التأويل الموسيقي للعالَم

كتابةكريم الصياد - مايو/أيار 28, 2017

١- الموسيقَى والتأويل والعالَم

طرحنا في المقال السابق أفكارًا أولية لفهم ماهية الموسيقى والأشكال الموسيقية والاستماع والعزف على سبيل التقديم إلى فلسفة الموسيقى. وفي هذا المقال نتعمق أكثر استكمالاً للموضوع في ماهية الموسيقى، أو ما يُعرَف في الفلسفة بالـ الأنطولوجيا الموسيقية أي: علم وجود الموسيقى، صعودًا إلى طبيعة التأويل الموسيقيّ للعالَم، أي كيف يمكن فهم الوقائع الطبيعية والنفسية فهمًا موسيقيًا؟ وماذا يعني الفهم الموسيقي؟ وما الذي يميزه عن التأويل الفني عمومًا؟ وما أهمية أو أثر ذلك التأويل؟

نقطة البدء المنطقية للإجابة عن هذه الأسئلة وبحث ما يتبعها من إشكالات هي تحديد مفاهيمنا عن الموسيقىوالتأويلوالعالم“. وقد استقر المقال السابق على تحديد ماهية الموسيقى باعتبارها إنتاجًا لزمن بديل، وباعتبار أن هذا ما يميزها عن سائر الفنون الزمانية والمكانية والمجرّدة (غير الزمانية وغير المكانية). ولكن علاقة هذا التحديد بالتأويل تفرض علينا العودة خطوة إلى مفهومنا عن الزمن. إن الزمن مفهوم غير موجود طبيعيًا؛ وإلا فمتى؟ وإذا كان الزمن موجودًا في زمن فهو تسلسل لانهائي مستحيل رياضيًا، تمامًا كالمكان؛ فهو أيضًا مفهوم غير موجود طبيعيًا، وإلا فأين؟ كل من الزمن والمكان مفهوم عقليبشري عن طريقه نقوم بتأويل الطبيعة وفهمها وقياسها والتحكم فيها. وإذا كانت نظرية النسبية قد أفادت أن الموجود فعلاً في الطبيعة هو نسيج Gefüge أو متّصَل Kontinuum (الزمكان) Raumzeit، أو بالأحرى بُنية ما للفضاء نطلق عليها هذا الاسم، وليس أيًا من الزمن أو المكان على انفراد أو انفصال، فإن من الواضح إذاً أن فكرة الزمن أو المكان محض تصور عقلي إنساني. وبناءً عليه يمكن بحث أصل فكرة الزمن: كيف جاءت؟ وممَّ اشتُقت؟

الزمن مفهوم متفرع عن المكان. والمكان مفهوم متفرع عن المسافة. المسافة هي الفاصل بين شيئين. وحين تتركب هذه المسافة في بُعد إضافي أو أكثر ينتُج المكان. وبالمثل فقد ذهب العقل البشري تلقائيًا لافتراض مسافة من نوع ما بين حدَثين لا شيئين، وإلى عدّ تلك المسافة بالدورات، كدورة الساعة أو الأجرام السماوية، بما تتضمنه الدورة من تكرار حدث بعينه على مسافات زمنية متساوية في سياق حركة. وهو ما يعني ألّا معنى للزمن دون تغيّر، والتغير هو المعنى العام للحركة في الفلسفة kinesis، وليس فقط الحركة في المكان؛ فتحلُّل برتقالة مثلاً حركة، وتغير لون ورقة النبات مثلاً كذلك حركة. إذاً حين نقول – كما قلنا في المقال السابق إن الموسيقى إنتاج لزمنٍ بديل، فإن ما نعنيه بشكل دقيق هو أنها تعيد وضع هذه المسافات الزمنية في حركة مختلفة، بحيث ينتِج كل عمل موسيقي على حدة نمطًا من الحركة. ومن الطبيعي أن يتمتع كل موسيقار بنمط حركة عام لأعماله، يختلف عن نمط حركة ينتجه موسيقار آخَر. وقد تحدثنا في المقال السابق في هذا الموضوع باستفاضة، وحاولنا بيان الاختلافات بين أنماط الحركة التي أنتجها كل من موتسارت وبيتهوفن وشوبرت ورحمانينوف، إلخ. لكن الأهم في هذا السياق الحالي بيان أن الموسيقى بإنتاجها نمطًا حركيًا تقوم بإعادة إنتاج لهذه المسافات الزمنية؛ فالمقطوعة الموسيقية تتضمن تغيرًا ما كتغير لون ورقة النبات مثلاً، يتضمن مسافات زمنية معينة، وجوهر الموسيقى هو إنتاج هذا التغير، فبدون التغير المنظّم في الصوت لا يمكن لنا على الإطلاق تقريبًا أن نسمي هذا الصوت (موسيقى). مثال ذلك دقّات الساعة؛ فهي صوت موقّع منظّم لكن ما يخرجه من الموسيقى أنه رتيب. إذاً فالموسيقى لا تقدم بالأساس سوى مادة معينة (الصوت واللحن والهارموني) تتعرض للتغير المنظم المقصود؛ فهذا اللحن قد يتفكك ويولّد جملاً لحنية جديدة ذات صلة بسابقتها، هذا التفكك وذلك التوليد حركة/تغير، نوعها التفكك والتوليد. وما نتابعه ونحن نستمع إلى الموسيقى هو أنواع عديدة من الحركة/التغير.

وإذا كانت خلاصة الفقرة السابقة فعلاً هي قولنا إنّ الموسيقى إنتاج لنمط حركة منظّم متغيِّر يُستدعَى عن طريق السمع، فإن نتيجة هذا القول اعتقادنا أن الموسيقى غير موجودة طبيعيًا؛ لأن نمط الحركة/التغير ذلك موجود ذهني بحت حتى وإن كانت الأصوات التي تستدعيه قائمة فيزيقيًا في الزمكان، تمامًا كما نقول (س+سس)؛ فهذه الحقيقة الرياضية الأخيرة التي قام عليها كل بنيان الرياضيات والمنطق غير موجودة في الطبيعة، رغم أن رسمها على هذه الصفحة موجود فيزيقيًا، وإلا فمتى وأين؟ لا يوجد مكان وزمان محددان لنذهب ونرى أو نحس كائنًا متمكنًا متزمنًا هو س+سس. نتيجة ذلك أن الرياضيات والمنطق أبنية ذهنية بحتة، صحيح أنها موضوعية ويقينية، لكنها سرمدية، وهي ليست (فوق) الزمان والمكان، بل هي مجردة، أي بلا زمان أو مكان، وإذا فرضنا لها – مجازًا مكانًا فهو العقل البشري. فعن طريق هذه الأبنية النظرية المجردة يقوم العقل بفهم الطبيعة. وينتج عن ذلك بدوره أن هذه الأبنية النظرية المجردة هي (طبيعة) في العقل البشري وطريقته في العمل والفهم. ونظرًا لأنها طبيعة مشتركة في العقل البشري ذاته، فإننا لا نختلف بصددها. وإذا اعتبرنا الموسيقى إنتاجًا لنمط حركة، أي إنتاجًا لزمن بديل، وتلاعبًا بالزمن، فكأننا نقول بناء على ما سبق أن الموسيقى وجود ذهني بحت.

ولكن هذه الإشكالية تزداد تعقيدًا إذا أدخلنا في السؤال العمل الموسيقى، هل هو غير موجود في الطبيعة؟ وكيف (نسمعه) إذاً؟ وهو ما يستتبع سؤالنا الأعمّ: ما العمل الموسيقي بالضبط؟

إعلان

السؤال الأخير بالذات ليس سؤالاً بسيطًا كما قد يبدو لأول وهلة، بل إشكالاً حقيقيًا مُحيرًا. فإذا كنت تعتقد أنكَ تعرف ما العمل الموسيقي، فإن هذا الاعتقاد قد ينهار إثْرَ محاولة تعريف واحد من أشهر أعمال الموسيقى: السيمفونية رقم ٤٠ لموتسارت. وهو ما يبدو في مناقشة الإجابات المحتملة التالية:

– السيمفونية ٤٠ هي ما (نسمعه) منها، أي تلك الأصوات الفيزيقية نفسها: لو فرضنا ذلك فإن الحقيقة هي أننا بدون وعي مبدئي بصيغة الصوناتا (الحركة الأولى والرابعة) والتنويعات (الحركة الثانية) والمينويت (الحركة الثالثة) سوف نسمع السيمفونية ككل بشكل جد مختلف، وربما نقع في تسلسل صوتي لا نظام له، أو قد نسمع منها بعض الألحان فقط، ولن ندرك مدى توجّه موتسارت التجديدي وعلاقته بشكل السيمفونية المستقر قبل هذا العمل، وهذه ليست السيمفونية ٤٠.

