جوليان كازابلانكاس + ذَ فويدز | طغيان

كتابةعمار منلا حسن - سبتمبر/أيلول 12, 2015

هذا العمل ليس للجميع، هذا العمل ليس لأحد This is not for everybody, this is for nobody، يقول جوليان كازابلانكاس في أولى أغاني ألبومه الأخير Tyranny، والذي يسجّل بداية تعاونه مع الفرقة المساندة The Voidz. ربما يقصد كازابلانكاس بهذه العبارة تحذير المستمعين مما هم على وشك الإقبال عليه، إذ استغرقته كتابة هذا الألبوم المعقد ومتعدد الطبقات سنتين، واستغرق تسجيله سبعة أشهر، قضت خلالها الفرقة حوالي ١٠ ساعاتٍ في الاستوديو يومياً. ويشير عازف البايس، جايك بيركوفيش، إلى أن العثور على نغمة واحدة على الكيبورد استغرقتهم عشرين يوماً.

في Tyranny يودّع كازابلانكاس أعماله السابقة مع فرقة The Strokes، بل ويقطع مسافة بعيدة عن عمله الفردي الأول Phrases For The Young. هنا يحاول كازابلانكاس أن يقدم عملاً عالمياً، ومستقبلياً إلى حدٍ ما وفق وصفه، يجمع بين الكمالية والتجريبية Perfectionism and Experimentalism، ليَمضي مستكشفاً مناطق موسيقية مجهولة.

من حيث الكمالية، يحاول كازابلانكاس وفرقته الجديدة إصلاح أكبر عيوب موسيقى الروك البديلة Alternative Rock، والمتمثل بالقضاء على الصوت الفردي للآلة الموسيقية. ففي الموسيقى البديلة تكتفي كل آلة بأداء لحنها بشكلٍ آلي جامد، بينما كان عازفوا الروك خلال الستينات المتأخرة والسبعينات، كـ Jimmy Page (من led Zeppelin) وThe Edge (من U2)، يجربون اللحن نفسه على عدة غيتارات، ثم على عددٍ لا متناهٍ من المؤثرات الطبيعية والإلكترونية، حتى يخرج الصوت الذي يسمعه (العازف) في رأسه بالضبطكما قال بايج في إحدى مقابلاته. من الواضح أن اعتصام الفرقة الطويل في الاستوديو، إلى جانب جهود المنتج، شون إيفريت، قد جاءت مثمرةً على هذا الصعيد. كذلك اتجهت الفرقة نحو استخدام أكثف لألحان مختلفة في الأغنية الواحدة، وإذا حاول المستمع عدَّ المقاطع اللحنية المختلفة على أصابع يديه، فلن تكفيه الأصابع لتجاوز أول دقيقة أو دقيقتين من معظم أغاني الألبوم.

تجريبياً حاول كازابلانكاس التمرد على البنية التقليدية للأغنية: التخلص من المقاطع واللوازم إلى شيء أكثر حريةً، والتخلص بالمثل من القالب الأمريكي البحت  It won't be my way, American always our way للبحث عن ما هو أكثر عالمية. في Father Electricity نسمع أغنية شعائرية مستعارة من تراث القبائل الإفريقية، أما في Dare I Care، فقد استفادت الفرقة من عضوها التركي، عازف الغيتار أمير ياماي، للتوجه شرقاً ومزج الإيقاعات شرق الأوسطية بالموسيقى الهلوسية Psychedelic Music. يعزز طول الأغاني النسبي في الألبوم هذا المناخ التجريبي، إذ يبلغ متوسط طول الأغنية حوالي خمس دقائق ونصف.

إعلان

يبدأ الألبوم بـ Take Me In Your Army الهادئة نسبياً، والمعتمدة بشكلٍ أساسي على الطبول والاستخدام الكثيف للموسيقى المولدة إلكترونياً، فيما صوت كازابلانكاس مسجّل بدقة منخفضة متعمدة كما اعتدنا في أعماله السابقة. صوت يبدو مشوشاً وغائراً أمام الأصوات الموسيقية الأخرى. تبدأ وتيرة الألبوم بالارتفاع مع الأغنية الثانية Crunch Punch، ذات مقدمة مقتطعة من نشرة أخبار إذاعية ونهاية مأخوذة من إعلان تجاري ياباني، يتعمد خلالهم كازابلانكاس السخرية من الإذاعات التجارية الحديثة.

