الأغنية الأمازيغية وعصرنة الروايس

كتابةبلعيد العكاف - سبتمبر/أيلول 20, 2017

يجب أن يكتب تاريخ الفن الأمازيغي المغربي من قبل قبائل وجماعات إثنوغرافية، لأن تقنية كل قبيلة تختلف عن الأخرى، من حيث المنهجية والتأليف والتصورات الجمالية؛ فالأغنية الأمازيغية كانت ولا تزال تساير التطورات السوسيو-تاريخية، ويمكن اعتبارها مرجعًا يستعين به من أراد أن يبحث ويؤرخ للمناطق التي عاشت فيها. يصبح إذًا ضروريًا تقديم الأغنية الأمازيغية المغربية عند روادها، أولئك الذين وضعوا معالمها الرئيسية ويرجع لهم الفضل في وضع أسس هذا الفن الذي عرف عدة تطورات فنية حتى وصل إلى ما هو عليه اليوم.

من هنا تتجلى أهمية البحث في هذا المجال باعتباره تراثًا يمكن استلهامه بشكلٍ لا متناهٍ ليكون مرجعًا في الحاضر، وعونًا على بناء مستقبل الأغنية الأمازيغية التي ما زالت تتعثر نظرًا للخلط بين عملية تجديدية صارمة وتقنيات مزج متسرعة، وهي بذلك تنتظر من يفصل في قضية تطويرها وتقديمها إلى الجمهور بالنظر إلى التحولات الاجتماعية التي أثرت على مجرى الفن الأمازيغي والعاملين فيه.

الأغنية الأمازيغية في حوض سوس جنوب المغرب

تعتبر الموسيقى الأمازيغية في حوض سوس النافذة التي يمكن الإطلال من خلالها على ثقافة تستمد قوتها من الجذور التاريخية لحضارة قديمة، ذلك حتى نتعرف على مراحل تطورها المرتبطة بتغيرات الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. إنّ الموسيقى الأمازيغية بحاجة إلى رعاية إثنوغرافية دقيقة، خاصة مع ظهور ما قد يعتبره البعض أنظمة اجتماعية دخيلة على عادات وتقاليد المجتمع الأمازيغي.

حين نتمعن في مراحل تطور هذه الأغنية، نجد أنها لم تتغير نظرًا لخصوصيات المجالات الجغرافية والاجتماعية التي تنتمي إليها. وهذه من بين المحفزات التي جعلتها تحتفظ بأصالتها وعلى لغتها التي تنقلت عبر الأزمنة، كما أنها تنفرد بخصوصيات متميزة بموروثها الشفوي الأصيل في تجلياته المتعددة، وهي بمثابة تواصل مستمر يعطي صورة فنية عن البيئة التي احتضنتها منذ البداية.

إبان الاستعمار لم تتأثر الأغنية الأمازيغية بأي نمط موسيقي آخر نظرًا لانعزالها في القرى والجبال البعيدة، ما مكنها من الحفاظ على عناصرها البدائية، دون أي مزج أو تجنيس، عكس بعض الأنماط المغربية التي تأثرت بالموسيقى المشرقية، وبذلك انقطعت العلاقة بينها وبين الماضي المحلي، فاعتمدت على نوعٍ من المحاكاة اللحنية والشعرية.

إعلان

الأغنية عند الروايس

قبل الحديث عن هذا الموضوع لا بأس من التعريف بالرايس، وهو رئيس أو قائد المجموعة الموسيقية، يجب أن تتوفر فيه طلاقة وتمكن في الشعر والتلحين والعزف والغناء. وفي غالب الأحيان يقود الرايس مجموعته بآلة الرباب كما يمكن أن يقودها بآلة لوطار.

عمل هؤلاء الروايس على التعريف بالأغنية الأمازيغية، كما عملوا على إيصالها إلى الناس انطلاقًا من الحلقة والتجوال عبر قرى المغرب ومدنها، متخذين منها أداة للتوعية، مضيفين إليه بعدًا وطنيًا وروحيًا. وحتى تتطور هذه الأغنية جعلوها خاضعة لشروط ومعايير محددة قصد الحفاظ على أصالتها. ومنهم نذكر على سبيل المثال لا الحصر: الحاج بلعيد وبوبكر أنشّاد وبوبكر أزعري وجانطي وغيرهم.

