الموسيقى السالبة

كتابةكريم الصياد - سبتمبر/أيلول 12, 2017

(إشارة عامة: ما لم يذكَر خلاف ذلك، فكل ما يلي تنظير خاص بكاتب المقال)

أولاً | صمت الموسيقى وموسيقى الصمت

لا نعلم إذا ما كان قد اصطُكّ تعبير الموسيقى السالبة Negative Music بمعناه في هذا العنوان من قبل؛ فما طالعناه من استعمال لهذه الصياغة يقتصر على توصيف أثر الموسيقى بكونه سلبيًا، أي مثيرًا للمشاعر السلبية. لكنّ استعمال لفظ “السالبة” في هذا المقال لا علاقة له بنوع المشاعر المستثارة موسيقيًا، بل بالوعي بـ (عَدَم الموسيقَى)، أو باختصار: الصمت. هل هناك موسيقى صامتة؟ وكيف نسمعها؟ أم هل هناك موسيقى غير مسموعة؟ هل الصمت موجود، أم أنه مجرد حالة سلبية مثلما أن الظل حالة سلبية لوجود الضوء؟

الموسيقى السالبة تعبير يهدف كذلك إلى بيان التفاعل مع السلب: الصمت، حين يقارَن بالتفاعل مع الإيجاب: الصوت. الموسيقى السالبة كالكتلة السالبة، التي إن دفعتها ارتدّتْ إليك. كذلك هي موسيقى الصمت؛ بما تحققه من تفاعلات معاكسة عند التلقي إذا ما قورنت بموسيقى الصوت. وهذا المبحث يهدف أساسًا إلى توسيع مجال الموسيقى لتشمل نطاقًا أرحب من عالَم الأصوات المحسوسة، وتنسحب على مجال الأصوات-التي-لم-تعد-كذلك، أو التي-لا-يمكن-أن-تكون-كذلك.

وبصفة عامة يمكن لنا ملاحظة أن علاقة الموسيقى بالصمت تنقسم إلى وجهين، هما عنوان هذه الفقرة: صمت الموسيقى، وموسيقى الصمت. فإذا كان “صمت الموسيقى” هو السكتات الموسيقية، التي تتمتع بعلامات معينة في التدوين الموسيقي، والتي تظهر بين حركات السيمفونية مثلاً، وداخل حركاتها كذلك بين الألحان وبين أقسام الصيغة، فإن “موسيقى الصمت” هي أعمال أُلِّفَتْ بهدف إنتاج الصمت لا غير، أو بالأحرى إنتاج حالة مِن “عدم الموسيقى”، كأعمال جون كيدجJ. Cage ، وشولهوفSchulhof ، ويفيز كلاين Yves Klein، التي سيلي تحليلها، والتي لا تقدم عادة سوى مجموعة من العازفين الذين لا يفعلون شيئًا غير التحديق في مدوّناتهم أو عزف أصوات غير موسيقية. وفي وجهي العلاقة يمكن لنا بحث الموسيقى السالبة؛ فهي إما كالظلال في اللوحة، حالة من الغياب الجزئي للون والضوء للتعبير عن مجسَّم قائم على أبعاد مسطَّحَة، أو كلوحة فارغة بما تدل عليه تلقائيًا من سَلْب لوحة أخرى مفتَرَضة. وهكذا يتضح الفارق بين صمت الموسيقى وموسيقى الصمت؛ فرغم أنهما شكلان من العلاقة بين الموسيقى والصمت، فإن صمت الموسيقى عنصر من عناصر العمل الموسيقي، حتى ليكاد يكون من المستحيل تصور عمل موسيقي دون سكتات هي من أجزائه العضوية نفسها، بينما تعبّر موسيقى الصمت عن عمل فني مستقلّ، بحيث يكون موضوعه هو (كانت هنا موسيقى في وقتٍ ما، ثم زالتْ) أو (لا توجد موسيقى). هو الفارق عينه بين الحضور الذي يحدد تخومَه الغيابُ، وبين الغياب ذاته، بين الوجود الذي يقنّن نطاقَه العدمُ الخارجي، وبين العدم نفسه.

إعلان

ولعلّ القارئ المتابع لهذه السلسلة من المقالات في فلسفة الموسيقى: كلاهوت السيمفونية التاسعة، وزمن الموسيقى ومكانها، والتأويل الموسيقي للعالَم، والموسيقى بين التدجين والتوثين يفهم مسبقًا كيف أن إدخال عنصر السلب في بحث الموسيقى يعيد طرح الأسئلة الخاصة بماهية الموسيقى، وماهية العمل الموسيقى، وركائز التأويل الموسيقي، واللاهوت الموسيقي، التي سبق أن طرحناها في المقالات المذكورة، ولكن من وجه سلبي. وهذا ما يفرض خطة معينة على هذه الدراسة الحالية، تبدأ من هذا التمييز بين صمت الموسيقى وموسيقى الصمت، وتمرّ بماهية الموسيقى السالبة، وعناصرها التكوينية، ثم تتطرق إلى تحليل لبعض أهم لحظات صمت الموسيقى، وبعض من أهم أعمال موسيقى الصمت، ثم التأويل الموسيقيّ السالب للعالَم، وتنتهي بمستقبَل الموسيقى السالبة، كما يلي.

ثانيًا | ماهية الموسيقى السالبة

١- زمنُ الصمتِ ومَكانُه

كما ذكرنا أعلاه: الموسيقى السالبة هي في أساسها حالة من غياب الموسيقى، قد يستهدفها الموسيقار لتحديد بنية عمله؛ فالتحديد كمقولة معرفية هو تركيب الإيجاب والسلب معًا، كما في لائحة المقولات الكنطية. ونظرًا لأن الموسيقى فن زمني؛ أي يحدث في الزمن، ويتلاعب بالزمن، كما أوضحنا في مقال زمن الموسيقى ومكانها، فإن الموسيقى السالبة كذلك تحدث في الزمن وتتلاعب به. يحدث الصمت كذلك في الزمن، كما يقع الظل في المكان. وكما تم إيضاحه في المقالات السابقة؛ تنتِج الموسيقى زمنَها الخاص بخلق أحداث مجرَّدة، ومسافات بين هذه الأحداث. وهذه المسافة بين حدثين هي التي ندعوها بالزمن، في افتراض العقل البشري لمسافة بين الحدثين كما يجد في الطبيعة مسافة بين نقطتين في المكان. لكن الموسيقى السالبة تُنتِج زمنها بخَلق عدمٍ بين صوتين، كما بين حركتين في السيمفونية، أو صمتٍ يكسر سريان الموسيقى، كما في أعمال الموسيقى الصامتة كأعمال كيدج وشولهوف. الموسيقى الصامتة تنتِج زمنًا كالصائتة، ولكن الفارق هو أنه زمن غياب لا زمن حضور، زمن صفته: (أنه لا يحدث فيه شيء ما)، عكس الزمن الذي تنتجِه الموسيقى الصائتة: (زمن يحدث فيه كذا وكذا من الأحداث الصوتية). وقد يمكن أن نطلق على زمن الصمت كذلك تعبير “الزمن الغائب أو السالب”؛ لأنه سَلْب لزمن الحدوث التقليدي الذي نعرفه (الذي يحدث فيه شيء ما).

