الألف | أينما ارتمى

كتابةيزن الأشقر - أغسطس/آب 24, 2015

تظهر في كل فترة زمنية لحظات وتجارب موسيقيّة مميّزة لا تأخذ حقّها من الاستماع أو النقد. في السنوات العشرة الأخيرة مثلاً، كان هناك ألبومي مكان لكميليا جبران، ومرآة لـتامر أبو غزالة. نُدرة هذه اللحظات جعلتني حذراً عندما سمعت عن فرقة تتغنّى بالشعر العربي الحديث بمرافقة تشكيلة من آلات غربيّة وشرقيّة: هذا يعني في العادة كليشيهات من الجمل الموسيقيّة الغربيّة والشرقيّة، والفيوجنالذي لا يقدّم جديداً، أو استسهال غناء قصائد حديثة بشكل مكرر، وأداء مسرحي على حساب موسيقى حيويّة.

اجتمعت الفرقة العام ٢٠١٢ بمبادرة من خيام اللامي (عود) مع: تامر أبو غزالة (غناء، بزق)، خالد ياسين (درامز وإيقاع)، موريس لوقا لكترونيات وكيبورد) وبشار فران (باص)، ليكتبوا أغانٍ ويلحنوها ويعزفوها أمام الجمهور في عدّة مدن عربيّة وأوروبيّة قبل أن يسجَّل أي شيء. هكذا وُلدت الألفوقُدّمت أمام الجمهور مباشرة. وبعد ثلاث سنوات، ربما كانت ضروريّة لنضوج الأفكار والموسيقى، يطلق الألبوم الأول أينما ارتمى عن تسجيلات نوى.

يأخذ أينما ارتمى عنوانه من مقطع من قصيدة هولاكو لسركون بولص التي يفتتح بها الألبوم في مؤشّر جيّد لما سيأتي لاحقاً. “خيولي أخف من الريح سنابكها تقدح الشرارات ينطلق تامر بصوت غامض وواثق كمن يخطب في حشد مؤسّساً فاتحة جيدة لجو الألبوم، في حين يدخل عود خيام في تحدٍّ مع جدار الصوت الإلكتروني الذي يبنيه لوقا. موسيقيّاً، يطغى على القطعة جو الحماس والترقّب الحذر، لكن في القطعة الثانية درس من كاما سوترا من قصيدة لمحمود درويش، ينتقل الإحساس الموسيقي من القوّة إلى التلاعب. يظهر صوت تامر هنا أكثر هدوءً ولطفاً، مبتعداً في الوقت نفسه عن الاكتفاء بإلقاء القصيدة، لتنجح الأغنية في إخفاء كليشيه القصيدة المشهورة وسط طبقات الموسيقى المتعدّدة.

يعود جو الألبوم إلى السوداويّة مجدداً في الجثة: المقطوعة الثالثة والأكثر كآبة على مستوى الموسيقى والكلمات التي كتبها سركون بولص أيضاً. يهيئ عود خيّام البداية مع ألحان لوقا بإيقاع هادئ، ويتخلص تامر تدريجياً من أي نوع من الغناء المطرب، لكنّه لا يبتعد كثيراً عن الطابع الدرامي ربما لهذا هربت كميليا جبران نحو الغناء الحر تجنباً للتأثير المعاكس لهذا النوع من الغناء مع المحتوى السوداوي.

إعلان

في الأغنية الرابعة، اعتراف، نجد لحظة بناء موسيقي فذّة. إذ يتصاعد البناء بهيكليّة تطوريّة تجعلها ربما القطعة الأنضج موسيقيّاً في الألبوم. يغنّي تامر من شعر فيحاء عبد الهادي: حين تغيب/ أعترفبأن الأرض تدور/ وأن المطر يهل، ليبدأ البناء الموسيقي الأوّل، ويختفي العود بعدها وتهدأ الأمور في الترقّب مرّة أخرى. وبعد جملة يدور رحى الطاحونالتي تبدو مستعجلة، تتصاعد موسيقى القطعة أكثر، ومع جملة “بأن الجامد يتفتّت” تبدأ لحظة استعداد أخرى تنتظر الانفجار عالياً في أي لحظة. يضعنا موريس في توتر مع نقراته الإلكترونيّة وباص فران المتصاعد، حتى تنفجر الموسيقى في إيقاع تصاعدي أيضاً يلعبه خالد ياسين بدقة تصل إلى ذروتها مع نهاية الأغنية.

