إماطة اللثام عن الألحان القدام | أم كلثوم وأغاني البدايات

كتابةياسر عبد الله - دسيمبر/كانون الأول 31, 2017

 “مثلما ألّهها النقد السائد نُسخ تراثها القديم بالمعنى الديني للنسخ، فأصبحت أم كلثوم، تلك التي عُرفت في الأسطوانات مجرد ذكرى بعيدة لا تُذاع عبر أثير صوت بلدنا ولا يتذكرها سوى عواجيز مخلصين للعهد للبائد. أما أم كلثوم الأفلام، فهي الآنسة التي لم تنضج بعد، تلك التي يثير تمثيلها الضحك لدى الجيل الصاعد.“ http://ma3azef.com/%D8%A3%D9%85-%D9%83%D9%84%D8%AB%D9%88%D9%85-%D9%85%D8%AC%D9%87%D9%88%D8%AF%D9%87%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8%D9%8A/ يعرف الجميع السيدة كوكب الشرق أم كلثوم التي أممها الإعلام وحصرها في حصيلة متأخرة من اﻷلحان المصورة تلفزيونيًا والمسجلة إذاعيًا، حصيلة ﻻ تتعدى ٥٠ أغنية من رصيد غنائي يناهز ال٣٠٠ لحن، لكن اﻵنسة أم كلثوم ما قبل ذلك منسية تمامًا ينحصر عارفوها وسط السميعة الثقات.

تتضمن هذه القائمة ٢٠ لحنًا منسيًا، وﻻ أقول مجهولة ﻷن السميعة الثقات من حراس معبد الطرب، القلة النادرة التي أخشاها خشية المتعلم من أساتذته كلما كتبت، سمعوها ودرسوها لكنها ألحان نُسيت بقصد أو بإهمال من قبل الوسائل السيارة من إذاعة وتلفزة، لنستعيد باستماع هذه القائمة أم كلثوم التي أُممت واستبدلت بصورتها المتأخرة.

المصادر:

اعتمدت القائمة على عدة مصادر  لتوثيق المقامات والمؤلفين والملحنين وتاريخ طبع اﻷسطوانات منها

١- فيكتور سحاب، السبعة الكبار في الموسيقى العربية، الملحق السابع بيان أغنيات أم كلثوم، دار العلم للملايين، الطبعة اﻷولى ١٩٨٧

إعلان

٢- فيكتور سحاب وإلياس سحاب، موسوعة أم كلثوم، دار موسيقى الشرق، الطبعة اﻷولى ٢٠٠٣

٣- إيزيس فتح الله ومحمود كامل، موسوعة أعلام الموسيقى العربية الجزء اﻷول أم كلثوم، دار الشروق، الطبعة اﻷولى ٢٠٠١

٤- قوائم بيبليوجرافية، أعمال الحائزين على جائزة الدولة التقديرية: أم كلثوم، إعداد: حسن ماهر وعبد العزيز عناني مراجعة :خليل المصري ومحمود كامل، مجلة الكتاب العربي عدد ٤٧ أكتوبر ١٩٦٩.

قبل الاستماع:

شابت بعض التسجيلات عيوب تقنية يألفها كل هاوٍ للتسجيلات القديمة مثل إبطاء هنا أو إسراع هناك لن تخفى على المستمع النابه، فليغفر لي زلة إن وجدها.

١- الصب تفضحه عيونه (أسطوانات جراموفون ١٩٢٤)