– السيمفونية ٤٠ هي أداؤها، أي ما يؤديه العازفون والمايسترو: وهذا يصطدم بحقيقة أنه لا يوجد أداءان متطابقان للعمل نفسه على الإطلاق؛ فثمة اختلافات ولو طفيفة بين كل أداء وآخَر، مهما حاولنا تحقيق الاتفاق بينهما. وهو ما يعني أن لدينا سيمفونيات كثيرة رقمها ٤٠ وكلها تنسب لموتسارت، برغم أنها جميعًا قد تكون في الأداء مختلفة بدرجة ما وبشكل ما عما أراده موتسارت بها ومنها. وقد يمكن تعديل هذه الإجابة بقولنا أن السيمفونية ٤٠ هي المشترَك بين هذه الأداءات، لكن هذا التعديل بدوره يصل بنا إلى ما لا يتناهى من (السيمفونيات رقم ٤٠ لموتسارت)؛ لأن ما هو مشترك بين الأداءات التي سمعتُها يختلف بالتأكيد عما هو مشترك في خبرتكَ السماعية؛ لأننا لن نستمع أبدًا إلى الأداءات نفسها، كما أن فرضية وجود أداءات جديدة للعمل نفسه متاحة دائمًا.

– السيمفونية ٤٠ هي مدونتها الموسيقية: لو فرضنا ذلك فكيف نفسر معرفتنا بالسيمفونية ٤٠ دون الاطلاع على المدونة؟ وإذا كان هذا صحيحًا لكانت المدونة تغني عن العزف، ولكان المستمِع هو في الحقيقة قارئ.

– السيمفونية ٤٠ فِعل Action: كل فنّ هو بالضرورة فِعل في جانب من خصائصه. والعمل الفني كفعل يعني أنه لا يتضمن صيغة وبنية نهائية في خصائصها كالمنضدة أو النجم أو موجة في محيط مثلاً، بل هو (علاقة) بين مريد ومراد، تهدف إلى التغيير والتأثير، وهو ما يستتبع نتيجة أن السيمفونية ٤٠ هي فعل قام به موتسارت قرب نهاية القرن الثامن عشر، لم يزل أثره ممتدًا إلى الآن. لكن هذا لو كان صحيحًا حصرًا، وكافيًا لتعريف السيمفونية ٤٠، لكنا نركّز في تصورنا عن هذه السيمفونية على الغاية والوسيلة، وصار العمل (مرحلة) في الطريق إلى غيرها، أو (خطوة) في إستراتيجية، أو (أمرًا) في خوارزمية، وهذه ليست السيمفونية ٤٠.

تلك هي أشهر الإجابات المحتملة. وهي لن تزيد القارئ إلا حيرة بطبيعة الحال مع أوجه تفنيدها المذكورة أعلاه وغير المذكورة، ولكن بناءً على ما تقدم في هذا المقال فإن القارئ لقادر على تخمين الإجابة التي يقدمها طرحنا الحالي: السيمفونية ٤٠ هي نمط الحركة الذي تقدمه. يتجاوز هذا التعريف اختلافات الأداء، فهي غير قادرة على الإطلاق على تغيير هذا النمط من الحركة، ربما يمكن لها أن تبطئه أو تسرعه مثلاً، لكنها لن تغير من تسلسل الأحداث في العمل. وهي قادرة على تخطي مشكلة الوجود الفيزيقي في الإجابة الأولى؛ فسواء كنا نسمعها الآن ونحن نجيب عن سؤال ماهيتها أم لا فإننا نعرف بالتأكيد السيمفونية ٤٠، نعرفها كوجود عقلي خالص، كقواعد الرياضيات المستقلة عن الذوات برغم أنها غير قائمة في الأعيان، وهو ما يمنح العمل الموسيقي كينونة موضوعية، وما لا يدعنا حين نتكلم عن السيمفونية ٤٠ نتكلم عن أمر تخيلي بحت ذاتي غير مشترك بين الذوات، بل عن كينونة موضوعية لكنها غير طبيعية (غير متمكنة غير متزمنة). وهذه الإجابة كذلك تتجنب الوقوع في تناقضات الإجابتين الأخيرتين؛ فالمدونة الموسيقية في الحقيقة ليست عملاً فنيًا في ذاتها، بل إرشادات لأداء (إنتاج) العمل، الذي نعرفه باستقلال عنها، لكننا لا نستطيع إنتاجه بسهولة بدونها، كما أن هذه السيمفونية كأيّ عمل فني فِعل، لكن هذه الكينونة كفعل مجرد خصيصة من خصائصها، لكنها ليست جوهرها وما يميزها على التحديد بشكل جامع مانع.

ولكن يبقى السؤال المطروح قبل محاولات تعريف العمل الموسيقي: كيف نسمعه إذا كان هو نفسه غير موجود طبيعيًا؟ إن ما نسمعه في الواقع ونحن نستمع إلى السيمفونية ٤٠ مثلاً ليس السيمفونية ذاتها، بل ما يستحثّ وجودها الذهني، أو ما يستدعيه، تمامًا كما نكتب على هذه الصفحة: س+س=2س. إن هذه المعادلة السابقة مجرد نصّ يستدعي ما نفهمه وما نعتقده في عقولنا بالفعل، بحيث يكون هذا النص وسيلة تواصل، نَظْمًا لغويًا معينًا، يستهدف معنًى، لكنه ليس هو نفسه معناه؛ فهذا النص غير إشكالي في معناه، لكن أغلب النصوص ذات تأويلات/معانٍ مختلفات، رغم أن النص واحد، وهو ما يبرهن على الاختلاف الوجودي بين النصّ والمعنَى. إذاً فالعمل الموسيقي هو ما ينتجه من نمط للحركة، بلغة أبسط: هو تتابع معين للأحداث يستدعيه تتابع معين من الأصوات. ونظرًا لأن الزمن كما قلنا سابقًا هو مسافة بين حَدَثين في أبسط صوره، فإن العمل الموسيقي قادر طبقًا لما ينتجه من نمط للحركة على تخيل مسافات بديلة بين الأحداث، وهو هو نفسه بالتالي ن نقول إن العمل الموسيقي زمن بديل تخيلي، أو تلاعب بالزمن، أو فَنّ الزمن. ومن الأوجه التطبيقية لهذه الفكرة إعادة النظر في بعض الأعمال الموسيقية الإشكالية، كأعمال جون كايش بعد ١٩٩٢ مثل 4‘ 33 وواحد مُكعّب؛ فرغم أنها لا تستعمل الآلات الموسيقية بشكل تقليدي أو لا تستعملها إطلاقًا في أدائها، إلا أنها تخلق تتابعًا معينًا من الأحداث عن طريق الصوت والصمت. لمزيد من تفاصيل مناقشة أعمال جون كايج من زاوية اعتبارها أعمالاً موسيقية أصلاً يمكن مطالعة هذه المحاضرة القصيرة لجوليان دود.

كان هذا بصدد مفهوم الموسيقى. أما بصدد مفهوم التأويل فالتأويل ببساطة في هذا السياق هو الفهم. الفهم يختلف عن المعرفة في أن المعرفة انتقال من جهل إلى علم، في اكتساب معلومة جديدة مثلاً، أما الفهم فهو رسم العلاقات بين تلك الموضوعات التي جرى العلم بها أولاً. وهو ما يعني أن الفهم عملية إنسانية عقلية بحتة، فحينما نصنع علاقة بين موضوعين من موضوعات المعرفة، كالشمس والأرض مثلاً، أو طبقتين اجتماعيتين، فهذه العلاقات ليست موجودة بالضرورة على النموذج المتصوَّر نفسه في الطبيعة، بل هي طريقتنا للتفسير والتحكّم، والدليل على ذلك أنه حتى العلم الطبيعي (بالمعنى الدقيق: الفيزياء) يتطور في فهم العلاقات بين الموضوعات، وقد تحدث نقلات نوعية جذرية في تصور هذه العلاقات، كما حدث أولاً مع ميكانيكا الكوانتم ثم النسبية الخاصة ثم العامّة. هذا لا يعني استحالة معرفة الواقع في ذاته، كما لا يعني أن المعرفة الإنسانية مثالية بحتة أو منبتة الصلة بالواقع، لكنه يعني أن مصدر الفهم هو العقل البشري، الذي يبتكر الفروض طبقًا لآليات عمله، ثم يحاول (اختبارها) وليس إثباتها راجع هنا مثلاً: Karl Popper, The Logic of Scientific Discovery. وهي إشكالية خطيرة في تاريخ الفلسفة، إشكالية المثالي/الواقعي، مما لا مجالَ له في هذا المقام. لكن المهم هنا هو أن كل معرفة تأويل بشكل ما، وكل نشاط بشري يعتمد على تأويل معين، بمعنى أن الفن مثلاً ينطوي على جانب تأويلي؛ نظرًا لأن كل عمل فني يقدّم في جانب منه فهمًا من وجهة نظر معينة لدى الفنان لموضوعات المعرفة. إن قصيدة (غبار) للشاعر وديع سعادة مثلاً تطرح مجموعة من التأويلات للإنسان واللغة والمعرفة وغيرها، يقول سعادة: الغباريّون/ مقفرةٌ الطرقاتُ وهابّون وحدنا. الأرض صارت غبارًا وها نحن نكمل حياةَ الغبار. إننا نكمل حياة غبار الأرض. هذا الذي يجب أن يكمل حياتَه أحد، وها نحن نفعل. لا نكمل حياة الأرض بل حياة غبارنا. لا نكمل حياة بل موتًا. جئنا لنرافق الغبار في هبوبه الأخير، نحمله إلى مثواه، وننام معه هنا يقوم الشاعر بتأويل الحياة الإنسانية باعتبارها في الحقيقة حياةً لغبار الأرض، وأننا ككائنات حية عبارة عن دورات حياةٍ للغبار، من التراب إلى التراب، وهو ما يعكس تأويلاً للحياة الإنسانية من وجهة محددة. وبالمثل فالعمل الموسيقي قد يُتّخَذ تأويلاً للطبيعة أو اللغة أو الإنسان، إلخ. إذاً فالفن كتأويل من هذه الزاوية هو ما يفتح أفق الموسيقى كتأويل.