مع الأغنية الثالثة M.utually A.ssured D.estruction تبدأ روح الألبوم الموسيقية والعاطفية السوداوية بالتكشّف، إذ تضيع الأغنية بين موسيقى البانك والميتال، باستخدام ثقيل للأدوات الموسيقية الرئيسية وإيقاع طبول شديد السرعة؛ يقول كازابلانكاس الذي لا يزال صوته مهمشاً وثانوياً: “الآن تأتي المشاعر المضطربة كالأمواج“.

يبلغ الألبوم ذروته مع أغنية طويلة تفتقد لبنية موسيقية واضحة هي Human Sadness. وتخلق الكثافة والتنوع الشديدين للآلات والتأثيرات الموسيقية من دقائق الأغنية الإحدى عشر سيمفونية غرائبية، تحكي بشكلٍ مسرحي صراعاً ملحمياً بين الأنانية والغيرية. تتنوع كلمات الأغنية من اقتباسات عن علاقة كازابلانكاس بكلٍ من والده، وابنه حديث الولادة، وبين بعض العبارات الوجودية العميقة الاكتفاء بالوجود ليس طريقةً ملائمةً للوجود، انتهاءً باستخدام بيت شعر لجلال الدين الرومي كلازمة للأغنية: “وراء كافة الأفكار عن الخير والشر يمتد حقل، سألتقي بك هناك“.

يتراوح أداء كازابلانكاس الصوتي بين فالسيتو صوت حاد وعالي الطبقة يعتمد على تأثيرات صناعية منخفض الجودة، يتشوش لدرجة تجعله غير مفهوماً على الإطلاق في كل مرة يؤدي بها اللازمة، وبين استخدامه لصوته كأداة موسيقية أكثر منه كوسيلة للتعبير عن الكلمات، حتى نسمعه أحياناً وهو يحتد ويلتوي لدرجة تمنحه استمرارية مع أصوات مقاطع الغيتار الكهربائي المنفردة التي ينبثق عنها.

يسيطر أداء عازف الغيتار الأساسي، جيرمي بيدروغيتر، على الأغنية؛ إذ يقدم مقطعا عزف منفردين ممتازين، ليس فقط من حيث اللحن، لكن أيضاً من حيث حرص بيدرو على منح أداته الموسيقية صوتها وروحها الخاصتين. يضيف المنتج، شون إيفريت، كثافة للأغنية عبر عددٍ كبير من الألحان المولدة إلكترونية، والتي تتكثف في آخر الأغنية لتعطي المستمع شعوراً بأنه يستيقظ من كابوسٍ موسيقي.

صدرت Human Sadness قبل الألبوم بعشرين يوماً كأغنية منفردة، ثم حولتها الفرقة بعد تسع أشهر إلى فيلم قصير، حيث قدم كازابلانكاس وكلٌ من أعضاء الفرقة الخمس أفكارهم الخاصة للفيلم، وتم بنهاية الأمر استخدام الأفكار جميعاً دون ربطها بأي سياق منطقي، ليشكلوا فيلما هلوسياً إلى حدٍ ما. يتحدث كازابلانكاس عن الفيلم في هذه المقابلة مع رولينج ستون. المثير للانتباه أن الفيلم لم يستخدم النسخة المسجلة في الاستوديو من الأغنية، بل نسخة حية مسجلة بدون أي تعديلات خلال أو بعد أداءها، ويبدو أن الفرقة تقصد بذلك استعراض قدرتها على الأداء الحي لأغانٍ صعبة ومعقدة.

أغنية Where No Eagles Fly هي ثاني، وآخر، أغاني الألبوم المنفردة. صدرت الأغنية في فيديو كليب من إخراج عازف الغيتار بيدرو. ينجح الفيديو في التعبير بصرياً عن روح الأغنية: دموية، سوداوية، همجية بشكلٍ بدائي وعميقة على نحو فلسفي. تبدأ الأغنية بعزف منفرد على الباس ثم تتراكم الآلات الموسيقية حتى انفجارها عند اللازمة الهمجية عن وحوش مفترسة تمزق اللحوم، وأخيراً تنتهي الأغنية بمقطع شديد العنف والصخب يكاد يبدو كمجزرة موسيقية، يغني فيه كازابلانكاس للمرة الأولى بصوت يقترب من غناء الميتال.