ربما كانت اﻷسطوانة الأولى المسجلة للآنسة أم كلثوم، من كلمات أحمد رامي الذي سيرافقها حتى آخر أيامها، وألحان الشيخ أبو العلا محمد أستاذها اﻷول، قصيدة على الواحدة من مقام الراست، تبدأ القصيدة بدولاب من مقام الراست وليس دوﻻب العواذل الشهير المستخدم في القصائد على الواحدة والذي لم تستخدمه أم كلثوم سوى في تسجيل أراك عصي الدمع كما سيرد لاحقًا، الغناء يبدو من على ركوز المقام بتؤدة وتمكن يُشكك في تاريخ التسجيل، هل هو نفس عام التسجيلات اﻷخرى في البدايات التي يبدو فيها صوتها أقرب للأداء العوالمي أم أن التؤدة والرصانة تأثير الحصيلة الغنائية الراقية (القصيدة مقابل الطقطوقة)، يبدو ارتباك البدايات واضحًا في إعادات الصب تفضحه عيونه وتنم عن وجدِ شؤونه التي تتكرر متناغمة مع اللازمات التي يبدو أنها ملحنة وليست مرتجلة مثل حصيلة القصيدة النهضوية ما قبل الحرب العالمية التانية عند الشيخ يوسف المنيلاوي وعبد الحي حلمي على سبيل المثال، فأم كلثوم تلتزم بالخط المرسوم دون أي محاولات تلوينية تُذكر مع حلاوة لا تُنكر في الصوت البكر، لكن الأداء يشوبه نوع ما من الخجل الملتزم يجعل القصيدة أقل من قصائد سابقة من زمن النهضة.

٢- خايف يكون حبك ليا شفقة عليا (أسطوانات أوديون ١٩٢٤)

ربما كان هذا الزجل العامي اﻷول لرامي في مسيرة أم كلثوم أو قال إيه حلف للقصبجي الذي سيرد تاليًا، اللحن ﻷحمد صبري النجريدي، الملحن الطنطاوي الهاوي وطبيب اﻷسنان، من قالب المونولوج العاطفي وإن كان اﻷداء أقرب إلى الطقطوقة منه إلى المونولوج، يبدأ اللحن بدولاب من مقام الحجازكار كردي ثم ليالي بمصاحبة آلية من القانون والكمان وصوت أم كلثوم حاد مما يزيد الشك في تاريخ التسجيل السابق، تبدو أم كلثوم أكثر جرأة في ارتجال الليالي عما كانت في تسجيل الصب تفضحه عيونه، عازف الكمان هو سامي الشوا على اﻷرجح وهو يسلطن أم كلثوم ويترجم اللازمات ثم يبدأ ردها للحن، قبل أن يدخل القانون بالتوقيع لتغني أم كلثوم “خايف يكون حبك ليا شفقة عليا” ويمضي الغناء محترمًا للحن المتكرر سوى محاولة لحظية من التخت للتقسيم على الواحدة سرعان ما تخفت مع آهات خلابة بعد “رضيت جفاكي وبرضاكي”، نطق أم كلثوم مرتبك ما بين العامية القاهرية والعربية الفصحى ويبدو واضحًا عند “صعبت يا روحي عليكي ودا يُرضيكي” حيث تضم الياء، مع قفلة حراقة من الجواب عند “رقي شوية” يتبعها سامي الشوا بتقسيم ختامي.

٣- قال إيه حلف ما يكلمنيش (أسطوانات أوديون ١٩٢٤)

 التعاون اﻷول ما بين الثنائي الدائم رامي والقصبجي حسب المصادر وإن كان القصبجي يذكر في حديث إذاعي له أن أول لحن ﻷم كلثوم هو إن حالي في هواها عجب، تبدأ اﻷسطوانة بصوت المقدم “أسطوانات أوديون الست أم كلثوم كروانة الشرق” وهو لقب متواضع مقارنة بألقاب أسطوانات بيضافون المنافسة التي كانت تقدم منيرة المهدية في أسطوانات كاتالوج عام ١٩٢٢   “كروانة العالم” في أسطوانات نشيد البرلمان أو “كروانة البرين والبحرين” في أسطوانة عاشق ومعشوق.

يبدأ التخت العزف بدولاب تقليدي من مقام الراست وتدخل أم كلثوم الغناء من جواب المستقر على عكس الصب تفضحه عيونه، ويتبادل الغناء بينها وبين المذهب، طقطوقة تقليدية عوالمية يخلط الكثيرون بين العالمة المغنية والراقصة، لمزيد عن طرب العوالم انظر حلقات فريدريك لاغرانج عن العوالم والعوالم اللائي يغنين اﻷدوار في إذاعة روضة البلابل على موقع مؤسسة آمار. مهذبة، مستفيدة من تحول منيرة المهدية التطريبي الواضح في تسجيل أسمر ملك روحي ١٩٢٢ الذي ﻻبُد وأن سمعته أم كلثوم، ولحن تقليدي للشيخ محمد أفندي القصبجي، الذي لبس الجبة وخلعها وبقي وسيطًا بين المدرستين، المشايخ والأفندية، حتى حين، والأداء تشوبه لكنة عوالمية ﻻ تخطئها اﻷذن المتدربة، ويبدو ذلك واضحًا في الحليات الصوتية.

