعيد شوية من أوتيل الموسيقيين. قعدنا فيه شوية وبعدين أجرنا شقة فاضية بـ ٧٠٠ فرنك في الشهر واشترينا حجرة نوم وأنتريه وتلاجة و بوتاجاز وتليفزيون وكل مستلزمات البيت. مراتي كانت متعلمة فرنساوي ففرحت بباريس، أنا لأ، قضيت أيام صعبة بالنسبة للموسيقى هناك.

إيقاع مقلوب 

الفرقة الموسيقية في المحل كانت جزائرية؛ وفيها عازفين جزائريين ومغاربة. قابلت في البداية صعوبات أهمها إن الريتم أو الإيقاع الموسيقي كان صعب عليا جداً لإني مش متعود عليه، كنت بتوه في الرتم الموسيقي بتاعهم. كان بالنسبالي كإنه ريتم أو إيقاع مقلوب. كمان الموسيقيين ما بيتكلموش معانا خالص، واضح إن وجودنا كان غير مستحب خصوصاً المحل كان يومياً على بعضه، كل الناس جايه تشوف رجاء يوسف اللي بيشوفوها في أفلام الأبيض واسود. علاوة على ثناء ندا اللي لاقت نجاح غير عادي. استمر عداء الفرقة الموسيقية لينا تقريباً مدة شهر وفجأة لقيت عازف الأكورديون وكان اسمه سعيد ودي أول مرة يبص في وشي ويقول لي: انت بتصحى الساعة كام؟ قلتله: يعني ٢ بعد الضهر. قال: أوكي أنا جايلك بكرة. فعلاً الساعة ٢ لقيت تليفون من الرسيبشن أنا تحت مستنيك. نزلت سلّم عليا وقال لي: يلا بينا. خرجنا لاقيته بيفتح أوتومبيل مرسيدس كابورليه لونها أبيض، وقال لي اتفضل، دخلت، ابتدا يسوق. وبصيت لقيته بيقول لي: حقك عليا سامحني أنا غلطت في حقك، إنت انسان مسالم جداً وأنا حبيت فيك تواضعك وأخلاقك وعلشان كده قررت كل يوم حاجي أخدك وورّيك باريس كلها علشان أصلح غلطي معاك. وفعلاً معالم باريس شوفتها عن طريق مرسيدس سعيد، ده طبعا قبل ماتيجي زوجتى باريس.

صراحة كان إنسان رائع حبيته جداً وما زلت للآن على اتصال بيه من لندن. إيه بقى حكايته؟ اتعرّف قبل كده على عازف أكورديون مصري أساء لكل المصريين بما فعله معاه فكره أي مصري وقال لي كمان: انت عارف إن أنا مسؤول عن الفرقة، بس من النهاردة عيب عليا إن انت تكون موجود معانا وأنا أكون مسؤول، الليلادي حكلّم الشاذلي إنك حتكون هنا المسؤول ورئيس الفرقة. قلتله: ياعم سيبني في حالي، ده أنا تايه في الريتم بتاعكم ده. قال لي: ولا يهمك حتتعود عليه بعد شوية. وفعلا بعد فتره اتعودت على الريتم ده وفهمته.

إميل باسيلي ومحمود شكوكو في لندن

إميل باسيلي ومحمود شكوكو في لندن.

من ٨ سنين تقريباً خدمني سعيد خدمة لم تخطر على بالي. كانت مكالمة تليفونية منه كالمعتاد كل مدة، ولكن هذه المرة سألني هل انت بتاخذ معاش من فرنسا عن الـ ٦ سنين اللى اشتغلتهم؟ كان ردي لأ طبعا ولا عندي فكرة أساساً. فكان رده أوكي أنا حاجري ورا الموضوع ده، وطلب مني شوية إيضاحات عن تاريخ الميلاد وخلافه. بعد مدة كلّمنى قال لي إنه راح واتعرّف على مسؤولة في مكتب العمل ووجد كل معلوماتي في الكومبيوتر وهي هتعمل اللازم. من الصعب إنك تلاقي إنسان بهذا الإخلاص. وفعلا انتهت كل الاجراءات بمنتهى السرعة ومعاش الـ ٦ سنين بيوصلني لندن كل شهر. صحيح هو مش قيمة مادية كبيرة ولكن له معنى كبير عندي من أخ وصديق جزائري مخلص. أكيد الدنيا لسه فيها خير من أمثال سعيد.