هناك مقطوعات سوداويّة وهناك قطع مبهجة عن الحب، وهناك الغرابة المعهودة من تامر أبو غزالة في المقطوعات الثلاث الأخيرة. لا شك أيضاً أن موريس لوقا يحمل الثقل الموسيقي للألبوم، لذا لا يمكن فعليّاً تخيّل الألف من دون أصواته الإلكترونيّة التي تغمر كل شيء. الإنتاج احترافي لكنه مهذّب. أما صوت تامر، فيبدأ أحياناً أشبه بغناء عربي كلاسيكي ثم يتطوّر تدريجياً، أو بشكل ألطف كما في غناء قصائد الحب لمحمود درويش وفيحاء عبد الهادي، أو كمن يلقي خطبة منتصر في هولاكو أو خطبة مهزوم في الخطبة الأخيرة.

الألف

بالنظر إلى ترتيب الأغاني الثمانية، يمكننا أن نقسّم الألبوم إلى قسمين: القطع الخمسة الأولى، التي يغني فيها تامر الشعر الحديث بالفصحى، والمقطوعات الثلاثة الأخيرة التي كتبها تامر ويغنيها بالعاميّة. الجزء الأول لا ينم عن وجود ترابط مفاهيمي Concept album، وهذا ليس شيئاً سيئاً. والاختلاف الواضح يطرح التساؤل عن سبب هذا الترتيب. نستطيع مثلاً أن نعرف بسهولة أن القطع الثلاثة أحدث من الخمس الأولى التي عزفتها الفرقة في سلسلة حفلاتها في المنطقة. لكن بغض النظر عن السبب، هناك تمايز لافت يشكّل مفصلاً في تماسك جو الألبوم الموسيقي نفسه. فحضور تامر وتأثيره مثلاً في القطع الثلاثة الأخيرة طاغٍ، حتى لتبدو أن المقطوعات الثلاث من ألبوم لتامر وليس للألف (هي من كلماته أيضاً). تأثير موريس أيضاً يقلّ هنا بشكل ملحوظ ليخفت وجوده في الخلفيّة على عكس ما كان في البداية، محيطاً بالآلات الأخرى من كل ناحية. إحدى أقوى الأغاني هي يلا تنام، التي يبدأ بها القسم الثاني من الألبوم. يسيطر الإيقاع على البداية ويفرض نفسه على باقي الأغنيةـ وكذلك يفعل باص بشار فران، بينما يرافق العود صوت تامر الذي يتنقل إلى الغناء بعاميّة فلسطينيّة: قوم لا تنام يا بيش/ قمر يدور ويعيش/ صوت يصيح بدانك/ نومك بيكفيش. موريس هنا أهدأ، لكن موقعه مدروس في الخلفية، مؤطراً الأغنية بقالبها لتنتهي في دوامة موسيقيّة إلكترونيّة منوّمة.

كل شيء في الألبوم تلفّه العناية والإتقان، من عنوان الألبوم إلى الغلاف المأخوذ من لوحة لا تتحرّك أيها الرجل الفزاعة ابق معنا كل يوم للفنان السوري سمعان خوام. بالنسبة لي، قد لا تنحصر أهمية هذا الإصدار بالموسيقى المبتكرة فقط، ولكن ربّما أيضاً بأشياء أخرى: غناء وتلحين سركون بولص لأول مرة، إخفاء كليشيه درويش وتقديمه بطريقة أجمل، كل هذا الاعتناء بالشعر، وكل هذا الجمال الموسيقي الطافح. بالنسبة لمستمع مترقّب، أينما ارتمى رحلة متطلّبة بطبقات متعددة، لكن الوصول إليها سهل. عمل موسيقي ناضج من موسيقيين ناضجين، يتجنبّون الوقوع في كليشيهات الفيوجنالغربيشرقي، لخلق منتوج متماسك ولعوب في آن وحركي بما فيه الكفاية ليتجاوز القوالب الجاهزة.

كل فرد من فريق الألف يجلب كل ما بناه ويصبه هنا في مكان واحدهناك توق للوصول إلى أصوات جديدة، إلى تجربة موسيقيّة جديدةربما لن يسمع هذا الألبوم كثيراً، وبعد سنوات، يأتي من سيسأل من أين ظهر هذا الألبوم، وكيف؟ كل ما نعرفه الآن أن إطلاقه كان ضرورياً لإثبات أن هذه النوعيّة من الموسيقى من الممكن خلقها هنا. ربما بشكل شخصي، بالنسبة لي على الأقل، كنت أنتظر شيئاً كهذا بجماله وعيوبه.

إعلان

Leave a Reply