ونظرًا لأن الصمت يخلق هذا الغياب الزمني، فإننا ننتقل بالوعي تلقائيًا من الزمان إلى المكان، ونزداد تركيزًا على المكان. لهذا تتحول أعمال الموسيقى الصامتة عادةً إلى أعمال مسرحية بشكل ما، يلعب فيها الفراغ والضوء والظل وحركات العازفين الصامتين وأوضاعهم دورًا أبرز بوضوح مما تلعبه حركات المايسترو وأعضاء الفرقة في الموسيقى الصائتة. ولكل ذلك تقوم أعمال الموسيقى الصامتة بتوجيه ذهن المتلقي إلى مجموعة من التساؤلات: ما الذي لم يعد يحدث؟ أو ما الذي لا يحدث؟ كيف يا ترى قد يكون ذلك الزمن الغائب؟ ما الذي يفعله هؤلاء العازفين في المكان إذا كانوا صامتين؟ لماذا هم صامتون؟ ما معنى الصمت؟ هل الصمت موسيقَى؟ وما الموسيقى إذا كان الصمت موسيقى؟ هل يقول الصمت ما لا تستطيع الموسيقى قوله؟ وهي التساؤلات الرئيسية المستهدَفة من أعمال الموسيقى الصامتة، تلك التساؤلات التي تذهب أبعد من الموسيقى إلى ما وراء الموسيقى: الميتا-موسيقَى.

٢- حركة الصمتِ

تنتِج الموسيقى أنماطًا من الحركة، كما تم توضيحه في المقالات السابقة؛ فلكل موسيقار نمط حركة مميز، ومختلف في النظام، وفي درجة الانتظام، بل لسنا نبالِغ إن قلنا أن لكل عمل موسيقي نمطًا حركيًا خاصًا به كذلك. ويتم التعبير عن هذه الأنماط من الحركة في الحركة المادية المساوِقة للأعمال الموسيقية، كما في الرقصات ومَشاهد السينما والمارشات العسكرية، إلخ. وإذا كانت الموسيقى منتِجة لنمط الحركة، فإن الصمت يخلق نمط سكون معينًا، تتحدد صفته غيابيًا حسب ما (نتخيله) متحركًا لم-يعد-كذلك. في عمل شولهوف In Futurum مثلاً (نرى) العازف جالسًا أمام البيانو دون انفعال، لا يفعل شيئًا تقريبًا، وهو يطالع في هدوء أسطوري مدوَّنة موسيقية لا تتضمن سوى مجموعة من السكتات الموسيقية، وهو نمط سكون يختلف عن عمل كيدج (واحد مكعَّب) One3، الذي يتعدد فيه العازفون إلى ثلاثة في مساحة مظلمة لا يقطعها سوى تركيز معين بالضوء على مواضع هؤلاء العازفين، مع بعض النقرات غير المنتظمة والمتباعدة التي لا تصنع موسيقى. هذا الصمت، الذي هو نمط سكون، يخلق تصورنا عن الحركة-التي-لم-تعد-كذلك، أو الحركة الغائبة، مما يدفعنا إلى محاولة تخيل نمط حركة افتراضي. ومن الطبيعي أن يتخيل كل منّا نمطًا للحركة مختلفًا عن الآخَرين. إذن فالصمت ينتِج نمطَ سكونٍ، يقوم بدوره بإنتاج نمط حركة متخيَّل. وهو ما نلحظه بصفة عامة من إعلاء شأن الخيال في الموسيقى السالبة، الخيال الذي ينمو أكثر في الظل والصمت والعدم.

وفي هذا الصمت/السكون نتساءل: لماذا لا يعزِف/يتحرّك العازفُ؟ تمامًا كما نتساءل عن سر توقف سيارة على طريق سريع دون أن تكون معطلة، ودون أن يكون ثمة سبب لتوقفها سوى إرادة قائدها للتوقف. هنا يبرز عنصر الإرادة؛ فالموسيقار يقدم صمتًا لأنه أراد ذلك، أو أراد البرهنة على أن بإمكانه ذلك. وإذا كان شوبنهور قد اعتبر أن الموسيقى الخالصة هي المعبّرة عن الإرادة بأنقى صورها، إرادة الوجود، فإن الموسيقى الصامتة، التي لم تكن فنًا معروفًا وقتَ شوبنهور، هي المعبرة عن إرادة العدم.

٣- فوضَى الصمتِ

 الموسيقى السالبة موقف ضد السلطة بشكل أساسي، سلطة نقاد الموسيقى، وعلماء الجَمال، والجمهور، والتقليد السائد، كما نجد في كل ثنايا كتاب فيروتشيو بوزوني Sketch of a New Esthetic of Music؛ حيث يشير إلى نقاد الموسيقى بلفظ Lawmakers (واضعي الشريعة). وهو المصنَّف نفسه الذي قال فيه:

“إنَّ ما يقارِب الماهية الأصيلة للفن في موسيقانا المعاصِرة هو السكتة الموسيقية؛ حيث يعرف الموسيقيون والمرتجِلون المَهَرَة كيف يستغلون هذه الأداة التعبيرية [السكتة الموسيقية] على نطاق أوسع ولفترات أطول. إن الصمت العميق بين حركتين في السيمفونية، الذي هو في حد ذاته موسيقَى، يمنحنا مجالاً أكبر مِن السموّ إذا ما قورِنَ بالصوت الأقل مرونة بقدر ما هو أكثر تحديدًا” Ferruccio Busoni, Sketch of a New Esthetic of Music, trans. Th. Baker, New York : G. Schirmer, 1911, p. 23.

.. مفتتحًا بذلك -على استحياء- تنظير الموسيقى الصامتة.

ونفهم من هذا النصّ وجهة نظر مؤلفي الموسيقى السالبة؛ فالصمت أكثر مرونة من الصوت، لأنه أشد إطلاقًا للخيال؛ نظرًا لكونه أقل تحديدًا. والعدم هو الأقل تحديدًا على الإطلاق بين مقولات العقل. وبسبب هذه المرونة يستطيع الصمت أن يهرب بدرجة أكبر مِن الكفاءة مِن سلطة المؤلِّف على المتلقّي، الذي يتحرك إدراكيًا بشكل أكثر حرية في فترات الصمت، حين ينعدم توجيه الفنان له. وكما يعتبَر الصمت-بحسب هذه النظرة-ضد سلطة المؤلِّف على المتلقي، فإنه يعمل أيضًا عكس سلطة الناقد على المؤلِّف؛ فالموسيقى السالبة صرخة صامتة في وجه الجماليات التقليدية للموسيقَى، بل ووجه الموسيقى ذاتها. ولهذا السبب يتم تصنيف الموسيقى الصامتة عادة ضمن نزعات ضد-الفن Anti-art. ولهذا ما يبرره، وبالرغم من ذلك فإن مفهوم ضد-الفن محدود بنطاق مجتمعه ولحظته التاريخية؛ فما هو ضد الفن اليوم قد يصير فنًا مقبولاً، ثم كلاسيكيًا، يومًا ما. لذلك فإن الأكثر وجاهة أن يتم تصنيف الفنون طبقًا لوسائلها التعبيرية وثوابتها البنيوية دون الارتباط بلحظة تاريخية محددة.

لكن ما تقوم به الموسيقى السالبة من تحدٍّ للسلطة يختلف جوهريًا عما قام به موسيقيون مثل سترافنسكي مثلاً مِن تجديدات موسيقية جِذرية، تتحدى المستقَر عليه حتى أوائل القرن العشرين في الموسيقى. جون كيدج مثلاً متمرّد في موسيقاه الصامتة، أما سترافنسكي فثوريّ في موسيقاه الصائتة؛ إذا كان الفرق بين التمرد والثورة هو الفارق بين مَن يعرف ما الذي لا يريده فقط، وبين مَن يحدد ماذا يرفض وماذا يريد بدلاً منه. تصور البديل عن القائم هو الفرق بين كيدج وسترافنسكي، لأن كيدج يقدم الصمت بديلاً عن الموسيقى، اللا شيء بديلاً عن الشيء المرفوض، وأَنّ سترافنسكي يقدم موسيقى جديدة بديلة عن القديمة، والشيءَ المفترَضَ بديلاً عن المفروض. إذن فالموسيقى السالبة حركة تمرّد غير ثورية؛ لأنها تقدم العدم كاعتراض على الوجود مِن دون تقديم بديل قابل للوجود. الموسيقى السالبة لهذا حركة فوضوية في الموسيقى، حين نعرِّف الحركات الفوضوية عمومًا بكونها حركات تمرّد جذري على النظام بما هو نظام، وفي اعتبارها أن كل سلطة سيادة وكل سيادة شرّ.

