ورقة في موضع من الموسيقى الإسلاميّة

كتابةمعازف - أغسطس/آب 21, 2014

نعيد نشر هذه الورقة التي قدّمها الموسيقيّ حمزة علاء الدين (1929-2006) أثناء إقامته في اليابان العام 1985، والتي تناقش أصول الموسيقى الإسلاميّة عبر التاريخ ازدهاراً وتجاهلاً.

حمزة علاء الدين

أبعاد الصوت

عظمت الموسيقى الإسلاميّة بأبحاث علماء وفلاسفة كثيرين عبر التاريخ، وعلى هذا إنّنا نركن كليّاً على الشرح من الإنتاج الأدبي المتخصّص: أمّا عمليّاً، فلأنّها كانت تنقل عن طريق الأذن والسمع، وليس عن طريق دراسات مدوّنة، فالمحاولة لإعادة بنائها كما كانت ستواجه صعوبات، وإن حاولنا أن نربط هذا الفراغ فليس لنا إلا الاستعانة بالموسيقى الحاليّة بالشرح لتعريف منابعها.

وإن كانت الموسيقى الإسلاميّة لها ضوابط وأحاسيس مركّزة لاستمرار تقاليدها، فلكي نختار ما هو أقرب للأصل، ستواجهنا عقدتين: الأولى أن الموسيقى تختلف من منطقة إلى أخرى في الخريطة الإسلاميّة، والثانية أن الصلة والرابط السياسي والاقتصاديّ والاجتماعيّ عبر التاريخ تركوا أثاراً جوهريّة يمكن للباحث رؤيتها بسهولة، والوثائق الصوتيّة الحديثة تظهر بوضوح عمق التأثير الذي يمكن أن يحدث في قرن. إذ أن التغيير الذي حدث في العشرة سنوات الأخيرة تحت ضغط المدينة الحديثة ملفت للنظر، وليس معنى هذا أن مثل هذا الضغط الثقافي الموسيقي لم يكن موجوداً في الـ13 قرناً الماضية. فموسيقى اليوم في البلاد الإسلاميّة ينظر لها على أنّها سلالة متغيّرة عن تقاليد سالفة، وليس على أنّها ثمرة مطابقة.

إعلان

فالموسيقى الاسلاميّة هي ثمرة اندماج ملحوظ بين ثقافات مختلفة نتجت عنها موسيقى جديدة بنوعيّة معيّنة بها كل مدركات هذا الاختلاف، وجوهر العربيّ يمثّل فيها الوسيط الكيميائيّ كحافظ. هذا الاندماج أخذ مركزه على مستوى الموسيقى الفن، أمّا الموسيقى السلاليّة في جميع البلاد الإسلاميّة، تركت كما هي من دون لمس أو تغيير وإن كان استمرارها تحت ظل الموسيقى الفن، تارةً تتأثّر بها وتارةً تؤثّر عليها.

الموسيقى الجديدة هذه انتشرت بصورة مذهلة على ساحة شاسعة من هذا الكوكب (الأرض). فمن بلاد القوقاز إلى الخليج العربي، ومن آسيا إلى الأطلنطيك، وفي حوالي القرن السابع اتّسعت الرقعة واكتسب شهرة حتّى في البلاد غير الإسلاميّة. أمّا الموسيقيين الذين كانوا يتعاملون في هذا الفن كوفئوا بسخاء وكرم منقطع النظير وأصبحت الموسيقى جزء من الثقافة العامة كما هي جزء من الحياة الاجتماعيّة. ومن خلال هذه الأصول المختلفة، شبّت مجموعة مخضرمة الشهرة من عرب وأتراك وإيرانيين وأفارقة وأغارقة حرّروا من الرّق وتوسّعوا في علم هذا الفن.

في السنين الأولى من صدر الإسلام التاريخي، كان العرب على استعداد لقبول كل أنواع الفنون الموسيقيّة للبلاد التابعة لهم من دون محاولة إبعادهم أو فصلهم عن ألوانهم الموسيقيّة الخاصّة. وهذا فتح الأبواب للباحث الموسيقيّ للتعرّف على الأصول المختلفة في الإنتاج الموسيقيّ للإنسان المسلم. الفيلسوف الشهير الكندي” (216 هجريّة/ 874 ميلاديّة) في كتابه رسالة العودكتب يقول: “اعلم يا هذا: أنّه نظراً لهذه الآلة العوديحوز كل شعب على أسلوب موسيقيّ معيّن خاصّ به من دون أن يشارك الآخرين، فاختلاف الروم والفرس والأحباش وجميع الناس مختلف كل عن بعضه في طبيعتهم وتفكيرهم وآرائهم وأمنياتهم وسلوكهم“.

وبعد قرن من ذاك التاريخ، داعب إخوان الصفا نفس الموضوع بطريقة أوسع، وذلك في فصل الموسيقى من القسم الرياضي في الرسالة الخامسة، وفي موضوع تأثير الأمزجة على الأصوات، فقالوا: “اعلم يا أخي، أيّدك الله بفضل منه بأن أمزجة الأبدان كثيرة الفنون وطباع الحيوان كثيرة الأنواع، ولكل مزاج وكل طبيعة نغمة تشاكلها ولحن يلائمه ولا يحصي عددها إلا الله عزّ وجل. والدليل على حقيقة ما قلنا وصحّة ما وصفنا أنّك تجد إذا تأمّلت أن لكل أمّة من الناس ألحاناً ونغمات يستلذّونها ويفرحون بها لا يستلذّها غيرهم ولا يفرح بها سواهم مثل غناء الديلم والأتراك والأعراب والأرمن والزنج والفرس والروم وغيرهم من الأمم المختلفة الألسن والطباع والأخلاق والعادات. وكذلك تجد في الأمّة الواحدة من هذه أن أقواماً يستلذّون ألحاناً ونغمات وتفرح نفوسهم بها ولا يسرّ بها من سواهم في نفس المجتمع، وربما إنساناً واحداً يستلذّ وقتاً ما لحنا يسرّه، ووقتاً آخر لا يستلذّه بل ربّما يكرهه ويتألّم منه. وهكذا تجد في مأكولاتهم ومشروباتهم، في مشموماتهم وسائر الملاذ والزينة والمحاسن، كل ذلك بحسب تغيّرات الأخلاط واختلاف الطبائع وتركيب الأبدان والأماكن والأزمان كما بيّنا طرفاً من ذلك في رسالة الأخلاق“.