إعلان

٤- إن حالي في هواها عجب (جراموفون ١٩٢٦)

يذكر القصبجي في الحوار المذكور آنفًا إن هذا اللحن هو أول ألحانه ﻷم كلثوم، ويختلط فيكتور سحاب في تاريخ التسجيل ما بين ١٩٢٥ حسبما هو مذكور في كتاب موسوعة أم كلثوم و١٩٢٦ حسب كتاب السبعة الكبار وهو التاريخ الذي أثبتته القوائم اﻷخرى، القصيدة ﻷحمد رامي وهي أكثر حداثة في ألفاظها وأبسط من الصب تفضحه عيونه.

 يبدأ العزف بمقام العجم التقليدي الذي تفتتح به العديد من القطع في ذلك الوقت لعل أشهرها زورني كل سنة مرة وهو ما وقع فيه اﻷدعياء الذين يجهلون أن الدولاب  مقدمة تراثية محفوظة تدل على مقام القطعة وادعوا سرقة القصبجي لمقدمة القصيدة من سيد درويش، وهذا جهل بالعصر وبالفن معًا، القصيدة على الواحدة ككل قصائد الحصيلة المبكرة، كعادة القصبجي في شعلقة أم كلثوم في جواباتها الجميلة يفتح لأم كلثوم الغناء ثم يصعدها إلى جواب صوتها، معتمدًا على حرف المد في ذلك، والقصبجي ملك في ذلك أو حسب تعبير السميع الكبير صلاح علام “ما يقدر عليه حد في استخدام مد”، مع تحويل رائع لمقام الراست عند “جد لي منه سبب” بمنطق مقام الماهور المحبب لقلب القصب، ونلاحظ استخدام الحلى المهذبة على عكس قال إيه حلف، فالمدات تنقلب إلى زغردات trills متمكنة، مع تحويل إلى جنس الصبا بإدخال عربة الصبا على مقام العجم بمنطق مقام الشوق أفزا، مع ختام تقليدي “أصبحت كل اﻷماني” فترد المصاحبة اﻵلية بجملة من الدولاب المفتتح للقطعة ثم ترديد وقفلة.

٥- مثل الغزال (جراموفون ١٩٢٦)

الأبيات المظلومة في حصيلة أبو العلا محمد التي غنتها أم كلثوم، لقصر التسجيل يمكن الشك أنه بروفة استغلتها شركة جراموفون وأصدرتها على أسطوانة والشركة صاحبة سوابق تملأ صحيفة حالة جنائية في مديرية أمن الجيزة، وليست قضية الشيخ يوسف المنيلاوي مجهولة، مثل كل القصائد على الواحدة تفتتح بدولاب ثم تبدأ أم كلثوم الغناء الذي ينقطع فجأة بعد الماء والخضرة والوجه الحسن، فلا ندري هل طبعت الشركة وجهًا واحدًا للأسطوانة أم وضعت البروفة إكمالًا ﻷسطوانة ناقصة؟

٦- الفل والياسمين والورد (أوديون ١٩٢٦)

من الطقاطيق الخفيفة الجميلة ﻷحمد صبري النجريدي كلمات وألحان، تُفتتح بدولاب من مقام النهاوند، اعتمدته إذاعة اﻷغاني بضع سنوات في فواصلها، في المذهب تنطق أم كلثوم “عِند حبيبي في اﻷوضة” بكسر العين، وملاحظات اللهجة عند أم كلثوم البدايات ربما ﻻ تظهر سوى في طقاطيق النجريدي الطنطاوي المنشأ والمعيشة، والطقطوقة تقليدية دون تلاوين تذكر.