تعتبر الأغنية عند الروايس النموذج المتكامل في الغناء الأمازيغي بحوض سوس، وهي ذات قالب يتركب من حركتين أو ثلاث أو أربع. إن الخاصية الأساسية التي تميز هذه الأغنية هي تأليفها من جملة موسيقية واحدة تتكرر عدة مرات، إلى جانب الجماليات التي تكتسبها من شعرها. أما مواضيع الأغاني فتتغير حتى تلائم المظاهر المحلية، فمنها ما هو عاطفي، يتغنى بالحب والغزل، وآخر ديني، يتطرق لأمور الدين بصفة عامة مع توعية الناس لاتّباع الطريق الصحيح في اعتماد الدين، أو اجتماعي، يساهم في إيجاد الحلول المناسبة للمشاكل اليومية التي يعيشها السكان الأمازيغ، وسياسي يتطرق للقضايا السياسية الراهنة الوطنية والدولية كقضية الوحدة الترابية أو القضية الفلسطينية وقضايا الإرهاب وما إلى ذلك.

تنقسم حركات الأغنية كالتالي: الحركة الأولى وهي عبارة عن عزف موسيقي حر يصطلح عليه بـأستارا، لا يخضع لإيقاع معين، ويرتجله الرايس بما يساعد العازفين على ضبط آلاتهم. الحركة الثانية هي مقدمة موسيقية إيقاعها معتدل يقوم بأدائها العازفون تمهيدًا للغناء. الحركة الثالثة هي اللازمة، إيقاعها معتدل ويخضع لنفس إيقاع المقدمة الموسيقية، وغالبًا ما تتألف من نفس الجملة الموسيقية التي يغنيها الرايس وتجيبه المجموعة. الحركة الرابعة هي الخاتمة، تستدعي الرقص نظرًا لإيقاعها السريع. وهناك أغانٍ تتركب من حركتين: لازمة وخاتمة وأخرى من ثلاث حركات: مقدمة، لازمة ثم خاتمة.

المقامات المستعملة

تعتمد الأغنية الأمازيغية عند الروايس على ثلاثة مقامات موسيقية خماسية وهي: مقام أشلحي ومقام لمعكّل ومقام أكناو. أما اللهجة المستعملة فهي تشلحيت. يمكننا جرد الآلات المستعملة في الرباب، وهي آلة وترية تحتوي على وتر واحد، عبارة عن فتيل من شعر ذيل الفرس، حيث أجود الشعر يوجد بوسط الذيل نظرًا لكبر سنه، في حين أن الشعر الموجود بأعلى الذيل هو حديث النمو. وهذه الجزئيات لها أهمية كبيرة فيما يخص جودة الرنين الذي تحدثه الآلة. أما اللوطار فيحتوي على ثلاثة أو أربعة أو ستة أوتار؛ والناقوس وهو عبارة عن آلة حديدية أسطوانية الشكل تستعمل لضبط الإيقاع، وتنقر بقضيبين من حديد كي تحدث رنينًا حادًا. وفي بعض الأحيان تستعمل آلة تالونت وهي عبارة عن بندير صغير.

الأغنية الأمازيغية العصرية

في بداية السبعينيات تأسست أول مجموعة غنائية عصرية، وهي مجموعة أوسمان التي يرجع لها الفضل في القيام بثورة فنية جعلت الشباب المغربي الناطق بالأمازيغية وغير الناطق بها يهتم بهذا النوع الجديد. في السنوات الأخيرة، لاحت في أفق الساحة الفنية مجموعات غنائية عصرية عبرت عن إبداعاتها وعرفت بمنتوجها الغنائي كما ساهمت قدر المستطاع في تفعيل المشهد الموسيقي ببلادنا وتكريس إشعاعه. وبالرغم من هجرة هذه الأغنية من البادية إلى المدينة فإنها لم تبتعد عن الحدود التقليدية للأغنية الأمازيغية ما جعلها تتكيف مع مقتضيات العصر ومتطلباته.