كيف كانت هذه الفترة تتضاهى مع الحالة الحقيقيّة، وإلى أيّ مدى كان الفرق القوميّ ظاهراً عندما كان الكندي وأخوان الصفا يكتبون؟ من الصعب تحديد ذلك، ولذلك فمعلوماتنا يجب أن ترتكز على معلومات أحدث نسبيّاً. فكتاب الأغانيلأبو فرج الأصفهاني (284 هجريّة/ 897 ميلاديّة) كنز من المعلومات في الموسيقى والموسيقيين وحياتهما في قرون عدّة. فمن هذا المصدر ومصادر أخرى مشابهة يمكن الاستنتاج بأن الموسيقى الجديدة حدثت من جرّاء مزج بين مواد متعدّدة، وإن كانت مشتركة في بعض الميزات الخاصّة بها، والعامل الأساسي المسيطر الذي أعطى الموسيقى علّة الوجود هي المساهمة العربيّة، بالتحديد اللغة والشّعر، وبهذا ليس مستغرباً بأن الموسيقى المغنّاة هي النوع المرغوب فيه عند جميع البلدان الإسلاميّة.

في ذلك القرن، حدثت مناقشات، وكان الإنشقاق بين القديم والحديث وأيضاً مسألة استقلاليّة الموسيقى الآليّة الموضوع الذي لم يكن يُفكّر فيه جديّاً في الاسم الأساسي الموسيقى الحديثة“. وفي القرن العاشر، بدأ الباحث يرى أن الحركة الانشقاقيّة التي قادت إلى عدم الرضى، باعتبار أن اللغة العربيّة لغة الموسيقى الحقيقيّة، وبأن الموسيقى الإسلاميّة مشتقّة من أربعة قوميّات واضحة المعالم والمصادر، أوّلها الشرق الأوسط مهد التقاليد، ثانياً فارس وتمتد شرقاً لآسياً، ثالثاً المغرب العربي وتمتد لإسبانيا والبرتغال وجنوب كل من فرنسا وإيطاليا، ورابعاً التركي وتمتد لآسيا الصغرى.

الموسيقى السلاليّة

إن ما نسمّيه الموسيقى الفن* ألزم اهتمام الباحثين الموسيقيين بأن الفن السلالي التقليدي الوراثيلم يُكتشف بعد، مع أن البحوث الحديثة في الأدب الموسيقيّ القديم تثبت أن الموسيقى السلاليّة وضعت نقطة مهمّة في تطوّر الموسيقى الفن، فمع اعتبار حقّه في الأصالة كقيمة مهمّة، أخصبت الموسيقى الفن في أحيان مختلفة.

وفي الوقت الذي ترتبط الموسيقى الفن بالترفيه عن الأرستقراطيّة ومجتمعات المدن الكبيرة متطلّباً بعض الاختصاص العلميّ في فن الإلقاء، نجد أن الفن السلالي يشارك بالتزام المجموعات المختلفة من الأجناس في المنطقة، وذلك للتعبير عن الحوادث المهمّة في حياة هذا المجتمع الواحد، مثل: الزرع، الحصاد، الميلاد، الحج، الزواج، الطهور، حتى الموت نفسه وغير ذلك كثير لم يذكره الإحصاء. وهناك أشكال أخرى كثيرة في الفن السلالي وغير معروفة في الموسيقىالفن، مثل الشعر القصصي المتخصّص بسيَر الأبطال وفن الرقص ومواكب الاحتفالات الاجتماعيّة، دينيّة كانت أو دنيونيّة منها. ورغم أن بعضهم عمل على تحويل بعض مواد الفن السلالي لملازمة الفن الإنساني، مثل مسرح الظل الذي نتج عنه فن مغالط في السينما والمسرح. وطالما أن الموسيقى السلاليّة والموسيقى الفن انتقلا عن طريق السمع وامتزجا معاً خلال أجيال كثيرة، فمن الصعب وضع خط فاصل بينهما.

فالفن السلالي ليس بمتجانس، ويمكننا فقط أن نتخيّل الاستمراريّة فيه عبر التاريخ. فمن ناحية هي أغانٍ قصيرة بمصاحبة الرقص، ومؤلّفة من ألحان بسيطة متشابهة ومتكرّرة وبفتح وقفل الجمل بين المغنّي والمردّدين في تتابع القفل يعود باللحن إلى استنتاج نهائيّ، والبعد النغمي فيها لا يتعدّى النغمة الرابعة مثل دو/ فا، أو ري/ صول، أو مي/ لا وغيرها. ولكن اللحن يعرض نماذج إيقاعيّة غنيّة وبطريقة ترتيليّة ومتجاوبة مع المشاركة بالتصفيق وآلة الإيقاع. أما عن الشعر القصصي المتخصّص في سير الأبطال ينفرد بها فنان واحد مع مصاحبة آلة الرباب في بعض البلاد، أو آلات مغايرة، خاصة بالبلاد الأخرى مثل السمسميّة، الطمبور، الطار أو الدف أو الرّق. ولا يتعامل مع هذه الألحان إلا عامة الشعب لأنّها تخدم متطلّبات اجتماعيّة بحتة للترفيه عن المكدودين.