إعلان

ويرتبط مفهوم الإنتروبيا بالفوضَى؛ فالإنتروبيا (القانون الثاني للديناميكا الحرارية) هي شيوع التفكك التدريجي في نظام ما بسبب انخفاض طاقته. هذا التفكك مرحلة من الوجود إلى العدم، أو هو عدم وجود ما كان نظامًا قائمًا فعلاً ثم لم يعد كذلك. الموسيقى السالبة كذلك إنتروبيا موسيقية، تعبِّر عن حالة مِن انخفاض طاقة النظام الموسيقي، أي انخفاض الاعتقاد فيه، وانخفاض مبرراته كنظام، وهي تنتِج عملاً موسيقيًا تفكك تمامًا حتى لم تعد فيه أجزاء قابلة للرصد. لذلك فالموسيقى السالبة هي أعلى مراحل الفوضى في الموسيقى، إذا ما قورنت مثلاً بأعمال موسيقار كشوستاكوفتش (راجع مقال: ما وراء الموسيقى)، الذي أقام بنيانه الكلاسيكي على مزيج مِن النظام والفوضى.

وبطبيعة الحال يرتبط مفهوم الفوضوية في السياسة والفن بالعدمية، إبداع العدم فنيًا، للإشارة إلى عدم الإيمان بشيء جماليًا، وقيميًا بشكل أعمّ. وإبداع العدم خَلْق سالب، طالما كان إبداع الوجود خَلقًا إيجابيًا. وهي النقطة التي ستتضح فيما يلي عند الحديث عن الهارمونية السالبة.

٤- ذاكرة الصمت

كما ذكرنا في مقال “زمن الموسيقى ومكانها” تشبِه الموسيقى عند التلقّي حركةَ الذاكرة؛ لأنك كي تتابع عملاً موسيقيًا عليكَ أن تتذكر باستمرار كيف كانت أجزاء العمل السابقة؛ فالموسيقى-كفن زمني-تتلاشَى لحظاتها باستمرار بعد إدراكها، مما يعلي من شأن وظيفة الاستعادة. وفي مقابل ذلك تعلي الموسيقى السالبة من مقام الخيال، كما تم توضيحه في الفقرات السابقة. مع ذلك فإن الموسيقى السالبة أقرب إلى فهم طبيعة الفَقْد وتأثيره على الوجود الإنساني من الموسيقى التقليدية، في إظهارها أن المفقود يحدد كذلك الموجود، وأن الغائب أساس للشاهِد؛ فهي عَرض فنّي للغياب ذاته، مما يجعلنا فجأة عرضةً لتصور أثر الموجود-الذي-لم-يعد-كذلك. ولهذا فإننا قد استعملنا في هذا المقال تعبير “لم-يعد-كذلك” مرارًا للإشارة إلى طبيعة العملية المعرفية التي تحدث عند تلقي هذا النوع من الأعمال الموسيقية. “لم-يعد-كذلك” ذاكرة سالبة تخلقها الموسيقى السالبة؛ إذا كان ضدّه “كان-كذلك” ذاكرة موجَبة تصنعها الموسيقى التقليدية. إن المفقود، الذي لا نزال نذكره، يحدد سلوكنا مع الموجود، كما يحدد تخيُّلُنا للغائب موقفَنا من الحاضر. الموسيقى السالبة تقدم لنا صورة مصغرة من عالَم بلا موسيقى، صورة مخيفة بقدر ما هي كوميدية وعبثية. وقد نشعر بالحنين إلى الصوت، وبالاختناق من هذا الليل السمعي القصير، ونكاد نقول: “ليت هناك موسيقى”. وهي حركة شعورية شبيهة بحركة التذكر لكنها معاكسة في الاتجاه، معاكسة لأنها نتيجة لموسيقى سالبة: “ليت هناك موسيقى” عكس “ليت موسيقى تعود مرة أُخرَى”، لأن الأولى تفترض حدوث شيء في المستقبَل، أما الثانية فتتمنى عودة شيء من الماضي.

ثالثًا |عناصر الموسيقى السالبة

١- إيقاع الصمت

كما هو معروف؛ فالإيقاع هو تكرار حدوث شيء على مسافات زمنية أو مكانية متساوية أو شبه متساوية، كتكرار نغمة أو قافية أو وحدة تشكيلية في تصميم ما. أما في حالة الموسيقى السالبة فالإيقاع سالب، هو تكرار ما-لا-يحدث على تلك المسافات. ولكن مع غياب هذا الذي-لا-يحدث فإننا لا نلاحظ المسافات الإيقاعية أصلاً. فهل يعني ذلك أن الموسيقى السالبة بلا إيقاع؟

كما ذكرنا سابقًا: يشكل الخيال عنصرًا جوهريًا في تلقي الموسيقى الصامتة، التي هي تمرد على تلقي الفن التقليدي بشكل عام. إنها تدفع المتلقي دفعًا إلى أن يشارِك في كل لحظة في إنتاج العمل الفني في مخيلته، دون أن ينتظِر توجيه الفنان له في كل التفاصيل. ولهذا فإن إيقاع الموسيقى الصامتة متخيَّل، ومتوقِّف على استعداد المتلقي للمشاركة سابقة الذكر. ولكن إذا كان المتلقي مستعدًا لذلك، وقام فعلاً بتخيل إيقاع ما، فما الفارق بين هذا الإيقاع المتخيَّل وبين الإيقاع التقليدي فيما سوى الفارق بين المتخيَّل والواقعي؟ كي نجيب عن هذا يجب أن نفترض فعلاً تخيلنا لإيقاع ما، وسوف نلاحظ أن ذلك الإيقاع يقسِّم الصمتَ ذاته على مسافات افتراضية بحتة. وإذا فرضنا تدخل عنصر صوتي منتظم مِن خارج العمل، كطرقات قلب المتلقي، التي سيكون بإمكانه سماعها ربما في قاعة صامتة تقريبًا، أو دقات ساعة خافتة معلقة صُدفةً أثناء أداء هذا العمل الصامت، فإن هذه الدقات، إذا انتبهنا إليها في ذلك الصمت المطبق، سوف تقوم بتنظيم سريان الصمت، تمامًا مثلما يمكن لنا تقسيم الفراغ بتصور علامات افتراضية عليه.

