السبعينيات الراديكالية | انهيار الروك بعد جرعة مفرطة

كتابةعمار منلا حسن - فبراير/شباط 25, 2017

هذا هو المقال التاسع ضمن سلسلة تاريخ الروك.

كان النجاح الشعبي والنقدي للروك في بداية السبعينات، والمنتصر لمبادئ الكمالية الهيبية، سيفاً ذو حدين. إذ حول هذا النجاح الروك من المشروع الجانبي لشركات التسجيل التي اعتمدت بالأساس على جيل كروسبي وسيناترا وكومو لتحقيق الأرباح، إلى المشروع الرئيسي والصنف القابع في قمة الهرم الموسيقي التجاري في غرب أوروبا وشمال أمريكا ودول أخرى، الأمر الذي ترافق مع كل الشروط والضغوط التي تفرضها شركات التسجيل على نجومها الأبرز لضمان تحقيق الأرباح.

الروك التجاري

تعزز هذا التوجه في النصف الثاني من السبعينات في الذات مع بدء بعض ألبومات الروك ببيع كميات من النسخ تفوقت على تاريخ صناعة الموسيقى بأكمله. عرفت هذه الألبومات بالألبومات الهائلة Mega Albums، كألبوم Frampton Comes Alive! لبيتر فرامبتون في عام ١٩٧٦، والذي يعد أكثر الألبومات المسجلة في حفلٍ حي مبيعاً حتى اليوم برصيد ١١ مليون نسخة، وألبوم هوتيل كاليفورنيا الصادر في ذات العام لـ ذ إيجلز، والذي باع ٣٢ مليون نسخة، وأخيراً ألبوم رومرز لفرقة فليتود ماك الصادر في ذات العام، والذي باع ٤٠ مليون نسخة وتصدر المبيعات لمدة ثلاث وثلاثين اسبوعاً.

لم تكن هذه الأعمال هائلة النجاح التجاري ضحلةً فنيًا أو رديئة بالضرورة، كما استمر معظمها بإعلاء أهمية الألبوم على الأغاني المنفردة، لكنها بالمقابل لم تضع الجدية والتجريبية كهمومها الأولى، بل كانت ذات أغانٍ أقصر وألحان أسهل للسماع وكلمات أقل عمقًا وإثارةً للجدل ومهارات في الأداء أقل إبهارًا، وبشكلٍ عام أقرب للبوب كما نعرفه اليوم. ولا يخفى أن هذه الصفات كانت سببًا رئيسيًا في النجاح التجاري الواسع لهذا الصنف الذي بدأ يشير إليه منتقدوه بـ روك الشركات Corporate Rock. نظرًا للنجاح المالي الهائل الذي حققته هذه الموسيقى، بدأت شركات التسجيل بالحرص والضغط على فنانيها للإتيان بأعمال مماثلة، واللعب بطريقة آمنة. بالمثل، باتت هذه الشركات تهتم بالعروض الحية للفرق عن طريق حجز ملاعب وقاعات حفلات ضخمة، لتخطط جولات للفرق الناجحة جماهيريًا، وتحقق أرباح مذهلة تضاف أرباح مبيعات الألبومات.

إعلان

مع مرور الوقت بدأت الصفات الموسيقية التي أثبتت نجاحها تجاريًا، والتي بدأت الشركات بفرضها على الفنانين، بتشكيل ملامح صنف موسيقي جديد، وبدأ هذا الصنف بالسيطرة على إذاعات موجة إف إم واستبدال الموسيقى التجريبية والكمالية بما بات يعرف رسمياً في الولايات المتحدة وكندا بالـ بوب روك.

إلى جانب تأثير البوب روك على الفرق الموجودة بالفعل في النصف الثاني من السبعينات، ظهرت فرق جديدة في هذه الفترة وأصدرت أعمالها الأولى تحت تأثيره، مثل فرقة بوسطن التي أصدرت ألبومها الأول الذي حمل اسمها عام ١٩٧٦، والذي صنف كأحد أفضل الألبومات الأولى مبيعاً في الولايات المتحدة برصيد ١٧ مليون نسخة، وفرقة Cheap Trick بألبومها الحي الأكثر مبيعاً Cheap Trick at Budokan. لم تكن هذه الفرق ضحلة أو هزيلة إبداعياً، لكن ابتعادها عن الجدية الإبداعية زاد من نجاحها قصير الأمد.

