موسيقى المغاربة | تعليمات في الجذبة والشجن

كتابةأيوب المزين - سبتمبر/أيلول 21, 2017

تعود علاقتي بموسيقى المغرب الأقصى، موسيقى البلد الذي أنتمي إليه جماليًا وسياسيًا، إلى واحدة من أعتق ذكريات طفولتي في فاس، حاضرة الغربِ الإسلامي الأهم لقرون ممتدة، حيث ولدت وترعرعت. حدث ذلك بداية تسعينيات القرن الماضي، عندما رافقت عمّة إلى ليلة صوفية بإحدى البيوت القديمة. كان المكان ضاجًا بالحضور والحُضّار ترد هنا كلمة حضور للدلالة على المتفرجين غير متفاعلين، وترد كلمة حُضّار جمع حاضر للإشارة إلى المتفاعلين مع الحضرة الصوفية، وكانت المجموعة العيساوية  طائفة صوفية تنسب إلى مؤسسها أبي عبد الله محمد بن عيسى، نشأت منها فرق موسيقية منتظمة داخلها بعازفيها وآلاتها وبخورها تتوسط الفِناء، فيما كان المتفرجون من الرجال ملتئمين داخل الغرفة اليسرى من المدخل، وكنت رفقة النساء في الغرفة المقابلة. أتذكر من تلك السهرة ارتفاع صوت النفير وتوالي القرع على الطبلة وسقوط امرأة بعد رقص جنوني متواصل. بقيت أقلّد ما وقع ليلتها، عبر تحريك رأسي ونقر الطاولة بسبّابتيّ وأنا أردّد: “عيساوة، عيساوة…” حتى صرت مع الوقت “العيساوي الصغير”. كنت أحاول في الحقيقة تقليد أمرٍ أفزعني، أحارب الخوف بمحاكاته، كما كان يفعل البشر القدامى وهم يحاكون أصوات الحيوانات ويتلبسون في جلودها. خوف جعلني أتفادى مواكبة الموسم السنوي للمولى إدريس الثاني  احتفال سنوي يقام في فاس احتفاءً بالمولى إدريس الأزهر مؤسس المدينة، وهو ابن إدريس الأكبر دفين جبل زرهون ومؤسس دولة الأدارسة، ثاني خلافة إسلامية في الغرب الإسلامي بعد دولة الأمويين في الأندلس متحاشيًا سماع الإيقاعات المربكة ورؤية مشاهد تدافع الحشود وهي تعبر حي الطالعة الصغرى باتجاه الضريح الإدريسي. كنت أتخيل الأضحيات المقتادة للذبح من ثور وجمل، هائجة تدهس إخوتي وأهلي وأصحابي. كان ذلك مرعبًا ومغريًا في آن.

أثناء فترة المراهقة، اعتبرت هذا النوع من الموسيقى أحد مظاهر “التخلف والهمجية”، لأسباب تربوية في البداية، بحكم الانتماء لعائلة سنية متقلبة الموقف من مظاهر الإسلام الشعبي؛ ولدواع ذوقية لاحقًا، حملتني على تفضيل الطرب العصري، المغربي والمشرقي، والأغنية الفرنسية والراي، ثم الموسيقى الغربية، على فنٍ آتٍ من القرون الوسطى وممتد بغرابة إلى الراهنية الجمالية والاجتماعية والسياسية للمغاربة، فنٌ ظلَّ بالنسبة لعدد من أبناء جيلنا مرادفًا لممالك الشياطين الحافلة بالخرافات السحرية التي تحالف كل من العالم الشريف الإدريسي والملك الصقلي روجي الثاني على هدم أوهامها من خلال بحثِ جغرافي وخرائطي انتهى بتأليف كتاب الشريف الإدريسي الشهير “نزهة المشتاق في اختراق الآفاق”.

إنّ محاولة تقديم طوبوغرافيا الموسيقى العيساوية بعيدًا عن أي صيغة من الاستشراق، غربية كانت أم شرقية، لا تتحقق إلا بالدخول إلى جوف الشعب الذي نبعت منه تلك الأهازيج والإيقاعات، عبر الولوج إلى تاريخه واستقراء لغاته المحكية والمزمّمة والنظر في أحوال حزنه وفرحه، أي من خلال التطرق للمخيال وأساطيره، والمنقولات وتدويناتها، والسلطة وتلويناتها، وانتهاءً بنقد بعض مقولات الأدب الكولونيالي والعلوم الحديثة  كتب الفرنسيون عن الطرق الصوفية، خاصة طائفة عيساوة، عددا هائلًا من المقالات والكتب نذكر من بينها مقالًا لتيوفيل غوتييه في Revue de Paris (1851) يشير إليه M. O. Mac-Carthy في كتابه Les Arabes chez eux ورحلة الدكتور لومبريير docteur Lemprière المنشورة تحت عنوان Voyage autour du monde يتطرق فيها لعلاقة عيساوة بالأفاعي والموسيقى من خلال مشاهداته أثناء زيارته المغرب، مدينة تارودانت عام 1789، بدعوة من السلطان سليمان الذي سينهى عن الموسيقى والرقص لدى الصوفية في رسالة شهيرة نشير إليها لاحقًا التي جعلت من الاشتغال على هذا الموضوع ساحة تجريبية لمناهج سعت نحو الحط من موروث موسيقي عريق إلى مادة متحفية نقرأ في مجلة أوان الإقامة في الجزائر عدد 18، 25 يناير 1883 خبرًا عن استعراض عيساوي أثناء حفلات الحكومة إلى جانب زيارة الأسواق والذهاب إلى الحمّامات المورسكية ومشاهدة عروض مسرحية إلخ، لاعتبارات سلطوية ومذهبية وإيديولوجية مختلفة، بلغت أوجها مع الحقبة الاستعمارية ولم تنته بزوالها. كيف ظهرت الموسيقى العيساوية وتغلغلت في جذور أرض تعج بالأشكال الموسيقية الضاربة في القِدم؟ إلى أي مدى يمكننا الحديث عن موسيقاهم خارج الطائفة أو عن الطائفة دونهم؟ وهل يكون الشجن الإبداعي الكامن فيها طوق نجاة المغاربة أم بالوعة غرقهم؟