إعلان

أمّا من الناحية الثانية، نجد نوعية أخرى من الغناء الفنان فيها انفراديّ ونوعيّتها ماليزماتيكيّة، أي تستعمل فيها مجموعة من الدرجات الصوتيّة في مقطع هجائي واحد، مسفسطة إلى حد ما، وأبعادها الصوتيّة أوسع من السابقة، ويمكن أن تتعدّى النغمة الثامنة مثل دو/ دو، أو ري/ ري، أو مي/ مي وغيرها. وذلك استناداً على ألحان ملهمة بمصاحبة ألحان ونغمات ارتجاليّة، وهي قريبة من الموسيقى الفن، أي الملحّن، واللغة المستعملة فيه أو فيها محليّة ودائماً غريبة على الموسيقى الجديدة، وبالتالي قريبة من الاستمراريّة.

الفن السلالي عادة ما ينبع في بيئة الشعر فيها يعتبر مهمّاً للحياة الاجتماعيّة، ويعتلي مركزاً محترماً، ومجال اللغة إمّا شعبيّة أو شبه فصحى ويحتوي على أنواع كثرة من المواضيع، ولكنّها على أيّة حال معبّرة عن المجتمع وحياته. الشعر والغناء وحدتان ضروريّتان مكملتان لبعضهما البعض، فإذا طلب من الشاعر أن يتلو شعره بدون مساعدة لحن لوجد صعوبةً في الأداء. ولأن تراكيب الشطرة الشعريّة وقوافيها الإيقاعيّة توضح ذلك. ودائماً ما نجد أن مؤلّف القصيدة وملحّنها ومرتّلها هو نفس الشخص. ولكن في بعض الأحيان نجد أن اثنين من هؤلاء يتبارون في مغايرة بين الجملة والمعنى والإيقاع في أشعارهم وذلك لاستعراض قوّتهم التأليفيّة. هذه الأعداد الضخمة من المواد التي يتعامل بها المنشدون نازحةً من مستودع تقليديّ، ينتقون فيها كلمات مدبجة للمناسبة ويرتبّونها لما هو مقصود تعريفه. كلمات جديدة ممكن أن تؤلّف وتجدّد أسرع من اللحن، حيث أن نفس اللحن ممكن استعماله في مناسبات عدّة، كأغاني الزواج أو العمل أو حتّى المواكب الدينيّة. أما أرقام هذه المؤلّفات اللفظيّة تتعدّى بكثير القيمة العدديّة اللحنيّة.

واضح لنا هنا أن هذه الأنواع من الفنون الموسيقيّة تحتوي على ألحان موسيقيّة لأغراض حفلة اجتماعيّة رسميّة يشارك الناس بعضهم بطرق عدّة، تارةً بالغناء أو التصفيق بحيويّة بإيقاعات مركّبة أحياناً، أو بخطوات مكوبيّة راقصين أحياناً أخرى. والرقص دائماً ملازم للغناء، والأغنية نفسها تقع في نوعين: هجائيّة متحدّثة ترتيليّة، أي درجة صوتيّة لكل حرف منطوق، أو لحنيّة مغنّاة تجويديّة، أي مجموعة درجات صوتيّة لكل حرف منطوق، الإيقاع فيها حر والمغنّي انفراديّ. الأغلبيّة العظمى من هذه الفنون تغنّى بدون مصاحبة الآلات الموسيقيّة إلا ألوان السير البطوليّة كما ذكرنا سلفاً، وذلك إذا أبعدنا آسيا الوسطى، فليس هناك وجود للموسيقى الآليّة الخاصّة. ولوصف الأغنية العامة، نجد أنّها مؤلّفة من سطر لحنيّ واحد، النظريّة متنوّعة النغمات ومعادة على نفس الدرجة الصوتيّة طول مدّة الأغنية مع مواصلة اللحن. كما وأنّها مزدوجة الغناء بواسطة مغنيين مختلفين في آن واحد، ولو أنّه يظهر مرتّباً.

الموسيقى الفن

على العكس من الموسيقى السلاليّة، حلِّلت الموسيقى الفن مراراً وتكراراً، ونوقشت وترجمت على مدى التاريخ الإسلاميّ، وكان جل انشغال هؤلاء الباحثين علميّ وفلسفي والناحية الجماليّة غير حاضرة. الناقد الموسيقي على سبيل المثال حاول وصف العواطف والوجدانيّات المجسّمة في اللحن والمقام المستعمل، وكما يصف النظريّون أن مداه يعبر ما بين بهجة مجونيّة وتمتّع علميّ، وفي القول بين الفن الحديث والفن القديم نوقشت أمثال لنوعيّات الذوق الجمالي ببساطة ورزانة في القرن التاسع الهجريّ.

ولا شك أن العزف المجرّد للفن ذاته له سعادة وابتهاج خاصّين، ففي إحدى المناسبات قال الأمير ابن المهدي العباسي الرشيدي: “وكان عازفاً ممتازاً لآلة العود وعالماً بآداب الموسيقى، قال لزميل زمنه موسيقار الديوان الخليعي اسحق بن ابراهيم الموصليّ، قال له أنّك تتعامل مع هذا الفن باحتراف، ولكنّنا نتعامل معه لمجرّد التسلية واللهو البريء. ومن ناحية أخرى أن بهاء البراعة الفنيّة في الإلقاء وإقامة البيّنة بعزف نفس القطعة بواسطة عازف آخر في نفس الجلسة الموسيقيّة ينظر إلى المناظرة بعلو واحترام خاصّين، ودائماً ما ذكر جمال الصوت وصحّة الإلقاء، فقد درجا برقّة ودقّة وحزق“.

