الموسيقي الملاحَق حياً وميتاً

كتابةمحمد هلالي - فبراير/شباط 14, 2013

الحوتفي ضفتي السودان الشماليّة والجنوبيّة

لفترة امتدت من منتصف التسعينيّات، وحتى هذه السنوات الأولى في الألفية الثانية، استطاع محمود عبد العزيز السيطرة بشكل كامل على عرش الغناء السوداني، وذلك من خلال انفراده بين أقرانه ومن تبعوه بانتاجه الغزير واتساع رقعة جماهيره. ليصبح بما لا يدع مجالاً للشك صاحب أكبر قاعدة وشعبية بين كل المغنين والفنانين السودانيين. وهو ما يجعله مؤهلاً، وبامتياز، لأن ينال لقب فنان الجماهير الأول في السودان الكبير بضفتيه الشمالية والجنوبيّة.

هذا الأمر لم يأتِ بالتأكيد من فراغ. وما حدث من انفلات كامل لعقد الحياة الطبيعيّة في الخرطوم يوم رحيله له مسببات حقيقيّة ومنطقيّة، فمحمودأوالحوتكما يناديه معجبوه والمقربون منهكان منفتحاً على جماهيره بشكل لافت، لدرجة أنه يمكننا أن نقول أن لكل فرد من عشرات الآلاف الذين شيعوه قصته الشخصية معه.

البراءة بمواجهة المشروع الحضاري الإسلامي

شخصيةالحوتغير عادية، ميزته هو أنه بسيط إلى حد البراءة، إن جاز لنا التعبير. عفويّ وصادق إلى حد اللامبالاة، ومنفتح على الجميع من دون تقييد أو تقيّد. كما وأنه يعتبر الفنان الوحيد الذي طاف كل بقاع السودان من دون استثناء، وغنى لجميع الطبقات، كذلك دون استثناء. إلى أن رقد في تراب مقابرالصبابيبالخرطوم بحري في ذات ليلة الإعلان عن وفاته. كما لو أن الجهات المسؤولة عن هذا الفعل أرادت أن تستيقظ في اليوم التالي على فنائه تماماً.

إعلان

ومن هذا المنطلق، فإن حياته، والجدل الكثيف الذي دار حولها، والكم الهائل من القصصالأسطوري منها والحقيقيكانت سيرورة من الحركة الدائمة والصخب المتواصل. فمنذ بداياته الغنائية في نهايات الثمانينيّات وحتى صدور أول أسطوانة له بعنوانخلّي بالكفي العام 1994، ومن إنتاج شركة حصاد للانتاج الفني، كان الشاب النحيل قد رسم لحياته شكلاً وقف في طريق أصحاب المشروع الحضاريّ الإسلاميّ، وصياغة الإنسان السودانيّ. وهي المفاهيم التي بدأت حكومة الجبهة الإسلامية في تمكينها على أرض السودان منذ صعودها للسلطة في منتصف 1989. وللمفارقة، كان هو كذلك قد بدأ في الصعود والتدرّج إلى قمة الغناء منذ ذلك التوقيت. وعليه، فقد بدأت أجهزة السلطة، صاحبة المشروع الإسلامي، بملاحقة هذا الشاب المتمرد على جميع القيود، حتى تم حشره في السجن. إلى حد ظهور صور لعملية جلده في إحدى محاكم الولايات عقوبةً على تهمة على أساس قانون النظام العام، كانت قد نُشرت على عدد كبير من مواقع التواصل الإجتماعي قبل حوالي ثلاثة أعوام. وغيرها الكثير من المداهمات لمنزله وبعض منازل أصدقائه والمقربين منه في الخرطوم وبورتسودان ومدني.

وعلى ذات النسق، ظلّ محمود كما هو متمسكاً بكل ما يفعل، ليصبح هذا الأمر مع هذه الأحداث المتكررة، كما لو أن هناك حرباً بينه وبين السلطة، قاتل فيها بشراسة ومن دون تنازل عن ممارسة أنشطته الغنائيّة العامة، أو الخاصة. وذلك على الرغم من أن العراقيل التي وضعت أمامه. يمكن أيضاً ملاحظة هذه العراقيل في زاوية أخرى؛ حيث نلمح تلك التي وضعت أمامه بشكل مؤسسيّ، والتي أبرزها الضجة التي قادها البعض بشأن عضويته في إتحاد الفنانين السودانيين وحرمانه منها

رغم كل هذا، لم تنقطع علاقة الفنان بجماهيره نهائياً، وكانت في تنامٍ مستمر. بل وعلى العكس تماماً، إذ ظلّت هذه العلاقة تتماسك عند مروره بأي محنة وكلما تفاقمت معاناته. وهو ما بدا واضحاً وجليّاً في تشييعه المهيب.