ديونيزية الشعب وموسيقاه

تنتمي موسيقى عيساوة في نشأتها وتطورها إلى سياقٍ تاريخي يطبعه امتداد التصوف في المغرب الأقصى والأندلس، وتحوله من ظاهرة ثقافية سائدة في أوساط الفقهاء مع مطلع القرن الحادي عشر إلى بنية اجتماعية وسياسية حين مجيء الحماية الفرنسية بداية القرن العشرين. لقد انتظم التصوف داخل تيارات تكاد تكون قبلية على عهد الدولة المرابطية، إذا نحن احتكمنا إلى الطرق الستة التي ذكرها ابن قنفذ القسنطيني (١٤٠٨-١٣٣٩) في كتابه أنس الفقير وعز الحقير، تحقيق محمد الفاسي وأدولفر فور. منشورات المركز الجامعي للبحث العلمي. الرباط، 1965، وبقي محط ريبة المرابطين الذين أحرقوا كتاب الإحياء للغزالي عام ١١٠٩م، كما فعل الموحدون مع كتب ابن رشد نهاية القرن الثاني عشر. استفادت الحركات الصوفية من دعم الدولة المرينية، لكن المرينيون عادوا وتخلوا عنها مع الوقت لصالح المدارس العلمية والفقهية. مع وفاة أعلام التصوف، ستصبح مقابرهم ومدافنهم مزارات يحج إليها آلاف المريدين، ويتطور داخلها تفكير جديد منفلت عن الفقه المالكي الرسمي. هكذا، في ظل ارتباك السلطة والمجتمع، إبّان ظروف محلية وإقليمية طاحنة، انتقل التصوف من حالة عرفانية ووجدانية إلى ممارسة طقوسية وسياسية شعبية “اخترقت المجتمع المغربي عموديًا وأفقيًا” حسب تعبير المؤرخ عبد الله العروي طالع Abdellah Laaroui, Les origines sociales et culturelles du nationalisme marocain, 1830-1912. لكن ما الذي جعلها تبقى لحد اليوم منبوذة ومحبوبة، مقدسة ومدنسة، في شقها التعبدي / الطقوسي كما في جانبها الجمالي / الموسيقي؟

إعلان

لا يمكن استبيان امتداد الزوايا وتوسع نفوذها وبروز تياراتها الموسيقية فقط بالوقوف على الملامح الكبرى لظهور التصوف في الغرب الإسلامي، والتي أشرنا إليها بإيجاز شديد، وإنّما يستدعي الأمر توغلاً في منابع ديونيزية شعب تقوم حضارته على لقاء الأساطير والوثنيات المتوسطية القديمة، الأمازيغية والرومانية والفرعونية وغيرها، باليهودية النوميدية والمسيحية اللاتينية، وكذلك بالعرفان الإسلامي والبرهان اليوناني. على هذا النحو يكون المغاربة، في إيماءاتهم الوجودية وعاداتهم المعيشية، بنية هجينة وصلبة تشكلت من هجانتها وصلابتها تلك الهوية المقلقة والجذرية لما قد يكون زيجة فاتنة انصهرت داخلها المعتقدات السحرية والعقائد الدينية والجنون الطقوسي، الإيقاعي والشعري، سواء في الخيالات والعبادات أو في الإيروتيكا والفنون. هذا بالضبط ما نستهدف رصده لدى الطريقة العيساوية، خاصة في ممارساتها الموسيقية، على اعتبارها إحدى أكثر الطوائف تعقيدًا وتأثيرًا حتى الآن. يورد فريدريك نيتشه، في الشذرة ٣٠٦ من العلم المرح، حديثًا خاطفًا عن الطائفة العيساوية في معرض تناوله للمدرسة الأبيقورية والرواقية:

“يختار الأبيقوري الوضعيات والأشخاص وحتى الأحداث التي تتناسب مع تكوينه المعرفي كثير الحساسية. كذلك يتخلى عن الباقي، أي عن مجمل الأشياء تقريبًا، فقد يكون له في ذلك غذاءً قويًا وثقيلاً للغاية. بالمقابل، يتمرّن الرواقي على سرط الأحجار والدود وشظايا الزجاج والعقارب، دون أدنى شعور بالتقزز. فعلى معدته أن تصبح لامبالية بكل ما تصب فيها صدفة الوجود. إنه يذكّرنا بتلك الطريقة العربية لعيساوة التي نجدها في الجزائر: ومثل عديمي الإحساس هؤلاء، يحب هو أيضًا أن يكون له جمهور من المدعوّين لعرض انعدام إحساسه، وهو جمهور يحرص الأبيقوري على الاستغناء عنه. أليس لهذا الأخير “حديقته”؟ قد تكون الرواقية ملائمة جدًا لأناس يرتجل بهم القدر، وللذين يعيشون أزمنة عنيفة تحت رحمة أشخاص متقلّبين. لكن من يستطيع أن يرى إلى حد ما أن القدر يسمح له بغزل خيط طويل، يُستحسن له الاستقرار على الصيغة الأبيقورية؛ فكل الذين كرّسوا أنفسهم للجهد الذهني نهجوا ذلك النهج لحدّ الآن! وستكون خسارة فادحة بالنسبة لهم إذا ما فقدوا حساسيتهم المرهفة تلك، ليحصلوا في المقابل على بشرة الرواقيين الخشنة والشائكة مثل قنفذ” تعريب الكاتب عن الترجمة الفرنسية، بعد مراجعة ترجمات لاتينية أخرى، واطلاع على المتن الألماني.