وطالما أن الموسيقى انتقلت بالسمع، لم يستطع الموسيقيّون أن يستفيدوا بالوسائل الفكريّة، وحقيقة أن الحروف الأبجديّة استعملت بواسطة الباحثين القدماء لتعريف الدرجات الصوتيّة، ولكتّها كانت للشرح والتعليم لا للتدوين. أما التدوين بالطريقة الأوروبيّة ذات الخمسة خطوط وأربعة مسافات فلم تكن معروفة حتّى في القرن التاسع عشر الميلادي عن طريق الموسيقيين الذين كانوا مجنّدين في جيوش بلادهم إبان الاحتلال الأوروبي، ثم سرّحوا للمعاش وأصبحوا أصحاب فرق موسيقيّة ومدرسين بالطريقة الجديدة، وفرقة حسب اللهالمشهورة في مصر توضح ذلك. وحتى هذا لم يكن متدولاً إلا في مجال ضيّق للغاية، وكذلك في البلاد الآسيويّة كالهند والباكستان والبنغال، وماليزيا وخلافه اعتمدوا على الثقافة الهنديّة. وفي الحالتين، أصاب التدهور لب الموسيقى الإسلاميّة من جرّاء عدم استعمال أي نوع من سبل التدوين، إلا أن النقل بالسمع أعطاها سجيّة خاصة بها. ولكن طلب الخبرة صعب المنال للاحتياج إلى الموهبة المولودة والتمرين الكثير. هذا النوع من التدوين كان على أساس فرديّ وأساسه الصلة بين الأستاذ وتلميذه مبتدئةً أوّلاً بصلة تربويّة فأبويّة تتحوّل إلى صداقة في النهاية عندما يصبح هذا الطالب موسيقيّاً متقناً ذو لياقة غير عاديّة في الموسيقى، إبداعي كمؤلّف متمرّن كعازف آلة أو مغنٍّ موهوب بذاكرة خارقة ومتمكّن من الارتجال باجتهاد وسهولة، يكتب زجلاً ويتحدّث بلباقة، وفي النهاية يصبح من رجال الثقافة، ويصبح موسيقيّاً عبقريّاً ويصبح له طلاب وتابعين.

في الموسيقى الفن كما في الموسيقى السلاليّة المغنّي فيهما أساسي حتى في المناطق التي يتهم فيها بالموسيقى الآليّة البحتة كتركيا والباكستان والمغرب العربي وإيران. والحفلات الموسيقيّة الخاصة في العادة تضم مجموعة مختارة من المستمعين الملمّين بدواخل هذا الفن كأدب. والفنان يصاحب نفسه على العود ويتوسّط فرقة عازفين مكوّنة من خمسة أفراد وتسمّى تخت، وفي ألفة يلتفون حول الفنان وكل ذو ملكة في العزف الانفرادي، وكل يستعرض موهبته في مثل هذه الجلسات. فعندما تعزف المجموعة لحناً موحّداً يحاول أن يظهر كل منهم ملكته باللعب بالزمن، أو يحاول التلوين الفنّي المسمّى متعدّد النغمات، وذلك بدون مزاحمة من الآخرين. الوفاء والألفة والوئام تجمعهم ولكل مجال آدابه. هذا مع استعمال أزيز صوتيّ من النغمة الرابعة أو الخامسة أو الثامنة، مثل: دو/ فا، أو دو/ صول، أو دو/ دو، وهذا اللون يسمّى متفرّع الأصوات“. وكل فصل ينتمي إلى لحن متطوّر يتوالد فيها تشكيل تهذيبيّ أوسع للمغتّي والآلي للعازفين، وفيها تشكيلات عدّة مثل: المرتعش، بقوّة، بهدوء، بتنازل، بحنان وأعداد كثيرة أخرى من فن التشكيل الذي تعرّف بها الموسيقى الفن.

الموسيقى والدين

مسألة جواز الموسيقى في الفلسفة الإسلاميّة فتحت مجالات كثيرة ومناقشات أخذ ورد ابتداءً من القرن الأول الإسلاميّ. وما زالت المناقشة مستمرّة حتى اليوم وتملأ آلاف الصفحات، فبخلاف مجادلة الفلاسفة الدنيويين، ارتفعت المحاورة إلى صفوف السلطة الدينيّة لمناقشة دورها الذي بدأت تحيّد للمجتمع. فالارتباط الموسيقيّ أكثر وأكثر مع حياة الرفاهية واستطعام طعم النمو أصبحت تشجّع على الاستخفاف والانزلاق في الشهوانيّة، وعزّز ذلك أكثر اشتراك العنصر النسائيّ في صناعة الموسيقى من غناء ورقص الذي يعتبر غير أخلاقيّ، وزد عليها وجود المشروبات الروحيّة المحرّمة أصلاً في الإسلام. حتى المدينتين المقدستين مكة المكرّمة والمدينة المنوّرة لم تكونا محصنتان من الإغراء، بل في الواقع أصبحتا مركز التسلية والولائم. لم يكن هناك حاجز معلوم بين الموسيقى الدينيّة والموسيقى الدنيويّة، فقد كانت الأولى تتأرجخ بين الموسيقى السلاليّة والموسيقى الفن. وفي الاعتقاد بموجب التقاليد المورود أن النبي صلى الله عليه وسلّم قد يصرّح بالأولى ويلغي الثانية، وهذا يلغي الموسيقى الفن كليّةً. وعلى أيّ حال عدم التداخل بين العنصرين أكّد التذبذب واستمرّت المناقشة.