٧- أخدت صوتك من روحي (جراموفون ١٩٢٦)

مونولوج رومانسي ﻷحمد رامي والقصبجي، يفتتح بدولاب من مقام الكردي، وتبدأ أم كلثوم الغناء باقتدار شديد يلاحظ فيه تراكم الخبرات، مقارنة باللحن السابق للنجريدي نشعر أننا أمام سنتين مختلفين من النضج،  اللحن يعتمد على استغلال المدود باقتدار بل حتى وصعود سلالم كاملة بمد، ويبدو هذا واضحًا في “أخدت صوتك من روحي” مع التريل الصوتي في الإعادة، تختلف القافية عند رامي في “دا أنا وردة في البدر في إيديكي وشمع منقاد حواليكي” والبيت التالي ثم يعود إلى القافية الموحدة وهي قافية صعبة مشتملة على حرف الضاد الثقيل نطقًا، لكن رامي ينوع الكلمات باقتدار شديد، مع تشبيهات غير مألوفة “وفاكهتك حلوة ومرة ما أنا اللي زارعها في أرضي”، ورغم أن المونولوج ليس به تلوين مقامي فيلاحظ تقسيم القصبجي لكل بيتين وهو ما سيبرع فيه لاحقًا، مع روعة في الحلية الصوتية قبل القفلة عند “وكل ما آجي أقطف منها ما تهونش يا روحي عليا”

٨- يا كروان والنبي سلم (أوديون ١٩٢٦)

نلاحظ تقسيم أم كلثوم لتسجيلاتها في هذا العام ما بين أسطوانات أوديون (يلحنها النجريدي) وأسطوانات جراموفون (يلحنها القصبجي أو أبو العلا محمد)، الطقطوقة أيضًا كلمات وألحان النجريدي ويبدو أن الطقاطيق اﻷربعة التي سجلتها أم كلثوم ﻷوديون من كلماته كانوا “شروة” واحدة، حيث كان المتبع أن تتعاقد مع الملحن على عدد من القطع ثم تختار المطرب المكلف بتعبئتهم، تبدأ اﻷسطوانة بتطييب مناسب للجو العوالمي “هالله هالله يا ست الكل”، يلحقها دولاب من مقام الحجاز، ثم تبدأ أم كلثوم الغناء من جواب المذهبجية كما جرت العادة، ثم غناء كل غصن على نفس اللحن، لكن الملاحظ تطور حليات أم كلثوم التي أصبحت أكثر تعبيرًا حتى لو كانت تسجل أغنية عوالمية الطابع وقاطعها المطيباتية بتعليقاتهم التي لا تخلو من طرافة حيث يقول أحدهم “اللهم صلِّ ع الحبيب” ردًا على يا كروان والنبي سلم ويقول آخر “يا كروانة”.

٩- يا آسي الحي (جراموفون ١٩٢٦)

من كلمات إسماعيل باشا صبري أحد رواد مدرسة الإحياء، أبيات قصيرة ﻻ تخلو من جمال كقصيدة مثل الغزال، تفتتح القصيدة بالدولاب من مقام الراست، ثم صوت أم كلثوم المرتل، ونلاحظ هنا الاختلاف في اﻵداء ما بين ألحان أبو العلا محمد وبين قصائد القصبجي على الواحدة مثل إن حالي في هواها عجب، فبينما يبدو الشيخ محمد أكثر التزامًا بالخط التقليدي، يبدو محمد أفندي راغبًا في الفكاك السريع من أسر القصيدة على الواحدة التي ترتل بطريقة المقرئين، ليس هناك تلاوين مقامية لكن يمكن ملاحظة استخدام المد في يا شوق ونلاحظ أيضًا إنه استخدام مشايخي، فبينما يستخدم القصبجي المدود ليصعد بها سلالم وأجناس مقامية يكون المد عند المشايخ على نغمة واحدة أشبه بالفرداش أو بسحب القوس على وتر الكمان.

١٠ – تراعي غيري وتتبسم ( جراموفون ١٩٢٦)

 من كلمات رامي وألحان القصبجي، تبدأ بدولاب من مقام العشاق ثم ليالي ثم المذهب، الملاحظ أن أم كلثوم أصبحت ﻻ تعتمد على الحدة السابقة كما في طقاطيق النجريدي، والغصن اﻷول والثالث لهما لحن والثاني والرابع على لحن مختلف على عكس نظام الطقاطيق وهو يسبق تطوير زكريا أحمد للطقطوقة والوزن والقافية متفقين ما بين اﻷول والثالث ومختلفين ما بين الثاني والرابع، ويذكر فيكتور سحاب إن محمد عبد الوهاب اقتبس شكل تراعي غيري وتبتسم وجرب شكلًا شبيهًا في يا مسافر وحدك، حيث لحن الغصن اﻷول والثالث على لحن والثاني والرابع على لحن وكذلك فعل سيد مكاوي في الأرض بتتكلم عربي.