عندما يضع نيتشه طائفة عيساوة وسط مقارنته بين الأبيقورية والرواقية، فإنه لا يستعين بها للسخرية من الرواقيين ومذهبهم فحسب، وإنما يرجعها إلى قلب ذلك التماهي الإغريقي مع الطبيعة في صوره الفظة والمضنية. يستعير نيتشه إذًا الممارسات العيساوية ليظهر الجانب المنبوذ لدى الرواقيين. فهل يمكن اعتبار العيساويين رواقيين؟ وإذا جاز الاعتبار، فأي معنى يتحقق؟ لعلّ نيتشه كان قد اطلع على أخبار عيساوة من إحدى المؤلفات الاستعمارية الرائجة آنذاك، فالجزائر  تكاد تكون كل الأدبيات الكولونيالية التي تحدثت عن عيساوة، قبل معاهدة فاس 1912، قد اشتغلت على هذه الطائفة داخل الجزائر، نظرًا لاستحالة معاينتها في المغرب عليهم. وكانت الطائفة قد امتدت نحو الشرق، منتصف القرن 17م، وربما وصلت العراق والحجاز كانت قد أصبحت فرنسية ٥٢ سنة قبل صدور مؤلفه. إن مقارنته مع كونها مجرد استعارة لحال بعض العيساويين، الذين يبلعون فعلاً الأحجار والدود وشظايا الزجاج والعقارب ويلاعبون الأفاعي القاتلة، فهي تجعل منهم رواقيين متطرفين. بيد أن تطرفهم هذا هو “جنون ربّاني”، يؤول بهم إلى كل ما يريدون وما يكرهون؛ جنون يذكرنا بشياطين سقراط  انظر دفاع سقراط، أفلاطون وقرابين ديونيزوس طالع تراجيديا الباكخوسيات ليوريبيديس، إله يستعين أتباعه مثل بعض مريدي عيساوة بالأضحيات وأكل اللحم النيّئ على إيقاعات الموسيقى لتحقيق الجذبة، حتى أن هناك من ذهب إلى الاستدلال على ممارسة تقطيع وافتراس لحم البشر أو الحيوانات نيئًا في اليونان القديمة بـ”نساء-فهود” تنتمين لعيساوة، تشبهن حاملات جلد الفهد (Paradalile أو Nébride) على المزهريات اليونانية، واللائي تلتهمن أطفالهن في مشهد لزج من سيلان الحليب والدم والماء والعسل انظر كتاب: Pierre Bonnechere, Le sacrifice humain en Grèce ancienne, (Presse Universitaire de Liège).

يكتب الخطيبي في النقد المزدوج واصفًا تلك الديونيزية التي أشرنا إليها:

“المغرب القديم الذي لا أبجدية له، يدخل في جسم الشعب. في جوف الطغيان التاريخي. وهو دخول مجيد أحيانًا: في الأدب العربي (الدنيوي والروحي) في الوشم والزخرفة، في بهاء الغناء والرقص. ذلك مشهد يكشف عن ديونيزية مغربية تنحدر، دفعتها النشوى نحو المحيط” عبد الكبير الخطيبي، النقد المزدوج. ترجمة أدونيس، عبد السلام بنعبد العالي، زبيدة بو رحيل، محمد برادة. منشورات الجمل ٢٠٠٩.

ينتمي المغاربة إذًا، بأبدانهم ورموزهم الاعتقادية ومنقولاتهم الشفهية، أي في مللهم وأدبياتهم وموسيقاهم وبقية أشكالهم التعبيرية الأخرى، إلى تاريخ قديم غير مكتوب بالجملة، لكنه تاريخ محسوس تناقلته الجماعات عبر التدوين على التربة والجسد والأواني الفخارية والآلات الموسيقية وخرائط الشمال الإفريقي الممزق بالأوبئة والحروب. إنه عنصر جارف تحمله الثقافة المغربية، بما فيها تلك الأكثر احتكامًا إلى تدين محافظ أو عقلانية مسرفة؛ وعلى نحو غرائبي، تغذيه وتجدده، بل تؤججه وتفتحه على صراع القوى المتناحرة على السلطة، بين مُلك الأرض وملكوت السماء.

لغز الطوائف

يمكن اعتبار الشيخ محمد بن سليمان الجزولي هو أبو عبد الله محمد بن سليمان بن أبي بكر السملالي الحسني (١٤٦٥-١٤٠٤). أحد أقطاب الصوفية وعلماء مراكش الملقبين بـ سبعة رجال، سليل الطريقة الشاذلية وصاحب كتاب دلائل الخيرات، إحدى العلامات الفارقة في تاريخ الطرق الصوفية في الغرب الإسلامي، فقد قام بتوحيد الطوائف على تلاوة أوراد وأحزاب وصلوات لشيخه وللمولى عبد السلام بن مشيش، في وقتٍ لم تكن الثقافة السمعية للمتصوفة تتجاوز الذكر والإنشاد، ومع ذلك تبقى كل طريقة مختصة بأورادها وأذكارها، وقد تلتقي حسب قرب شيوخها بعضهم من بعض. إلا أنّ الطائفة العيساوية، مع نهلها من الرصيد الصوفي الغزير، اختارت لنفسها نهجًا مختلفًا نتطرق له في ما يلي.