عالم عمر الخيام في لندن ١٩٧٦

بعد ٥ سنين في ملهى الجزائر وفي سنة ١٩٧٥ اتصل بى صديق قديم، موسيقي مصري عايش في لندن وهو وديع نصير. طلب مني إني أروح أشتغل معاه في لندن في ملهى عمر الخيام. رفضت رغم إغرائه ليا بأن كل أغنياء العرب بعد اندلاع الحرب الاهلية في لبنان بدأوا يتجهوا إلى لندن وبالذات إلى عمر الخيام. صممت على الرفض. في سنة ١٩٧٦ جاني وديع بنفسه لباريس ليقنعني مرة أخرى. في البداية رفضت ولكنه أصر بكل طرق الإقناع بصفته مسؤول هناك عن الفنانين وهو اللي بيخلّص كل أوراق الإقامة عن طريق الهوم أوفيس وزارة الداخلية في بريطانيا وأقنعنى بإنه ضامن ليا المكسب من ورا الخطوة دي. قررت أروح واللي شجعني اكتر وجود أخويا فريد هناك في بعثة دكتوراة في الهندسة الميكانكية. قلت أجرب لوحدي أولاً، فسافرت في ١٤ مارس ١٩٧٦. عمر الخيام كان في شارع ريجينت ستريت، صاحبه كان تركي الجنسية اسمه مستر جاك، واتقابلت بالطبع هناك مع غرام شيبه. كان ليا نصيب أخيراً آجي عمر الخيام. أمور عجيبة. طبعا سِبت زوجتي وبنتي وابني اللي اتولد سنة ١٩٧٥ في باريس لغاية ما أشوف الأمور هتمشي إزاي. كنا لسه في شهر مارس والسيزون الموسم ما بدأشي، فالجو ما كنش على ما يرام ولكن بعد كده ابتدا العمل بحضور أغنياء العرب إلى الملهى. وبعد ما تأكدت الرؤيا طلبت من زوجتي تتصرف فى العفش اللي في البيت للجيران أو لأي حد بأي مبالغ وتيجي. وديع جهّز لنا شقة في حي فيكتوريا بـ ٥٠ جنيه استرليني في الأسبوع وعشنا فيها ودي كانت قريبة من باكنجهام بالاس اللي هو قصر الملكة.

كان فيه اتنين مطربين أساسيين في كازينو عمر الخيّام في ٧٦، محمد فتحي وكتكوت الأمير اللي كان طبّال مع أم كلثوم في أغنية فكّروني. صوته ما كنش وحش وهو كان عايز يغني، اتعلّم أغاني خليجية وسعودية. وكان فيه حوالي ١٥ راقصة معظمهم مصريات مع بعض التونسيّات والمغربيّات.

زباين عمر الخيّام كانوا أمراء وشيوخ من الخليج، الكازينو ازدهر جداً وخصوصاً بعد ما بدأت الحرب الأهلية اللبنانية. الزباين دول كانوا أغنيا لدرجة إنهم كانوا بيرموا الفلوس على المسرح. كان كل واحد مننا بياخد نصيبه من الفلوس دي بالحق، كلنا متساووين وما فيش تمييز للمحل ولا للمطرب ولا لراقصة معينة.

جه ماهر العطّار يغني في الكازينو سنة ١٩٧٧ وقال أطلع أغني يعني آخد تلت الفلوس، قام المحل قرر ياخد التلت التاني، كذلك المطربين والراقصات طلبوا نفس الشئ وتم تنفيذ الكلام ده فعلاً. قمت أنا قلت لهم: باي باي، ورجعت باريس. كنت وفّرت حوالي ١٢٠٠٠ جنيه استرليني، رحت باريس لقيت الشقة لسه فاضية لكنهم زوّدوا الإيجار من ٧٠٠ فرانك لألف في الشهر. نزلنا اشترينا غرفة نوم وتلاجة وصالون وتليفزيون وكل اللازم. صرفت حوالي ٥٠٠٠ جنيه من الفلوس اللي معايا، ورجعت لكباريه الجزائر. جو غير عمر الخيام خالص؛ ما فيش فلوس، تلاقي واحد حاطط عشرة فرانك في بقه وعايز يرقص بيها طول الليل. ما كنتش مبسوط. ندمت.

