الجزائر: عاصمة الـ ١٩٨٩

كتابةصلاح باديس - يونيو/حزيران 24, 2014

عند نهاية الثمانينيّات، كانت مدينة الجزائر تعيش بداية بؤسها وانحطاطها الذي يزداد مع ازدياد السكّان ومعه المشاكل الاجتماعيّة. وعلى المستوى السياسي، كانت الخطط الاشتراكيّة تفشل، والديون تتضخّم يوماً بعد يوم. وبدأت البهجةالتي تغنّى بها مغنّو الشعبي” (وَلِيدُ المدينة) تفقد ألقها. وكان كل شيئ يسير بالبلاد نحو انتفاضة كارثيّة شهدتها المدينة يوم 5 تشرين أوّل/ أكتوبر ١٩٨٨.

في عام ١٩٨٩، غنّى محاسب جريدة algérie-actualité السابق، وهو مغنٍّ شعبي خارج الدوام اسمه عبد المجيد مسكود، أغنية يا دزاير العاصمةالتي ستشهره. موقع الأغنية بين الأغاني التي غنّت عن المدينة (ولا تزال) جد مهم، ربّما لأن السياق التاريخي التي ظهرت فيه الأغنية شكّل علامةً فارقة للبلاد بشكل عام والمدينة بشكل خاص. وربّما لأن الأغنية، بشكل أو بآخر، أجهزت على ريبرتوار الأغاني الشعبيّة التي تمجّد جمال المدينة وترثيها، والتي، في نفس الوقت، تنبّأت بما سيأتي لاحقاً.

***

لم يكن الغناء الشعبي في الجزائر العاصمة مهتمّاً كثيراً بأن يغنّي عن مدينة بنيت ضدّه. نستطيع تتبّع هذه المواجهة منذ أن أوجد الحاج محمد العنقي هذا اللون من خلال افتتاحه العام 1947 لكنسرفتوار الجزائر، مؤسّساً أول أوركسترا شعبيّة في راديو الجزائرLa Radio D’alger، ليعلّم أولاد الشعب موسيقى جديدة، مازجاً الموسيقى الأندلسيّة الكلاسيكيّة (والتي يقول عنها الشيخ لمين هيمون في الفيلم الوثائقي القوسطو” (١) – سترد عنه مراجعةأنّها كانت موجّهة للناس المرتاحين ماديّاً والعائلات الغنيّة، أو كما قال: “الناس snob، ماشي أولاد الشعب“) مع الموسيقى الأمازيغيّة، ومتكئاً على نصوص من الشعر المغاربي القديم (الحرّاز مثلاً). كان هذا الغناء الشعبي مرتبطاً بمكان مولده كأي لون خرج عن الأندلسي الذي وفد قبل قرون لشمال أفريقيا. وكما كان الأندلسي يرثي حضارةً ضاعت ويمجّدها، كان اللون الشعبي في العاصمة (والمالوف في قسنطينة مثلاً) يمجّد المدينة التي يسكن قمّتها فقط –القصبة حيث أن المدينة الجديدة كانت حكراً على المستعمر الذي بناها.



إعلان

أبرز من غنّى للمدينة في الأربعينيّات والخمسينيّات كانوا إمّا أوروبيين أو يهود جزائريين، أشهرهم ربما: ليلي بونيش، المغني اليهودي، الذي كان تعليمه في الأصل يرتكز على الموسيقى الأندلسيّة الكلاسيكيّة، قبل أن ينخرط في راديو الجزائر ويتعلم ألواناً جديدة كالرومبا والجاز، ليمزج بين كل هذه الأنواع، ما جعله من أبرز وجوه الفرانكو أرابفي الكباريهات والصالونات في فرنسا. ينتج بونيش موسيقى جميلة وخفيفة ترقّص الناس، في أغانٍ مثل: “بومبينو، أنا في الحب، أنا الورقة، يا يما، l’oriental، والأغنية التي برزت أكثر من أخرياتها: “Alger…Alger”.



كلمات الأغنية خليط بين الفرنسيّة والعربيّة تحكي عن شخص يشتاق لمدينته Alger / الجزائر. واصفاً جمالهاومكانها في روحه، ومكانها بين كل مدن العالم. نلاحظ أيضاً أن مدينة الجزائر، التي غُنيّت في هذه الفترة، كانت ألجيألبير كامو: “باريس الأخرىالمتوسطيّة: جزائر البحر والشواطئ والخمر الجيد وأكلة السمك اللذيذة: جزائر الشمس حيث يكتسب سكانها سمرة خاصة. جزائر ماري كاردوناصديقة ميرسوفي رواية الغريب، عندما تقول: “كيف هم الناس في باريس؟ أهنالك شمس في باريس؟