حوالي العام ١٤٦٧م، ولد أبو عبد الله محمد بن عيسى، شيخ الطريقة العيساوية المعروف بـ الشيخ الكامل، والملقّب بـ الكبريت الأحمر وبركة أهل السماء والأرض، وصارت طريقته إحدى أكثر الطرق انتشارًا وإثارة للجدل الفكري والسياسي والجمالي خلال القرون اللاحقة. يمكننا أن نرصد هنا، بخصوص ذلك الجدل، ما ورد من رأي المالكية في المغرب بأن “ما وقع لبعض المساكين من السماع بهذه الآلات محمول على أنهم أصحاب حال. وصاحب الحال له حكم المجنون في جميع الحالات، ويُسلّم له ولا يقتدى به” وارد في شرح الوغليسية، وكذلك ذكر الفقيه الحسن اليوسي (١٦٩١-١٦٣٠) في رسائله أن 'الحال عند الصوفية إذا نزلت فإنها قد تحرك الصياح والطرب، وحركة الجسد بالدوران أو الرقص والتصفيق'.، وكذلك موقف السلطان سليمان العلوي (١٨٨٢-١٧٦٠) في رسالته “آلات الموسيقى” التي حذّر فيها من “التقرب إلى الله بالغناء والشطح”، واعتبر كلًا من عيساوة وجيلالة من “أولياء الشيطان” انظر دليل مؤرخ المغرب الأقصى، ابن سودة، رقم ٢٠٦٦. يورده عبد العزيز بن عبد الجليل في كتابه: 'مدخل إلى تاريخ الموسيقا المغربية'، سلسلة عالم المعرفة ٦٥، مايو ١٩٨٣. مع أن موقف السلطان لم يبلغ مرتبة الفتوى، فإنه كان مشحونًا بنبرة النهي والتحريض، وأخذ شكل تكتيك جذري، سياسي وديني في آن. إنه ذات الموقف الملتبس والمتوجس الذي تبناه الفرنسيون منذ قدومهم إلى شمال إفريقيا، سواء في الجزائر أو في المغرب، أتعلّق الأمر بنهر رموز عيساوة ومنع طقوسهم أم بتبخيس موسيقاهم: منعت ولاية وهران عام ١٩٠٧، على سبيل المثال، أي تظاهرة عيساوية في الأماكن العامة نظرًا لـ”طابعها الغليظ وطبيعتها المخلة بالأمن العام” انظر Recueil officiel des actes administratifs, Préfecture d’Oran, 1907 – N 2, P.34، وسارت على منوالها الإقامة العامة الفرنسية بالمغرب عام ١٩٣٥م عبر حظر تظاهرات عيساوة في كل من فاس ومكناس انظر المقال المنشور بأسبوعية L’Afrique du Nord illustré في العدد 794، 18 يوليوز 1936 تحت عنوان Les confréries religieuses au Maroc, J.R. يتضمن المقال احتفاءً بالطرق الموالية للسلطان ويتهم أتباع طريقة 'هداوة' بتحريم الزواج وتدخين الكيف (نوع من الحشيش) إلخ. يكتب موريس لو غلاي عن الرقص والموسيقى المغربية:

“لا أعرف ما هو أكثر إزعاجًا وأوضع فنيًا من هذا الاستعراض، وإقبال المغاربة عامة عليه هو في نظري المحدد عينه للهوة التي تفصل أفكارنا عن أفكارهم” استشهاد في كتاب Georges Hardy, L’âme marocaine d’après la littérature française, BEPM, 1926.

إعلان

لقد بقيت الطريقة العيساوية، وحتى وفاة الشيخ الكامل دفين مكناس سنة ١٥٦٢م، ملتزمةً بتصوف سني مالكي حريص على التوحيد والزهد وتجنب “البدع”. لكن نشوء الموسيقى داخلها، وبداية الاعتناء بشقها التقني /الجمالي والروحي / الجسدي والتدبيري / الاقتصادي، سيجعل منها عدوًا في أعين غير المنتمين لها، وسيشدها إلى مواضع أعقد في علاقتها بالفقهاء والسلاطين وبعض الطوائف القريبة منها أحيانًا (جيلالة، حمادشة، درقاوة، إلخ) وبسلطات الحماية والاستعمار ومن يدور في فلكها من أدباء ومؤرخين.

إنّ هذا السخط الكولونيالي على عيساوة، المدعوم برأي الفقهاء والسلاطين، لم يكن مجرد انزعاجٍ ذوقي أو سياسي، بل كان محاولةً للتخلص من أشباح القرون الوسطى التي لاحقت الكاثوليكيين بعد الثورة الصناعية، في أوروبا والمستعمرات، ويمكن ملاحظتها في الطقس الإيطالي المتداول حتى اليوم والمعروف بالـ تارانتيزم. لقد ظل الفرنسيون يرون في الطقوس العيساوية صورتهم الوثنية البشعة التي جاءت المسيحية لتحريرهم منها، حتى أن بعض النصوص الفرنسية ذهبت إلى مقارنة العيساويين بالساحر روبير هودان، وقالت أخرى إن عيساوة (أتباع الهادي بن عيسى) ليسوا في الواقع سوى نسخة مشوهة لليسوعيين (أتباع “سيدنا عيسى”)، كما ترد في بعض الكتابات تشبيهات لرقصهم برقصة القديس فيتوس.