إعلان

أما العالَم فقد يكون المفهوم الأكثر إشكالاً في هذه الفقرة؛ لما له من تعريفات بعيدة الاختلاف؛ فالعالم عند البعض هو الطبيعة، أي الكون بما يتضمنه من زمكان وأجسام، والبعض يفهم العالم باعتباره كوكب الأرض بما عليه من إنسان ومجتمع، لكننا نعنى بالعالَم هنا (علاقة) بين الذات والموضوعات، الذات المدرِكة وموضوعات الإدراك، كما هو في الوقت نفسه علاقة يتصورها العقل بين بعض الموضوعات وبعضها. ونظرًا لأن هذه العلاقة نفسها محلّ تأويل، فإن لدينا عوالمَ قدر تعداد البشر، حيث تتشابه أغلب هذه العوالم لعوامل عديدة، منها التأثير المعرفي المتبادل بين البشر مثلاً. لكن الأقلية من الناس يتمتعون بعوالم خاصة، وهو ما يمنحهم تفردًا كيفيًا في وجهات نظرهم، وهو ما يظهر عادة في الفن؛ فكثير من الفنانين هم من العالم نفسه الذي لأغلبية البشر، لذلك يسهل تلقي أعمالهم، ولكن قلة فقط منهم تعبر عن عالَم مختلف. وهذه الظاهرة ليست قاصرة على الفن؛ فأصالة فروض آينشتين مثلاً راجعة إلى تفرد تأويله للعالَم، كذلك تفرد بعض الفلاسفة الذين أنتجوا مذاهب ونظريات أحدثت تحولات معرفية جذرية، ككانط وهيجل وماركس وهيدجر إلخ. باختصار فإن ما نعنيه بالعالَم في هذا السياق هو (تصور) بشري عن العلاقات بين الذات والموضوعات، وبين أفراد هذه الموضوعات وبعضهاإذاً فمفهوم العالَم كتصوّر، كتأويل، هو ما يبسط مجال التأويل الموسيقيّ للعالَم. والسؤال التالي بطبيعة الحال هو: كيف يمكن تأويل العالَم موسيقيًا؟ وهل تقدم الأعمال الموسيقية عوالِمَ بديلة؟ هل يمكن أن تتمتع هذه الأعمال بجوانب معرفية تسهم في تغيير نظرتنا إلى ما نعرفه؟ وما الذي يجعل تأويلاً ما للعالَم تأويلاً (موسيقيًا) على التحديد؟

معنى التأويل الموسيقي للعالَم

يقوم التأويل الموسيقي للعالَم على ثلاث دعامات أساسية: الحركة، والنظام، والآلية. فإذا كانت الموسيقى كما تَقدم إنتاجًا لنمط حركة منظّم متغيِّر يُستدعَى عن طريق السمع، فإن التأويل الذي يمكن لها أن تقدمه هو إعادة فهم الموضوع في إطار الصيرورة (التغيّر) الزمنية. ومن الطبيعي أن يقدم كل موسيقار، بل كل عمل لكل موسيقار، منظورًا تأويليًا حركيًا متفردًا بدرجة أو بأخرى عما سواه. إن نمط الحركة الذي تنتجه الحركة الأولى من خامسة بيتهوفن مثلاً يختلف عما تنتجه الحركة الأولى من السيمفونية رقم ٤٠ لموتسارت. الأول نمط اشتقاقي بالدرجة الأولى، يعتمد على أربع نغمات (صول صول صول ميبيمول) تتكرر بتعديلات بسيطة، وتتراكب لتصنع بناءً لحنيًا، يعاد تفكيكه وتركيبه، ويوَلَّد منه الصراع الدرامي، بحيث لا يظهر اللحن فجأة في بداية العمل مكتملاً، بل يتكون من هذه الوحدات تحتاللحنية وينمو ويتحلل في دورات متعاقبة، وبحيث لا نستطيع أن نقول بدقة إن الحركة الأولى من السيمفونية الخامسة، التي هي في صيغة الصوناتا، والتي تفترض كصيغة لحنين أو موضوعين متعارضين يجري بينهما التفاعل، أنها مكونة من لحنين، أو حتى لحن واحد، بل هي قصة ذلك التكوين والتحلل، رغم أنها تصنع فعلاً تعارضًا واضحًا بين تيمتين، لكنهما غير لحنيتين، بما يجعلها مختلفة تمامًا عن عمل موتسارت. فعمل موتسارت معتمد بوضوح على لحنين متعارضين، يُعرَض الأول، ثم الثاني، ثم يجري التفاعل، ثم يتم فك الاشتباك في إعادة العرض، في صيغة الصوناتا الكلاسيكية. مساحة الفَكّ والتركيب في عمل موتسارت أقل بكثير مما هي عليه في عمل بيتهوفن، وبالتالي فإن بيتهوفن يبدأ من نقطة أعمق في التأليف، من وحدات أبسط من موتسارت كما سبق، ليصنع الموضوعين المتعارضين في العمل من الوحدات نفسها، وهو ما يجعله معبرًا عن صيرورة مختلفة، تتولد فيها الأضداد من المادة نفسها، في حين (تظهر) الأضداد في عمل موتسارت من العدم. والخلاصة أن نمط حركة بيتهوفن أقرب إلى الديالكتيك (المنطق الجدلي في التطور)، المتميز بنشأة الأضداد من العناصر نفسها، واندماجها في كل جديد، تظهر فيه الأضداد في تفاعل ثانٍ (الكودا عند بيتهوفن التي تطورت لديه إلى قسم تفاعل ثانٍ)، وهكذا، بينما يعبر موتسارت عن منطق مختلف في التطور أقرب إلى التطور الكلاسيكيالأرسطي، أي أن الأضداد الموتسارتية ليست من أصل واحد، وربما غير ممكنة التوفيق يمكن الرجوع بخصوص المنطق الجدلي بشكل مختصَر ودقيق إلى: زكريا إبراهيم: هيجل أو المثالية المطلَقة.. الجوهر عند بيتهوفن هو التحوّل ذاته، فلا توجد صيغة نهائية، أو جوهر ثابت، ويحدث التناقض والصراع في هذا الكل المتحوِّل كجزء من طبيعة التحول ذاتها، أما لدى موتسارت فالصراع يحدث بسبب تناقض الجواهر الثابتة المتناقضة في الطبائع. بهذه الصورة يبدو نمط حركة بيتهوفن جدليًاهيجليًا (وقد وُلد كل من بيتوفن وهيجل في العام نفسه في ألمانيا ١٧٧٠)، بينما يبدو نمط حركة موتسارت ثنائيًاقطبيًاأرسطيًا. لهذا ينتمي بيتهوفن وهيجل كلاهما إلى الحقبة نفسها: الرومانسية في كل من الموسيقى والفلسفة، بينما ينتمي كل من موتسارت وأرسطو إلى المدرسة الكلاسيكية رغم الفارق الزمني الكبير بين الأخيرين.

ومن المعروف كيف أن المنطق الجدلي الهيجلي في التطور قد أحدث نقلة نوعية في طريقة فهمنا للعالم؛ فظاهرة مثل الديكتاتورية مثلاً – بحسب هيجل ليست نقيضة فقط للديمقراطية، بل هي متولدة عنها، كما تحدث ردة إلى الديكتاتورية في بلد ما كرد فعل على فشل/تناقض الديمقراطية، وكما يحدث العكس كذلك. وفي الصياغة المادية للديالكتيك، أي المادية الجدلية والمادية التاريخية عند ماركس، لا تعد الاشتراكية نقيضة فقط للرأسمالية، بل نتيجة لها كذلك، كرد فعل عليها راجع هنا مثلاً: G. D. H. Cole, A History of Socialist Thought. لذلك فحسب الماركسية الكلاسيكية (الأورثوذكسية) لا يمكن أن تظهر الاشتراكية إلا في بلد صناعي متقدم رأسمالي، رغم أنها نقيضة لها. هذا مثال فقط على تأثير نمط الحركة (منطق التطور) على تأويلنا للعالَم. وإذا استوعبنا هذه النقطة، فإن الفكرة الأساسية لهذا المقال تتضح حين نضيف هنا ما قدمناه سابقًا مِن أنّ الموسيقى إنتاج لنمط حركة منظّم متغيِّر. إنها الفن الذي يمنحنا منظورات متعددة لتفسير التطور والتاريخ. ولهذا يمكن تطوير تحديدنا لماهية الموسيقى عند هذه المرحلة من المقال بقولنا إن الموسيقى إنتاج لمنطق تطوُّرٍ، يمكن تطبيقه واختباره على كافة الظواهر المتغيرة.

