بيتك | آية متولي

كتابةرامي الصبّاغ - إبريل/نيسان 4, 2017

ليس جديدًا متابعة موسيقيين في انتقالهم من صوتٍ إلى آخر، لكن تسجيل آية متولي الجديد بيتك، والذي يرسِّخ انتقالها من أسلوب المغني-المؤلِّف الجيتاري إلى صوتٍ يتّكئ على الإيقاع الإلكتروني وآلات السينث، يتخطّى الانتقال من تجديد في الشكل إلى تحوّل في الشخصية المرسومة غنائيًّا.

بالعودة إلى إصداراتها الأولى على ساوندكلاود، نجد آية مغنية شابة تحمل الجيتار وتغنّي منفردةً ما تلحنه من كتاباتها أو من أشعار عربية مستعارة، تتشابه بذلك مع الصورة النمطية لمغنيات الفولك الأميركيات أمثال جون بايَز وجوني ميتشل، لكن من خلال غناء وتنغيم شرقي. أزمة تلك الصورة أنّها حتّى في أفضل حالاتها تظل محدودةً في تشخيصين واضحيّ الملامح، إما الامرأة الواقفة أمام المنبر تتسلّح بالغناء لتفصح عن نفسها أو تفضح مجتمعها، أو الامرأة المرتدّة عن المواجهة، فترتدي الموسيقى مساحةً للغرق في عالمٍ باطني محميّ باللحن والكلام. رغم أهميّة حضور الأولى على الأقل كتصوير سياسي للمرأة، والانجذاب نحو الثانية للولوج داخل عالم المغنيّة الخاص، إلّا أنّهما ومن خلال وضوحهما نمطيتا الخصال، ليس بإمكانهما الخروج من الإطار المرسوم منذ ستينات القرن الماضي. لذا عادةً ما تسقط الصورة في حالتيها باليةً إلا حين ترافقها موهبة كموهبة متولّي تخرجها من حالتها الرثّة، ولكنّها حتى عندها تظل محدودة.

في متابعة مسيرة متولّي يتبيّن انشغالها أكثر فأكثر بالتركيب والتجريب، إن كان في إضافة المؤثرات على صوتها، في تشكيلٍ مختلف لألحان جيتار أكثر محيطيّة من ألحان الفولك المعتادة، أو في تنظيم مساحات أوسع للصوتيات وتداخل الغناء مع اللحن والأصوات المركبة والعينات الصوتية. لكنّ التغيير الذي يشير إلى ما ستؤول إليه موسيقاها هو دخول آلة الإيقاع الصغيرة، الـكورغ فولكا بيتس، التي تخلق في هذا التسجيل الحي إيقاعًا يشابه إيقاعات التريپ هوب المقلّة، لتحمل جيتار متولّي من فولك الماضي إلى الفولكترونيكا المعاصرة.

بعد أن كان جيتار متولّي جسمَ الأغنية والغناء روحها، أصبح الإيقاع جسد الموسيقى، يحمل هو الصوت الغنائي، بينما يرتمي الجيتار في ثغرات بين النوتات الإيقاعيّة ليملأها. تتتابع التسجيلات في تشكيل التريپ هوب لتذكِّرنا بإصدارت پورتيسهد وماسيڨ آتاك في التسعينات ضمن تنغيم شرقي وغناء عربي، وتتقارب مع إصدارات تسعينيّة لـ سوپ كيلز، كما تتشابه مع باقي فرق التريپ هوب باستخدمها لتأثيرات الاستمرار والتأخير Reverb و Delay على الغناء والأصناج.

لكنها تختف عنهم جميعاً بخلق عيناتها الخاصة‫ عوضًا عن عينات صوتية من أغان قديمة. في التريپ هوب، تغوص متولي وسط الإيقاعات المثقّلة في ميلانكوليا ضبابيّة سارحةً بين الأصوات المحيطية وألحان السبات، تنفصل من خلالهم عن صورتها السابقة، تختبئ من صوتها السابق داخل حقلٍ من الأصوات المركبّة، وبين تواريها في الصوتيات وخلقها لعيناتها الخاصة، تضع آية متولي نفسها في حالة حدّية بين فقدان وملاقاة الذات قبل الوصول إلى تسجيلها القصير الجديد.

إعلان

عند الاستماع إلى بيتك يحضر مباشرةً الاختلاف عن سردية متولي السابقة في التريپ هوب. الأُغنية الأولى، فين إنتا، هي دخولٌ في وتيرة إيقاع سريعة كمن يلحق نفسه ليجدها. أنغامٌ متلاحقة وترابط كامل بين لازمة السينث والإيقاع في تجاسر على الفراغ الصوتي. لا مجال للتردّد من أين ولأين تأتي النوتات القادمة، كلّ تفصيل صوتي هو نتيجة واضحة لسابقه في بناء متلاحق ومتقن يقول واضحًا إنّ وقت التعثّر بضوضاء الماضي انتهى.