١١- مالي فتنتُ بلحظك الفتاك (أوديون ١٩٢٦)

قصيدة على الواحدة، كتبها علي الجارم لحنها أحمد صبري النجريدي من نغم البياتي، تبدأ بدولاب البياتي المعروف لدى الدارسين، ثم تبطئ اﻵﻻت وتبدأ التوقيع  على الواحدة، والملاحظ أن النجريدي يتبع مدرسة الشيخ أبو العلا محمد في الترتيل، فليس هناك تلوينات مقامية سوى تلوين عابر على العجم، وهو في صلب مسار مقام البياتي كما يستشف من الدولاب، ورغم ذلك هناك استخدام بارع ومتقن ومقتصد في نفس الوقت للحلي الصوتية من قبل أم كلثوم وخاصة في استخدام الجوابات العالية عند “إذا هجرتي فكل شيء باك”

١٢- تشوف أموري وتتحق (جراموفون ١٩٢٦)

رامي والقصبجي مرة أخرى، طقطوقة قصصية حيث لا أجد تعبيرًا مناسبًا لوصفها، فهي في قالب طقطوقة ذات مذهب متكرر لكن تتبع نظام المربعات في نظم اﻷبيات، لكل ٣ شطرات قافية ثم “وبرضه مش عايزة تصدق”، بعد دولاب من مقام الصبا تغني أم كلثوم المذهب ثم يردده المذهبجية وتتكرر أصداء المذهب في اللازمات الموسيقية، والملاحظ أن الصبا هنا ليس قبضي مثل تعامل الشيخ زكريا معه في ألحان متأخرة، بل استخدم الجنس اﻷعلى منه وهو الحجاز لتحقيق أغراض حكي درامي تطريبي في نفس الوقت وﻻ نلحظ الصبا سوى في “وبرضه مش عاوزة تصدق” وكأن الصبا هنا لومًا ﻻ حزنًا.

١٣- إن يغب عن مصر سعد (جراموفون ١٩٢٧)

مارش وداعي من مقام النهاوند، رامي والقصبجي أيضًا، يسيطر القصبجي بريشة عوده فهو الزخمجي اﻷوحد الذي ﻻ تحس بصخب ريشته بل تشعر بثبات إيقاعها، إيقاع المارش على العود كالطبل العسكري نسمع معه العود كأنه كونترباص، صوت أم كلثوم مختلف تمامًا وناضج عن السنة السابقة، واللحن يبدو أقرب للثلاثينيات منه إلى العشرينيات، يمكن معه ملاحظة القفزة القصبجية-الكلثومية، وهذا يبدو واضحًا في التناقض بين “خلدوه في اﻷماني” و”اندبوه في الأغاني” وتغير اللحن وصوت أم كلثوم رغم ثبات القافية، ويبدو ذلك أوضح عند “في سبيل الوطن” وما بعدها استخدام حليات صوتية ستعود أم كلثوم لاستخدامها في المونولوجات اللاحقة.

١٤- أراك عصي الدمع (أوديون ١٩٢٨)