تقدم لنا الحركة الأولى من خامسة بيتهوفن منطقًا جدليًا في التطور، يمنحنا منظورًا معتمدًا على المنشأ المشترك للنقائض، خلاف ما تقدمه الحركة الأولى من سيمفونية موتسارت رقم ٤٠ مِن منظور ثنائي، لا يفسّر منشأ الظواهر، ولا يتطرق إلى الأصل المشترك لها. وهذان النمطان ليسا مقصورين على هذين العملين، بل هما عامّان لدى كل من المؤلفَيْن، مما يعكس تأويل العالَم لدى كل منهما. وهو ما يعني أن فكرة الموسيقى كتأويل، التي يقدمها هذا المقال، ذات وجهين؛ فعن طريقها يمكن لنا مِن وجهٍ أن نفهم رؤية العالم لدى الموسيقار، كما أنها تمكّننا مِن وجهٍ آخَر مِن فهم العالَم طبقًا لنمط الحركة/منطق التطوّر الذي يقدمه الموسيقار في أعماله.

التأويل الموسيقيّ للعالَم هو إعادة فهم منطق التطور الحادث في العالَم طبقًا للقواعد التي يشتمل عليها ما ينتجه العمل الموسيقيّ من نمطٍ للحركة. وهكذا تصبح أولى الدعامات الثلاث سابقة الذكر هي الأهمّ كذلك في سياق فهمنا لكيفية هذا التأويل.

الدعامة الثانية للتأويل الموسيقي هي النظام؛ فالموسيقى تتميز عن سائر الفنون بخاصية متفردة هي اقتراحها لوجود نظام في الفوضَى؛ لأن أهمّ ما يفرق الموسيقى عن الضوضاء هو النظام. وعندما يبدأ المستمع لأول مرّة في تلقّي قطعة موسيقية غير تقليدية، مثل السيمفونية الرابعة لشوستاكوفتش، أو الكونشرتو الثالث لرحمانينوف، فإنه يحاول بشكل تلقائي استبصار نظام ما في فوضى الأصوات، وتحويل الضوضاء عقليًا إلى نظام، فيفهم مثلاً أن ألحان الحركة الثالثة من كونشرتو رحمانينوف المذكور مشتقة من ألحان الحركة الأولى، كأنها تعاود الظهور، أو تنبعث بعد موت، وهو ما أشرنا إليه في مقالنا عن هذا الكونشرتو. وهذه العملية التي يقوم بها المستمع للعثور على نظام في الفوضى ليست اعتباطية، ليست ذاتية، بل يتحكّم بها الموسيقار نفسه، في الإرهاص إلى السامع بهذه الفكرة، وبالتركيز على الأصل الاشتقاقياللحني في الحركة الأولى، الذي اشتُقّ منه لحن الحركة الثالثة المعنيّ. وهي نفسها العملية التي نعنيها حين نقول فهمتُ هذا العملأو التي ننفي وقوعها حين نقول لم أفهمه“. “فهمت العملأي عثرتُ فيه على نظام ما يمكن أن نجد في العمل إشاراتٍ إليه وإرهاصاتٍ بهإذاً فالفنان يستطيع التحكم في تأويل المتلقي للعمل عن طريق نثر مفاتيح تأويلية معينة يعرف أن المتلقي سوف يستعملها ويتتبعها في محاولته التلقائية للفهم. والموسيقى هي أخصّ الفنون في هذه الظاهرة؛ لأنها جزء من ماهيتها، في حين أن ليس من ماهية الشعر أو العمارة مثلاً النظام وسط الفوضى. صحيح أن الشعر نظم معين لكلام قد يكون منثورًا، ولكن حتى هذا الكلام المنثور له معنى خارج النظم، وصحيح أن العمارة إعادة تركيب واستعمال لعلاقات الكتلة والحمل والجاذبية، لكن العمارة قد تكون موجودة في الطبيعة كنظام، وكنظام محكم، مثل شكل البللورات تحت المجهر، أو تركيب خلايا النحل، أو شكل صخرة معينة، أو هيئة الشجرة، وكلها ذات بنية واضحة. أما الضوضاء التي تقوم بنظمها الموسيقى فليست لها معاني أو بنية منظمة في ذاتها كمجموع أصوات قبل تدخل الموسيقار. الموسيقى إبداع نظام من فوضى، وهي في ذلك أكثر تميزًا من سائر الفنون. وبالتبعية فإن التأويل الموسيقي للعالَم هو هذه المحاولة لإيجاد نظام فيما قد يبدو لأول وهلة عشوائيًا سائلاً.

أما الدعامة الثالثة للتأويل الموسيقيّ فهي الآلية. ونعني بها هنا الوعي بالآلة، وعلاقتها بالإنسان، وربما اندماجها بالإنسان في مرحلة ما، أو تحول الإنسان إلى آلة. وهي إشكالية فلسفية هامة بالذات في القرن العشرين من أهم ما كتب في هذا الموضوع وأشهره كتاب هيدجر Die Frage nach der Technik. ومثلما أن النظامفيالفوضى خصيصة مميزة للموسيقى بين الفنون، فإن الوعي بالآلة خصيصة أخرى مميزة لها. لا نجد في شتى الفنون مركزية للآلة كما نجدها في الموسيقى؛ فآلات الموسيقى ذات حضور طاغٍ، أكبر بكثير مما هو عليه الحال مثلاً في الورقة والقلم أو لوحة المفاتيح في الأدب، أو أدوات الرسم في التصوير؛ فآلات الموسيقى أكبر حجمًا، وأثقل كتلة، وأكثر تنوعًا، حتى تحولت إلى أيقونات ودخلت إلى مجال العمارة والنحت والتصوير.

ثلاثة موسيقيين - بيكاسو

ثلاثة موسيقيين | بيكاسو

وقد تحدثنا في مقالنا عن شوستاكوفتش، ما وراء الموسيقى، عن مفهوم موسيقى الآلة، أو كيف أنتج شوستاكوفتش موسيقى توحي إلى السامع بأنها صادرة من الآلة Clockwork، كأنما تمتاز الأخيرة بذكاء صناعيإبداعي، متأثرًا بطغيان الآلية في العصر الحديث. كما تحدثنا في المقال السابق مباشرة زمن الموسيقى ومكانها في فقرة فلسفة الأداء والتلقِّي الموسيقيين، عن اتحاد جسم العازف بالآلة. تمنحنا الموسيقى كتأويل للعالَم وعيًا قويًا بالعلاقة بين الآلة والإنسان: هل يتكلم الإنسان من خلال الآلة، أم تتكلم هي من خلاله؟ هل تؤثر الآلة على فهمنا للعالَم؟ هل يمكن لنا أن نستغني عن الآلة، أم أننا في الأصل سيبورجات (مزيج بين الأعضاء الحية والآلية)؟ لا يمكن لنا أن نستغني اليوم عن الهاتف الجوال أو الحاسب الآلى، ولا يستغني العازف عن آلته. هل العازف سيبورج من نوع ما يسبق فكرة السيبورج نفسها بقرون طويلة؟

وخلاصة هذه الفقرة: أنّ التأويل الموسيقيّ للعالَم يعتمد أولاً على فهم منطق التطور الحادث في الظواهر طبقًا لنمط الحركة الذي يطرحه العمل، وثانيًا على الوعي بالنظام في الفوضى، وثالثًا على الوعي بالآلة، وعلاقة ماهيتها بالماهية البشرية. وتتفاوت الأعمال الموسيقية كيفًا وكمًا في هذه الوظائف التأويلية؛ فكما رأينا يختلف نمط حركة بيتهوفن مقارنة بنظيره لدى موتسارت، كما تختلف درجة حضور النظام وعلاقته بالفوضى من موسيقار إلى آخَر؛ فحضور النظام مثلاً لدى موتسارت أقوى بوضوح منه في حالة شوستاكوفتش، وإلى جانب ذلك تختلف الآلة من حيث كينونتها ومدى سيادتها في العمل من موسيقار إلى آخَر؛ الآلة عند بيتهوفن مثلاً أقل حضورًا منها في حالة شوستاكوفتش.