لقيت وديع اللي خدني لندن المرة الأولى جاي يزورني ومعاه هدية عبارة عن امبلفير مضخم صوت للآلات الموسيقية أوصّل عليه الكمنجة عن طريق ميكروفون فيصبح صوت الكمنجة عالي جداً. قال لي مستر جاك صاحب عمر الخيّام عايزك ترجع وحيجيلك هنا بنفسه الأسبوع اللي جاي. فرحت لهذه النجدة اللي حفظت كرامتي، وفعلاً جاني وطلب مني الرجوع فوعدته ورجعت أنا وزوجتي وأولادي. المدة اللي قعدتها في باريس المرة دي كانت أقل من شهرين وكلفتنى الـ ٥٠٠٠ جنيه وإيجار الشقة في باريس لمدة ثلاث سنين بعد كده والسبب إيه إني مش ضامن حافضل فى لندن على طول ولا لأ، ففضلت محتفظ بالشقة بادفعلها ١٠٠ جنيه استرلينى تقريباً شهرياً. المهم في النهاية نزلت زوجتي اتخلصت من كل شئ في الشقة بأرخص سعر ورجعت لندن وما زلنا عايشين فيها حتى الآن.

في عمر الخيّام اشتغلت مع نجوم كتير؛ عُليّا التونسيّة، محمد عبد المطلب اللي كان بييجي مُدد طويلة، صباح، شكوكو، سحر حمدي، محمد قنديل، ناهد صبري، منى السعيد. كإن فتحية محمود نقلت كازينو شهرزاد للندن.

كان فيه ١٣ ملهى عربي في لندن في سنة ٧٩، كل واحد منهم بيشتغل فيه ما لا يقل عن ١١ موسيقيّ. والمغنين والأرتسيتات رايحين جايين طول السنة من مصر ولبنان وحتى من الخليج زي عبد الله الرويشد، ومن سوريا زي جورج وسّوف وهو صُغيّر.

المهم بعد كده الشغل تعب في عمر الخيّام، ووديع سافر وما بقاش يسأل. رحت اشتغلت في الكاف دي رِوا قدّام الريست كازينو في حي بيكاديللي، اتوليت فيه قيادة الفرقة الموسيقية بعد ما سبت عمر الخيام وفضلت فيه مايقرب من تلات سنين. كان فيه الشحرورة صباح ووديع الصافي وسعاد محمد وجورج وسّوف.كان فيه كمان محل الإمبرس، جت فيه شادية وهاني مهنّى وفرقته. أول صاحب للإمبرست كان ميزرا اللبناني، وجاب فيه فرقة عبد العظيم حليم يعزفوا مع شادية وصباح، لكن المحل اتباع لماجد الأتاسي السوري في سنة ٨٠ تقريباً. محل تاني كان اسمه الأريزونا، صاحبته كانت صفاء يسري الراقصة وهي اللي جابت فايزة أحمد مع فرقة هاني مهنى.

الشغل استمرّ وكان ماشي كويس، لكن بعد فيلم موت أميرة في أوائل التمانينات بدأت الجرايد والمجلات تكتب مقالات كتير عن الأمراء والشيوخ اللي بييجوا يرموا الفلوس تحت رجلين الراقصات في البارات والكازينوهات. شويّة بشويّة بدأ كتير من الخلايجة الأغنيا ينقلوا على اسبانيا أو مصر أو المغرب.

الشغل الموسمي في التسعينيّات

الشغل في التسعينيّات بقى موسمي، الصيف أكتر من الشتا طبعاً. ما عدش فيه ملاهي عربية ليلية في لندن؛ تلاقي مطعم هنا أو هناك. واحد مثلاً بتاع أورج هو اللي قايم بالعمل كله وان مان شو one man show، يطبل ويغني ويطبخ كمان. بدأ الموسيقيين زيي يسافروا يحيوا حفلات مع موسيقيين مختلفين. مثلاً صاحبي الجمل الكردي عازف الأكورديون المعروف كان معايا في عمر الخيام، وبعدها لفّ ٨ سنين من ٢٠٠٠ لـ ٢٠٠٨ مع ناتاشا أطلس من لندن لباريس وكل العالم. كانوا يسافروا بالأتوبيس ٦ الصبح، يوصلوا ١٢، يروحوا الأوتيل واحدة. ساوند تشيك، يستحموا ويجهزوا وبعدين الحفلة وهكذا.