***

اكتشف الجيل الذي أتى بعد الحاج العنقى، في موسيقى الشعبي، التفاوت بين واقع المهاجرين والنصوص المغنّاة في ذلك الوقت. هذا الجيل الذي صارت له بداية الستينيّات مدينة ما ظنّ أنه سيملكها يوماً. كدحمان الحراشي الذي سافر نهايات الأربعينيّات إلى فرنسا حيث اختلط بالجيل الأول من المهاجرين المغاربة في المقاهي والكباريهات. نستطيع أن نتبنّى تجربة الحراشي كنموذج لهذا الجيل الذي اكتشف هذا التفاوت فاشتغل على نصوص من الشعر الملحون المغاربي من القرن الفائت ليغنّي عن الغربة، خاصة في أغانٍ مثل يا الرايح“. اللافت أيضاً عند عند الحراشي وجيله من أمثال الهاشمي القروابي، وعمر الزاهي، وعبد القادر شاعو وغيرهم أنّهم قبل أن يغنّوا المدينة كموضوع أساسي للأغنية (ومع استمرارهم في غناء ريبرتوار نصوص الشعبي القديمة من قصائد أندلسيّة ومغربيّة عن الغرام والهوى) غنّوا قيم المدينة، أو ما يشكّل مدينة إسلاميّة متوسطيّة التي حملها أجدادهم من الريف إلى القصبة وأخذوها بعد الاستقلال إلى المدينة الأوروبيّة الجديدة.

حتى دحمان الحراشي في أغانٍ مثل: “خبّي سرّك يا الغافل، يا ربّي يا ستّار، إذا كانك عوّام، قالوا الصابر ينال، كون فاهم، أو حتى ربّي بلاني بالطاسة” (والتي يحكي فيها عن مدمن كحول). في هذه الأغاني، نجد صوتاً مصلحاً أخلاقيّاً يلعب دور ضمير المدينة الحارس. أما في أغانٍ أخرى مثل: “بهجة بيضا ما تحول، ويا البهجة، نجد صوت المغترب الذي يريد العودة إلى مدينته، مستذكراً شوارعها وجلسات الرفاق بطريقة تقصي كل ما هو غير جميل. ذلك ما نجده أيضاً لدى الهاشمي قروابي في أغنيته: “آلو آلو“.





إعلان

***

في نهاية السبعينيّات وبداية الثمانينيّات صار هنالك جيل ولد بعد – أو خلالالاستقلال. كبر ابناء هذا الجيد مع أنواع موسيقيّة متنوعة متأثّراً بفورة موسيقى الروك مثل بينك فلويد والبيتلز . إثر ذلك، أنشئت فرق عديدة لم يستمر أغلبها ولم يخلّف أثراً وراءه. ولم يبق في الذاكرة إلا عدد قليل منها أبرزها T34، وهي مجموعة التقت في البناية T من الحي الجامعي ببن عكنون، العاصمة، الغرفة رقم: ٣٤. أشهر أغاني الفرقة: “بوعلام الفار، عن يوم في حياة شاب عاصمي“. أما الفرقة الثانية الأقل شهرة : KG2، وأغنيتهم: “عاصمة“.



ظهرت كل أغاني تلك الفترة تحت عباءة فيلم مرزاق علواش: “عومار قاتلاتو” (١٩٧٧)  (٢) الذي صوّر حياة شاب عاصمي المليئة بالمظاهر والمغامرات الصغيرة والأوهام الكبيرة التي يستمر في إقناع نفسه بها. وهو الواقع الذي –كما سنكتشف بعد سنواتلم يكن يمثّل الشباب فقط، بل حال البلاد الفتيّة كلها الذين حاولا إقناع أنفسهم بأوهام العدالة الاجتماعيّة والأسواق الاشتراكيّة (أسواق الفلاح) التي سيطر عليها المحتكرون، والتي ضاعفت من البؤس الاجتماعي لتؤدّي إلى مركزيّة المدينة وفقر الجهات الأخرى، وبالتالي: النزوح نحو الشمال. ربّما هذه التجارب كانت التوصيف الأفضل للنظام الذي توقّف عن العمل فجأة، وعبارة it doesn’t work التي طُبّقت على البلاد على مدار عقد كامل قبل تسعينيّات الدم، والذي تخللته الإضرابات والمظاهرات قبل أن تنفجر يوم 5 تشرين أوّل/ أكتوبر ١٩٨٨.

***

في عام ١٩٨٨ لم يكن هناك فيسبوك ولا وسائل إعلام ولا فضائيّات ولا إنترنت، ولا تعريفات أخرى لكلمة ثورة، عدا تلك التي عرفها الناس منذ ثلاثة عقود.

