ثمانينيات القرن الماضي… كم تبدو بعيدة يا كابو!

كتابةهاني درويش - دسيمبر/كانون الأول 13, 2015

نشر هذا المقال للكاتب الراحل هاني درويش للمرة الأولى في جريدة المستقبلاللبنانية بتاريخ ١٠ سبتمبر(أيلول) ٢٠٠٦.

ما رأيك في فيلم تسجيلي عن حميد الشاعري وموسيقى الثمانينيات؟ سؤال تجرأتُ بطرحه على نحو عشرة أصدقاء مختلفي المشارب والأهواء، سؤال كنت وأنا أطرحه أخشى من ردود فعل متباينة تميل في أغلبها إلى تسفيه القول. لكن المفاجأة كانت اقتراح ثمانية منهم أن يعملوا في الفيلم وإثنان طلبا الاستضافة على الأقل. السؤال كشف لي أن هوسي الشخصي بتأريخ ثمانينيات القرن المنصرم، وقد بدت الآن تاريخاً يمكن الحنين إليه، هو هوس مبرر، فهي أكثر الفترات غموضا عوضاً عن كون ذاكرتها لا تستطيع أن تقدم ما كان من ألق السبعينيات ومن قبلها الستينيات. السبعينيات على ما يبدو كانت في الذاكرة الجمعية أمّ المعارك والانتصارات والهزائم، وما بعدها لا يرقى بأحزانه وكآباته وظلام عالمه أن نحنّ إليه. في ما يخصنا، نحن الذين يدخلون أواسط الثلاثينيات بكامل مشمشها، الثمانينيات كانت فترة التمردات الصامتة، التي لم تغال في صدامياتها أو تبشيرها بعالم جديد. كانت فقط تراهن على الوقت لتؤكد مفصليتها حتى وإن لم يعلُ خلالها الصوت بأن هناك ثمة انقلاب حادث.


في الموسيقى مثلاً، وهي هنا حالة القول، نستعيد المشهد من بداياته لعلنا نستطيع أن نؤرخ لمفاصل ونتؤات
. فعندما صعد الشاب حميد الشاعري مسرح كلية التجارة بجامعة الأسكندرية عام ١٩٧٩ جيتاره الإسباني بعد أن ارتحل من ليبيا إلى مصر، حاول أن يغني في البداية ما يمكن تسميته بأغاني المرحلة، أغاني الثورة التي شاعت في تلك الفترة، لم يقبلها جمهور المسرح من الشباب لذا بدأ بدندنة بعض من أغانيه التي كان قد سجل خمساً منها في ليبيا وقدم بها عله يجد من ينتجها، بعد صفرات الاستهجان هدأت القاعة وهي تستمع لصوت مبحوح وناعم يغني بإيقاع بدوي على غيتار أسباني أغنيات عن العشق والاغتراب والمدينة القاسية. من هذه اللحظة تبدأ نهاية مرحلة وحدث ما يمكن تسميته بالنقلة الثالثة في تاريخ الموسيقى المصرية، ودون أن يتحمس البعض لردود تسفيهية مسبقة. نعم هنا لا بد من الاعتراف بأن الموسيقى المصرية في القرن الماضي عرفت ثلاث نقلات تاريخية، بمعنى أن الموسيقى بعدها لم تبقَ كما كانت.