قصيدة أبي فراس الحمداني تغنيها أم كلثوم للمرة اﻷولى بلحن متواتر عن عبده الحامولي، سجله قبلها عبد الحي حلمي، وهي القصيدة الوحيدة على الواحدة التي غنتها أم كلثوم وتفتتح بدولاب العواذل “آه يا أنا يا أنا وإيش للعواذل عندنا”، بعد الدولاب تدخل أم كلثوم بقدم واثقة في الترتيل التطريبي وهذا ما يمكن ملاحظته بالمقارنة بين القصائد السابقة ﻷبو العلا وهذه القصيدة، وعند “نعم أنا مشتاق وعندي لوعة”، التي قرر متثاقفو الستينيات وما بعدها أن أم كلثوم عدلتها فقط لتقرب القصائد من الجمهور دون معرفة أن التعديل موروث من الحامولي، يبدأ التطريب ويصل درجة أعلى في البيت التالي “إذا الليل أضواني” حيث تنطق أم كلثوم اللِيل بكسر اللام بنطق مصري لاستخدامه في التطريب، ويبدو نضج أم كلثوم واضحًا في عند “معللتي” وتكرارها والتلاعب بغنة الميم وإظهار العين، ثم غنة الميم في “ظمآنًا”، وعند فقلت معاذ الله والتلميح بالأذان على نغم البياتي، قصيدة مختلفة تمامًا عن سابقاتها في عام ١٩٢٦ وكأن أم كلثوم قطعت قفزة كبيرة في زمن ﻻ يذكر.

١٥- إن كنت أسامح (جراموفون ١٩٢٨)

رامي والقصبجي ومونولوج فتح الانطلاقة كما يجمع أكثر المؤرخين الموسيقيين المصريين، يفتتح الغناء بمقدمة بسيطة ليست دولابًا، والبنية النصية تنقسم لثلاثة أجزاء تختتم كلها ب”آجي أنسى يصعب عليا”، منذ البيت اﻷول يتصاعد القصبجي في نغمات تشعر معها أنها لن يقف عند حد ثم تصاعد تاني عند عمري ثم ثالث عند جفونها ونواح، في عملية استخدام فعال ﻷي مد، ثم يختم القسم اﻷول بالصعود إلى جواب حاد باستخدام مد راح في نومها راح ثم يختم على الجواب دون النزول للقرار “تقول لي إنسى واشفق عليا وآجي أنسى يصعب عليا”، ثم تلوين مقامي طفيف في القسم الثاني “وإن كنت أرضى الهوان في حبي” مع استخدام مد الغياب في “طول الغياب” في آخر البيت ليصعد لنفس جواب اللازمة “آجي أنسى يصعب عليا”، ثم لحن جديد على الماهور دون تلوين يدخل به إلى “العين عزيزة والقلب غالي” ويختم بجواب عالي في “مش عاجبهم في الحب حالي” ويبلغ التلوين الصوتي مداه عند “ما تنصفيني وترقي ليا وترحميني منهم شوية” التي تكررها أم كلثوم بصورة مختلفة أهدأ قبل الختام على أعلى طبقة ممكنة في صوتها “اوعي تجافيني يا نور عينيا ﻻحسن بعادك يصعب عليا” ثم قفلة بهبوط ساهي بمد “عليا” كأطرب ما يكون.

١٦- الشك يحيي الغرام (جراموفون ١٩٢٨)

رامي والقصبجي مرة أخرى في مونولوج رومانسي ﻻ يقل جمالًا عن إن كنت أسامح وأنسى اﻷسية، من مقام منسي في الموسيقى المصرية هو اﻷثر كورد، بعد المقدمة القصيرة التي تخلى فيها عن منطق الدولاب تبدأ أم كلثوم الغناء، النص مقسم بيتين بيتين، كل بيتين بقافية وهو شكل نصي سيتبعه رامي كثيرًا فيما بعد في كل مونولوجاته الرومانسية مع القصبجي، تعيد أم كلثوم الشك يحيي الغرام مع حلية التريل الصوتية للتأكيد على مد الغرام، وفي البيتين التاليين نلاحظ اختلاف اللحن بين أول بيت والثاني، ثم صعود محبب لدى القصبجي إلى الجوابات باستخدام ياء المد في أغير ويغلبني ظني يتكرر طوال هذا الجزء، ثم لازمة مطربة قبل يشغل قلبي التي تتضمن تلوين مقامي واستخدام أم كلثوم للحلية الصوتية في يشغل قلبي جميل ومشبع، ثم نسمع لازمة يلعب العود فيها دور البطولة قبل هو القمر عنده خبر ثم تلوين مختلف عند هو البلبل لما يرتل يعرف وجدي رغم ثبات اللحن في المصاحبة اﻵلية، ثم لازمة صغيرة وآداء صوتي مبهر عند “أنا باحبك لروحي” في مرتين وهبوط ساهي إلى “أرضى بطول الملام” ثم تريل صوتي كأروع ما يكون عند “واحتار في حبك يا روحي” ختامًا بما بدأنا به عند الشك يحيي الغرام، وكأن القصبجي يصنع قالب المونولوج الدائري مثل المقام، فالمقام الموسيقي أيضًا ينطلق من درجة ويعود إليها، أغنية قصيرة تصلح مثال على التكثيف القصبجي وصناعة لحن مشبع ما يستحق أن تصيح بعد سماعه “هو قصير بس كرباج”