كل هذه الأسباب وأخرى، أدّت إلى تسمية هذا اليوم بـأحداث، رغم أنّه اليوم الذي سيحدّد مستقبل البلاد. جرت الأحداثفي أكثر من مدينة، لكن نصيب الجزائر العاصمة كان أكبر، والفيلم القصير للمخرج الشاب أمين سيدي بومدين غداً الجزائر” (٣) يصوّر 4 أصدقاء في اليوم الذي يسبق الأحداث، بكلامهم عن اليوم المشهود وتردّدهم، بينما كان رابعهم يستعد للسفر، في إشارة الى كل الناس الذين تركوا البلاد في العقد التالي.

بعد أقل من عام، سيصدر مغنٍّ شعبي غير معروف خارج الوسط العاصمي اسمه عبد المجيد مسكود شريطاً بعنوان يا دزاير يالعاصمة، مرثيّة للزمن الذي راح وتأكّد عدم رجوعه، و هجاء للدخلاء على المدينة. من ذلك اليوم صارت الأغنية نشيداً غير رسميّاً للمدينة، يسمعه أولادها ويكرهه ذوو الأصول الريفيّة (مع العلم أن قليلين هم من لهم أصول عاصميّة، وغالباً ما يكونون من بقايا الأتراك في القصبة). ولكن في السنوات الأخيرة، وبعد أن صارت مدينة الجزائر عاصمة حقيقيّة من حيث السكان، أي أنّها صارت تحوي بشراً من كل المدن الأخرى، تراجعت الأغنية وصارت تعتبر أقرب الى مانيفستو عنصري، وهذا ما يظهر في تعليقات الأغنية على اليوتيوب.



رغم أن كلمات الأغنية بسيطة وترثي عادات وأناس راحوا، في نفس الوقت لا يمكننا إغفال الروح المنغلقة على نفسها لسكان المدينة والرافضة لكل تغيير في نسق الحياة الهادئ المتوسطيإلا أنّ أقوى المقاطع هي التي تتحدّث عن الوافدين: “من كل جيه جاك الماشي، الزحف الريفي جاب غاشي، في إشارة لكل من لا ينتمي للمدينة، وأولئك الذين أتوا من الريف تحديداً.

***

اشتهر كمال مسعودي كمغنّي الشعبيالشاب منذ نهاية الثمانينيّات وحتى نهاية التسعينيّات (حيث رحل في حادث سيارة) بأغانيه الحزينة والعاطفيّة. غنّى مسعودي عن مدينته، ولكنّه غنّى مدينة الوحوش والأغنياء الجدد التي نكرت أبناءها (حسب ما تنبّأ به مسكود) في أغنية يا دزاير راه طاب القلب“. فـجزائر الخوف، وخُلوّ الأحياء من الرفاق ليس لأنهم تركوا البيوت للدخلاء –كما عند مسكودبل لأنّهم ماتوا أو هاجروا، أو كما يقول: “القلب خاوي والعقل طاش، ما تسمع غير يا من عاش“.

إعلان

***

كان العام ١٩٨٩ مهمّاً، ففيه كانت الإصلاحات، ومنه كانت بداية التدهور. وسواءً ظهرت أغنية يا دزاير العاصمةبالصدفة أم بقصد، متمرّدة على ما سبقها، فهي لسان حال سكان العاصمة القدامى الذين يؤمنون بأن التدهور والبؤس سببه الدخلاء ولا شيء آخر. لكنّهم يسقطون في خطأ قاتل: فالمدينة التي لا تستطيع احتواء أناس كُثُر، خاصةً العاصمة، هي مدينة عاجزة. أما سبب عجزها فليس آلاف الناس الجدد فقط، بل الأسباب التي دفعت بهؤلاء الى الزحف نحوها.

أجازف بالقول أن أهل العاصمة الذين ردّدوا وراء مسكودأغنيته كانوا هم أنفسهم منبوذين يوم كانت المدينة ملكاً للأوروبيين، كانت جنتهم المحرّمة، جنّة الجميع، وعندما ملكوها حوّلوا ذلك النُبذ نحو الوافدين الجدد و اللذين بدورهم ريّفوها و لم يتمدّن أكثرهم. ولربما ساعدهم – أهل المدينة  إقصاء الغير وإظهار نية الاستئثار بالمدينة في التأقلم معها، هي التي بنيت ضدهم“.

المراجع:

(١) فيلم وثائقي عن موسيقى الشعبي في مدينة الجزائر، إخراج: صافيناز بوسبية (٢٠١١) (http://www.el-gusto.fr/

(٢) عومار قاتلاتو، فيلم للمخرج : مرزاق علواش (١٩٧٧) https://www.youtube.com/watch?v=JqrOirBKLjE

(٣) الفيلم القصير غدا الجزائر، للمخرج أمين سيدي بومدين (٢٠١١) https://www.youtube.com/watch?v=AlsfcRad5qQ

Leave a Reply