٢- لحن الصمت

لأن اللحن نظام معين من النغمات على مقام محدد، فإنه العنصر الأعمق غيابًا في الموسيقى السالبة؛ فكيف نتصور مقامًا موسيقيًا للصمت بالمعنى الاصطلاحي لكلمة “مقام”؟ وكي نفهم ماهية لحن الصمت علينا أن نعرف أولاً ما الذي يركّز عليه المتلقي في حفل للموسيقى الصامتة. ويمكن ملاحظة أن ما نركز عليه في مثل هذا الحفل أمران: الصمت ذاته، أي وعينا بأننا لا نسمع موسيقى من جهة الأوركسترا، والأصوات العارضة للعازفين والجمهور، حين يسعل أحدهم صدفةً، أو يعتدل آخَر في مقعده. هذا العنصر الأخير، الأصوات العارضة، ليس صمتًا، لكن الصمت موضوع العمل هو (صمت الأوركسترا) تحديدًا، والذي يسمح لنا بأن نسمع أفكارنا وحركاتنا العارضة بتركيز أكبر مما في حياتنا اليومية، وأن نضع أنفسنا مكانَ المؤلِّف، وأن نتصور نظامًا مِن فوضى تلك الأصوات العارضة، وأن ندرِك صعوبة ذلك. والملاحَظ أيضًا أن علينا ألا نصدر أصواتًا عامدين، ونحن حضور في حفل كهذا، أي أننا نسمع فقط الأصوات غير المتعمدة، والتي هي مقهورة ومهمَّشَة لصالح الموسيقى التقليدية في أي حفل موسيقِيّ تقليدي. والانحياز إلى الأقليات والمهمَّشين جانب أصيل مِن الفكر الفوضوي عمومًا؛ لأن الكل يستطيع أن يرفض القائم، أما اقتراح البدائل، كحالة سترافنسكي مثلاً، فهو يحتاج عادةً إلى متخصص متمكّن وأصيل. وقد سبقت الإشارة إلى علاقة الموسيقى السالبة بالفوضى.

إذن فاللحن السالب على عدة أنواع، وربما من عدة مقامات مختلفة مجازًا، هي: الصمت ذاته، اللحن المتخيَّل في عقل المتلقي دون أُذنه، والأصوات العارضة في قاعة العزف. والفكرة في هذه الأعمال الصامتة هي إتاحتها لعالَم متخيَّل بلا حدود. وكلما زادت مساحة الخيال كلما زاد نطاق العدم، والعكس صحيح.

٣- هارمونية الصمتِ وتلوينه وتوزيعه

لكي نفهم معنى هذا العنوان الفرعي علينا أولاً تحديد ثلاثة عناصر:

  • أن هناك أكثر مِن صمت: وعن طريق التوفيق بين أنواع الصمت تَنتُج هارمونية الصمت الهارموني أو التآلف هو عزف أكثر من نغمة بنظام معين في الوقت نفسه لإنتاج نوع من الشعور في كل مرّة؛ فالهارموني الثلاثي مثلاً على أربعة أنواع: صغير محزِن، وكبير مفرِح، ومتناقِص مخيف، وزائد ناشز.
  • أن هناك أكثر مِن صامت: وعن طريق التوفيق بين هؤلاء الصامتين تَنتُج ألوان من الصمت التلوين coloration هو عزف أكثر من آلة معًا لإنتاج لون/صوت مركَّب جديد. وهو علم له قواعد معينة في نظرية الموسيقى.
  • أن التوزيع الموسيقيّ في وصفه حسب مقولات الأبعاد (الزمان والمكان) هو توزيع الزمان (الموسيقَى) على المكان (مواضِع العازفين).

هناك أكثر مِن صمت؛ فهناك أكثر من نغمة (لا تُعزَف) معًا على الآلة الصامتة، وهو ما ينتِج لنا الهارموني السالب. الهارموني السالب هو توافق كل شيء في اللا شيء، وإبراز العدم كتوفيق شامل وحل نهائي. وهو العنصر العدمي في الموسيقى السالبة، الذي سبقت إليه الإشارة في الحديث عن الفوضَى. وإذا كان الهارموني في الموسيقى التقليدية عزفًا للحن لا يستغرق زمنًا، وما ليس في زمان فهو فقط في مكان، وهي الظاهرة التي أطلقنا عليها في مقال (زمن الموسيقى ومكانها) تعبيرَ “إنتاج المكان”، فإن الهارموني السالب هو عدم-عزف-هذا-اللحن، وبالتالي فهو إنتاج للمكان السالبNegative Space. ودون الخوض الموسَّع في مفهوم المكان / الفضاء السالب لمن أراد التوسع في فيزياء الفضاء السالب يمكن زيارة هذا الرابط: http://www.abovetopsecret.com/forum/thread978425/pg1
، فإن هذا الأخير يختلف عن المكان الموجَب في أنه مكان/فضاء العدم لا الوجود. مكان/فضاء اللا شيءِ، والذي تُستَلَب فيه الأشياءُ لتصير عدمًا. يوحِي الهارموني السالب إذن بنطاق لانعدام عام للكينونة.

وإذا كان كل تآلفٍ ينتِج نوعًا مِن المشاعر، فإن جميع التآلفات السالبة تنتِج شعورًا واحدًا هو الخَوَاء، وذلك في سياق سلبها للشعور نفسه. الهارموني الموجَب إنتاج مباشر للشعور، والهارموني السالب إنتاج للاشعور. والشعور وعيٌ، لذلك فالهارموني السالب إنتاج للاوعي. ليس اللاوعي بمعناه في علم النفس التحليلي بما هو مشاعر واعتقادات كامنة خلف قشرة الوعي؛ فهذا تختص ببيانه الموسيقى السريالية لا السالبة، أما هذه الأخيرة فهي تنتِج لا-وعيًا مختلفًا؛ هو الوعي المباشر باللا شيء، أو الشعور بلا شيء، أو هو وعي دون شيء محدد ليَعِيَه.

وهناك أكثر من صامت؛ لأن هناك أكثر من آلة صامتة (في أعمال الموسيقى الصامتة الأوركسترالية بطبيعة الحال). ولكن في كل الحالات، سواء أكان العمل للآلة الصولو أم للأوركسترا، فهناك كذلك صمت الجمهور. وعن طريق التداخل بين صمت أكثر من طرف صامت؛ العازف والعازف الآخَر والجمهور، ينتُج لدينا لون من الصمت المركَّب، أو مِن العدم المعقَّد. وكما في حالة الهارموني السالب؛ فإن اللون السالب-في هذا السياق وليس في نظرية التصوير-هو اللون الذي تضمحل فيه كل الألوان. والعدم هو الأكثر شفافية على الإطلاق. اللون السالب هو اللا لون، أو لون ما لا لون له.

وهناك توزيع لهذا الصمت على الآلات والجمهور. وهو توزيع سالب، أي توزيع اللا شيء على المكان: مكان كل آلة، ومقاعد الجمهور. بالأحرى هو عدم توزيع شيء على هذا المكان. وفي هذه الحالة تتوحد كل أدوار الآلات والمستمعِين؛ فالعدم هو الشيوعية الكاملة، والمساواة المطلَقة.

وفي إطار هذا السلب المستغرِق للهارموني والتوزيع والتلوين تبرز مشاركة الجمهور-كما سبق إيضاحُه-على مستويين: مستوى الخيال، أي تخيلنا لما كان يجري ثم توقف، أو ما كان يمكن ثم استحال، ومستوى الأصوات العارضة للحضور. وهذه المشاركة موجَبة بطبيعة الحال؛ لأنها إضافة شيء لا سلبه، لكن ما يسمح بها ويبرزها هو هذا النطاق مِن السلب المتداخِل، والعدم المُشَيَّد.