حسام رمزي عازف الإيقاع الشهير عنده إيجنت، أنا والجمل الكردي رحنا معاه بلاد كتيرة قوي؛ كولومبيا، البرازيل، أسبانيا، أمريكا، كندا. وبنروح ألمانيا كتير جداً، وجنيف في سويسرا. معظم شغلنا دلوقت وِرَش للرقص الشرقي.

أنا شفت مادونا

مرة لعبت كمنجة مع مادونا المطربة المشهورة على مسرح في كوفنت جاردن. حسام رمزي طلب يقابلني يوم تلات في قهوة في منطقة نايتس بريدج، قابلته وكان معاه عازف عود اسمه أحمد. طلب لنا قهوة وبعد شوية قال لنا ياللا نقوم، قلت له على فين؟ قال: بعدين هتعرف. دخلنا شارع في نفس المنطقة كله فيلات، ووقف قدّام سور فيلا وبصّ في الساعة وبعدين ضرب الجرس. قلت له: إيه يا حسام هو إحنا رايحين فين؟ قال لي: إحنا رايحين عند مادونا. أنا اتخضيت، قال لي : لا ما تشيلش همّ.

قبل اليوم ده بمدة كنت قاعد في البيت بتفرّج على البي بي سي وكانوا بيعرضوا بروفات لمادونا على المسرح. قام الميكروفون صفّر بصوت مزعج ومادونا صرخت في مهندس الصوت mother fucker! بطريقة وحشة جداً..أنا خجلت له واتخضيت من طريقة معاملتها زي ماتخضيت لما حسام قال لي احنا في بيت مادونا.

دخلنا البيت، كنت قلقان بس بدأت أستريح لما سلمت علينا بالإيد ورحبت بينا وسألتنا تحبوا تشربوا إيه فقلنا شاي. ندهت على الشغالة تعمل الشاي وابتدت تقول لنا على البروجرام؛ قالت: شوفوا، أنا هقرا قصة من ألف ليلة وليلة في حفلة خيرية، وعاوزاكم تعزفوا مقطوعات قصيرة في مصاحبة القراية، أول ما أقرا من الذي يحبني انت تقول حرفين تلاتة بالكنمجة فيهم حب. قلت لها عندي فكرة، اكتبي بخط كبير وحددي مين هيعزف إيه وفين وامتى. قالت فكرة حلوة، و فعلاً كتبت لنا على الورق وحددت بعد أي جملة أنا أو حسام أو أحمد هنلعب مقطوعة. بعدين عملت حاجة حسستني قد إيه هي إنسانة بسيطة جداً؛ قالت عايزة أوريكم حاجة، أنا عاملة فستان للحفلة وعايزة أوريه ليكم، هل عندكم مانع ألبسه وتقولوا رأيكم فيه؟ دخلت لبسته، وجت وريته لنا. قلنا لها حلو جداً. بعد الحفلة شكرتنا بامتنان كبير وقالت لنا بالحرف “الشغل كان معاكم جميل ياشباب”. وطبعاً أنا مش شباب، يعني برة اللعبة.

عن المواهب والانتحار

عرفت موهوبين كتير ما وصلوش للنجومية. الفنان مش موهبة وبس؛ فيه الجمال، القبول، الذكاء. والحقيقة فيه كمان الحظ.

كان فيه مغنية اسمها فجْر بتشتغل في شهرزاد عند فتحية محمود، كان صوتها جميل وأداءها ممتاز. أخوها فكري كان بيعزف أكورديون وما كانش موهوب. فجر كانت أمها زنّانة وملازماها طول الوقت وبتتدخّل في كل صغيرة وكبيرة في حياتها. وكمان كان شكلها وحش جداً جداً. لما تكون فجر بتقدّم نمرتها، تقف الأم وتبص من شباك صغير بيطل على المسرح تراقبنا ازاي بنعزف لبنتها. الطبال المشهور أحمد حمودة كان شغّال معانا في الفترة دي، قال الست دي قرفاني، بكرة هفرّجك أنا هعمل فيها إيه. تاني يوم لقيته جايب وش قفص فراخ وقبل طلوع فجر على المسرح علّقه على الشباك من داخل المسرح. طبعاً منظر الأم وهي عمالة تنفخ السيجارة من شباك السجن ده كان مضحك جداً. انتهت الليلة بمشكلة طبعاً وأحمد حمودة مشي من الملهى بسبب الهزار ده. راحت فين فجر رغم صوتها الهايل!