لم تمر هذه التطورات دون استفزاز ردة فعل من قبل مناصري الروك الأكثر جديةً من موسيقيين ومستمعين، ما دفع لظهور حلول وسط من خلال تهدئة وتشذيب الروك التقدمي من جهة لزيادة رواجه التجاري، وزيادة جدية وتجريبية الأغاني ذات أسلوب مغني / كاتب الأغاني لإكسابها ثقلًا إبداعيًا مع الحفاظ على رواجها التجاري. من أنجح ما صدر عن هذا التوجه هي أعمال عضو البيتلز بول مكارتني، سواءً المنفردة أو مع فرقته المساندة Wings، وكان ذلك لأن مكارتني مال لنمط مغني / كاتب أغانٍ وللجدية والكمالية الموسيقية بذات الوقت، فكانت أعماله مناسبةً لهذا التوجه دون أن يضطر لتعديلها أو تقديم تنازلات إبداعية. من أهم أعماله ألبومه الفردي الأول مكارتني الصادر في ١٩٧٠، وألبوم Wings at The Speed of Light الذي سجله مع فرقته المساندة وأصدره في ١٩٧٦ ليقيم في قائمة أكثر ١٠٠ ألبوم مبيعاً لسنة كاملة بعد صدوره.

الپنك | لا بلاد لموسيقيين كبار

في ١٩٦٢ افتتح وورهول ورشته الفنية في نيويورك باسم المصنع The Factory، استقبل فيه أكثر الفنانين تجديداً وإثارةً للجدل في جو جامح هلوسي تفوق على الستينات في ذروتها. بوب ديلان وآلن جينسبرغ شاعر بارز من جيل البيتس له تأثير عميق على موسيقيي الروك وترومان كابوتي روائي ومن رواد موجة الصحافة الجديدة ومِك جاغر ومادونا ولو ريد ودايفيد بووي كانوا بعض روَّاد المصنع. خلال سنواته الاثنين والعشرين أشرف مصنع وورهول على العديد من التجارب الفنية السينمائية والبصرية والموسيقية وغيرها، وقد تكون فرقة ذ فيلفيت آندرغراوند The Velvet Underground أهم ما أصدره المصنع وأكثر من حمل روحه على الإطلاق.

كان الفيلفيتز من أكثر موسيقيي الروك سبقًا لعصرهم، أسسوا مع الجيل الأول من معاصريهم والمتأثرين بهم تيارًا ذو جماليات جديدة مساوية بالأصالة وسعة التأثير للكمالية الهيبية، عرف هذا التيار بالبنك روك. قام البانك عند الفيلفيتس والجيل الأول من معاصريهم مثل إيجي بوب وفرقته المساندة ذ ستوجز والنيويورك دولز بالتمرد على تيارين بالروك رغم كون هذين الاثنين متناقضين فيما بينهما. من جهة تمرد الپنك على الكمالية كونها توجهًا متطلبًا يجعل الروك متاحًا بشكل أقل وأقل. ففي الوقت الذي كان فيه جيم موريسون من ذ دورز لا يعزف أي آلة ويكتفي بدندنة الألحان التي في رأسه لزملائه في الفرقة للتمكن من كتابة الأغنية، أصبح الروك التقدمي – باعتباره الصنف الأكثر جديةً وكماليةً – يفرض إلمامًا موسيقيًا حرفيًا واسعاً من الموسيقى الأوركسترالية السيمفونية والتحكم بعملية الإنتاج على مستويات معقدة إلى العزف والغناء ببراعة يندر تحصيلها، بالتالي أصبح من الأصعب بشكلٍ متزايد أن يغدو أحدهم فنان روك، وهذا يتناقض مع كون الروك صنفًا موسيقيًا تعبيريًا متاحًا للجميع. التوجه الثاني الذي تمرد البانك عليه بشكلٍ بديهي كان الروك التجاري الرائج الذي أفقد الروك عنفه وحدته.

إلى جانب الفيلفتس ومعاصريهم الأوائل، شكل الپنك امتدادًا لتيار الجراج روك Garage Rock بجودته التسجيلية المنخفضة التي كانت في البداية نتيجة محدودية إمكانيات الموسيقيين، قبل أن يتبناها الپنك جماليًا ويجعل أعماله منخفضة الجودة بشكلٍ متعمد ومتحكم به، كما أفضى ميل البانك للإتاحة لتغليب الإيقاع على اللحن، ما أعلن عن عصرٍ ذهبيِ جديد لأسطر الجيتار المكررة Guitar Riffs. مال صوت المغنين نحو الصياح والنشاز المتعمد غير مكترثين للقدرات شبه الطربية لدى أمثال بلانت وغيلمور وواترز Plant, Gilmour and Waters، أما الكلمات فتطرقت لمواضيع العنف والجنس والمخدرات والشهرة، تروى أحيانًا بسياقٍ هلوسي وأحيانًَا أخرى بسياقٍ واقعي وصفي تقريري لدرجة صادمة. ومع بدء هذه الجماليات بالتماسك، بدأ البانك بالمطالبة بالسيادة بدءًا من النصف الثاني من السبعينات، منطلقًا من ثقافة فرعية في نيويورك اتخذت من نادي CBGB عاصمةً لها، حيث أدت في هذا النادي العديد من الفرق الأيقونية مثل ذ رامونز وباتي سميث وبلوندي قبل بلوغها الشهرة واحدةً تلو الأخرى مع اقتراب السبعينات من نهايتها.