أهم موضوعات التأويل الموسيقيّ للعالَم

هي أهم موضوعات التأويل عمومًا، والتي يمكن حصرها في الطبيعة، والفن، والدين، والفلسفة، والإنسان والتاريخ، كما يلي:

أالتأويل الموسيقي للطبيعة

تقدم لنا الأعمال الموسيقية المختلفة، وخاصة في الموسيقى الخالصة منظورات متعددة لفهم التطور من خلال نمط الحركة الذي تنتجه، وبالتالي تمكن إعادة فهم الحركة في الطبيعة طبقًا لها. ويمكن هنا التمثيل بأربعة أنماط للحركة: نمط موتسارت الثنائي، ونمط بيتهوفن الجدلي، ونمط رحمانينوف القائم بالأساس على وحدة التفكك والتماسُك، والذي تحدثنا عنه باستفاضة أكبر في مقال ما وراء الليل في الفقرة الخاصة بنسيج رحمانينوف، ونمط شوستاكوفتش المتكاثِر السرطاني، الذي بسطنا القول فيه في مقال ما وراء الموسيقى. إن الطبيعة من وجهة نظر النمط الموتسارتي نظام متسق، غير متصارِع داخليًا، ويعد الصراع فيه ظاهرة استثنائية غير طبيعية، ناجمة عن (خطأ) ما في النظام، قد يمكن التخلص منه. الطبيعة الموتسارتية نظام محكَم مغلَق، لا تتسرب إليه العشوائية، لذلك يدور في دوائر مغلقة، كدورات الأجرام السمائية. وفي هذا العالَم لن يظهر ما هو جديد، بل ما هو استعادة للقديم. ولهذا فشكل التطور الموتسارتي أقرب إلى الدائرة المغلقة. على النقيض من ذلك يتخذ نظام التطور البيتهوفني شكلاً أقرب للولب، في جمعه بين خاصيتي الدوران والاتجاه في خط مستقيم؛ فالقديم يُستدعَى فعلاً لدى بيتهوفن، ولكن في صورة جديدة، ومن الممكن أن ينشأ عن هذا التطور ما هو جديد، ولكن في حدود استيعابه للقديم. الكون البيتهوفني مفتوح على المكان والزمان والاحتمالات، وهو ينطلق في مسار مركّب من الدائرة والخطّ. ونظرًا لإمكانية ظهور هذا الجديد كجزء من طبيعة الكون، فإن الخروج على النظام ليس خطأً فيه، وليس استثناءً، بل طبيعة. البنية النظرية حاضرة حضورًا قويًا، وقويًا جدًا، عند بيتهوفن، لكنها بنية مفتوحة متغيرة باستمرار، ولا تستعيد نفسها إلا بشكل مختلف كل مرة، وتبدأ كما ذكرنا سابقًا من وحدات أكثر أوّليّة، وتصعد إلى أبنية شاهقة، لكنها غير مغلقة، غير نهائية في اكتمالها. لذلك يوحي موتسارت بالكمال والتناهي، بينما يوحي بيتهوفن بالانفتاح والانطلاق والتغيّر. بناء موتسارت أقرب إلى عمارة شفافة أنيقة صغيرة، كغرفة في قصر مثلاً، ذات عناصر وبنية بسيطة، أما بناء بيتهوفن فهو أقرب إلى سقوط شلاّل أو انهيار جبل أو فوران عاصفة. الأول داخل النظام الذي لا يغادره، والثاني يجد نظامه في الحركة دون تصور عن الداخل والخارج، فالخارج جزء من الداخل وخصيصة من خصائصه التي لم تفصح بعد عن نفسها. وحين تفصح عن نفسها فإنها تشكل داخلاً له خارج مباطِن جديد، وهكذا. الكون البيتهوفني إذاً متطور بطبيعته، بل إن التحوّل والصيرورة طبيعة فيه لا مناص منها، في مقابل الكون الموتسارتي البسيط الواضح المفهوم والثابت.

في المقابل لكل من النظام الموتسارتي والبيتهوفني يقوم النظام عند رحمانينوف على وحدة التفكك والتماسُك؛ فالزخارف والإنماءات من وحدات أوّلية في مستوى وحدات بيتهوفن الأولية والمعبّرة عن حالة من التفكك والذوبان تتحد (كغاية) لها في اللحن، الذي يظهر ظهورًا سِيَادِيًا بالغ الوضوح، بما يفوق وضوح اللحن عند بيتهوفن، وبما هو أكثر مركزية وأقوى صياغة من ألحان موتسارت. وما يمنح لحن رحمانينوف هذه المركزية هو ما يحيط به من زُخرُف مفكك. وكما قلنا في مقالنا المذكور عن رحمانينوف فإن هذه الزخارف ليست في جدار ما، بل هي نفسها هذا الجدار. وهو بناء فريد جديد، يظهر فيه بالإضافة إلى ثنائية التفكك/التماسك عنصر الغائية؛ فاللحن عند موتسارت وبيتهوفن أحد مكوِّنَين أساسيين للعمل مع التفاعل (الإنماء)، أما عند رحمانينوف فهو غاية للعمل. الكون الرحمانينوفي إذاً كون غائي، يبحث باستمرار عن الوحدة والنظام، وهو حين يصل إليها ينتهي العمل (الكونشرتو الثالث مثلاً) وحين يفقدها ينتهي العمل أيضًا (السيمفونية الثانية مثلاً)، فالوصول إلى الغاية نهاية، وفقدان الغاية نهاية أيضًا. لذلك تنتهي أعمال رحمانينوف إما بالظهور الكامل للحنالغاية، أو بالتحلل والتناهي إلى وحدات أولية تتلاشى تدريجيًا في الفراغ. إنه تأويل للطبيعة مناسب لأصحاب الديانات بالذات، بما يعتمد عليه من تصور للنظام الذي يحكم تطورَهُ التوجّهُ نحو الغاية منه، وليس من الغريب أن يقتبس رحمانينوف تيمة Dies irae الدينية القروسطية في أغلب أعماله في مواضع مفصلية في الانتقال من لحن إلى آخر وفي التفاعل بين الألحان.

وفي مقابل النظُم الثلاثة السابقة يتميز نظام التطور عند شوستاكوفتش بمساحة أكبر بكثير من التفكك، لهذا يمكن فهمه بشكل أبسط نوعًا من خلال مقارنته برحمانينوف أولاً. فالتفكك عند رحمانينوف يبحث عن الغاية منه، أما لدى شوستاكوفتش فهو بلا غاية، وهو يتكاثر تكاثرًا سرطانيًا غير محدود كمًا وغير محدد كيفًا بوضوح. برغم ذلك (يوحِي) النظام عند شوستاكوفتش بخطّة باطنية، بحيث لا تستطيع القول ما إذا كنا بإزاء فوضَى كاملة أم نظام خفيّ. ويحافظ شوستاكوفتش على هذا التوتر بين الفوضى والنظام حتى نهاية العمل في أغلب إنتاجه الكلاسيكي، مما يعني أن الكون الذي يقدمه متردد بين النظام والفوضى، بينما كان حضور النظام بشكل أو بآخَر عند النماذج الثلاثة السابقة حاسمًا. الكون عند شوستاكوفتش نموّ غير عقلاني، شبه آلي، أو آلي، لا غرض له سوى النمو والتمدد المفزع والمضحِك في آنٍ، لكننا نشتبه دائمًا دون يقين في وجود نظام فيه أو غاية له، مجرد اشتباه لا يعكس مِن الحقيقة قَدْرَ ما يعكس مِن عجزنا عن إدراكها، قَدْرَ الشكّ والعدم والضآلة، وربما التفاهة.

إن علينا – بعد استعراض الأنظمة الأربعة السابقة أن نختار: بين كونٍ يدور في دائرة مغلقة، ويكرر نفسه دائمًا، مستقرّ، يمكن تصحيح إخطائه، وكون مفتوح لولبي منطلِق ثائر متجدد، وثالث غائيشبه ديني تحكمه الغاية منه أكثر مما تحكمه قوانين أو بنية، ورابع يعتبر النظام نفسه كذبة أو اشتباهًا ولا يمكن السيطرة على تضخمه المهول المستمرّ. وإذا فرضنا أن كوننا الذي تثبت الأبحاث أن تمدده واقع، وأنه يتسارع في هذا التمدد، هو أقرب إلى الكون البيتهوفني بالذات، فإن نموذج شوستاكوفتش أيضًا له الوجاهة نفسها، لكننا عادة سنميل إلى الأخذ بطبيعيات بيتهوفن نظرًا لإيماننا شبهالديني بنوع من النظام المحكَم خلف الظواهر، حتى وإن لم يكن هذا النظام رحمانينوفيًا غائيًا. وهو ما يلج بنا إلى الدعامة الثانية من دعامات التأويل الموسيقي، ألا وهي النظام.

كما قلنا: فإنّ الموسيقى هي الفن الأهمّ في سياق توجيه الوعي إلى استبصار نظام في الفوضَى. ولكن كما رأينا سابقًا فإن الموسيقيين يتفاوتون في درجة ونوع حضور النظام بشكل عام. إن التأويل الموتسارتي للطبيعة يفترض وجود قوانين محددة لها، وهو في هذا يتشابه بشكل عام مع التأويل البيتهوفني؛ فكل منهما يؤكد حضورَ نظام ما في العشواء، بحيث تكون باستطاعة البشر فهمه والتناغم معه، وربما تبديله (بالذات عند بيتهوفن)، وتأسيس نظام جديد. لكن الحال يختلف بالمقارنة مع كل من رحمانينوف وشوستاكوفتش؛ فالنظام عند رحمانينوف مرتبط بالغاية منه، بمعنى أن محاولة العثور على نظام في الفوضى يجب أن ترتبط لديه بفهم الغاية Telos وليس السبب فحسب Causa. أما في حالة شوستاكوفتش فإن في محاولة العثور على نظام أصلاً كثيرًا من الشكّ، وقد تكون مزيدًا من الإيغال في العبثية، لكنها قد تكون وجيهة أيضًا إذا تذكرنا حضور الآلة لديه، فالكون قد يكون منظمًا كآلةٍ لكنه بلا غاية، وبحيث يكون هذا النظام باطنيًا غائمًا طيلة الوقت والتاريخ. وهي المرحلة التي ننتقل فيها إلى بحث أثر الآلة الموسيقية على تصورنا عن الطبيعة، أي الدعامة الثالثة من دعامات التأويل الموسيقي.