الملاحظ في إبداعات البعض من هذه المجموعات هو عدم التوفيق بين تراث قديم وآلات حديثة، حيث قامت فقط بتغيير الشكل دون المضمون فاستبدلت الآلات العتيقة بأخرى حديثة. هذا ممكن أن يضفي جمالية موسيقية من نوع آخر على الأغنية الأمازيغية شريطة الاحتفاظ بالأصالة. فقبل استعمال هذه الآلات يجب القيام بدراسة طابعها الموسيقي ومجالها الصوتي حتى يمكنها أن تنسجم مع الآلات التقليدية. فجل الآلات الحديثة تطغى بشكل واضح على الآلات العتيقة، ما يجعل التعبير الموسيقي غير صادق. أخيرًا لا ننكر بأن هذه المجموعات أعطت نفسًا جديدًا للأغنية الأمازيغية التي فرضت وجودها وأصبحت حاضرة في الحفلات والأعراس وفي الساحة الفنية التجارية على وجه الخصوص.

إعلان

الأغنية في الأطلس المتوسط

تستمد هذه الأغنية شكلها ونمطها من أحيدوس (رقص جماعي)، وتعتمد على نوعين من الغناء: أولاً، غناء جماعي له علاقة بأحيدوس، يتغنى به عادة الناس وينقسم بدوره إلى مجموعتين من المنشدين: تماوايت وهي عبارة عن موال غنائي مرتجل طويل النفس يتميز بعذوبة الصوت وسلامة الأداء اللحني، تقوم بأدائه امرأة أو رجل ذو صوت حاد. وتانشّادت، وهو قالب غنائي يعتمد على الحكي كما يلعب فيه الارتجال دورًا أساسيًا، أما اللحن الرئيسي فيتكلف بأدائه أمدياز، أي الشاعر.

ثانيًا، غناء فردي له طابع احترافي يدخل في خانة الأغنية العصرية. ففي نهاية الستينيات بدأ الفنانون يستقلون عن القواعد التقليدية المكونة للأغنية بالأطلس المتوسط، ويرجع الفضل في تجديد هذه الأغنية وترويجها لفنانين على رأسهم مصطفى نعينيعة وموحا أو اليزيد ومحمد رويشة وعبد الواحد حجاوي وحادة أوعكي ومحمد مغني وغيرهم. تتكون هذه الأغنية من جملة موسيقية واحدة تتكرر عدة مرات، لكن الجانب الشعري يتغير مع كل تكرار، كما تخضع لتغييرات في سرعة الإيقاع.

المقامات المستعملة في هذه الأغنية هي الصبا والبياتي والراست. وبالرغم من أن هذه المقامات شرقية فهي تتميز بخصوصيات في لونها الموسيقي تميزها عن المقامات العربية، ويقال مثلًا: صبا أطلسية، بياتي أطلسي. أما اللهجة المستعملة فهي، في حالة أغنية الأطلس المتوسط، لهجة تمازيغت. يمكننا تقديم الآلات المستعملة كالتالي: لوطار ويصطلح عليه كذلك بـالوطرة، الآلطو وهو كمان كبير الحجم، والبندير. قد تستعمل في بعض الأحيان آلتي العود والدربوكة. وتنقسم هذه الأغنية إلى الأشواط الإيقاعية التالية: إيقاع بطيء وإيقاع معتدل وإيقاع سريع وإيقاع أسرع يستدعي الرقص.

الأغنية الأطلسية العصرية

في بداية السبعينيات ظهرت مجموعات غنائية تغني بتامازيغت بطريقة جماعية عصرية، ويتجلى ذلك في نمط أدائها المتميز المصاحب بآلات عصرية كالقيثارة الكهربائية، الأورغن وآلة الإيقاع ألباتري. وقد اعتمدت هذه المجموعات على الأغنية القصيرة التي لا تتعدى خمس دقائق، زيادة على اختيار مواضيع كلماتها التي لها صلة بمشاكل الشباب اليومية. وحتى من ناحية اللباس فقد بدَّل أفراد هذه المجموعات اللباس التقليدي بلباس عصري. ويرجع الفضل في تأسيس هذه المجموعات إلى مجموعة إيمازيغن التي كانت السباقة إلى خلق هذا النوع من الغناء، وكذلك إلى الفنان فيصل والفنانة نجاة اعتابو وحاليا فيز أناروز وغيرهم.