كانت السلطتان الفلسفيّتان الدينيّة والدنيويّة تحتكمان بالقرآن الكريم والحديث الشريف، وكذلك ما كتبه قادة الدين والعلماء الروحانيين والقانونيين السوالف. فالقرآن الكريم في اعتقادهم لم يحدّد هذا أو ذاك، ولم يجدوا ما يبرّر آراءهما ولا حتى في الحديث الذي هو معقل ذخيرة الجانبين لم يشف غليل أحدهم لإقناع الآخر. فعزّزت الترجمة الحرفيّة للنص بالجدال المناظر. الغزالي (575 هجريّة/ 1111 ميلاديّة) في تحفته إحياء علوم الدينفي فصل الموسيقى عالج هذا الموضوع بتألّق: فالمتصوّفة يضعون الموسيقى في مركز عالميّ ويعتبرونها مادة مهمّة في مجتمعات الذِّكر. والموازي لهذا لديهم مؤلّفات بعنوان السماعبعضها جدليّ وبعضها وصفيّ. ولكن عندما تحقّقت من إساءة استعمالها عارضت الرقص بتاتاً والآلات الموسيقيّة أحياناً وظل كتّاب من نفس التقاليد يتنافسون وما زالوا يتجادلون دون الوفاق على رأي. منهم على سبيل المثال عبد الغني النابلسي (1344 هجريّة/ 1731 ميلاديّة) في رسالته المسمّاة الحجّة المقنعةللاستماع للآلات الموسيقيّة، والذي عورضت بشدّة من محمد الدومي (1315 هجريّة/ 1800 ميلاديّة). ولم تكن هذه الاهتمامات من جاتب السلطات الدينيّة والقادة الروحانيين والجهات القانونيّة فقط، بل كانت متداولة بين جميع الكتّاب عامّة. ومن المهمّين الذين أسهبوا في هذه المناقشة ابن عبد ربيعي المنوفي في 329 هجريّة/ 940 ميلاديّة، والنواويري (732 هجريّة/ 1332 ميلاديّة)، وابن خلدون (808 هجريّة/ 1406 ميلاديّة)، والأبشيهي (580 هجريّة/ 1184 ميلاديّة). إذاً، فما هي أنواع الموسيقى المسموحة في السياق الديني، والذي زاد من حدّة عدم الرضى والحماس للأنواع الأخرى؟

في السياق الديني، كان هناك ثلاثة أشياء مهمّات جداً: ترتيل القرآن والأذان، وبعض التسابيح في المناسبات والأعياد الدينيّة. كما أمر المسلمون في القرآن الكريم بترتيله، والترتيل في حد ذاته كلاميّ، ولكنّه منغّم، غير أن ظهور التجويد في القرن التاسع الإسلامي، والذي نمي إلى سبعة قراءات فيه بناء لحنيّ متكامل كما هو مبيّن بكتب التجويد التي تهدى لطالي المصحف الكريم من المكتبات في الخليج ومصر والسعوديّة وتركيا، هي لتعليم القارئ كيف يقدّم المعاني القرآنية للمؤمنين، بطريقة القراءة المفهومة مع الابتعاد عن الهرطقة أو البدعة التي يظهر منها قراءة خاطئة. ففيها أوامر وقوانين المد والقصر، الوقف والتحرّك، التنوين والكسر، الفصل والربط، والتشديد على النطق الصحيح، ويبيّن حتى السرعة ما بين بطيء وسريع وأسرع. من الناحية الجدليّة، هذا النوع من التعليم ليس له صلة بالموسيقى ولا حتى من الجهة النظريّة، ولكن من الناحية العمليّة يعتبر التجويد من مشتقّات الموسيقى الفن، حتّى أن جُّل مشايخ المقرئين يتحدّثون فيما بينهم من أي مقام بدأ الشيخ وفلان وبأي مقام مر وكيف عاد إلى أصل المقام الأوّل، فيقولون مثلاً: “إذا كانت كلمة التوعية في الآية فإرست، أي اقرأها من مقام الرست“. وطريقة التجويد تختلف من بلد آخر إلى آخر، ففي بلاد الشرق العربي مثل مصر وسوريا والجزيرة العربيّة كلها كما في تركيا وإيران وماليزيا هي أقرب إلى الموسيقى الفن. أما في أفريقيا والمغرب العربي فأقرب إلى الموسيقى السلاليّة، والبلاد الخماسيّة اللحن مثل السودان والصومال وموريتانيا وجيبوتي ومالي فخماسيّة التوقيع اللحني. ولكنهم موحّدين في محاولة تقديم الرسالة محلاة بآداب التفهيم لكلام الله بما يليق به من احترام إلهي، فالمسؤوليّة رفيعة. أما تركيبة فصل الأذان يتوقّف أسلوبها على النداء، فهي مؤلّفة من 12 أسلوب لحنيّ على نص مكوّن من سبعة سطور مع الترديد. وكما في تجويد القرآن، تختلف طريقة النداء من بلد إلى آخر: بسيطة في بعضها ومنغّمة بسموّ في بلاد أخرى، ويتعاملون فيها بنظام الفتح والقفل كما هو معروف في الموسيقى السلاليّة. اليوم يرتفع صوت الأذان عبر ميكروفونات مسجّلة، وبها فقد النداء الإحساس بالتعامل مع التغيير الذبذبي بين الأوقات الخمسة في اليوم، وأصبحت ذبذبة الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء والفصول الأربعة والجهات الأربعة واحدة، بعكس ما اكتشفه النظريّون بأن لكل وقت وزمن وجهة ذبذبتها الخاصّة (راجع فصل الارتجال والإيقاع في هذا المقال).