رابعًا | تحليل لبعض أهم لحظات صمت الموسيقَى

١- بيتهوفن، والذين ليسوا معه، أو علاقة الموسيقى السالبة بالصمم

إذا ذُكرت الموسيقَى ذُكر بيتهوفن، وإذا ذُكر الصمت أيضًا. ولهذا سببان: الأول هو أن بإمكاننا نوعًا تصنيف بيتهوفن كأول موسيقار قدّم هذا النوع من الموسيقى، السالبة، في استعماله للقدرة التعبيرية للصمت، كما سيلي توضيحه. والسبب الثاني هو تجربته مع الصمم، هذه المعاناة التي أجبرته على تخيُّل الموسيقى التي يؤلفها دون أن يسمعها، وهو يعرف تمامًا أنه لن يسمعها أبدًا. والخطأ الشائع في تناول تجربة بيتهوفن الإبداعية ككل هو الظن بأنها ثورية أو تجديدية في مبادئها وخطتها. صحيح أن بيتهوفن قد أثّر على تاريخ الموسيقى اللاحق كما لم يفعل موسيقار من قبل أو من بعد، لكن المثير في تجربته أنه لم يقدم نفسه كمتمرد أو كثوري قَط؛ بل كمستفيد من السابقين من جهة، وكصاحب قدرات متميزة يؤمن بها من جهة أخرى، وكمؤسس لمشروع جادّ استراتيجي، يعمل على سيمفونية كالتاسعة لمدة اثني عشر عامًا كاملة، من جهة ثالثة. وهو ما يعني أن استعماله للصمت جاء نتيجة للضرورة لا كمحاولة تثويرية طريفة.

إعلان

والواضح أن فترات الصمت داخل حركات العمل قد زادت مع تقدم حالة الصمم لديه، مما قد يشي بعلاقة بينهما؛ ففترات الصمت في سيمفونيته الثالثة أقل مما في السابعة، وفي السابعة أقل مما في التاسعة. وهو تأثير صمم بيتهوفن على تاريخ الموسيقى ككل. ولهذا تعتبر تاسعته بالإضافة إلى رباعياته المتأخرة من أهم مراجع استعمال الصمت تعبيريًا إلى جوار الصوت في الموسيقى. ويمكن تصنيف الأغراض التعبيرية للصمت في أعمال بيتهوفن المتأخرة إلى ثلاثة:

  • الإعلان: فموسيقى بيتهوفن تميزت في فترة النضج (بدءًا من السيمفونية الثالثة في السيمفونيات مثلاً) بالبيان القاطع الصوتي، وليس اللحني كما قدم موتسارت وهايدن مثلاً. يعني هذا أن تركيز بيتهوفن على اللحن عمومًا كان أقل نسبيًا من سابقيه، حيث استبدل الوضوحَ الصوتي؛ من الصمت إلى الصوت والعكس، بوضوحِ الجملة اللحنية وتبلورِها عند سابقيه، كما نسمعها مثلاً في بدايات أعمال موتسارت. يبدأ موتسارت بألحان متبلورة تامّة في تكوينها غالبًا كالبداية بالتصريع في الشعر العمودي مثلاً، ويبدأ بيتهوفن بضربات أو همسات أوركسترالية مغلَّفة بليل كثيف. ومن أمثلة ذلك بداية افتتاحية إيجمونت مثلاً، فبعد الضربة الأوركسترالية الأولى يسود صمت قصير يمتزج بتلاشِي صداها التدريجي. وهو ذاته ما نجده بوضوح في مطلع السيمفونية الخامسة، دون أن تشكل هذه الضربات الأوركسترالية ألحانًا متبلورة بعدُ، بل يتبلور اللحن عند بيتهوفن كـ(مرحلة) من مراحل معالجة هذه الضربات، وهي البنية الميكرووية في نسيج بيتهوفن، التي قد نفرد لها مقالاً خاصًا يومًا ما. لكن الأهم هنا هو أن بيتهوفن قد استعمل الصمت لإظهار الصوت عن طريق التناقض بينهما. والهدف هو خلق جوّ درامي مفاجئ بالغ الوضوح والقطعية، كأنما هو ظهور من العدم.
  • الترقُّب الدرامي: تتمتع أعمال بيتهوفن بعد مرحلة النضج بسمة عامة هي الدراما غير البروجرامية، وذلك باستثناء أعماله البروجرامية القليلة كالسيمفونية السادسة. لكن الدراما البيتهوفنية كانت في الأغلب دراما مجردة، هي صراع بين أجزاء بنية العمل، أو بين أحداثه الصوتية، أو بين ألحانه، دون إسقاط على دراما خارجية أدبية. افتتاحية إيجمونت على سبيل المثال تخلق هذا الجو الدرامي دون أن تتمحور حول برنامج ما، بخلاف افتتاحية ١٨١٢ لتشايكوفسكي مثلاً، التي استعمل فيها لحني المارسلييز والنشيد الوطني الروسي (القيصري)، وهما يتبادلان قصف المدافع وإطلاق النيران، في صراع واضح الأطراف ينتهي بانتصار الروس. وفي إطار هذه الدراما البيتهوفنية العامة يلعب الصمت دورًا تعبيريًا هامًا لإضفاء طابع الترقُّب والحذر وربما التهديد. ومن أمثلة هذا الاستعمال ما نسمعه بوضوح بين أقسام الصوناتا في الحركة الثانية من تاسعته (في الفيديو التالي عند الدقيقة ١:١٩، ومرة أخرى بدءًا من ٢:٣١) وهي فترات صمت طويلة وقاتمة نسبيًا إذا ما قورنت بفترات الصمت في أسبق أعماله.
  • الشفافية: في الأمثلة السابقة كذلك من إيجمونت والسيمفونية التاسعة نستطيع تبيُّن كيف أن الصمت نفسه لون أوركسترالي سالب، بالمعنى الذي تحدثنا به في فقرة “هارمونية الصمتِ وتلوينه وتوزيعه” أعلاه. هذه الشفافية استعملها بيتهوفن لإظهار ألوان العمل الأوركسترالية، بعد أن صار أصعب عليه تدريجيًا أن يصنع ألوانًا بسبب الصمم المتزايد، وهي كذلك سمة تدريجية الظهور في أعماله، أي تراجع الألوان لصالح ثنائية الأبيض والأسود، أو الملوَّن والشفيف، بسبب التدهور التدريجي في سمعه مع تقدمه في العمر.

وقد تسبب الصمم عند بيتهوفن، الذي بدأ تدريجيًا في سن الخامسة والعشرين، ثم صار شبه تام بعد سن الأربعين، في تجربة قاسية مريرة من العزلة الصوتية والاجتماعية، وحوّل تجربة التأليف إلى مجال ثري لعمل الخيال، في انقطاع متزايد عن ردود أفعال المستمعين وعن المجتمع بشكل عام، مما أكسب موسيقاه المتأخرة خصوصًا طابعًا مختلفًا وغريبًا إلى حد كبير عن عصره، والعصور التالية، حتى الموسيقى المعاصرة في القرن العشرين. إن موسيقى بيتهوفن المتأخرة كانت من مراجع التأليف المتاحة مجّانًا للموسيقيين المعاصرين كسترافنسكي وشوستاكوفتش، وهو ما أوضحناه في مقالنا عن هذا الأخير (ما وراء الموسيقى). ومن هنا يمكن قراءة أعمال الموسيقى الصامتة، كأعمال شولهوف وكيدج وغيرهما، باعتبارها تجارب في الصمم، كأن هناك موسيقى على المسرح لكننا لا نسمعها، وكتجارب في العزلة الصوتية والفنية كذلك.

٢- صمت يِرْفِنْبَا

وهو صمت الموسيقار الفنلندي الأشهر يان سيبليوس، الذي تحدثنا عنه تفصيلاً في مقال انقطاعات سيبليوس. ويختلف صمت يرفنبا (وهو اسم المنطقة التي عاش بها) عن صمت بيتهوفن، في أنه انقطاع تام عن التأليف أو أي عمل موسيقيّ. وقلنا أنه ليس مجرد انقطاع مهني، بل وجودي كذلك. لقد كان إلهام سيبليوس الأساسي هو البطولة الشعبية وعناصر الفلكلور الشمالي، مرتبطًا في ذلك بدعمه الواضح للنازية في بلده وفي ألمانيا في عهد الرايخ الثالث. وليس من الواضح بذاته سبب توقفه عن التأليف، وإحراقه لسيمفونيته الثامنة. وقد رجحنا في المقال المذكور سبب انهيار النازية والقومية عمومًا في أوروبا، وتحولها إلى حركة إجرامية مدمّرة، كتفسير محتمَل. لكن يمكن في هذا المثال أيضًا رصد ما بين الصمت والعدمية من علاقة: صمت يرفنبا إعدام لموسيقى سيبليوس، وهو إعدام ناتج عن مرحلة طويلة من العدمية استمرت منذ بوادر هزيمة الرايخ الثالث حتى وفاته.