إعلان

إن أداء الموسيقى حصيلة تفاعل بين جسم العازف الحي (الإنسان) وجسم العازف الميت (الآلة)، وبحيث لا نستطيع أن نحدد بالضبط: أيهما يعزِف من خلال الآخَر! هل يطوّع العازفُ الآلةَ لصالحه، أم أن الآلة تفرض نفسها على كل من يعزفها؟ إذا كنت تتصور أن هذه الإشكالية محسومة، وأن العازِف ككائن واعٍ هو بالتأكيد المتحكِّم في آلته الموسيقية الميتة، فإن هذا يصطدم بحقيقة أن الآلة أيضًا تتحكم في طريقة العزف عليها؛ فلن تستطيع أبدًا مهما حاولتَ أن تعزف على البيانو كما تعزف على الكمان أو العكس. الآلة تسهم إذاً بنصيب وافر ليس في العزف فقط، بل كذلك في التأليف. لذلك نقول مثلاً أن هذا العمل مؤلَّف للبيانو، ولا نعني هنا فقط أنه مناسب للبيانو، بل نعني كذلك أنه للبيانو، له، أي لأجله، كأن البيانو آلة تستعبِد المؤلّفين (لها)، تسخرهم لصالحها لإنتاج موسيقاها، ويصير الجمهور في هذه الحالة مجرد مُشاهِد للمعركة الدائرة بين الآلة والإنسان. وإذا اعتبرنا هذه الصورة السابقة مجازية ومنطوية ككل مجاز ناجح على مبالغة ما، وتجاوُز للحقيقة، بما يشتمل عليه معنى كلمة مجازالمشتقة من جازَ جَوْزًا، فلن نستطيع على الأقل إنكار أن للآلة الموسيقية نصيبًا مما انتظمَ وتآلَفَ (لها). ولا يمكن بشكل عام تأليف موسيقى لغير آلة أو آلات محددة (ونحن نتكلم هنا عن التأليفلا التلحين“). وهي الحقيقة الأكيدة هنا.

على أنّ الموسيقار الذي قدّم أقوى حضور للآلة بين الموسيقيين الأربعة المختارين كأمثلة للتأويل هو شوستاكوفتش بطبيعة الحال، وكما أوضحناه في مقال ما وراء الموسيقى. فقد تعمّد شوستاكوفتش إنتاجَ أصوات الآلة عن طريق الأوركسترا، ليخرج من حيز الآلة الموسيقية إلى الآلة عمومًا. لقد حاول بذلك توجيهنا إلى فكرة سيادة الآلية في العصر الحديث، وقد فصّلنا هذه الفكرة في المقال المذكور، لكن لهذه الفكرة تأويلات أبعد من ذلك إذا طُبّقتْ على الطبيعة: هل الكون آلة كبرى، ونحن – فقط أجزاء/تروس/صواميل/مسامير.. منها؟ وما نوع هذه الآلة؟ هل يمكن العزف على الكون؟ هل هو أوركسترا يقودها مايسترو خفيّ؟ هل هذا المايسترو قوانين الاحتمالات الصمّاء غير العاقلة كما أفادت ميكانيكا الكوانتم، أم قانون أودعه الله في العالَم كما اعتقد آينشتين حين اعترض على نيلز بور معتنق فكرة الاحتمالات قائلاً: “إن الله لا يلعب بالزّهرحتى فاض الكيل ببور فردّ عليه ذات مرة توقف عن إخبار الله ما يفعل وما لا يفعل!” في الجدال الشهير بينهما. وأبعد من ذلك: هل الكون آلة أم معزوفة؟ هل قوانين الفيزياء تعليمات للعزف في مدونة كُبرَى أنتجت هذه السيمفونية التي نسميها الكون؟ وهل هو سيمفونية من حركات تتقدمها صيغة الصوناتا بما فيها من عَرض وتفاعل وإعادة عرض، أم كونشرتو لآلة منفردة متميزة تلعب وسط أوركسترا هائلة إلى حد لا يمكن تصوره؟ وما هذه الآلة المنفردة؟ ما الذي هو متفرد ومنفرد في الكون؟ هل هو الإنسان حقًا؟ هذه فقط بعض المفاتيح التأويلية التي يطرحها هذا المحور (الآلية) من محاور التأويل الموسيقي للطبيعة.

بالتأويل الموسيقي للفن

يعتمد التأويل الموسيقي للفن على الدعامات الثلاث السابقة، ولكن قد تنضاف إليها دعامة رابعة خاصة بهذا المجال هي الصيغ الموسيقية. وتأويل الفن حسب الصيغ الموسيقية هو الأوضح والأبسط في سياق هذه الفقرة، لذلك ربما يحسن البدء به. فالصيغ الموسيقية تصلح مدخلاً لفهم وإعادة تصوّر صيغ الأعمال الفنية، كالشعر مثلاً، وليس إيراد الشعر هنا كمثال تطبيقي عبثًا؛ بل لأن الشعر هو أقرب الفنون من جهة التلقي إلى الموسيقى، حيث يتكون موضوع القصيدة شيئًا فشيئًا أثناء القراءة في الزمن، وليس في المكان، بالإضافة إلى تضمن الشعر لعنصر الإيقاع في الغالب، وهو تداخل بين الموسيقى والأدب. وهي عملية تبادلية، فقد يمكن تأويل مقطوعة موسيقية شعريًا، كما في شكل القصيد السيمفونيالذي ابتكره فرانز ليست، أو المتتالية التي هي أقرب إلى رواية موسيقية من عدة فصول. لذلك فهي دعامة أقل أهمية من الدعامات الثلاث الرئيسية في التأويل الموسيقي؛ لأنها أقل خصوصية وأكثر اشتراكًا. وقد ضربنا في المقال السابق زمن الموسيقى ومكانهامثالاً على الكونترابنط، أيْ تزامن أكثر من لحن يعزفان في آنٍ واحد، بقصيدة أيلول لأمل دنقل، والتي يمكن اتخاذها أيضًا مثالاً على الصوناتا، فهي مكونة من قصيدتين، إحداهما أساسية (على اليمين) تتعلق بالمعاني الأساسية للقصيدة، والثانية إيقاعية غنائية، تقوم بالتعليق على الأساسية، كما نجد في الصوناتا عادة آلة ميلودية كالكمان والتشيللو وآلة هارمونية كالبيانو. وهي التجربة التي خاضها عدد من الشعراء مثل محمد عفيفي مطر مثلاً في قصيدة كتاب المنفى والمدينة، التي تتكون من قصيدتين متوازيتين، بحيث تكون إحداهما تعليقًا على الأخرى، وبحيث تُقرآن معًا بالتزامن بينهما. وهذه هي الصوناتا كشكل موسيقي بشكل عام، لكن الصوناتا كصيغة موسيقية مكونة من: العرضالتفاعلإعادة العرض نجدها في قصائد أخرى، مثل يوميات كهلٍ صغير السنّ لدنقل أيضًا، فالمقطع الأول يُستعاد في النهاية بشكل يبدو فيه بوضوح التلخيص والاستعادة Recapitulation الذي هو قسم إعادة العرض في الصوناتا.

كان هذا جانبًا من التأويل الموسيقي للفن معتمدًا على الأشكال والصيغ الموسيقية. لكنّ الأخصّ في سياق التأويل الموسيقي عمومًا هو الدعامات الثلاث الأساسية: الحركة والنظام والآلية. إن لكل عمل فني بطبيعة الحال نظامًا في الحركة، قد يتشابه بدرجة ونوع معينين مع أعمال أخرى، ولكن الموسيقى بما هي الفن (بالألف واللام) المنتِج لأنماط الحركة كإمكانيته الأساسية يمكّننا من فهم هذه الأنماط في صورة مجردة؛ فللوحة الفنية مثلاً نمط للحركة، لكنه باطني غير مباشر وغير واضح وضوح نمط الحركة الموسيقي. إن حرص دنقل على الكمال الشكلي يقرّبه مثلاً من نمط حركة موتسارت وبيتهوفن، كما يبعده نسبيًا عن نمط كل من رحمانينوف وشوستاكوفتش. أما عفيفي مطر في قصيدته المذكورة أعلاه، وخاصة في القصيدة اليسرى التي تعلق على القصيدة اليمنى الأساسية، فإنه أقرب إلى نمط شوستاكوفتش، حيث نجد النموّ السرطاني المتفجّر في المعجم والرؤَى بشكل يكاد يكون غير محدود. وإذا كان النظام حاضرًا بشكل مباشر في أعمال دنقل فإنه أقل وضوحًا وأعمق باطنيّة عند عفيفي مطر، بما يجعلنا نتساءل كثيرًا ونحن نقرأ الأخير ما إذا كان هناك نظام أم لا، وما إذا كان هذا النظام إسقاطًا عقليًا صرفًا أم هيكلاً واقعيًا للعمل.