إلى أين ذهب ثلاثة أرباع دخله الفني؟

هذه العلاقة التي ربطت محمود بمعجبيه، كانت هنالك مثلها بينه وبين أعداد ضخمة من الأسر الفقيرة. وقد تحدّث الكثيرين عن زياراته المتكررة للمستشفيات، ودعم من لا يستطيعون معالجة أنفسهم. بالإضافة إلى زياراته لدور الأطفال مجهولي الأبوين ودور العجزة. ويقول الصحافي الكبير، ميرغني البكري، أنه بالإضافة لموهبته، فقد كان يمتاز بصفات أخرى مثلأن يصرف ثلاثة أرباع أمواله التي يكسبها من إنتاجه الغنائي على مشاريع إنسانيّة. فعاش فقيراً، ومات فقيراً. وهذه من أهم مقوّمات امتلاكه للقاعدة الجماهيريّة اللامحدودة“.

ويُؤكد مصدر حكومي من داخل سرادق العزاء مفضلاً عدم الإفصاح عنه على أنه كان شاهداً على أعماله الخيريّة، وكفالته للعديد من اليتامى ومجهولي الأبوين. بينما يُضيف الإعلامي والشاعر عمر محمود خالد أن رحيل محمود مفجع لحد بعيد. مبيّناً في تصريح لصحيفة الرأي العاميوم السبت 19 يناير أنه فنان الشعب السوداني بكل طبقاته، وصديق للكل يخدم الناس. وهو ظاهرة فنيّة لتفرّده وتعاطيه مع الفن بصورة مختلفة. وتكمن عبقريته في كسره للتقاليد وخروجه عن المألوف“. مشيراً إلى أنه يعتبر من أجمل الأصوات التي مرّت على السودان ومن أنبل الأشخاص ظل يعطي من غير أن يفتر“.

وقال عنه الفنان عبد القادر سالم في تصريح لوكالة السودان للأنباء يوم إعلان وفاتهأن الفنان محمود عبد العزيز شخص استثنائي لم يتكرر في تاريخ الفن، وهو أحد عظماء الفن في السودان. وله إسهامات واضحة في المجتمع السوداني، معتبراً أن تجمّع آلاف الناس دليل علي حب الشعب السوداني له“.

على الرغم من أنه لم يكن له انتماء سياسي واضح، إلا أن جميع الأحزاب بلا استثناء كانت تتسابق في نعيه والكتابة عنه على شاكلة بيانات وتصريحات من قادتها. إذ اعتبره زعيم حزب الأمة القومي وإمام الأنصار، الصادق المهديأيقونة الفن السوداني“. مضيفاً أن له شعبيةمُستحقةمنقطعة النظير في أوساط الشباب. وأشار الصادق إلى أن أداءه الغنائي ساهم في شدّ الشباب السوداني للأغنية السودانية، وما أسماه بـسَوْدَنَة الوجدان الفني لدى شبابنا“. معتبراً في حوار مع الشباب عن محمود بالأحد 20 يناير الماضي أنه كان فناناً موهوباًجاداً في أدائه الفني، ومبدعاً في أساليبه الفنية“.

صوت التينور الثاني

أما عن إمكانياته الغنائيّة، يلفت الصحافي الكبير والناقد الفني المعروف، ياسر عركي، إلى أنمحمود بسط أسطوريته الخالدة بصوته الواسع والممتلئ، وبدفء حنجرته الطرية المطاوعة لأصعب الألحان“. مشيراً في مقالة نشرها على صفحات صحيفة الدار الإجتماعية يوم الثلاثاء 22 يناير أن بعده الصوتي يمنحه حرية الانتقال من سلم موسيقي إلى آخر بسلاسة ويسر. وأوضح عركي أن صوتهينتمي لعائلة أصوات (التينور)، يتم تصنيف صوته علميّاً ضمن طبقة أصوات التينور الثاني، الذي يتميز أصحابه بالخيال والتصوير والانتقال والعمق والبعد الدرامي في الصوت“. وتجدر الإشارة هنا إلى أن محمود يعتبر الوحيد الذي تغنى بكل أنحاء السودان، وجرّب الغناء على أنغام تلك الأنحاء، منتجاً خليطاً موسيقيّاً متميزاً. وهذا يلمح ويُحس بشكل واضح في أغنيات مثلأم كحيل،غزال القوز،زينوبة،جوبا“. وهي أغانٍ حملت لونيّة وشكل الموسيقى في كل من دارفور، كردفان وجنوب السودان. وبالإضافة إلى هذا الأمر، فقد كان مميزاً في تقديم الأغاني القديمة، أو ما عرُفت اصطلاحاً بأغانيالحقيبة“. وكان أداؤه لتلك الأغاني بمصاحبة آلة العود من أجمل ما قدّم لمكتبة الغناء السودانية مؤخراً