خامسًا | تحليل لبعض أعمال موسيقى الصمت

١- شولهوف

يعد عمل شولهوف In Futurum أحد أعمال الصمت الخالص، حيث يعزِف/لا يعزِف العازفُ مجموعة ممتدة من السكتات الموزعة على درجات السلم الموسيقي. وذلك بخلاف أعمال أخرى لكيدج وكلاين، سيرد تحليلها، قامت جزئيًا على الصمت، وجزئيًا على أصوات، لا نعتبرها عادة موسيقى، كطرقات شبه ضوضائية في “واحد مكعب” لكيدج، أو طنين الأوركسترا الرتيب المرهِق المتبوع بالصمت في “سيمفونية النغمة الواحدة والصمت” Monotone-Silence Symphony لـ كلاين. وفي الفيديو الملحَق لعمل شولهوف بعض اللمحات من المدونة الموسيقية، حيث يمكن لنا رؤية العمل مكتوبًا. وجانب الرؤية جانب أساسي من أعمال الموسيقى الصامتة، التي لا نسمع فيها عادة موسيقى، وربما لا نسمع فيها شيئًا على الإطلاق، كما في عمل شولهوف أعلاه. وقد أشرنا إلى أن مَسْرَحَة العمل جزء أساسي من تلقيه في هذه المؤلفات، حيث لا يمكننا الاعتماد على الأذن فقط، كما نفعل عادة في أعمال الموسيقى الصائتة. وهي مسرحة عبثية-عدمية بشكل ما، وهو عنصر تكويني في الموسيقى الصامتة كما سبق بيانه في الحديث عن (فوضى الصمت). تلعب المدونة هنا دورًا محوريًا؛ فعلى أساسها نتبين أن للصمت تدوينه أيضًا، وأنه ليس مجرد حالة سلبية، بل سالبة بالمعاني التي وردت في هذا المقال. يريد شولهوف القول إن للصمت كذلك نظامًا وقواعدَ وفَنًا. وإذا كنا نجلس في قاعة العزف، التي يُؤدَّى فيها هذا العمل، عن بعد كبير بالنسبة لخشبة المسرح، فلسوف ينسلّ إلينا الشكّ لحظةً فيما إذا كنا (لا نستطيع) السماع من هذه المسافة، أو أن العمل نفسه صامت بالفعل. هذا الشك في الاستطاعة، وعدم القدرة على الحكم للحظات على قدراتنا الإدراكية مِن أهم أهداف مثل هذه الأعمال الصامتة صمتًا مطلَقًا.

٢- كيدج

هناك نماذج عديدة لأعمال صوتية-غير-موسيقية لكيدج، مثل (واحد مكعب)، وأحد أداءات (أربع دقائق وثلاث وثلاثون ثانية) ٤,٣٣، حيث نسمع في العمل الأول عزفًا غير منتظم لإنتاج ضوضاء (معينة)، بمعنى كونها مقصودة من قِبل المؤلِّف، وفي الثاني صوتًا منتظمًا لمُبرِّد (ثلاجة). لكن ٤٬٣٣ مؤلَّف أصلاً لأوركسترا كاملة صامتة. والضوضاء صوت غير منتظم، لكنه في هذا الأداء لعمل ٤٬٣٣ سابق الذكر، كما في “واحد مكعب” (مقصود). مما يفتح المجال للعديد من الأسئلة في مبحث الميتا-موسيقى: هل القصدية هي ما يجعل الصوت موسيقَى؟ هل الأوركسترا والآلات الموسيقية عمومًا هي الأساس في تعريفنا للموسيقى؟ هل يمكن لأصوات الآلات غير الموسيقية كالمبرِّد أن تكون موسيقية؟ ما الآلة الموسيقية؟ هل المبرد في عمل كيدج سالف الذكر آلة موسيقية؟ أم هل الموسيقى هي العنصر الوحيد الغائب عن هذه الأعمال، التي يتوافر فيها العازفون والآلات والجمهور والمسرح بل والمدونات الموسيقية؟ ما معنى غياب/سَلْب الموسيقى؟ وكيف يؤثر ذلك على عالمنا وإدراكنا؟

وفي (واحد مكعّب) نلاحظ أن مكعب الواحد يساوي واحدًا، لكنه كذلك مكعب. وهو نوع من الحيلة الرياضية، التي تفيد وجود ثلاثة عازفين، لكنهم في الوقت نفسه واحد، أي أن الكل واحد، أو هو إسقاط لاهوتي على الثالوث: الثلاثة في واحد. وهو توحُّد العازفين/الأقانيم الثلاثة عن طريق العدم/سلب الموسيقى في الواحد. هل يريد كيدج القول بأن العدم هو توفيق التناقضات، بالمعنى الوارد سابقًا في تحليلنا لهارمونية الصمت؟ أم هل العكس صحيح: توفيق التناقضات يساوي الصمت/العدم؟ هل أعمال كيدج موسيقية أم فلسفية بالأساس؟ على أية حال قدّم كيدج فيما نعلم النطاق التأويلي الأكثر خصوبةً واتساعًا، إذا ما قورن بأعمال غيره من الموسيقيين الصامتين.

٣- كلاين

في “سيمفونية النغمة الواحدة والصمت” Monotone-Silence Symphony يقدم كلاين عملاً من حركة منفردة تنقسم إلى جزأين: الأول عزف مستمر للأوركسترا والكورال على نغمة واحدة لا تتغير، على هيئة طنين له طابع ترنيمي بشكل ما، يعطي انطباعًا خاطفًا خاصة في بدايته بعمل موسيقيّ كنسي، ثم ينتهي هذا الجزء متبوعًا بالجزء الثاني الصامت تمامًا. وبين الجزأين نلحظ بعض الفوارق المقصودة؛ فالنغمة الواحدة حتى إذا كانت في توزيع ترنيمي مرهِقة، وتتحول بعد فترة إلى نوع من التعذيب الحقيقي. الواحدية عذاب. وقد تكون وظيفة الفن-كتأمل ناتج بعد هذا العمل-هي كسر رتابة آلة الكون، وإضفاء التنوع والألوان على الطبيعة. هل الفن إذن متعة أم هو في الأساس راحة من جحيم الديمومة؟ هل الخلود إذن في حد ذاته نعيم أم جحيم؟ وبعد هذا الجزء يأتي الصمت لتغمرنا الراحة في البداية، غير أنها تتحول خلال 20 دقيقة، هي مدة أداء كل من النغمة الواحدة والصمت في العمل الأصلي، إلى تعذيب من نوع مختلف. وهو ما قد يعني أن واحدية الصوت كواحدية الصمت؛ فكلاهما رتابة مؤذية حسيًا وعقليًا. الوجود الخالص كالعدم المطلَق، وما نجد فيه الحياة هو الوجود المتقطِّع بالعدم، والعدم المرصّع بالكينونة. الفارق الثاني الذي نلاحظه هو طغيان صوت النغمة الواحدة في الجزء الأول على الأصوات العارضة للحضور، والتي نسمعها نوعًا في الجزء الثاني الصامت. وهو حضور متطرف للأوركسترا/الصوت، يتبعه انسحاب مساوٍ في القوة مضاد في الاتجاه، تاركًا فجوة مفاجئة من العدم، دويًا سالبًا. العمل ككل تلاعب بالوجود والعدم والحضور والغياب. وعلى سبيل ردّ الأعجاز على الصُّدور يمكننا ملاحظة أن الجزء الصوتي في عمل كلاين المذكور يشبه إلى حد كبير بداية كل من الحركة الأولى من تاسعة بيتهوفن، حيث تحتشد الآلات في الخلفية في طنين شبه متجانس، مما يوضح مدى الدور التأسيسي، الذي لعبه هذا الأخير في الموسيقى السالبة، وكون البيتهوفنية موسيقى وميتا-موسيقى في آنٍ.