لم يتحقق دخول الموسيقى في منظومة عيساوة حتى القرن السابع عشر طالع Mehdi Nabti, Les Aïssâwa. Soufisme, musiques et rituels de transe au Maroc, L’Harmattan, Paris, France, déc. 2010، بمبادرة من أحفاد “الشيخ الكامل” الذين أسسوا تراتبية “المقدمين” جمع 'مْقدّم'، يمكن اعتباره القائد الفعلي للطائفة في مكان تواجدها ويشترط فيه حسن الأخلاق والورع وضبط الفن العيساوي، وقعّدوا لها في المجالين العام والخاص بضوابط شعرية ولحنية وكوريجرافية مفصلة. هكذا خلقوا للموسيقى صيغها المتفردة لتصبح عقيدة طقوسية للطائفة، لا تستقيم الجذبة فعليًا بغيرها، ولا تتحقق النشوة في غيابها.

تختلف الممارسات العيساوية حسب السياقات والمناسبات، وحسب المناطق الجغرافية، لكنها تنضبط لآداب صارمة وفقًا للمكان (بيت خاص، زاوية محلية، الزاوية الأم) والزمان (سائر الأيام، مواسم دينية، المولد النبوي)، وتحتكم لنظام موسيقي صارم يتخلله الارتجال. سنكتفي في هذا المقام برصد المراحل الرئيسية لليلة العيساوية، أي الحدث المنظم داخل البيوت بطلب من أصحابها لاستجلاب البركة و/أو للـعلاج. لم تكن الليلة العيساوية طقسًا شائعًا لدى العيساويين، ولم يثبت عن شيخ الطريقة ولا تلامذته ممارستها، ويرجعها عددٌ من المقدمين إلى باعث خاص للمدعو سيدي عبد الرحمن الشنطري أحد مريدي الطائفة أو إلى تأثرها بطقوس سيدي علي بن حمدوش انظر الهامش 19. تنقسم الليلة العيساوية إلى ثلاث مراحل رئيسية، هي الذكر والملوك والحضرة. تنطلق الليلة بالدخلة، أي بالوقوف على باب الدار. يحمل العيساويون أثناء ذلك، كلٌ حسب دوره، أعلام الطائفة والآلات الموسيقية، من طبل وغيطة وبنادر ونفير وتعارج ودفوف وطاسة، فيما يتجول عيساوي بين الحضور بمبخرة مملوءة بالجاوي وإكليل الجبل، المعروف لدى المغاربة بالصلبان، وبخور البربر المعروفة بسرغينة انظر المفردة 250 في جامع ابن البيطار. يمكننا أن نسمع في تلك اللحظات أبياتًا زجلية منها:

“الطالبين وْمَا طلبوا / الراغبين وْمَا رغبوا

الواقفين بباب الله / سيادنا رجال الله

الزايرين إذا زاروا / قلوبهم يسلاوْ بالله”.

يقوم المقدم بإيقاد شمعة متوجهًا إلى المتفرجين بالقول: “اللي مريض الله يشافيه واللي قاصد غرض يقضيه”. فيبدأ الناس باقتناء الشمع ويطرش المقدم البندير تمهيدًا لولوج عتبة الباب، ثم الاستقرار بعدها في البهو بين أهل البيت، وسط زغاريد النساء وصلاة الحاضرين على النبي.

تنطلق الليلة بالذّكر، وهي عملية تمهيدية ترتكز على التوحيد والشهادتين لتحقيق السلم في المكان، وتكون بقراءة أوراد وابتهالات في مقدمتها حزب سبحان الدايم، أو ما يمكن تسميته بـالصلاة الشافعية  الرسالة، الإمام الشافعي” التي تطورت صيغتها تنبيه في كتاب الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) بخصوص تنوع طرق الصلاة على الرسول واختلافها، وكذلك إنشاد قصائد منها الحُرم والدرقاوية والتهضيرة، بالإضافة إلى التواتية  يعتبرها المقدم سعيد الجيسي (انظر المحور الثالث) فيما صرّح به لي بمثابة 'فاكهة' مرحلة الذكر. تتميز هذه المرحلة بإيقاعات سريعة، خاصة في التهضيرة، وتستهدف إنهاك قوى الشر لدى الجاذبين قبيل العبور إلى مرحلة الملوك. قد تستمر مرحلة الذكر زهاء الساعتين أو يزيد، حسب أساليب المقدمين وتفاعل الحضور معهم.

أمّا الملوك، فمطلعها حدون والجيلالية، ويشكلان معًا باب الجيلالية نسبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني، ويسمى في المغرب بالجيلالي، وهو شيخ صوفي حنبلي عاش ومات في بغداد على عهد الدولة العباسية، البوابة الأولى للدخول إلى الملوك، وقد يسبقهما على سبيل الاستهلال إنشاد قصائد بالعامية المغربية مدحًا في الرسول أو استغاثةً بالأولياء واستعانةً بأولادهم وأحفادهم، كتهيئة لمواجهة قوى الشر الكامنة في فضاء حدث الليلة، وهي قصائد تشبه الملحون في نظمه، ومن الدارسين من افترض وجود علاقة أبوة بين فن الملحون والذِكر العيساوي 'مضمون الذكرات والقصائد العيساوية'، محمد البويحياوي الإدريسي. مقال منشور بمجلة فكر ونقد، العدد ٥٩/٦٠، مايو/يونيو ٢٠٠٤.

“مولانا الله، الله آ مولانا،

مولانا الله، ربي فيك رجايا.

إعلان

باسم الله بديت قولي

ونثني بصلايا، على من جا بالآية.

إذا غاب الشيخ را ولادو هنايا

إذا غاب الشيخ ها ولاد معايا.