إعلان

ويُضاف إلى ذلك إنه في العام 1995 كانت شركة حصاد قد أنتجت له البومسكت الربابالذي تم تسجيله في العاصمة الروسيّة بمشاركة فرقة روسيّة أشادت بصوت محمود، وأكدت على أنه صوت نادر في العالم. معتبرةً أنه يمتلك حنجرة مثل الآلة يمكن أن تنتقل لأي درجة صوتية بكل سهولة.

صراعه الأخير مع السلطة

غيّب الموت صبيحة الخميس 17 يناير للعام الحالي 2013– بحسب الإعلان الرسميفنان الشباب السوداني الأول في مستشفى ابن الهيثم في العاصمة الأردنية عمّان، والتي نُقل إليها بعد صراع طويل مع المرض. وكانت الأخبار عن تردّي حالته الصحية وموته دماغياً قد وصلت إلى الخرطوم قبل يومين من هذا الإعلان

فور سماع نبأ وفاته، انتقل عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال من كل قطاعات الشعب السوداني إلى منزله بحي المزاد، وإلى مطار الخرطوم. مؤدّياً ذلك إلى توقف الحياة بشكل كامل في عدد من المناطق والشوارع الحيوية بالعاصمة الخرطوم ومدينة بحري. ذاك اليوم تم إغلاق مطار الخرطوم الذي تقاطرت الجماهير إليه بكثافة قُدرت بحوالي 10 آلاف شخص.

فشلت السلطات في السيطرة على هذه الجموع التي احتلت مدرج الطائرات وأغلقته، الأمر الذي أدى إلى تعليق كل الرحلات الداخلية والخارجية لساعات عدة. حتى فرّقت القوات الأمنية الجموع باستخدام الهراوات والغاز المسيل للدموع. ليسقط المئات من الجرحى، إلى جانب حدوث أضرار جسيمة بالصالات الداخلية للمطار، وتلف عدد كبير من السيارات الحكومية.

حمّل الكثيرون قوات الأمن مسؤولية هذه الأحداث المأساويةوالتي عمل الكثير من معجبي محمود وأصدقائه وأقربائه من أجل تفاديها-. إذ سبّب التضارب في بث المعلومات، إلى جانب الإصرار الشديد على مواراة الجثمان بأسرع فرصة ممكنة، في الفوضى التي حدثت في هذا التشييع. يعزز هذا الرأي معرفة السلطات المُسبقة بصعوبة السيطرة علىالحوّاتة، وهو اللقب الذي يُطلق على جماهير محمود، والذي عرف عنهم تدمير عدة مسارح في السودان في مناسبات مختلفةآخرها مسرح الجزيرة بمدني في خواتيم شهر نوفمبر الماضي –  بسبب تأخر صعوده لخشبة المسرح.

كان مشهد إنزال التابوت لهذه الجماهير، وانسحاب قوات الشرطة من دون تنظيم عملية الدفن، أمراً استهجنته أسرة محمود وكل المقربين منه. ففي حين أن قوات الشرطة قامت بالتمويه على الجماهير في مطار الخرطوم بإخراج سيارات إسعاف فارغة من البوابة التي يراها الجميع، ثم إخراج جثمانه من جانب آخر بعربة كبيرة مكشوفة. مجتهدةً في إيصاله للمقابر من دون أن تحضره إلى منزله، وبدون أيّة إجراءات تأمينية لعملية الدفن.

يرى البعض أنه لو انسحبت قوات الشرطة منذ البداية لكان الأمر تم بشكل أفضل. خاصة أن الكثيرين طالبوا بعدم تدخل الشرطة باستقبال جثمان محمود، وخصوصاً عندما انتشرت المعلومات المغلوطة عن مواعيد حضوره وخط سير النعش

تساءل الكثيرون عن السبب الذي يجعل السلطات تلاحق محمود عبد العزيز حيّاً وميتاً لترهقه كل هذا الإرهاق. ولهذه الملاحقات قصص كثيرة وروايات مختلفة، ظل يعاني منها إلى أن دخل جسده النحيل تراب القبر. وسيظل وجدان السودانيين يتواتر الحديث عنها لأجيال متلاحقة، كما ستتواتر هذه الأجيال أغاني محمود عبد العزيز.  



Leave a Reply