وبشكل عام يمكن تطبيق المنظور التحليلي في فقرتي “ماهية الموسيقى السالبة” و”عناصر الموسيقى السالبة” في هذا المقال لدراسة هذه الأعمال الصامتة.

سادسًا | التأويل السالِب للعالَم

يُطبَّق التأويل الموسيقيّ للعالَم بالمعنى الذي طرحناه في مقال سابق بهذا العنوان، والذي تؤسسه الموسيقى التقليدية، على الوجود: الطبيعة والفن والألوهية والإنسان. أما التأويل السالب، الذي تؤسس له الموسيقى السالبة، فيُطَبَّق على العدم. الأول تأويل للحضور، والثاني تأويل للغياب. وقد أشرنا في المقال سابق الذكر إلى دعامات ثلاث، هن أسس هذا التأويل. الأولَى هي الحركة؛ أي إعادة فهمنا للعالَم عن طريق ما تنتِجه الموسيقَى من أنماط حركية متعددة كالثنائي الموتسارتي، والجدلي البيتهوفني، والمُفكَّك الرحمانينوفي، والسرطاني الشوستاكوفي. والثانية هي النِّظام؛ أي إيحاء الموسيقى بوجود نظام ما في الفوضَى، كما أن الموسيقى نظام ما في الضوضاء. والثالثة هي الآلية؛ أي أن الموسيقَى تمنحنا فهمًا لطبيعة الآلة، ومعناها، ودورها في عالمنا. كيف هو العدم بالضبط؟ وهل له حركة أو نظام؟ هل له آلة؟ هل هو نفسه آلة؟ وكيف هي عناصر العالَم المعدومة: عدم الطبيعة، عدم الألوهة، عدم الإنسان، عدم التاريخ، عدم الوعي أو عدم الفلسفة، عدم الفن؟ محاولة الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال صمت الموسيقى وموسيقى الصمت هي ما يهدف إليه هذا المبحَث: التأويل السالب للعالَم.

١- حركة العدم

للعدم عدة أنماط من الحركة، أو أن للسكون عدة أنماط منه في الأعمال المختلفة للموسيقيين الصامتين. ففي عمل شولهوف In Futurum نلاحظ أعلى درجة ممكنة من السكون، الذي يساوي في حالة الموسيقى الصمتَ، بين الأعمال التي اتخذناها أمثلةً للدراسة. وهو سكون دائم، لا يكاد يقطعه سوى حركات خافتة لعازِف البيانو، وهو ينتقل بين السكتات المدوَّنة أمامه على الآلة. بحيرة راكدة هادئة من العدم. أما في عمل كيدج “واحد مكعّب” فالعدم بالأساس تأليف بين ثلاثة، في ثالوث مختلف، هو بالأحرى نقيض كامل للثالوث؛ ثالوث أقانيم العدم، إذا كان الثالوث المسيحي ثالوثًا للوجود. وهو في هذا العمل لكيدج عدم متقطّع، وغير منتظِم، تغشاه شوائب بسيطة مِن الكينونة. ولكن ما نلحظه في عمل كلاين “سيمفونية النغمة الواحدة والصمت” أكثر تباينًا؛ ففي البداية يفاجئنا طنين ترنيمي هائل بكل آلات الأوركسترا على نغمة واحدة لمدة عشرين دقيقة، وجود كامل متجانس إلى حد العدم، ثم صمت عميق لمدة مماثلة، في عدم على الدرجة نفسها تقريبًا من التجانس. فالعدم إذن في عمل كلاين نوعان: حركة دائمة منتظمة، متبوعة بسكون كامل متواصل. العدم في عمل كلاين نتيجة للرتابة لا للصمت بالأساس. وهو مما قد يعني أن الرتابة في حد ذاتها منتِجة للعدم. وبينما يعتبَر العدمُ في عملَي شولهوف وكيدج المذكورَين حالة أصلية في العمل، فإنه في عمل كلاين أقرب إلى انقطاع مفاجئ للكينونة. هل العدم أصيل في عالمنا؟ أيهما هو الحالة الأصلية: الوجود أم العدم؟ هل العدم (موجود) من موجودات العالَم أم مجرد حالة سلبية للوجود؟ هل هو وجود عقلي بحت أم واقع؟ إلى أي حد تسهِم هذه الأعمال السابقة في إعادة فهم الفراغ في الطبيعة، والإلحاد، ونهاية الإنسان، ونهاية التاريخ، وانقراض الوعي؟ هل الإلحاد انقطاع مفاجئ لوجود الإله أم رتابة في ديمومته؟ وإذا كان الإلحاد انعدامًا للألوهة، فهل السبب هو انعدام المؤلَّه (الإله) أم المؤلِّه (الإنسان)؛ لأن انعدام أي منهما إعدام للألوهة، التي الأصل فيها التأليه، ولا تأليه بلا مؤلَّه ومؤلِّه؟ هل العدم أصيل في الإنسان بالمعنى الذي تحدث به فلاسفة الوجودية في القرن العشرين أم مجرد عَرَض وجودي-تاريخي يمر به الإنسان المعاصِر؟

٢- نِظام العدم

إذا كان النظام من خواصّ الموسيقى المميِّزة لها عن الضوضاء، فإن الفوضَى عدم موسيقيّ. وما نجده في عمل شولهوف سابق الذكر ليس الفوضى/الضوضاء على الإطلاق، بل الصمت التام، وذلك بالمقارنة بالمعالَجات الضوضائية في بعض أعمال كيدج. هنا نتبين أن كلاً من الضوضاء والصمت إعدام للموسيقَى. وبينما يضع شولهوف نظامًا تدوينيًا للعدم عن طريق السكتات أمام عازف البيانو، فإن كيدج يستعمل الضوضاء بما هي حالة من سلب النظام كوسيلة للإعدام. العدم عند شولهوف مكتوبٌ ومقروءٌ، لغةٌ، ونظام رمزي، ونَصّ، أما عند كيدج فهو حالة محسوسة من انتفاء النظام. وعند النظر في عمل كيدج “واحد مكعّب” فإن للعدم قدرةً خاصةً هي تأليف الكل في نظام واحد جديد، لكنه في عمل شولهوف نَفْي للجميع. ومع ذلك فللعدم في عمل كيدج نظام مختلف؛ هو قوانين الإنتروبيا ذاتها؛ شيوع الفوضَى مع انخفاض الطاقة طرديًا. وإذا كان التفكك الكامل للموسيقَى/للعالَم موشِكًا بسبب زيادة الإنتروبيا، فإن نظام كيدج لإقامة الفوضَى هو قوانين إعدام. أما كلاين في سيمفونيته سالفة الذكر فهو لا يقدّم نصًّا للعدم مِن جهة، كما لا يقدم مرحلة من التفكك كالتي نجدها في عمل كيدج. للعدم عند كلاين نظامان: الأول هو البداية المُطلَقة، بداية عمل غير موجود منه سوى البداية على نغمة واحدة، والثاني هو النهاية المطلَقة دون أي شوائب. البداية وحدها كالنهاية؛ ففي الحالتين لا توجد موسيقى. وها هنا نقف على ثلاثة نظُم للعدم في أعمال الثلاثة المتقدمين: النظام الرمزي اللغوي، نظام الفوضى، ونظام البدء والمنتهى دون وسيط. كيف تنتهي الطبيعة؟ هل تنتهي لغويًا بالتعبير الإنساني عن العدم، وهو ما يعني أن وجودها وجود لغوي-عقلي كذلك؟ هل تنتهي بالفوضى التامة، كما هي بالفعل إحدى النظريات في نهاية الكون؟ هل تنتهي حين تبدأ فقط دون استمرار؟ هل التوقّت والتناهي (ضدّا الخلود) زوال؟ وكيف ينتهي الإنسان والتاريخ؟ هل تلعب اللغة دورًا في استعجال أو تأجيل تلك النهاية؟ وكيف هي نهاية الألوهة لو انتهتْ؟ هل الألوهة لغة أم واقع؟ هل هي بداية أم نهاية؟ هل الفلسفة والفن مجرد لغة يستعملها البشر في مستوى تَخاطُبٍ معين، بحيث تكون نهايتهما لغوية أيضًا؟ هل ينتهيان بالتفكك الكامل أم بالوجود الكامل، وكلاهما نهاية في الموسيقى السالبة عند كيدج وكلاين على الترتيب؟