الأغنية الريفية

تعتبر الأغنية الريفية خلاصة ما أبدع سكان المنطقة بمختلف طبقاتهم، وهي متكاملة يتمم بعضها البعض. كما تعكس الشخصية الريفية في أجلى مظاهرها وصورها، والتي تفتخر بماضيها الغني الذي يحكي قصة حالكة من صراع ومقاومة ضد المستعمر، ولعل في نمطها الغنائي ما يعبر عن ذلك. تتميز هذه الأغنية بأنواع من الغناء منها الإيمديازن، وهو غناء خاص بالمحترفين، والأزهيد، وهو غناء خاص بالنساء، والإنوراي، وهو غناء ثنائي على شكل مناظرة يعتمد على الارتجال الشعري الذي يكون مصاحبًا بالغناء، والعيطة، وهو غناء المحاربين، والأرازيق، وهي نصوص شعرية تؤدى دون مصاحبة موسيقية، والأيزران، وهي  نصوص شعرية غالبًا ما تنتقد رجال السياسة بطريقة استهزائية. قد نجد أحيانًا أن الأغنية الريفية تمارس من طرف محترفين، وخصوصًا في الريف الشرقي حيث كون العائلات قد تخصصت في الموسيقى واحتفظت بذلك بخصوصيتها المتوارثة عبر الأجيال.

أما المقامات المستعملة في هذه الأغنية فهي الحجاز والبياتي والعجم والنهوند. أما اللغة المستعملة فهي تريفيت. وتكون الآلات المستعملة كالتالي: أجّون وهو عبارة عن بندير كبير الحجم، تامجا وهو نوع من الناي يتميز بطول حجمه، الزامار وهو مزمار يوضع على مقدمته قرنا بقر، لكوال وهي آلة إيقاعية طويلة الحجم، والغيطة وهي آلة نفخ تشبه آلة الهوبوا الغربيّة.

الأغنية الريفية العصرية

في بداية السبعينيات أيضاً، ظهرت مجموعات غنائية عصرية استقلت عن النمط التقليدي للغناء عند الشيوخ (رواد الأغنية التقليدية بالريف) واعتمدت على الغناء الجماعي والفردي، معتمدةً على إيقاعات وآلات عصرية، ومتأثرة بذلك بالموسيقى في حوض البحر الأبيض المتوسط نظراً لعامل الجوار. كان الهدف من ذلك الخروج بالموسيقى الريفية عن الحدود التقليدية والمضي بها إلى العالمية. أذكر من بين تلك الأسماء التي ساهمت في تطويرها الفنانين: الوليد ميمون، نجيب أمازيغ، سعيد الزروالي، مجموعة إمتلاع، وغيرهم.

مقارنة عامة بين الموسيقى الأمازيغية والموسيقى المغربية

إبان الاستعمار الفرنسي، إلى جانب الأغاني والأهازيج الأمازيغية، كان هناك أنواع قليلة من الموسيقى والغناء بالمغرب، لكن لم تكن هناك أغنية مغربية صرفة. ورغم ظهور محاولات قام بها آنذاك الراحل الحسين السلاوي، والتي كانت تعبر بصدق عن الواقع الاجتماعي والسياسي. إلا أن جل الفنانين المغاربة كانوا متأثرين بالموسيقى الشرقية كما سبق ذكره، بحكم احتكاكهم بالموسيقيين المصريين الذين كانوا يتواجدون بكثرة في المغرب، والذين فرضوا موسيقاهم بشكل واضح.

آنذاك كانت الأغنية الأمازيغية قد وجدت أرضية خصبة تمثلت في وجود تراثٍ كان متداولًا بين الناس بشكلٍ كبير، حيث كانت لكل منطقة موسيقاها الخاصة بها، والتي تعبر عن واقعها. ومهما اختلفت الدراسات في تحديد تاريخ الموسيقى الأمازيغية والبحث عن أصولها، فإن جل الباحثين فيها يتفقون على أن جذورها الأولى كانت قائمة منذ عهد مبكر، كما يبقى المجال مفتوحًا لتأويلات وقراءات تستند على بعض المعطيات التاريخية والفنية، سواء منها المغربية أو الأجنبية.

الأغنية الأمازيغية هي إحدى المحركات الأساسية التي تعطي صورة عن الحقبة المتقلبة من تاريخ المغرب. لقد ظل الأمازيغ محتفظين ببعض ممارساتهم الفنية من خلال توظيفهم لآلات موسيقية ذات أصول مرتبطة بمجتمعات عتيقة. وهذه الإشارات الدلالية ظلت متوارثة على مسار القرون مع الاحتفاظ بكل مقوماتها الفنية، ومن الواجب تطويرها والارتقاء بها إلى أعلى المستويات العالمية وذلك ببنائها على أسس علمية قويمة حتى تواكب العصر.

إعلان

Leave a Reply