١٧- على عيني الهجر (جراموفون ١٩٢٨)

من كلمات رامي تلحن أم كلثوم لنفسها طقطوقة تقليدية ربما تنتمي لعامين سابقين أكثر مما تنتمي لأغانيها عام ١٩٢٨، دولاب تقليدي من مقام الراست ثم المذهب والغصون، لحن الغصون ثابت دون أي تلوين، اللحنﻻ يخلو من جمال لكنه بسيط ودون أفكار تلحينية مطورة، أهميته الوحيدة أنه من تلحين أم كلثوم.

إعلان

١٨- قل للبخيلة (جراموفون ١٩٢٨)

قصيدة على الواحدة من تأليف علي الجارم وألحان الشيخ أبو العلا محمد الذي مات في العام السابق على طبع الأسطوانة، تفتتح القصيدة بدولاب من مقام العجم ثم ترتيل على طريقة الشيخ أبو العلا دون تغير مقامي من المصاحبة اﻵلية لكن يلاحظ نضج صوت أم كلثوم عن قصائدها اﻷولى وتمكنها من حلياتها الصوتية التي يبدو أنها نمتها بغناء المونولوجات الرومانسية التي تمارس حليًا كثيرة تبدو أشبه بتمارين التكنيك.

١٩- أمانًا أيها القمر المطل (جراموفون ١٩٢٩)

قصيدة على الواحدة من شعر ابن النبيه المصري وآخر ما سجلت أم كلثوم من ألحان الشيخ أبو العلا محمد، دولاب من مقام الحجاز كار وتبدأ أم كلثوم الترتيل التطريبي بعد استيعابها قالب القصيدة على الواحدة تمامًا خلال اﻷعوام الماضية فتبدو القصيدة هي اﻷكثر اكتمالًا في اﻷداء طوال هذ العقد في قالب القصيدة على الواحدة، اللازمة هي هي ﻻ تتغير لكن يتغير لحن اﻷبيات كل مرة، فدور المصاحبة ليس الترجمة لكن الترديد والتذكير الدائم بالمقام رغم التنوع المقامي ما بين البياتي والحجاز والراست رجوعًا إلى الحجاز كار تظل المصاحبة اﻵلية هي أضعف ما في هذا التسجيل الذي يكاد يكون مكتملًا

٢٠ – الليل أهو طال (جراموفون ١٩٣٠)

موال قديم متواتر من زمن مدرسة النهضة، كتب كلماته مصطفى بك نجيب والد الممثل المعروف سليمان بك نجيب وله عدة تسجيلات سابقة لعل أجملها نسخة سيد الصفتي من نغم البياتي، وله نسخ لاحقة على تسجيل الست وتحويل لموال مديني شعبي غير نهضوي هو الليل لو طال وعرف الجرح ميعاده الذي يغنيه أحمد عدوية باقتدار.

تبدأ أم كلثوم الليالي في هذا التسجيل بمصاحبة آلية أبرز ما فيها القانون على عكس تسجيل آخر، على اﻷرجح للبروفة، كان العود هو اﻷبرز من البداية، لكن هنا يدخل العود بعد أول ترديد ل”الليل أهو طال وعرف الجرح ميعاده” بارتجال لازمة ﻻ ترجمة القول، ﻻزمة غرضها التقسيم وتسليم المطرب المقام التالي في التلوين المقامي، تؤدي أم كلثوم الموال باقتدار شديد مشابه لاكتمال قدرات الارتجال عندها في قصيدتي أبو العلا محمد اﻷخيرتين، اكتمال دخلت به عقد الثلاثينيات بخطى ثابتة نحو الكمال.

Leave a Reply