بشكلٍ موازٍ للولايات المتحدة، بدأ البانك بالتشكل كثقافة فرعية في بريطانيا في السبعينات المبكرة، متمسكًا بذات جماليات البانك الأمريكي لكن مدفوعًا بتمرد شعبي طبقي أكثر من كونه تمردًا موسيقيًا. ومع اقتراب السبعينات من نهايتها أيضًا بدأت فرق البانك البريطانية بالانبثاق من ثقافتها الفرعية نحو النجاح الجماهيري الواسع، مقدمةً نفسها بدرجة من الجموح والعنف والبذاءة تجاوزت نظيراتها الأمريكية، مثل فرقة ذ سكس بيستلز التي عرفت بتعرضها للاعتقال من الحفلات والفصل من شركات التسجيل بشكلٍ متكرر، ما خلق لها صورةً ذهنية شديدة الجموح ساعدت على نجاح ألبومها Never Mind the Bollocks, Here’s the Sex Pistols الصادر في ١٩٧٧ نجاحًا مذهلاً في بريطانيا، رغم أنه لم يصل الولايات المتحدة لفترةٍ متأخرة. كما وصلت فرقة ذ كلاش لذروة النجاح التجاري والجمهوري مع ألبوم London Calling الصادر في ١٩٨٠.

إعلان

الموجة الجديدة والپوست پنك

وجدت شركات التسجيل نفسها في موقفٍ صعب أمام اكتساح البانك، فمن ناحية كان من المستحيل أن تفوت على نفسها منجمًا مماثلاً للربح، ومن ناحية أخرى كانت تحت تهديد المشاكل والمتاعب القانونية وانعكاساتها المالية التي لا يمل نجوم البانك من التسبب بها، ما جعل جزءً كبيرًا من أرباحهم يهدر على إخماد الحرائق التي يتسببون بها. قررت شركات التسجيل بسبب هذه المعضلة أن تعيد سيناريو أول الستينات في الولايات المتحدة حيث تم إخصاء الروك من طابعه التمردي الجامح بشكل زائد والإبقاء على نسخة هجينة رائجة تجاريًا منه. عرفت النسخة الأكثر تهذيبًا من البانك باسم الموجة الجديدة New Wave.

شملت الموجة الجديدة فرق البانك التي لم تمانع التهذيب التجاري، مثل بلوندي التي حققت نجاحًا تجاريًا واسعًا مع ألبوم Parallel Lines الصادر في ١٩٧٨ بمبيعات أكثر من ٢٠ مليون نسخة، كما شملت فرقًا ظهرت في الثمانينات المتأخرة والتزمت منذ البداية بمعايير الموجة الجديدة ونسختها المشذبة من البانك، كفرقة Talking Heads التي حققت نجاحًا فوريًا عبر ألبومها الأول الذي حمل اسمها وصدر عام ١٩٧٧، وفرقة ديفو التي أصدرت ألبومها الأول Q: Are We Men? A: We Are Devo! في ١٩٧٨.

معظم الفرق التي انتقلت من الپنك إلى الموجة الجديدة أو التي ظهرت في ظل الموجة الجديدة، قد ابتعدت عن المواد الجدلية وتصرفت بطريقة أكثر ملاءمةً لشركات التسجيل دون أن تتخلى بالضرورة عن زخم الپنك، كما أن تقليمها كان عادةً ما يطال الجوانب الجدلية لا التجريبية إبداعيًا، فقدمت أعمالًا مهمة شكلت استمراريةً ذات وزنٍ إبداعي للبانك.