وفي الظروف الدينيّة كشهر رمضان احتفالاته مليئة بالألوان السلاليّة على كل المستويات، ولكن هذا لا يمنع أن يقتبس بعض المقرئين والمتصوّفة والفنانين الدنيويين بعض ألوان الموسيقى الفن تارةً خالصة وتارةً مبنيّة على ألوان فنيّة سلاليّة، والاختلاف واضح أيضاً من مكان لآخر. المناسبة الثانية هي المولد النبوي الشريف، فقراءة المدائح النبويّة في كل مكان والإجادة ظاهرة وزاهرة ومختلفة في كل بلد مسلم. وهناك بعض المؤلّفات الخاصة لمثل هذه المناسبة الكريمة. فالمؤلفة العالية التي ألفها سليمان شلبي (812 هجريّة/ 1409 ميلاديّة) التركي الأصل ألفها من مقامات وحركات وألحان غنيّة مختلفة تعبّر عن جلال المولد. ولعظمتها وجدّيتها التي لا تقل عن المدح الكلامي، والذي يعتبره المؤلّف أن الكلام أبسط أنواع التفاهم، ولذا ألف مقطوعته تلك. وفي أماكن متباعدة ارتبط العامة بموالد مشايخ خاصة بنواحيهم يقدّمون فيها أذكاراً معروفة للعامة وأخرى خاصة بهم، كألحان أهل الشيعة التي تعبّر عن مآساة الحسن والحسين، وذلك في إيران والعراق أيام احتفالاتهم بالعشرة الأولى من شهر محرّم.

الأخوة الروحانيّون المتصوّفةمجموعات لها خدمات متميّزة تزداد على الخدمات الدينيّة الرسميّة، لهم ساعات وأيّام وتواريخ معيّنة لمزاولة تعبّدات، والموسيقى جزء مهم في تلك المجالس. السماع الذي ذكرناه سلفاً يقولون عنه: “إن السماع يُظهر في القلب ما ليس في القلب“. وقال أحدهم، سليمان الدرعاني: “إن السماع كالشمس تسطع على كل شيء ولكن تؤثّر عليهم بتفاوت، قد تنير أو تحرق أو تذيب“. ومن المدهش أن كلمة موسيقى لا تُذكر بالرمة وقليلاً ما تُناقش موادها، السماع هي المسألة العامة التي تضم أيضاً الحركات الجسدية مثل الرقص، ولكنه ليس برقص. فالصوت الإنساني والآلات الموسيقيّة مساعدان للمتصوّف في خدماته الروحانيّة الخاصة به وبطريقته. المؤسّس للطريقة المولويّة، جلال الدين الرومي، يقول: “السماع هي خليّة الروح، ويساعد على اكتشاف معنى كلمة الحب، وتُشعِر برعبة المنازل مبارزاً لتخلع عنك الحجاب في حضرة الله الذي لا يخفى عليه شيء“. احتفالات الذكر معروفة في جميع الطرق الصوفيّة، ولكن أغلبها لا يعترف بالآلات الموسيقيّة إلا بعضها كالإيقاعات الجلديّة والصاجات النحاسيّة والناي، وهذا يجعلها من ألأوان الفن السلالي، وبالطبع تترك آثارها في كل من الموسيقى السلاليّة أو الموسيقى الفن سواءً أراد المسلم أو أبى. يقولون أن كل شيء يؤثّر على الطفل حتى لو غلق في صندوق.

النظريّة العلميّة

إعلان

في القرن التاسع بدأ الكتاب والموسيقيون والفلاسفة يبحثون عن أصل ونوعيّة موسيقاهم، ففي غياب الوثائق التاريخيّة، دائماً ما كانوا يتعمّقون في البحث بين الأساطير والتقاليد الخفيّة كقولهم عن العود من صنع لامَك بن آدم عليه الصلاة والسلام صنعه من ساق ولده المتوفّي ليتعزّى به عن فقدانه، ولكن الاهتمام بالبحث عن تطوّر الموسيقى كان هو الشيء الوحيد في الدراسات الموسيقيّة التي كانت لها أعظم الآثار في القرون المقبلة بعد التاسع. كان المجتمع متعطّشاً إلى كل العلوم من أي نوع كانت، وأصبحت الدراسات الموسيقيّة أهم ما يهتم به رجل العلم والثقافة، بل جزء مهم من المعلومات العامة التي تهم بالدراسات الأخرى. وفي نهاية القرن العاشر، زمن ازدهار ثمرة الثقافات، لعبت الموسيقى دوراً مهمّاً. الفيلسوف النظري العظيم الفارابي (329 هجريّة/ 950 ميلاديّة) ذكر في رسالته كتاب الموسيقى الكبير، أن النظريّة لا تظهر حتى تكون الناحية العلميّة وصلت إلى أرقى درجاتها في النمو. ولا شك أن هذا يعود إلى وقته وزمنه الذي حرم من النظريّات التاريخيّة.

انقشعت الموسيقى النظريّة بعد ترجمة الدراسات الإغريقيّة إلى اللغة العربيّة في القرن الثامن، وكثير من هذه المخطوطات حازت على اهتمام مبالغ فيه من الأمير الخليفة المأمون. وأول من انتهز فرصة هذا الكنز من المعلومات هو فيلسوف العرب الكندي، والذي كتب 13 رسالة في الموسيقى، منها ظهرت نوعيّتين من الكتابة لتقدّم اتجاهين مهمّين. أحدهما موسيقى الفضاء والكون، روحانيّة بحتة، وهي محاولات لتعريف المآخاة في أساسيّات عقيدة التنسيق من خلال الموسيقى، ففي نظره أن الموسيقى النظريّة المدروسة تساعد على حل العقد الروحانيّة لتنبيه الإنسان على الجمال والتوافق الكوني والارتفاع والسمو عن الوجود المادي. أما النوع الثاني فهي دراسات موسيقيّة علميّة مبنيّة على حسابات رقميّة منفصلة عن الأذن الإنسانيّة، وغالباً ما شغلت بال كبار الفلاسفة (752 هجريّة/ 870 ميلاديّة)، وابن سينا (370 هجريّة/ 980 ميلاديّة)، وابن زايلا (440 هجريّة/ 1048 ميلاديّة)، وصفي الدين الأرموي (693 هجريّة/ 1294 ميلادية) والذين تعاملوا مع نظريات الصوت، مثل الأبعاد النغميّة، النسبة، التوافق، التنافر الصوتي، الأجناس، الأسلوب، الزمن، الإيقاع المؤلّف. كما اهتموا بفن التأليف وصناعة الآلات الموسيقيّة.