في أغنيتي بيتك وإنترلود تستبدل متولّي الجيتار بالسينث كآلة مصاحبة للغناء، في مجامعة لصوتين يبدو لكلّ واحد منهما لحظات يسيطر فيها على الآخر قبل الاستسلام له، فيكون السينث محيطًا للغناء أحيانًا ثم يصبح محتويًا له حينًا آخر. تأتي أغنية بيتك كدعوة للعودة للتريپ هوب لكن ليس عبر تغييب النفس في فضاء الصوت، بل كتأكيدٍ لنفسٍ تواجهُ مغيّبها. تركيبات محيطيّة مرتسمة بالكثير من تأثير التأخير المتنقل والناقل للأصوات بين يمين ويسار السينث الجهير. صوت غنائي متثاقل ينتظر انتظام الإيقاع ليتسلّح به لمواجهة أشباح الآخر.

في أغنتي ڨوميت وأول غولد أون إرث، ينتقل الألبوم إلى أسلوب موسيقي آخر في تحرّك نحو الپوست روك، ليُعطي انطباعًا بأن بيتك هو مجموعة من التجارب والأنماط المختلفة أكثر منه صنفاً موسيقياً موحّداً. مدخل ڨوميت هو سطر بايس متحرِّك من تأليف بشَّار فرَّان، يشبه البايس المشّاء Walking Bass في الجاز، يوحي بأنّ في الأغنية تقدّمًا من تقسيم إلى آخر ومن حالة إلى أُخرى، لكنّه سرعان ما يراوِح مكانه بنوتات فرديّة طويلة ملازِمًا لحال آية في قولها “ساعات قاعدين في مكاننا، ما منقلعش”. يسمح سطر البايس المتماسك في الأوّل ثم الساقط في وحلٍ صوتي من صنعه لاحقًا لآية بأن تفضّ أصواتها وغناءها كأنها تتقيأ عينات ونوتات طويلة تنبع من انهيارٍ داخلي.

تبقى تحوّلات شخصية متولي هي الخط الذي يحمل الألبوم من أُغنية إلى الأُخرى. غناؤها وتنغيمها في سلالم شرقية داخل أطر من العينات الصوتية المحيطة ودارات إيقاعيّة يجعلها طول الألبوم حتّى الأغنية ما قبل الأخيرة داخل فقاعة من الأصوات والأحاسيس، في تردّد بين دعوة الآخر إلى داخل الفقاعة أو قذفها بوجهه. تتشابه الأغاني في خلقها لعالمٍ صوتي دائري تبحث داخله المؤلِّفة عن ثغرة للخروج من صورة المغنية التي تعترف بإثمها الغنائي نحو شخصية جديدة أكثر حضورًا وجسمانية. تجسِّد الأغنية الأخيرة، منيكة، انتقال متولي الكامل من تأثيرات الروك والتريپهوب إلى الإلكترونيكا في تأليف يذكِّر بألبوم لايرز السابع، مِس. انسلاخ عن النمط الصوتي الدائري السابق بتركيب إيقاعي داعٍ للرقص مبني على ضربات فلور درامز ٤ على ٤، المعروفة بـ فور أون ذَ فلور. يبني الإيقاع سكّة أُفقيّة تتقدّم بخطى راقصة غير آبهة بالأنماط السابقة لتفرض تتمة واضحة للتحوّل. مصارحة كاملة أمام جمهور متخيّل من خلال الغناء، بشكل شبه محكي، عن الخداع في الأداء. للمرّة الأولى، لا استعمال لتأثير التأخير على الصوت كما في أغاني الميلانكوليا الماضية، بل تضخيم الصوت الغنائي من خلال ازدواجه للتأكيد على الحضور الجسماني.

إن كانت صورة آية متولّي المبكرة تتلاقى مع الفنانة التي توثّق في تأليفاتها يوميّات حياتها الداخليّة، فهي ترمي أشلاء هذا التصوِّر في إصدارٍ قصير وترسم مسودّة لشخصية متخيّلة تستطيع الانصياع والعصيان لأي تشكيلٍ محتمل، وتستطيع من خلال تلاعبها في ألبومها الأوّل تحضير جمهورها المتخيّل إلى ترقُّبِ كلّ الاحتمالات المقبلة.

Leave a Reply