٣- آلَة العدم

 تقوم الآلة في عمل شولهوف بإنتاج سلب العالَم، العدم، عن طريق السكون. البيانو الصامت منتِج للصمت، لموسيقَى سالبة. وهو العمل السالب للآلة. فالعدم أَثَر لتوقُّف الآلة عن العمل، نتيجة لعطالة الوجود. وهو ما يمنحنا فهمًا مختلفًا لطبيعة دور الآلات في عالمنا، ومن خلاله يمكن لنا إعادة فهم الكون كآلة. ولكن انقطاع تلك الآلة عن عملها له نظام ونصّ، كما سبقت الإشارة. وهو ما يعني أن آلة شولهوف خاضعة لتعليمات البشَر، وأن إنتاجها للعدم غير أصيل، وأن إرادتها غير أصلية. أما عند كيدج مثلاً في أداء ٤،٣٣، الذي استُعمِل فيه المبرِّد، فإن الآلة تظهر بتمام دورها كصاحبة إرادة ذاتية، حيث لا يقوم كيدج في هذا الأداء سوى بتسجيل ما تمليه الآلة، وهي علاقة شبه معكوسة بين الآلة والإنسان بالمقارنة بنموذج شولهوف. الإنسان مجرّد مسجِّل لتاريخ الآلة، المبرّد، في هذا الأداء. ولكن الآلة في “واحد مكعّب” تقوم بعزف أصوات ضوضائية لتكوين الفوضى، وهي خاضعة في ذلك لنصّ المؤلِّف. وبرغم خضوعها لهذا النصّ، فالنصّ ذاته يفتح لها المجال لتعبّر عن نفسها كمجرّد آلة، برغم كونها آلة موسيقية، لإبراز صوتها الخاص، لا صوتها في خيال الموسيقار. وهي خطوة أبعد نوعًا على طريق بيان دور الآلة إذا ما قورنت بخطوة شولهوف. وفي عمل كلاين تظهر الآلة الموسيقية المركّبة للأوركسترا كجيش متّحِد هادر، يطلق ما يشبه مفتتح ترنيمة، لكنه يتحول في آذاننا بعد دقائق إلى مزيج غريب من الصياح والصراخ والنواح، مزيج مخيف ورتيب ورهيب، ثم يتوقف هذا الصوت الواحد فجأة ليترك لنا خبرة شبيهة بالصمم المفاجئ. آلة كلاين ليست الآلة المفردة المتعينة، بل الآلة عمومًا كمفهوم في تمثلها في كل آلة مفردة من آلات الأوركسترا. وهي سالبة للوجود حين تعمل، وحين تتوقف أيضًا. وبالتالي فإن بالإمكان التوصل إلى ثلاث إمكانيات للآلة السالبة: الخضوع إلى النصّ البشري السالب لإنتاج العدم عن طريق السكون (شولهوف)، والتحرر من النصّ البشري وإنتاج العدم عن طريق الحركة (كيدج)، وإنتاج العدم عن طريق السكون والحركة كليهما (كلاين). هل تنتهي الطبيعة حين تطبِّق تعليمات العدم البشرية أم حين تخرج على كل تعليم إنساني؟ هل تنتهي حين تتوقف عن العمل أم حين تدور وفق طريقة سالبة/معاكِسة؟ وإذا كانت الآلة الموسيقية تساهِم في بناء عالَمنا، فكيف تسهم في نهايته أيضًا؟ هل بانطلاقها التام وسيادتها الكاملة أم بموتها المفاجئ؟

سابعًا (ختام) | مستقبَل الموسيقى السالبة

كما تمت الإشارة فيما سلف؛ فإن الموسيقى السالبة أصلاً حركة تمرد ضد سلطة الفن والمتلقِّي والناقد، وهي تعلن الحرب بالصمت، وتقصِف الجميعَ باللا شيء المُركَّز والمنظَّم. وقلنا إنها حركة فوضوية في الفن؛ لأنها لا تقدم تصورًا عن الجمال الجديد، الذي يمكن له أن يحل محل التقليد. والفوضى عمومًا تخلٍّ طوعي عن الإرادة الإيجابية لصالح التركيز على الرفض السلبي. وكل تخلٍّ عن الإرادة تخلٍّ عن الحرية. وحين تتخلى عن جزء من حريتك لا يحدث أبدًا أن يبقى هذا الجزء على قارعة الطريق؛ فكل تخلٍّ عن الحرية إنما يتم لصالح سلطة جديدة. لا يوجد تخلٍّ محايد عن الحرية للا أحد أو لكل أحد، بل إلى أحد بعينه في كلّ مرّة. مما يعني أن كل حركة فوضوية فاشلة بالضرورة، بل ومنتِجة لتسلط جديد قد يكون أخطر من سابقه. وهي الظاهرة التي عاينّاها في الثورة المصرية. ومقارعة سلطة القديم تحتاج إلى نسق جادّ مختلف قائم على مبدأ الضرورة التعبيرية، وهو الأساس في أي تجديد ثري قابل للاستمرار، وخصب بالإنتاج كتجديد بيتهوفن ومالر وسترافنسكي وشوستاكوفتش. بالإضافة إلى ذلك فقد انتهتْ الحيَل الفنية في موسيقى الصمت، وبقيتْ القدرة التعبيرية لصمت الموسيقى (كما عند بيتهوفن). الموسيقى الصامتة، وليس السالبة؛ لأن السالبة تستوعب كلاً من صمت الموسيقى وموسيقى الصمت، هي حالة مِن انعدام الحيلة، أو حيلة مُنعدِم القدرةِ على الحالة.

إعلان

ومع ذلك فقد أنجزت موسيقى الصمت عند شولهوف وكيدج وكلاين وغيرهم تقدمًا في الوعي بالسلب والعدم الموسيقيين، بما يجعلنا أكثر قدرة على تحليل لحظات صمت الموسيقى مِن بيتهوفن إلى شوستاكوفتش. إنه إنجاز هام، إلا أن المستقبَل قد لا يكون واعدًا بتخطٍّ كاملٍ للسابق. إن مستقبَل العدم لا يعني بالضرورة عدم المستقبَل، لكنه لا يعني كذلك عدم الماضي.


صورة الغلاف هي لوحة تشيف لـ فرانز كلاين، والمعروضة في متحف الفنون المعاصرة في منهاتن، نيويورك

Leave a Reply