من الواضح أن هذين النوعين من التعامل مع الموسيقى لها أساس في الفلسفة الإغريقيّة، وعند الترجمة لم قدّمها العلماء المسلمون حرفيّاً، بل فحصوها وحللوها لتحسين الفكر مع أسلوب الثقافة الإسلاميّة في زمنهم. ووجود ذكر اسم الموسيقى في آداب العلوم الأخرى مثل الطب والتاريخ والجغرافيا والدين والتصوّف، إما أنها ذكرت عرضاً أو شرحاً. أما من ناحية الأخلاق الاجتماعي أو طريقة التعامل معها دينيّاً أو علمانيّاً لم يبت فيها على رأي.

عهود الموسيقى الإسلاميّة

في الفترة الأولى من التاريخ الإسلامي، وبالتحديد أثناء الفترة المستقيمة، أي عهد الخليفة عثمان بن عفّان صاحب النورين، والخليفة علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه ورضي الله عنهما، تحوّلت المدينة المنوّرة إلى كثافة حركة موسيقيّة، وذلك رغم الحملات التي شنّتها القيادة الدينيّة ضد الموسيقى. امتلأت قصور النبلاء والأغنياء بأعداد من الموسيقيين المحترفين وكوفئوا بسخاء كبير. كان هؤلاء الموسيقيين من جنسيات مختلفة من عبيد حرروا من الرق من جاسر الفارسي (64 هجريّة/ 683 ميلاديّة) وناشيد الفارسي أيضاً، وثالثهم الطويس (92 هجريّة/ 710 ميلاديّة). فوجود الفارسيين كعمّال بناء لتجديد الكعبة وتنظيفها من الأصنام أعطى الفرصة لاندماج موسيقاهم مع العربيّة. وبين النساء المشهورات عزّة الميلاء (86 هجريّة) والتي احتلّت المكان المرموق في مجال الغناء أولاً ولعلو ثقافتها ثانياً احتل منزلها مركزاً حقيقيّاً للثقافة يضمّه أكابر علماء الأدب والفلسفة والموسيقى. ومن تلك الجلسات ظهرت إيقات مركّبة بصعوبة، وأنواع سامية من الغناء سمّيت بـالغناء المتقن“.

وبانتقال عاصمة الخلافة إلى دمشق في العصر الأموي، واهتمام خلفائها ووجهائها المبالغ في حب الموسيقى، جعل ازدهارها ملموساً بازدياد عدد العاملين بها، كما كثر عدد المهرة بين مثقفيها وأصبح لهم مجتمعاتهم الخاصة التي بدأ يخشاها الناس من كل الدرجات الأدبيّة والاجتماعيّة. في ذلك الزمن كان ابن مسجع (169 هجريّة/ 785 ميلاديّة) مهمّاً، فقد لعب دوراً قياديّاً في تطوّر وازدهار الموسيقى الحديثة. ومعروف أنه أول من درس الموسيقى البيزنطيّة بجديّة، قم لقّحها وأبعد منها ما لا يليق بالذوق والإحساس العربي والإسلامي. وأما ما اعتبره لائقاً قوّمه وقدّمه في أعماله العربيّة. أما من ناحية أدائه للغناء، فالوصف السابق يكفي. وقد شاركه في ذلك ابن محرز الفارسي، وابن سوراعي التركي، والفارد النوبي، ومبعد الأفريقي، وجميلة المغنية المشهورة.

ثم انتقلت عاصمة الخلافة الإسلاميّة هذه المرة إلى بغداد في العصر العبّاسي. ولقرنين من الزمن، اعتلت الموسيقى أرقى درجات ازدهارها، وكان العصر الذهبي لها ولكل الآداب والفنون. فقد استقبل الديوان الخليفي كل أنواع الثقافات، وجعل لكل أدب يومع لتناقش وتحلل. وهكذا الموسيقى يومها الأربعاء، إمّا للمناقشات النظريّة أو الروحانيّة، أو العمليّة، وأصبحت الموسيقى من أهم مستلزمات الحياة الثقافيّة، كما وأنها كانت إجباريّة التعليم لكل من طلب العلم والثقافة. وبالمساواة كان مطلوباً ممن يعمل في الموسيقى أن يكون مؤدّباً في الفلسفات والثقافات الأخرى. ارتفعت الموسيقى إلى سمو أدبي رفيع، وأصبح جزء من أحاديث المفكرين في محاضرتهم المفتوحة، بفوقوف ابراهيم واسحق الموصلي من جهة، وابن جامع والأمير ابراهيم المهدي في الجهة المقابلة متناقشن متناحرين شجّع الكتاب والمفكرين والفلاسفة على التعامل مع الأدب الموسيقيّ أجمع وشرح أصول النظريّات والألحان والمقامات وخلافهما مما تحدثنا عنه سلفاً، ناهيك عن تجديد الآلات الموسيقيّة نفسها. ومن الفنانين الذي لم نركهم بعد الصياط (169 هجريّة/ 785 ميلاديّة)، وزلزلأحسن من عزف العود– 175 هجريّة/ 791 ميلاديّة). ومن النساء المغنيات بسبس، وعبيدة، وشادية، ودنانير ومحجوبة.