النقلة الأولى كانت لمبدع أول موسيقى مصرية خالصة الشيخ سيد درويش، والثانية كانت في اكتشاف الجذور الشعبية للموسيقى المصرية على يد سلطان الشجن بليغ حمدي، والثالثة كانت نقلة تقنية ومزاجية لما يمكن تسميته بموسيقى الجيل، أو ما ابتذل إصطلاحه لفترة تحت عنوان موسيقى الموجة الشبابية والتي دشنها موزع وملحن ومطرب ليبي إسمه حميد الشاعري بداية الثمانينيات
. فكابو ـ كما يسمى الشاعري بين مجايليه وأصدقائه، خريج هندسة الطيران، كان مهووساً بالموسيقى الغربية وآلتها الفردية الأشهر الجيتار. وهو حين قدم إلى وطن أمه لم يكن المشهد قابلاً لتلك النقلة بهذه السهولة. استفاد كابو من اختراع جديد سيسمى لفترات بأسمه وهو ميكسر التراكات المركبة، نقلة تقنية كان هو أول من استطاع أن يضع لها قانوناً خاصاً في الخريطة السماعية الجديدة، خريطة خلت فجأة من أسماء العظام في عالم الطرب التقليدي بموت الأسطوات حليم وثومة، وإن ظل المزاج السمعي لأجيالهما يبحث في وردة ونجاة الصغيرة وشادية عن روائح الزمن الجميل كما يحب مهاويس نوستالجياته. حميد الشاعري صانع النجوم القادمة كلها كان مطرباً شجياً لجيل كانت الموسيقي الغربية قد اختطفته وهو حاول البحث عن معادلة عربية لها. ربما لم يتح للمصريين في تلك الفترة الاستماع لما هو خارج سوقهم السمعي لتجربة موازية وإن كانت أقل تجارية وأكثر ميلاً إلى الجاز كما قدمها زياد الرحباني. حميد مثّل تلك الصلة بين الجيتار الاسباني والناي والايقاعات الجديدة للسلم الخماسي، لذا كان من الطبيعي أن يختطف أبناء جيله الغنائي في باكورة أعمالهم، وزع لمحمد منير وأحمد منيب وهو الأجدر بفهم ايقاعات السلم الخماسي النوبي. كذلك كان غيتاره والذي ستسمي بعض كورداته المسجلة لدى شركة عالمية مثل رولاند بإسمه. كان لهذا الغيتار الأسباني الفضل في تقديم تجاربه الغنائية الأولى في ألبوماته، وهي الألبومات الأولى له في أوائل الثمانينيات لمطرب غير مصري تتحمس له شركة واعدة حملت تجربته وحملها معه إلى أن تصبح أهم شركة مصرية في هذا العقد، والمسؤولة الأولى عن جيل كامل من المطربين وهي شركة سونار لصاحبها هاني ثابت الأب الروحي لموسيقى الموجة الجديدة والأغنية الشبابية.

في سونار، ومع إيمان هاني ثابت بضرورة الإنفتاح على الموسيقى الغربية، بدأ حميد مشواره الأهم وهو صناعة نجوم الصف الأول في مصر: محمد منير، علاء عبد الخالق، منى عبد الغني، حنان، محمد فؤاد، أميرة، مصطفى قمر، هشام عباس، خالد عجاج، أنوشكا، سيمون، أيهاب توفيق، حكيم، محمد محيي، علي حميدة صاحب أول مليون شريط مصري. حتى عمرو دياب لم يعرف نجوميته إلا على يد حميد بادئاً من ألبومات أيامنا ويا عمرنا“. لم يظهر نجم في الثمانينيات إلا وكان حميد هو سبب نجاحه، إما بتقديمه في أغنية مشتركة أو بالتلحين أو التوزيع وهو أضعف الايمان. التوزيع كان الثورة الأولى له حتى أن مهندسي الأستوديوات ظلوا لفترة طويلة يعملون بخرائط حميد الشاعري. موسيقياً كان أول من أدخل الغناء البدوي للقبائل المصرية الليبية إلى خريطة السمع المصري. كنا كمراهقين نحفظ الكلمات الصعبة وغير المفهومة للّهجة الليبية كما نحفظ أعمال جورج مايكل وبينك فلويد، وهو الصوت الأول الذي أدخل مصطلح الحالةلقائمات تفضيلاتنا للغناء. صوته ليس قوياً بل هو جميل بضعفه، وهي الصفة التي سنمدها على المئات من بعده، هو حالة من الحزن والشجن لم نعهدها في الغناء من قبل. ألبومات مثل حكاية وجنة وشارة وكواحل، ربما كانت معنى الغناء الرومانسي الأول بإيقاعات الروك والريجي والخماسي والمقسوم، وهذا الأخير تحديداً كان هو ملكه المتوج. ربما يحمّله البعض مسؤلية سجن الغناء المصري الحديث في خانة المقسوم الراقصة، لكن ما لا يعرفه الجميع أن صاحب الوصفة ليس مسؤولاً بالكامل عن سوء استخدام وصفته إن هي تحوّلت إلى هوس للطامعين في نجاح سريع. والدليل ألبومات حميد نفسها التي تتنوع بها الإيقاعات ودائماً ما تكون الأغنية الهيت ـ وهذا المصطلح أيضاً لم يظهر إلا مع حميد ـ من إيقاع مختلف.