هل العمل الفني عمومًا آلة تُنتِج المعاني والتصورات والمشاعر؟ هل القصيدة آلة كالآلة الموسيقية، أم أن آلة الشعر هي المعاني والمفاهيم، أم اللغة ذاتها؟ هل آلة الشعر هي عملية القراءة ذاتها بحيث تكون القصيدة مدونة تتضمن تعليمات معينة لاستعمال اللغة أي استعمال إمكانات القراءة؟ وما علاقة هذه الآلةالقصيدة بالقارئ؟ وهل يوجد قارئ بلا نصّ، إنسان بلا آلة؟

تمتدّ إمكانات التأويل الموسيقي للفن إلى سائر الفنون: فاللوحة الثابتة في المكان، والتي نتلقاها تلقيًا مكانيًا صرفًا، يمكن أن نطبق عليها عدة أنماط في الحركة مشتقة من الموسيقى، حركة لون معين في اللوحة مثلاً وهو يظهر ويختفي ويتدرّج ويتداخل مع غيره. اللوحة التجريدية أو السريالية تطرح سؤال النظام والفوضى. التمثال آلة ثابتة في تأويل معين. العمارة آلة تاريخية تمارس دورها في التاريخ لا الزمان. الفيلم: هل هو مجموعة رقصات مؤلَّفَة على موسيقى، كفيلم The Good, the Bad and The Ugly، الذي تستغرق مشاهدة أغلب مشاهده بالضبط مدة عزف مقطوعات موسيقاها التصويرية لإنيو موريكوني، أم العكس؟ أيهما عمل مصاحب للآخَر: الموسيقى أم الفيلم؟ الموسيقى نفسها يمكن تأويلها موسيقيًا؛ فالعمل الموسيقي اليومَ لا بد أن يدخل في جدل مع التراث الموسيقي السابق تلقائيًا، كالنظام الغائم عند شوستاكوفتش، الذي نتتبعه أو نحاول استكشافه أثناء الاستماع تلقائيًا بسبب مقاربته الحذرة المحدودة للصيغ الموسيقية السابقة عليه: سيمفونية ليست بالضبط سيمفونية، وصوناتا ليست بالضبط كذلك. هذا هو الشكل عند شوستاكوفتش.

جالتأويل الموسيقي للدين أو اللاهوت الموسيقيّ

طرحنا في مقالة لاهوت السيمفونية التاسعة مثال تطبيقي للاهوت الموسيقي، والذي نعني به التأويل الموسيقي للطبيعة الإلهية وعلاقتها بالإنسان والتاريخ. كما اتضحت بعض الأمثلة على تلك الفكرة أعلاه، وبالذات في تأويل الطبيعة؛ نظرًا لترابط موضوعات تأويل العالم ترابطًا عضويًا بطبيعة الحال. وربما كانت أوضح أوجه اللاهوت الموسيقي ذات صلة وثيقة بتحديدنا في المقام الحالي لماهية الموسيقى والعمل الموسيقي؛ فإذا كانت الموسيقى وجودًا عقليًا صرفًا، كالسيمفونية رقم ٤٠ لموتسارت، وبرغم ذلك موضوعيًا بمعنى أنه ليس من اختراع الذات المتلقية، فإن الفكرة العامة في أغلب الديانات المؤلِّهَة عن الإله أو المبادئ العامة الحاكمة للكون في الديانات غير المؤلِّهَة هي كذلك أيضًا: كينونة موضوعية غير منظورة غير محسوسة ولكن يمكن إدراكها عقلاً (أو روحًا) وهي ليست من اختراع البشر. ترتبط فكرة الإله أو المبدأ العام الكوني بدعامة (النِّظام) من دعامات التأويل الموسيقي. فإذا كانت الموسيقى بذاتها موجِّهَةً للوعي ليدرك فكرة النظام العامة، فإن الكون أيضًا في تنظيمه عند كثير من البشر دالّ على وجود مُنظِّم. الموسيقى تفترض عقلاً أو مبدأً منظِّمًا مؤلِّفًا كما يفترض بنيان الكون عند من يؤمنون بأدلة العناية والنظام اللاهوتية على حضور مؤلِّف ما في الخلفية الكونية. يفترض الكون كآلة كبرَى إلهًا قام بتشغيلها أو بصنعها، وهو تأويل مختلف للمفهوم الدرامي الإله من الآلة. مِن الوعي بالآلة قد يخرج الإله عند من يؤمنون بهذا النوع من الاستدلال عَبْر الطبيعة على ما بعدها. وقد أشرنا فيما سبق إلى علاقة البناء الرحمانينوفي الغائي بفكرة الكون الغائي الذي يتوسّل الوجودَ إلى الإله. ولكن الوعي بالنظام والآلية قد يطرح أسئلته كذلك دون توقع إجابات محددة: هل لا بدَّ لكل نظام مِن منظِّم؟ ألا يمكن أن يكون النظام سرمديًا كقوانين الاحتمالات الرياضية في ميكانيكا الكوانتم؟ هل يعمل الكون كالآلة الموسيقية التي نعرف أن لها صانعًا وعازفًا؟ هل الإله صانع كذلك لهذه الآلة أم أنه فقط عازف عليها؟ بمعنى أنه قد يكون مشغِّلاً لها دون أن يخلقها من عدم، وهو رأي أرسطو مثلاً في (المحرك الأول الذي لا يتحرك). هل هو عازف أم مايسترو أم مؤلِّف؟

لقد اهتم عدد من المذاهب الصوفية بالموسيقى، وربما كان أشهرها ومِن أقدمها مذهب فيثاغورَس، الذي قدّم نوعًا مِن عبادة الأرقام، واعتبر أن هيكل الكون عدد وأنغام. لقد كانت الموسيقى ملهمة لهذه المذاهب بسبب كونها فنًا خفيًا، أقل حسية بطبيعة الحال من النحت والعمارة والتصوير، وكونها غامضة في تأثيرها، وتجريدية في موضوعاتها. كل ذلك ألمح إلى البعض بفكرة أقرب إلى الروح أو الوحي. وفضلاً عن ذلك اهتمت بعض الفرق والطرق الصوفية بالرقص والموسيقى، لقدرة الموسيقى التي أشرنا إليها في مقالنا السابق زمن الموسيقى ومكانهاعلى تقديم نمط للحركة يمكن محاكاته بالرقص أو المشي، وحين تكون تلك المحاكاة جماعية يحدث نوع من ذوبان الذاتية في الجماعة، في عملية أقرب إلى الفَناء الصوفي Entwerdung. وهي علاقة نمط الحركة كذلك بالوعي الصوفي. لكن التصوف –فيما عدا بعض الآراء التي تراه أصلاً للدين والأخلاق وليس العكس كرأي و. ت. ستيس W. T. Stace, Mysticism and Philosophy, J.B. Lippincott Company, USA, 1st Ed., 1960, p. 324 هو اتجاه ديني، بمعنى أنه أحد أوجه تأويل الدين، بما يعني أنه في المقام الأول مؤسَّس على وعي ديني قارٍّ مسبقًا في عقيدة الصوفيّ، وبما يجعل هذه النقطة فرعية في علاقتها بموضوع اللاهوت الموسيقي، كحالة أو حالات خاصة.

ربما كان أهم وجه للاهوت الموسيقي هو الإيمان ذاته، وكيفية حصوله؛ فهل (يقع) الإيمان في المكان أم (يحدث) في الزمان؟ إذا فرضنا بحسب هيجل وهيدجر أن الكينونة الإنسانية زمانية في أساسها، بمعنى أنها تتكون وتوجَد أثناء تطورها وعن طريق تطورها، وأن ظواهرها الأساسية ظواهر زمانيةتطورية، فإن الإيمان كذلك ظاهرة زمانية، قد يحدث فجأة، في قفزة إيمانية، مثل ظهور لحن موتسارت من العدم، أو قد يتطور عبر جدل طويل كألحان بيتهوفن. هل الإيمان إلهام مفاجئ كالعثور على لحن جديد؟ هل هو تذكّر لحياة سابقة كنا نعرف فيها اللهَ كما نتذكّر لحنًا نسيناه؟ هل يمكن أن ننسى الإيمان كما ننسى الألحان؟ وهل يتطور/يتحرك هذا الإيمان كحركة اللحن: حركة دائرية مغلقة موتسارتية، أو حركة جدلية بيتهوفنية، أو حركة غائية عند رحمانينوف، أو حركة سرطانية متشعّبة كحركة شوستاكوفتش؟ هل يرتبط الإيمان بالغائية، بمعنى أنه إرادي غير موضوعي وغير عقلاني، كما يجد البناء الرحمانينوفي وحدته في غايته؟

دالتأويل الموسيقي للفلسفة

للفلسفة أنساق يمكن تأويلها موسيقيًا طبقًا لأنماط الحركة التي تنتجها الموسيقى. النسق الكنطي مثلاً في المقولات غير جدلي، وقريب نوعًا من نمط الحركة الموتسارتي والبناء الموتسارتي البسيط المتماسك المغلَق، بعناصره المنفصلة في منشئها المترابطة في بنية العمل، مما يشي بنوع من روح العصر التي ربطت بين كانط فيلسوف القرن الثامن عشر الأهمّ وبين موتسارت موسيقاره الأخطر، خلاف ما نجد في المحور البيتهوفنيالهيجلي في القرن التاسع عشر، الذي عبّر ربما عن روح عصرٍ مختلفة جدلية؛ فالنسق الهيجلي جدلي كما هو معروف، مقارب لنمط الحركة البيتهوفني. وفي النصف الأول من القرن العشرين، وحيث قامت ثورة كبرى في روسيا هي الثورة البلشفية، وحربان عالميتان، عاصرهما رحمانينوف في النصف الثاني من حياته، وحيث بدأت تتصدّع أفكار الحتمية الطبيعية واليقين تحت مطارق الكوانتم ثم النسبية، عبّر نسق رحمانينوف الموسيقي عن فلسفة جديدة، تستكشف أفقًا مجهولاً، فكان رحمانينوف عصيًا على التصنيف، مجسِّدًا لروح التفكك الباحث عن غاية. أما في النصف الثاني من القرن العشرين، وحيث سادت أفكار ما بعد الحداثة، وانهارت في الغرب المنظومات الفلسفية والقيمية والسياسية الحداثية، وبزغ الخوف من التكنولوجيا (الحرب النووية) والآلة، فقد ظهر نسق شوستاكوفتش ليعبّر عن هذه الروح الجديدة العبثية القلقة، في نمط حركة هو بالضبط ما نجده في أطروحات ما بعد الحداثة: نظام بلا نسق، محاولة الثرمومتر لأن يقيس درجة حرارته الخاصة دون ثرمومتر.