رغم ذلك وجد العديد من المستمعون والموسيقيون أن الموجة الجديدة كانت انحرافًا تجاريًا عن الپنك، لذا حافظوا على معايير الپنك الرئيسية بمزيد من التشدد، دون غياب توجه تجديدي يبحث عن إمكانيات تطوير وتلوين هذا الصنف. عرف هذا التوجه الجديد لاحقًا بالپوست پنك Post Punk. تركز الپوست پنك في بريطانيا أكثر من الولايات المتحدة، وظلت العديد من فرقه محصورة في نطاق ثقافته الفرعية إلى حدٍ ما، بينما تمكنت أخرى من تقديم أعمالٍ ممتازة على الصعيد الإبداعي وقادرةً على تحقيق درجات مختلفة من النجاح الجماهيري. أبرز هذه الفرق جوي ديفيجن وذ كيور. لكن حتى الپوست پنك لم يستمر طويلًا وبدأ بالتراجع حتى اندثاره أول الثمانينات في فترة شهد فيها الروك أخطر حقباته منذ إجهاض موجته الأولى في نهاية الخمسينات.

الفَنك والمسار الموازي للموسيقى الأفرو أمريكية

في الوقت الذي قدمت فيه الستينات الهلوسية مشهد روك يشهد كل التقلبات والتطورات والتفرعات سابقة الذكر، فقد قدمت أيضًا الكثير للموسيقى الأفريقية الأمريكية التي لم تكن أقل انشغالًا في السبعينات من الروك، من تطوير أصناف موسيقية موجودة سابقًا، إلى حركات إحياء شديدة الأصالة، وأخيرًا إفراز صنف موسيقي سيتطور بهدوء خلال السبعينات حتى ينقلب على الروك في الثمانينات ويحل محله.

بدأ تأثير الستينات على الموسيقى الأفرو أمريكية من الحركة الفرعية التي أضفت سمةً هلوسيةً على موسيقى البلوز والسول، أو خلط البلوز والسول مع الروك، كما رأينا عند أوتيس ريدينج وجانيس جوبلين. كان سلاي ستون وفرقته سلاي آند ذ فاميلي ستون من أبرز رواد هذه الحركة في الستينات، مقدمين ألبومات سول هلوسي Psychedelic Soul جعلت هذا النوع الموسيقي يعرف بالروك الأسود Black Rock. مع تتالي أعمال الفرقة ودخولها السبعينات بدأت هذه الموسيقى بالابتعاد عن مصادر تأثيرها لتشكل صنفًا موسيقيًا قائمًا بذاته، كما حدث مع الروك عند خروجه من الموسيقى الريفية وموسيقى الإيقاع والبلوز، لكن هذه الصيغة الجديدة من السول الهلوسي ظلت هجينة حتى ظهرت فرق أخرى تأثرت بسلاي آند ذ فاميلي ستون مثل كوول آند ذ غانغ وإيرث ويند آند فاير، وبدأ صنفٌ موسيقيٌ جديد بالاستقرار والتشكل، صنفٌ حافظ على صخب الروك وتوليفته من جيتار كهربائي وبايس وطبول، مع إضافة قسمٍ نفخي استخدم فيه الساكسوفون والترومبيت بالذات، كما تخلى عن جدية الروك حينها لصالح صوتٍ أكثر مرحًا وقابليةً للرقص، وإيقاعات وترية متماوجة تدفع المستمعين للتحرك معها. عرف هذا الصنف في السبعينات بالفنك Funk، وأصبحت الأعمال الأولى منه تصنف على أنها فانك رغم صدورها قبل اعتماد التسمية.

بشكلٍ موازٍ كانت شركة التسجيل الأيقونية في مجال الموسيقى الأفرو أمريكية، موتاون Motown، تتوسع وتنقل معظم مراكزها ومقراتها إلى لوس آنجليس مغادرةً ديترويت، وشكل هذا الانتقال في مطلع السبعينات مرحلة جديدة من توجه للشركة، ظهر خلاله تأثير سلاي ستون وفرق الفانك بوضوح، خصوصًا على فرق مثل The Temptations الذين أصدروا في ١٩٧٢ أغنية Papa Was A Rollin Stone، منضمين للفانك ومساهمين بتشكيله. كما قدمت شركة التسجيل ذاتها فرقة ذ جاكسون فايف التي بدأت في مطلع السبعينات رحلتها نحو نجاحٍ فني وجماهيري واسع. وأصدر مارفين غاي في ١٩٧١ أحد أفضل ألبومات السبعينات بشكلٍ عام What’s Going On، امتاز هذا الألبوم من إنتاج غاي نفسه بالانعزال عن تأثيرات الفانك والتركيز على إحياء السول كما هو، وكان لنجاحه بذلك دورٌ كبير في اعتبار السول التقليدي صنفًا حيويًا قابلاً للتحديث، ما أدى لاقتباسه أو تجديده بعدة أشكال مستمرة حتى اليوم. وأخيرًا أتيح لستيفي واندر أن يؤلف ويكتب وينتج موسيقاه بنفسه، ما أسفر عن المزيد من الجدية والنجاح في موسيقاه، خصوصًا مع ألبومه السياقي Innervesions الصادر في ١٩٧٣.