إعلان


هذا الهوس بالتوزيعات الجديدة هو ما دفعه أوائل التسعينيات وبعد أن رسّخ للمشهد الجديد، إلى مراجعة تراث الغناء المصري الكلاسيكي بوجهة نظر ايقاعية وتوزيعية جديدة
. فعمل ألبومات وزع بها أعمال شادية ومحمد فوزي وفريد الأطرش وعبد الحليم، وإن كانت تلك التجارب قد فشلت بعد أن سجن تجربته مع إيقاع المقسوم الذي أصبح بصمته الوحيدة. لكنه عاد بصرخة السبانش مع عمرو دياب في ألبوم حبيبي يا نور العينليحقق عمرو إسطوانته البلاتينية والورلد ميوزيك أوورد. لكن المطرب كان قد اختفى في تلك الفترة ليحل محله الموزع وصانع النجوم. لماذا اختفى حميد؟ لا أحد يعرف. المؤكد أن التنويعات الصوتية التي أشرف على تقديمها ربما جعلته يزهد في الغناء إلا في مناسبات محددة (أغنية عيني مع مصطفى قمر)، أو ربما أكلت عجلة السوق الذي أبتدعه مساحته كمطرب بعد أن تحول عالم الكاسيت إلى صناعة كان هو رائدها وحان وقت تقاعده. أو أخيراً لأن معادلته الناجحة حتى كموزع استطاع تلامذته أن يطوروها، لم يختفِ الموزع نهائياً. بقي كما هو محاولاً كل سنتين أو ثلاث سنوات أن يُظهر موهبة جديدة لكنها ليست بحجم الجيل السابق.

لكن لماذا نتذكر حميد الآن؟ السبب كان البحث في ذاكرة لا تجد من يؤرخها، ذاكرة ربما لن يتسامح كاتبوها المقبلون مع مسؤولية حميد الشاعري عما يمكن تسميته انهيار الذوق المصري الغنائي. ذلك إن وجدت من يكتبها بحياد، ذلك الحياد الذي لن يستطيع فيما هو يدعي توثيقيته أن يتجاوز أسماء من قدمهم حميد وكان صانع نجوميتهم الأول. ربما سيتعالى بحس من الشوفينية وإدعاء لا تاريخية تلك المرحلة ومبدعها الأهم، لكن ما هو الحال وقد أصبح الغناء شاء أم أبى سوقاً كبيراً لم يستطع أحد معرفة تاريخه الأساسي. كيف يفسر ذلك البِشْر الذي لمع في عيون جيلي ممن تركوا السمع عندما عرفوا نبأ عودة حميد في ألبوم روح السمارة فذهبوا ربما لأول مرة منذ سنوات لمحلات بيع الكاسيت يسألون بلهفة عن كابو الجيل؟ كيف يفسر البائع اقتحامي الباسم الذي طالما افتقدته منذ المراهقة تلهفاً وأنا أفتح علبة الألبوم لأعرف من بقي من رفاق جيلنا من الملحنين وكتّاب الأغنية؟ كيف يفسر المارون إلى جانب العربة دمعة العين التي ترقرقت حين سمعت جيبولي أخبارهورّوني ديارهناري وإش جرى ليإشتقتلها اللياليحنيت ليلي ناويوعيوني سهارى…” أم أنه الفرح بأننا صرنا تاريخاً يمكن البكاء عليه؟ كنت أسأل أصدقائي بخجل، ففاجأتني الإجابة، وصرت خجلاً من الخجل فكانت كتابة.

Leave a Reply