أيا دار الجود يا دار العناية،

يا دار الجود

وإذا غاب الشيخ راه ولادو…”

هنا، بعد الاستغاثة بالله والثناء على نبيه وتقديم الولاء لأولاد شيخ الطريقة وأحفاده، تدخل الغيطة والطبلة لتقسم ظهر الدعاء والحكاية الملتبسة وتنسخ بسردها الخاص مرويات المؤرخين والسلالات الغالبة. يُجمع الباحثون ومقدمو عيساوة أنفسهم على أن لفظ المْلُوكْ يعني الجان في اصطلاح الممارسات الصوفية والشامانية المغربية، خاصةً لدى كناوة. فالـ مسكون هو الذي به مس، وهو صاحب الحال الذي تحركه الموسيقى. في أحيان أخرى، على عكس المعهود، قد يستجيب العيساويون لدعوة امرأة أو رجل مسكون لإقامة ليلة تسقط فيها مرحلة الذّكر كليًا، أي تمّحي منها ركيزة التوحيد والشهادة، ويكتفى فيها بالحناء والجذب والصياح. يسمى هذا الباب لدى عيساوة باب كناوة، فهو يتحقق من داخل منظومة شامانية ذات جذور إفريقية غير إسلامية. مع ذلك، تبقى الملوك لدى العيساويين في عموم الحالات مرحلة قبل أي شيء، مرحلة في الجذبة قبل كونها مراتب شيطانية. هل الملوك هنا هم العفاريت أم أنهم السلاطين أنفسهم؟ وماذا يترتب على تأويل نعكس فيه الأمر ونزعم أن “المْلُوكْ” هم الحُكّام؟ لم يكن لسلاطين المغرب، خلافًا لملوك فرنسا وإسبانيا وإنجلترا انظر كتاب M. Bloch, Les rois thaumaturges. Etudes sur le caractère surnaturel attribué à la puissance royale particulièrement en France et en Angleterre. Paris, 1961 أيّ بركة مستمدة من الدين، فارتباطهم الجينيالوجي بالبيت المحمدي ليس إلا ضابطًا شكليًا لقضية الخلافة عندهم، ولا تترتب عنه علة اعتبارية روحية وشفائية حاسمة بالنسبة للرعايا.

إن العيساويين قد ادّخروا من التصوف الطرقي، بشكلٍ من الأشكال، أداة مهمة من أدوات السيادة ومزاولة الحكم وكتابة التاريخ عبر العزف، وهي البركة التي اختص بها الأولياء والصلحاء، ومارسوها خارج أسوار القصور، في الخلاء والأسواق والبيوت والضرائح. هنا بالتحديد تلتقي السلطة بالإيروتيكا لدى هذه الطائفة الملغزة، خاصة مع عبور الباب الثالث للملوك، باب العربيات، فالآلات الموسيقية تختزن القدرة على تهييج الناس، فرادى وجماعات، كما أنها تخصي “الفالوس” (phallus) السياسي للنظام، على اعتبار كل عناصر الباب جنيات عربيات تتلبسن بالجسد الذكوري، فتخلق مجالًا ثالثًا للاستمتاع والتمرد، محتكمةً في ذلك إلى ثنائية أنثى / ذَكر (تتجاوز نفسها أثناء الحضرة) لا من حيث حاملي الآلات، فكلهم ذكور يتكون أعضاء الفرقة الموسيقية لعيساوية من الذكور حصرًا، لكن ظهرت في الآونة الأخيرة فرق عيساوية تشرف عليها النساء دون الرجال، ولكن من حيث دورها الموسيقي: ينقسم العازفون إلى حاشية (أنثى) وزوّاق (ذكر) يشتبكون في كل مراحل الليلة العيساوية عزفًا وإيقاعًا، ويختص الزواق / الذكر بلعب دور المرتجل القائم بتزويق اللحن، أما الحاشية / الأنثى فتضبط الإيقاع الثابت وتتأقلم مع تنويعات الزواق.

وأما الحضرة فهي مرحلة تجاوز القداسة والدناسة، السياسية والشيطانية، دون التخلي عن إيروتيكية تتجلى في رقصات تقلد الحيوانات منها رقصة الأسُود، يتساوى فيها الذكور والإناث، إن لم نقل إن صيغة التمتع الجنسية الأنثوية هي الغالبة فيها، وذلك قبل الاستقرار في سكينة الرحمن (שכינה) 'شيكيناه، اسم مؤنث في اللغة العبرية يعني 'الحضرة الإلهية' ويستعمل للدلالة على تواجد الإله بين الناس. تتراوح طقوس الحضرة بين شكلين للعزف والإنشاد والرقص هما رباني والمجرد، يتناوبان تقديمًا وتأخيرًا على تغيير خاصيات السمع والحركة من واقعية مفرطة في الجذب إلى تجريد روحي يدعو الحواس إلى الشروع في مغادرة الجذبة والشجن نحو السكون والانشراح. إنها لحظة وجد الفناء في التوحيد، بلغة المتصوفة. عندما تنتهي الحضرة، وتنحدر الليلة نحو نهايتها، يعزف العيساويون وينشدون قصيدة الزميتة على إيقاع “رباني”، وهي قصيدة يعتقد أنها نُظمت منتصف القرن العشرين من طرف الشاعر إبراهيم الدكالي الذي ألّف أزيد من مئة قصيدة خاصة بالطائفة العيساوية. والزميتة أيضًا أكلة شعبية يتم توزيعها عند نهاية الحضرة اقتسامًا للبركة وتأكيدًا على زهد المريدين وفقرهم إلى الله.