أما العصر الأندلسي فهي فترة منفصلة بعض الشيء عن سابقاتها، مؤسس الموسيقى فيها الضليع زرياب النيلي الأصل والذي تتلمذ على يد ابراهيم واسحق الموصلي. ولتفوقه عليهم وهو رق خيّر بين ثلاثة: إما أن يترك الفن ويظل رقّاً، وإما أن يهاجر وإما أن يقتل فاختار الثانية وهاجر، وبعد رحلة طويلة وصل الأندلس في 206 هجريّة/ 812 ميلاديّة، واستقبله الخليفة عبد الرحمن الثاني واستوعبه في خدمة البلاط. فنان عظيم ورجل من رجالات الثقافات المتعددة هو الذي زاد الوتر الخامس على العود وقدّم طريق حديثة للتربية الموسيقيّة. في السنين المقبلة، لعبت الموسيقى الإسلاميّة دوراً عظيماً رغم تدهور الحياة السياسيّة. ومن بين ثقافات البربر والثقافات الأمويّة الرفيعة، انقاد الفن في زمنه إلى تقديم نوع من الغناء الجديد: الموشّح الذي ترغرغ من خلال فن الزجل المغربي والذي انتقل إلى الشرق الأوسط. والأجدر هنا أن نذكر أن النوبة هي من إنجاز التقليد الأندلسي وتركزت في غرب أفريقيا بعد سقوط غرناطة 1492 ميلاديّة بعد 620 عام من حكم المسلمين لها.

الفترة ما بين القرنين الحادي عشر والتاسع عشر بدأ العد التنازي للحياة السياسيّة الإسلاميّة. فبأفول حكم الخلفاء منتهياً بأثر الغزو المغوليّ 657 هجريّة/ 1258 ميلاديّة، وتقسيم العالم الإسلامي إلى مناطق مستقلّة بذاتها لا تجمعها تلك الوحدة العظيمة، ولكن الحياة الموسيقيّة وإن أصابها بعض الكساد إلا أنّها استمرت متماسكة كالمعتاد ولم تكن مثمرة كما كانت وفقدت أصالتها وبدأت تذبل عن حياتها السابقة بعض الشيء. ولكن اللامركزيّة تحت ظل تلك الفترة السياسيّة استوعبت بعض محبي الموسيقى من الحكام والوجهاء الذي ساعد على تماسكها بعض الشي. ففي بعض الدواوين الصغيرة وجدت الموسيقى بعض الاهتمام والتشجيع من الحكام الباحثين عن الهيبة والمكانة، والتي حاولت تقديم متشابهات قادت إلى مغايرات متعدّدة شوّهت الأعمال السابقة. ومن المدهش أن الذين لم يتوقفوا عن تطوير الموسيقى باستمرار هم أصحاب الطرق الصوفيّة وبعض الأخوة الرحانيين، بل لإدراك مجالات أوسع للثقافة الموسيقيّة بصفة عامّة.

أما التاريخ المعاصر فتحدّد بتيارين أولهما الاهتمام بإعادة اكتشاف التقاليد الإسلاميّة، والثانية تقربها من الثقافات الأوروبيّة الحديثة. فقدمت الموسيقى الأوروبية أولاً في تركيا (1242 هجريّة/ 1860) ميلاديّة، ثم اتجهت إلى مصر وإيران وتوّسع المجال لاستيعاب أساتذة موسيقيين لتدريس المحليين في مجالات عدة أهمها: موسيقات الجيش. وكانت بداية مشوار طويل ما زال مستمرّاً للنيل من تغيير الآلات الموسيقيّة الإسلاميّة. فأول ما تعرف عليه موسيقار الشرق النوتة الموسيقيّة ثم الآلات وطريقة التعليم، ومن النوعيات: الأوبرا والأوبرتات والأغنية القصيرة. مع ذلك، تماسكت الموسيقى الإسلاميّة بنوعيتها الخاصة، وبالذات الفن السلالي الذي لم يمسه شيء وواظب على الحفاظ على نوعيته الفريدة. وهذا ما جعل بعض المهتمين بالموسيقى الإسلاميّة يجرون بحوثاً لتحديد جذور وتاريخ موسيقاهم. ففي 1348 هجريّة/ 1932 ميلاديّة، انعقد مؤتمر في القاهرة لبحث الموسيقى العربيّة فقط، لا الإسلاميّة ككل. ولكن المؤتمر جمع باحثين ودارسين متخصصين من بلاد الشرق الأوسط وأوروبا ليبينوا ويحددوا أهمية الموسيقى العربية والإسلامية ويأمنوا استمراريتها. وظهرت العلامة المهمة في التقدم المتغير من ذلك الزمن في الصوتيات ولغة الموسيقى وطرق التعليم والأداء. ورغم ذلك، ما زالت الموسيقى الإسلامية متماسكة حيّة، ولكنها تعاني من تبدلات أوسع في المستقبل ليأتي من يبحث عن أبعاد الصوت في موضع من الموسيقى الإسلاميّة.

تمّت والحمد لله

طوكيو في 10 يوليو 1985

* الموسيقى الفن: يقصد حمزة علاء الدين، بالمصطلح الذي يتكرّر لاحقاً في الورقة، الموسيقى التي ينتجها محترفون لأغراض ترفيهيّة في الغالب، وتختلف عن الموسيقى الشعبيّة المتوارثة، التي يصفها حمزة هنا بـالسلاليّة، بالمواضيع التي تعالجها (أو لا تعالجها)، والتجريب بالاعتماد على التأثيرات غير المحليّة، وهي هنا: الأوروبيّة.

نقلت الورقة عن مصدرها في موقع حمزة علاء الدين مع تدخلات تحريريّة طفيفة.

إعلان

Leave a Reply