لقد انهار النسق في الفلسفة، وتحولت الفلسفة إلى مشروعات جزئية أو أفكار متفرقة في عصر ما بعد الحداثة، في الوقت الذي تراجع فيه (النظام) الموسيقي، إلى حدّ تماهيه مع الفوضى ذاتها، مما يعكس قدرتنا المبدئية على قراءة فلسفة العصر من خلال موسيقاه: النظام/الفوضى في كل من فلسفة ما بعد الحداثة وموسيقى شوستاكوفتش، وأصوات الآلات عند هذا الأخير إلى جوار مسألة التقانة لهيدجر.

إذا كان يمكن اشتقاق علم عام للحركة/التطور من الموسيقى، فإنه يمكن تفسير تاريخ الفلسفة طبقًا لعدة نظريات: موتسارتية تعتمد ثنائية النظام/الشذوذ، وبيتهوفنية جدلية هي أقرب لفلسفة هيجل في تاريخ الفلسفة، تنبع فيها الأفكار الجديدة من أفكار قديمة تلقائيًا، وتتصارع لإنتاج مركّبات فكرية سرعان ما تنحل إلى أقطاب متصارعة وهكذا، ورحمانينوفية تتجه في حالة التفكك والذوبان إلى غاية مرادة، وشوستاكوفية تتضمن الاشتباه في وجود النسق من الأساس، وتطرح السؤال حول ما إذا كان هذا النظام أصيلاً في الموضوع أم أنه ذاتي بحت ومن اختراع مؤرِّخي الفلسفة وجمهورها. هذه بعض مناحي التطبيق التي يمكن التوسع فيها في مقام مختلِف فيما بعد.

هـالتأويل الموسيقي للإنسان والتاريخ أو الأنثروبولوجيا الموسيقية

تقدم لنا الموسيقى كما ذكرنا سابقًا أنواعًا مختلفات من أنماط الحركة/التطور، التي قد يمكن لنا من خلالها تأويل التاريخ الإنساني وإعادة فهمه. وأيسر مثال هو التأويل الكلاسيكيالوضعي للتاريخ، الذي اعتبر التاريخ نسقًا ذي طبيعة محددة مكتملة، بحيث يعد كل خروج عليه شذوذًا يجب التخلص منه لاستعادة التوازن (أوجست كونت ودوركايم والبنائية الوظيفية مثلاً)، وهي فكرة التوازن التي نجدها بقوة في موسيقى موتسارت، في مقابل التأويل الرومانتيكي للتاريخ، الذي يراه جدلاً بين الأفكار المتصارعة، التي تشكل كل منها ملامح من العصر، في إطار التفسير الجدلي المثالي (الهيجلي)، مما يقربنا من منطق الحركة البيتهوفني. هل للتاريخ غاية كما يقترح التأويل الرحمانينوفي للتاريخ؟ هل يتحرك التاريخ بناءً على غاية وليس فقط بناءً على (عوامل) أو أسباب؟ هل للتاريخ إرادة؟ ومن الذي يمثّل التأويل الماركسي الجدليالمادي للتاريخ بين الموسيقيين؟ لقد كان شوستاكوفتش موسيقارًا واقعيًا لكنه عبّر بدرجة أكبر بوضوح عن النموّ السرطاني للأحداث والزمن، غير المعقول، وغير المفهوم بالضبط، بما يختلف مع التأويل الماركسي الذي تصوّر للتاريخ نهاية معينة في صورة جدلية. التاريخ من منظور شوستاكوفتش غير مفهوم وربما غير قابل للفهم، وهو حركة لها اتجاه، لكنها بلا غاية، وربما بلا أسباب محددة، وربما نتوهّم فيها هذا الاتجاه توهُّمًا.

إعلان

ما نمط الحركة/التطور الذي يمكن أن تقدمه الموسيقى والذي نجده في الوقت نفسه مشتركًا بين البشر في السلوك والمجتمع والتاريخ والفنون والفلسفات والعلوم على المستوى الأنثروبولوجي؟ هل هو النمط الجدلي كما اقترح هيجل؟ هل فكرة (المشترك العامّ) نفسها وهم كما يقترح شوستاكوفتش في موسيقاه؟ هل لا بد لنا من غاية وإرادة كي نفهم الحياة، وبالتالي يعتمد هذا المشترك على إرادة: الإرادة الخيّرة عند كانط، إرادة الحياة عند شوبنهور، الإرادة العقلية عند هيجل، إرادة القوة عند نيتشه، إرادة المعرفة عند فوكو؟ هل يمكن أن تقدم لنا الموسيقى نمطًا للحركة/التطور يمكن على أساسه أن نقيم علم التفسير العامّ: تفسير الموسيقى، تفسير التاريخ، تفسير الرواية، تفسير الشعر، تفسير النصوص الدينية، تفسير المذاهب الفلسفية؟

٤- التأويل الموسيقيّ للعالَم كفعل وجودي

يمكن أن يُنظَر إلى التأويل عمومًا كفعل وجودي؛ فالإنسان حين يقرر الفهم فهذا ليس قرارًا نظريًا صرفًا؛ فهو يفهم في سبيل التفسير، في سبيل الوقوف على عوامل ودوافع وأسباب وغايات لموضوع الفهم، ويستكشف في إطار هذه العملية بنَى جديدة وإمكانات مختلفة للعقل نفسه، ومن ثم إمكانات جديدة للتحكّم والفِعل. الإنسان يوجَد كما يفهم، ويفهم كما يوجَد. لا يمكن عزل الوجود عن الفهم. إن إعادة تفسير نص ديني مركزي مثلاً في حضارة من الحضارات لهُي إعادة وضع للإنسان في العالَم. وتأويل العالَم إعادة إركاز للعالَم الذي يوجد فيه الإنسان. إعادة تأويل العالَم هي بشكل ما اكتشاف عالَم بديل، كونٍ موازٍ، أو كوكب بِكْر. لا تحتاج إلى السفر عبر الأزمان أو الأبعاد أو المسافات المقيسة بسنوات الضوء بالضرورة كي تجد عالمًا بديلاً، بل يكفيك التأويل. وما قيمة سكنى عالم جديد بتأويل قديم؟!

لقد انهارت إمكانات العقل العربي حين فقد قدرته على التأويل، التي أثبتها قديمًا: تأويل أرسطو في إطار أفلوطين (المشائية الإسلامية)، وتأويل القرآن تاريخيًا (الطبري) ثم لغويًامجازيًا (المعتزلة) ثم رمزيًا (الصوفية والباطنية)، تأويل الفلسفة في إطار التصوف (الفلسفة الإشراقية عند الفارابي وابن سينا)، تأويل النقل في إطار العقل (ابن رشد). وفي القرن العشرين الميلادي ظهرت الحاجة لإعادة تفسير النص القرآني على أساس إصلاحياجتماعي (محمد عبده وابن عاشور)، وعلى أساس فينومينولوجي (حسن حنفي)، أو تكوينيتاريخي (عابد الجابري)، أو استعادة التفسير الاعتزالي في صورة حديثة (نصر أبو زيد)، وغيرهم. وكلها محاولات لتأويل النصّ الديني، رغم أننا نحتاج منهجًا عامًّا لتأويل العالَم نفسه، الذي هو جزء منه النص الديني. وإذا تحولت الموسيقى إلى عِلم عام لفهم وإنتاج أنماط الحركة المجرّدة، والنُّظُم، وفهم علاقة الآلةالإنسانالإله، فإن بإمكانها أن تمدنا بمنظورات تأويلية جديدة خلاّقة لتأويل هذا العالَم. والتأويل الخلاّق خلاّقٌ فعلاً، أيْ يعيد خلق العالَم والإنسان بشكل مختلف، ويشق مسارًا جديدًا للعقل والإرادة، حتى في الجسد القديم. التأويل الجديد خَلْقٌ جديد، والموسيقى لا تُعزَف للموتَى، ولكن لمن ألقى السمع، ورأى الخلاصَ غيرَ بَعيد.

Leave a Reply