يُعدّ آلكسيس شوتان (١٩٧٥-١٨٩١)، أحد المستعربين والإثنوموسيقيين الأجانب المشاركين في مؤتمر الموسيقى العربية الأول المنعقد بالقاهرة عام ١٩٣٢، أهم من اشتغل على الموسيقى في المغرب بشكلٍ عام، وعلى المنظومة الموسيقية العيساوية على وجهٍ خاص. لكن، وعلى الرغم من جدية بحثه مقارنةً بآراء لو غلاي وغيره، تبقى قراءته لموسيقى عيساوة مليئة بالمغالطات: كأن يخلط بين حزب الدايم المنتمي إلى مرحلة الذكر، ورباني المنتمي إلى مرحلة الحضرة، معتبرًا أن حزب الدايم هو الذكر الديني الوحيد لدى عيساوة الذي يرافقه العزف!  انظر العدد 35 من Le Ménestrel – Musique et théâtre, 26 aout 1932 وهو أمر لم نقف عليه لدى أي فرقة عيساوية معاصرة. قد تبدو الموسيقى هامشية في حزب الذكر، لكن ملامحها تبدأ في التشكل مع مرحلة الملوك، وتبلغ ذروة اتزانها وتمامها مع الحضرة. وسط الشدو والإيقاع والرقص، قد يبدو العزف مكملًا لحركة الجسد لا غير، لكنه يُضحي في الحقيقة ركيزة كل شيء.

ما لم يُحط به المستشرقون، معتبرين كل ما هو غير مسيحي وغير يهودي نوعًا من وثنية منبوذة (paganisme)، هو أن موسيقى عيساوة كطقسٍ روحي توجد على الطرف الحاد للمقدس والمدنس، وفي قدرتها الدقيقة على المزج بينهما تصير ميزان أحاسيس الناس ومقياس صعودهم ونزولهم بين مدارج الروح ومداركها، وبالتالي مفتاح فهمهم للعالم. ليس الحُمق واحدًا، إنه هو متعدد، وكذلك حال هؤلاء المغاربة المسكونين بطبائع الجذبة والشجن، الهائمين على وجوههم تماهيًا مع موسيقى خرجت من صلب بنية مجتمعية هشة ومسحوقة اختزلتها هذه الطائفة المتهمة بالجنون والمجون معًا.

مراتب الشجن

مستهلُّ القرن العشرين، كان شجن المغرب شجنًا جماعيًا، بمعنى أن الحزن نفسه كان طقسًا للقبيلة والعائلة، يجتمع خلاله الناس في المآتم ويلتئمون حوله للرقص والندب في المواسم الدينية والعائلية. مع ذلك، لا يدخل هذا الشجنُ والحزنُ في بابِ البكائيات الحديثة، وإنما يستمد طاقته من بنياتٍ أسطوريةٍ عتيقة. في ذات الوقت، صارت الزوايا بمثابة قوة سياسية وحزبية ضاربة، قادرة على مواكبة نبض الشعب عن قرب وتلقف أفراحه وأتراحه، لذلك تَذكّى التخوف من تأطير عيساوة الروحي والسياسي للحشود، حتى أن رجالات الحركة الوطنية تعرضوا لها بنقدٍ لاذع، وحاولت الإقامة العامة إقحامها في شؤون مدنية وعرقية طارئة لإضعافها من الداخل. نقرأ موريس لو غلاي، الضابط والكاتب نفسه الذي هاجم الموسيقى المغربية سابقًا، في مقال نشره بخصوص ما أضحى يعرف في تاريخ المغرب الحديث بـالظهير البربري:

إعلان

“(…) لقد التزمت فرنسا باحترام التقاليد كيفما كانت، مع أنّ الأمر يتعلق بتقاليد ترجع لقرونٍ خلت، تقاليد لم يقدر أي شعب على مرور العصور على إضعافها، ولا السلاطين حاولوا قط أو تمكنوا من مخالفتها. (…) كنت أقرأ مؤخرًا قانونًا محليًا مستصدرًا لتسهيل بل ولحماية التمارين العمومية لعيساوة. هل يتعلق الأمر بتقليد أمازيغي أم إنه إسلامي خالص؟ لا أعرف شيئًا. إنه تقليد مغربي، ومهما يكن مؤسفًا فإننا نحترمه…” انظر La Revue de l'Afrique française, 1930, pages 500-501.

بعد استقلال المغرب عام ١٩٥٦، قامت البورجوازية الناشئة للحواضر التاريخية، مثل فاس ومكناس خاصة، بمحاولات عديدة من أجل اختطاف موسيقى عيساوة من بوابة فن الملحون، عبر تحويلها إلى شكلٍ شعري /إيقاعي مديني بالأساس، في مقابل عيساوة الغرب (غرب المغرب) الذين حافظوا على طقوسهم القديمة حتى اليوم. من جهتها، تمسكت الأرستقراطية السلفية بموقفها المعارض لكل الأنواع الموسيقية الشعبية / البدوية والصوفية / المبتدعة، مفضلةً الموسيقى الأندلسية التي ستصبح مع الوقت الموسيقى الرسمية، إن جاز القول، على بقية الأنماط التي تُعتبر همجية، مثل عيساوة وحمادشة وجيلالة؛ أو بدوية، مثل العيطة، في نظرها. هذه السلفية الوطنية، التي ناهضت عيساوة زمن الحماية الفرنسية، لم تتوقف عن مهاجمتها في صحف اليمين الديني (جريدة العلم مثالاً) احتجاجًا على رجوعها إلى المجال العام، مما دفع الدولة فترة إلى تحويل ساحة جامع الفنا  ساحة عامة تقع في قلب المدينة العتيقة لمراكش، غير بعيد عن مسجد الكتبية، وتعرف بالتئام الحكواتيين والموسيقيين والفكاهيين فيها بمراكش إلى مرأب للسيارات، ساحة اعتبرها رجال الحركة الوطنية قبل الاستقلال كـ”واحدة من الواجهات التي استخدمها المستعمر لتقديم الإشارات الملموسة على تخلف الشعب المغربي” طالع مقال A. Adam, La politique culturel au Maroc, Annuaire de l’Afrique du Nord, 1973.