في كلمات الأغنية يتطرق كازابلانكاس لإصرار العديد من المستمعين على تفسير وفهم كلمات كل أغنية، فيقول في البداية دعينا نخبرهم أو سينتهي بهم الأمر مشوشين فما فائدة الأغنية إن لم يخرجوا بمغزىً منها؟، ثم يضيف المقطع الثاني بسخرية: “عين على الجدار – طائر جارح في المجمع التجاري – إنها العين في السماء حيث لا تطير النسور“. ويقول كازابلانكاس في مقطعٍ لاحق: “الإيقاع لك والأغنية لي قد يكون معنى (الأغنية) خفياً لكن اللحن للجميع“.

تتمرد الأغنية السادسة Father Electricity كلياً وبنجاح على البنية التقليدية للأغنية الأمريكية، إذ تبدو كأهزوجة شعائرية تؤديها قبيلة إفريقية بالطبول الجلدية المشدودة والغيتار غرب الإفريقي، حتى صوت كازابلانكاس يبدو في بعض المقاطع متقطعاً ومتهدجاً كمغنٍ يرقص حوال النيران أعرررررف تماماً، ما علي فعععععله“. وتنافس الأغنية بكثافتها الموسيقية Human Sadness، إذ لا يتكرر فيها من الألحان سوى إيقاع الطبول المستمر نسبياً، وبعض مقاطع الغيتار الدورية Guitar Riffs.

إعلان

يعود الألبوم لبعض الاستقرار والرتابة النسبية في أغنية John Von Bronx التي تعتمد في بدايتها على الآلات الموسيقية الأساسية، ثم تبدأ بالنمو بشكل تناظري Analog، حتى تصل إلى قمة صاخبة وعنيفة وكثيفة، ثم تعود للهدوء لتكتفي بالآلات الأساسية، وهكذا دواليك. أغنية Business Dog تمتاز بإيقاع شديد السرعة والاكتظاظ، ينقل الشعور الدائم بالتأخر والتقصير والاستعجال الذي تفرضه الحياة المهنية الحديثة، خصوصاً في المدن الكبرى. أما كلمات الأغنية فتوحي بأن كاتبها رجل أعمال فاحش الثراء عمل في بداية حياته المهنية كممثل في أفلام إباحية عنيفة.

تغوص Xerox في قلب المناخ العاطفي السوداوي للألبوم، منطلقةً من إيقاع هيب هوب بطيء وثقيل يستمر طوال الأغنية تقريباً، بحضور أصوات مولدة كهربائياً تتماوج في خلفية الأغنية بشكلٍ مشوشٍ وكئيب، حتى تبدو كنشيدٍ وطني لأحياء المدن الكبيرة المرعبة في المساء في وقتٍ متأخرٍ جداً من المساء – حين تصبح المدن غاباتٍ مجدداً“. تنتهي الأغنية بدقيقة من الأصوات الإلكترونية الهلوسية، وكأنها نوبة كآبة فوق بشرية خلال تعاطي مخدراتٍ قاسية.

يعود الألبوم لروحه التجريبية في Dare I Care، حيث تقوم الأغنية على مزج أوزان وإيقاعات شرق متوسطية يرافقها صوت الدف بالموسيقى الخلفية، مع توليفة موسيقية هلوسية تجريبية نجت من السبعينات الماجنة. يضاف لكل ذلك استخدام كثيف ومتقن للأصوات الإلكترونية، بينما تحتج كلمات الأغنية على أسلوب الحياة المعاصرة شديدة المادية والوحشية.