تيتا صالح كانت بتشتغل معانا في كازينو شهرزاد، صوتها هو اللي ورا كل أغاني هند رستم في الأفلام زي حبيبى يارقه فاكر ولا لأه في فيلم اعترافات زوج مع فؤاد المهندس. ومن أغانيها كمان تملي واخد على خاطرك.

وبرده شافية أحمد، صوتها كان بديع لكنها كانت كفيفة.

عرفت فنانين كتير انتحروا؛ كان فيه عازف ساكسفون من باب الشعريّة اسمه جورج، انتحر عشان الحب، وواحد تاني طبّال انتحر عشان حبيبته سابته. في عمر الخيام في لندن، كان معانا عازف أورج اسمه سيد فهيم.. هاني مهنّى كان ييجي يسمعه من جماله. فهيم بدأ يشم ووصل بيه الحال إن المطرب يبقى بيغني على المسرح وبيقول موّال مثلاً، وتيجي القفلة تلاقي سيد فهيم إما نايم أو يصحا فيعمل نغمة مالهاش علاقة باللي بيحصل. ده بقى انتحر فنيّاً.

الموسيقي اللي يسيب مصر

الموسيقي اللي بيسيب مصر ويسيب جوّ الفرق والموسيقيين بيفقد حاجات كتير جداً؛ في بلدك ودنك بتسمع وفيه منافسة في التجويد، أنا بقعد في وسط كذا كمنجة، صحيح إحنا كلنا بنعزف نفس اللحن بس روح العازف مختلفة، طعم ولمسة صباع كل عازف مختلفة عن التاني. بتسمعها وبتتخزن عندك لكن من أصعب ما يمكن تقليدها زى الصوت البشري بالضبط. هل نجاة صوتها هو صوت حورية حسن؟ إنت لما بتسمع نجاة على طول بتقول دي نجاة وأنا لما اسمع عازف كمان أقدر أعرف إن ده مش أحمد الحفناوي. العازف بيستفيد من العازفين اللى قاعدين حواليه، أحاسيس مختلفة بيسمعها وبيخزنها جوّاه ومنها بيكوّن شخصيته فيما بعد على كمنجته. برة مصر دلوقتي أنا هستفيد من مين؟ أنا هنا لوحدي، أيوه فيه واحد عازف كمان غيري موجود بس عمرنا ما اتقابلنا في عمل ولا بنشوف بعض أساساً. في الغربة بتبقى إنت لوحدك، ما فيش حاجة تستفزك ولا حد بياخد باله إن دي هي شخصيّتك. في مصر كان لنا اسم، لكن لما بتسافر بتتنسى.

أنا عايش في الستينيّات

أبويا مات كام شهر قبل هزيمة يونيه ٦٧. أمي ماتت وأنا في باريس في السبعينيّات لكن ما حدّش قال لي إلا بعد مدة فقررت ما أروحش مصر. زرت مصر لأول مرة بعد إلحاح من الكل في سنة ٢٠٠٠. رحت أشوف الشقة اللي عشت فيها مع أهلي في الضاهر واللي أخويا سمير عايش فيها دلوقت. وقفت تحت أبكي، رفضت أطلع. كنت ببكي على كل شيء؛ أمي اللى كانت بتصحيني دايماً علشان أروح البروفة وذكرياتي وتاريخي. كان الواحد في شبابه، كان فيه فنانين كبار، وناس بتحبه. الحياة كانت حلوة. خفت أشوف معهد فؤاد … وأنا رايح كنت متردد جداً ما استحملش. لما وصلت لم اجرؤ على الاقتراب منه، وقفت على الرصيف اللي قصاده لإني كنت متأكد إني لو قرّبت منه هيحصل لي انهيار… أنا كنت جاي في الحقيقة أشوف عبد الحميد البوّاب وأشوف عبد العظيم حليم ومحمد فوزي وكل حبايبي االلي لسه جوّاه. انهم يرحلوا جميعاً يبقى الزمن توقّف داخل المعهد ده بالنسبة لي. أنا مازلت عايش في الستينيّات.    

Leave a Reply