يُعتبر الحاج محمد بوزوبع أحد السباقين إلى نهج ذلك الـ”تجديد” في الموسيقى العيساوية عبر تحييدها عن مجال الطائفة وإدخالها للإذاعة والتلفزيون من خلال فن الملحون، والترويج لها في الأسطوانات والكاسيت. استفاد بوزوبع من ترؤس والده جوق الملحون بإذاعة فاس ومن قيادته للطائفة العيساوية، لبسط أسلوبٍ مازجٍ بين اللونين، الملحوني والعيساوي. على عهد الملك الحسن الثاني، جعلت السلطة من الآلة الأندلسية موسيقى الدولة إذاعة حفلات الآلة الأندلسية على القناة الوطنية في الأعياد الرسمية، الوطنية والدينية، ودمجتها مع بقية الأنماط الشعبية / التقليدية في الفلكلور الوطني، كما دفعت إلى تنظيم الفرق والزوايا عبر إخضاعها لوزاراتٍ حكومية، وتقديم هبات مالية لقيادها بغية توظيفها سياسيًا. بيد أن عددًا من الفرق الموسيقية المنتظمة تحت لواء الطائفة استمرّت في مزاولة أنشطتها المتوارثة، غير المهجنة، رغم اشتغالها تحت وصاية وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، خاصةً في الغرب المغربي. ويمكننا أن نذكر من بين المقدمين المعاصرين المنتمين لطائفة فاس، مقدم المقدمين العيساويين الحاج عز الدين البطاحي والحاج سعيد الجيسي (رفقة ابنيه) اللذين حافظا على الولاء الزاوية الأم، من جهته اختار الحاج سعيد برادة المزاوجة بين إرضاء الطائفة ولبرلة الترويج لفرقته بإحياء الأعراس وحفلات الحناء والتعاون مع مؤسسات ثقافية عالمية، منها معهد العالم العربي بباريس الذي أنتج له ألبوم عيساوة فاس.

منتصف التسعينات، سطع نجم محمد العسري، أحد تلاميذ الراحل عبد العزيز العمراني، الملقب بالكنار. قام العسري بنقلٍ تدريجي للموسيقى العيساوية من الملحون إلى ريبرتوار الأغنية الشعبية العصرية، فأسس أوركسترا العسري التي أشاعت القصائد العيساوية خاصة بين الشباب. ومع انحدار نجمه نهاية العشرية الأولى من الألفية الثالثة، آلت الموضة في فاس ومكناس من جديد إلى الاستنجاد بالطائفة والزاوية الأم، في حلقة لامتناهية من ذهاب وإياب مشتت بين التراث والحداثة.

يكتب الخطيبي:

“المغرب البديع هذا آخذ في الزوال، تغطي اللامبالاة ذاكرته. إننا بمعنى ما، نتابع التهديم الذي بدأه الاستعمار وعلم الأجناس. وليكن قولنا مفهومًا: نحن لا ندعو إلى الحنين الساذج للأصل القديم، وإنما ندعو إلى مغرب جذري تخلص من القانون اللاهوتي ومن سلطة العلموية. إنّ على المغرب كأفق للفكر وكينبوع للفن أن يكون في مستوى جذرية الوجود هذه. أي أن عليه أن يتجه نحو الزمن الجمع لمغرب لا ينسى. والذي لا يمكن أن يحاصره قانون البشر ولا السور الميتافيزقي”  انظر ع. الخطيبي، النقد المزدوج. مرجع مذكور

إن واحدة من التحديات الأساسية المطروحة اليوم على الطائفة العيساوية، وعلى سائر الطوائف الصوفية، بل على المجتمع والدولة في هذا “المغرب البديع”، هي إعادة النظر في علاقته المركبة بالأدبيات الدينية، التقليدية والمعاصرة، وبالنظريات الغربية ونقدها من منظور محلي يأخذ بعين الاعتبار المتون والفنون ونماذج التربية والحكم الوطنية، كيلا نضيع كمغاربة في ارتدادات الفعل الأيديولوجي والسياسي التي تستغيث تارة بالنموذج الحضاري الغربي أو ترتد إلى صيغ بالية ومتهافتة من فهم التراث تارة أخرى، قد يكون ظهور الطريقة الكركرية، في السنتين الأخيرتين، دليلًا على تكريسها. لقد قامت هذه الطائفة الناشئة بتقديم الولاء الروحي لعددٍ من الزوايا التقليدية، بعدما أقدم بعض المنتمين إليها من “الفقراء” على زيارة كل من ضريح مولاي عبد السلام بن مشيش، وضريح سيدي الهادي بن عيسى وضريح مولاي العربي الدرقاوي، كما خرجوا رسميًا للمشاركة في احتفالات المولد النبوي وشرعوا في التوسع شرقًا نحو الجزائر، متمسكين بالأشكال التقليدية للتصوف الشعبي من رقص وإنشاد، مضيفين إلى ذلك حصصًا موسيقية هي أقرب ما تكون إلى موسيقى العصر الجديد. هل سينتهي بنا هذا الشجن المستحدث إلى الغرق في المحيط؟