في Nintendo Blood يسجل كازابلانكاس موقفاً احتجاجياً على الصعيد البيئي، ويقتبس عن خطابٍ ألقاه أحد وجهاء الهنود الحمر الأمريكان الأصليون في مؤتمر عقد في مدينة سياتل ١٩٨٥: “جشع الإنسان سيلتهم الأرض ولن يترك خلفه سوى الصحراء القاحلة – نهاية الحياة وبداية الصراع لأجل البقاء – أرضنا، شقيقتنا، نعاملها كالعدو“. بينما تبدو Off To War بلا بنية واضحة، مستبدلةً المفهوم السائد للإيقاع بضجيج إلكتروني موسيقي ممتد في خلفية الأغنية، لا يصاحبه سوى عزف غيتار متقطع وصوت كازابلانكاس الشاحب، كل ذلك يخلق حالةً موسيقيةً ضبابية ينسحب فيها الألبوم إلى نهايته.

تم تسجيل الألبوم في استوديو في حي East Village في نيويورك، فوق متجر كتب The Strand الأيقوني، وتم إصدار الألبوم لصالح شركة التسجيل الخاصة بكازابلانكاس Cult Records، علماً أنه صدر على عدة أشكال، من بينها شريط كاسيت كتبت عليه كلمة طغيان بالعربية.

المثير في الألبوم ككل هو أنه يعد أكثر أعمال كازابلانكاس إثارةً للجدل، سواءً بين النقاد أو المستمعين، وربما أقلها نجاحاً تجارياً. فبينما لم يواجه عمله الأول الشهير ?Is This It مع The Strokes أي صعوبة في دخول قوائم مجلات Rolling Stone وNME لأفضل الألبومات في التاريخ. واجه Tyranny بالمقابل آراءً شديدة التفاوت، لدرجة أن مجلة NME التي قست بمراجعتها على الألبوم، عادت بعد أكثر من نصف عام بمقال تأمل فيه بأن تكون أعمال The Strokes اللاحقة رغم أن الفرقة منفصلة حالياً مستوحاةً مما أنجزه كازابلانكاس في Tyranny، حيث قام بتأسيس نمط موسيقي جديد بالكامل وفق وصف كاتبة المقال، والتي نصحت من استمع للألبوم لعدة مرات ثم انصرف عنه بالعودة والاستماع إليه مجدداً.

يعود هذا الاستقبال القاسي والمتخبط للألبوم لعاملين رئيسيين: أولهما، مطالبة معظم المستمعين والنقاد بأن يأتي كازابلانكاس بعملٍ مشابهٍ لأعماله الأولى مع The Strokes، والتي أثرت على المشهد الموسيقي العالمي لعقدٍ من الزمن على الأقل، في الوقت الذي يسعى كازابلانكاس بوضوح لخلق مسافة بعيدة بين هويته الموسيقية الجديدة وبين ما أنجزه من حوالي عقدٍ ونصف من الزمن. العامل الثاني هو أن الألبوم ببساطة ليس قطعةً موسيقيةً سهلة، تعلق بالذهن منذ المرة الأولى، بل هو عمل مستقبلي زيادة على بعد الآذانكما يصفه كازابلانكاس، عمل تجريبي ومتمرد على البنية التقليدية للأغنية، مما يجعل استيعاب الأغنية الواحدة منه أمراً يتطلب مراتٍ ومرات من السماع.

شخصياً لا أجد من المبالغة تشبيه Tyranny بألبوم Nevermind لفرقة Nirvana أو ألبوم Metal Machine Music لـLou Reed، هذه الأعمال التي غيرت قواعد اللعبة وأثَّرت بأجيال لاحقة من الموسيقيين، رغم النقد العنيف الذي تعرضت له عند صدورها الأول. أيضاً يشترك Tyranny مع هذه الأعمال بحقيقة أنه ابتدع نوعاً موسيقياً جديداً، خصوصاً وأن أياً من المراجعات التي حاولت نسب الألبوم للونٍ موسيقيٍ معين انتهى بها الأمر بوصفه مزيجاً من خمس أنواع موسيقية مختلفة، والمثير للانتباه أن هذه الأنواع الخمس كانت غالباً ما تختلف تماماً من مراجعة لأخرى، ما يؤكد حالة الحيرة والعجز التي أصابت من حاول تصنيف Tyranny كمجرد استمرارية لنوع موسيقي موجود بالفعل، بينما قد يكون بدايةً لنوعٍ جديد.

Leave a Reply