إلى جانب موتاون كان هناك شركة تسجيلات أيقونية أخرى على الساحة في السبعينات، وهي فيلاديلفيا إنترناشنال Philadelphia International، التي عرفت بدورها بصوت خاص قام على المزج بين الفانك والسول مع أنماط إيقاعية من الإيقاع والبلوز والجاز، مشكلةً ما عرف بصوت فيلاديلفيا Philadelphia Sound أو ما دعاه البعض بسول فيلاديلفيا، وكان لهذا الصنف الفرعي دورٌ رئيسي في التمهيد للديسكو. قدمت الشركة عدة فنانين أسسوا لصوتها، من أبرزهم هارولد ميلفين آند ذ بلو نوتس وذ سبينرز.

آخر الملامح الرئيسية من الموسيقى الأفرو أمريكية في هذه الفترة كان ما عرف بالـ Blaxploitation، مصطلح يشير إلى الإتاحة المتأخرة للأمريكان من أصول أفريقية للعب أدوار رئيسية في الأفلام السينمائية من تمثيل أو إخراج أو من حيث أن يدور الفيلم حول شخصية أفرو أمريكية، الأمر الذي ترافق بشكل بديهي مع إتاحة المزيد من الفرص للموسيقيين من أصول إفريقية لتأليف وأداء الموسيقى التسجيلية لهذه الأفلام. كشفت هذه الإتاحة عن مؤلفين موسيقيين للسينما قادرين على تحقيق نجاح مذهل، مثل آيزاك هايز Isaac Hayes الذي ألف الموسيقى التسجيلية لفيلم شافت الصادر في ١٩٧١، ليحتل الشريط الموسيقي للفيلم قوائم مبيعات كافة التصنيفات الموسيقية في الولايات المتحدة. كما برز نجم جايمس براون الذي كان شهيراً بالفعل حينها، وسجل موسيقى تسجيلية لفيلمي بلاك سيزار وسلوترز بيج ريب أوف في ١٩٧٣.

الديسكو ونهاية حقبة الروك الذهبية

رغم ميلهم للإتاحة والسهولة، لم يؤدِّ صعود الپنك والموجة الجديدة إلى القضاء على الميل الجدي في الروك. لا يمكن قول المثل عن الديسكو. بدأ الديسكو بالانتشار مع موجة صيحات الرقص Dance Crazes التي ذاعت في السبعينات المتأخرة ومطلع الثمانينات، منطلقًا موسيقيًا من الفانك والسول وبعض موسيقات الرقص كالسالسا، ومركزًا على الإيقاع كما لم يركز عليه صنفٌ موسيقي من قبل. لعب الديسكو دور نقيض الروك والمحتج على سيطرته، مؤيدًا الموسيقى الراقصة الخفيفة الممتعة ومكتفيًا بها، واقفًا بحزم ضد أي جدية في كلمات الأغاني أو مواضيعها، كما لم يتقبل التجديد الآلاتي والغنائي إلا في سياقٍ جعل الأغاني أكثر قابليةً للرقص.

وقف الروك بشقيه الكمالي الهيبي والبانك ضد الديسكو منذ البداية، وأطلقوا حركةً مضادة باسم Disco Sucks تضمنت أعمال عنفٍ وشغب فعلية في عدة مناطق من الولايات المتحدة. لكن الديسكو، الذي رغم قصر عمره فتح بوابةً واسعة لرواج العديد من الأصناف الموسيقية الإيقاعية الإلكترونية الراقصة، وضع نهايةً حاسمة لعقدٍ ونصف من الكمالية الهيبية، محققًا نجاحًا مذهلاً باستخدام جماليات لا هي كمالية ولا هي راديكالية تمردية. أما الروك فكان يعيش الجانب المظلم من تعاطيه جرعة طاقةٍ مفرطة، فبعد سنواتٍ شديدة الصخب والجموح، كانت جثته باردة العرق تستعد لغيبوبة ستؤدي لتراجعه للخلفية حتى مطلع التسعينات، لكن حضوره غير المباشر خلال هذه الفترة سيكون عبر الأثر العميق الذي سيبدأ بالظهور على الأصناف الموسيقية الأخرى، سواءً القديمة أو التي ستبدأ بالظهور خلال الثمانينات.

Leave a Reply