جين | مقابلة ومراجعة

كتابةرامي أبادير - أكتوبر/تشرين الأول 21, 2016

عادةً ما أصنع موسيقى ذات طابع مظلم. بسبب معيشتي الحالية باليابان أتأثر بشكل كبير بالثقافة اليابانية، ومن هنا جاء اسم مشروعي جين وهى تعني شخص باليابانية. أعتبر نفسي إحدى هؤلاء الملايين من الأشخاص الذين يسعون لصناعة ما يحبون. ما يدفعني للموسيقى هو هذا الضجيج الموجود في الخلفية، كل ما حولنا عبارة عن أصوات أو ما أحب أن أسميه نغمات الطبيعة.” هكذا عرّفت هنا يسري نفسها وموسيقاها بطريقة خالية من الاحتفاء بالذات.

أطلقت جين هذا العام إصدارين قصيرين تحت عنوان xnoir و Skarecro. وعلى قدر ما تنتجه جين من إصدارات متنوعة، كما نلاحظ في صفحتها على ساوند كلاود الحافلة بالمقطوعات، إلا أن هاذين الإصدارين تحديدًا يستحقان التوقف عندهما. ثمة نضج واضح وطابع أصلي وأسلوب خاص فيهما يجعلهما نقطة انطلاق جيدة لقراءة أعمال جين.



يبدأ إصدار سكيركرو بتراك كلاود ٥ ليكشف من الدقيقة الأولى عن هوية جين الموسيقية: صوتها الغني بالمؤثرات الصوتية والذي تتلاعب به وتقوم بإعداده ليصير بدوره طبقة موسيقية تتعامل معه كآلة من بين الآلات. تعتمد جين على مؤثر الريفيرب والـ ping pong delay، ما يضفي تأثيرًا أشبه بالتنويم المغناطيسي يأسر المستمع. مع الوقت يتكثف هذا التأثير أكثر فأكثر حتى يصل إلى قمته في منتصف التراك بدخول فاصل من تقطيع الصوت slicing، والذي يكشف بتكراره عن مزاج غامض ومظلم يستمر على مدار الألبوم.

كيف هو أفضل التراكات من حيث الصوت والبناء والإنتاج. سرعان ما تكسر جين ثبات التراك بغناء متقطع ومتداخل، يقوم على تكرار أجزاء من لازمة التراك الرئيسية بعدة أصوات يرد بعضها على بعض، ويأتي ذلك كله على خلفية pads وإيقاع مشوق. تعتمد أيضًا على عينة ساكسفون تضيف بعدًا جديدًا ومتجانساً، كما يزيد البايس الذي يدخل في المنتصف من تماسك التراك. تلجأ هنا مجددًا إلى صوت الساكسفون في التراك التالي بعنوان Ex، وهو الأكثر ثباتًا في هذا الإصدار، ولذا جاء موقعه موفقًا بعد تراكين اتسما بالديناميكية. وكما ذَكَرت لي هنا يأتي اسم هذا التراك إكس إشارة إلى استدعائه العديد من العينات الصوتية التي سبق واستخدمتها خلال سنوات إنتاجي السابقة عادة ما ألجأ إلى يوتيوب للبحث عن العينات، ولكن بالطبع لا أستخدمها كما هي، بل أعيد إنتاجها بشكل مختلف. فأقوم بإعدادها وعكسها وإضافة المؤثرات عليها، كما يتضح من خلال أعمالي السابقة مثل في ألبوم أوربتس.

إعلان

تقنية جين الغنائية في هذا التراك والتراك الذي سبقه فيها شيء من التلاعب بالزمن، وتمرد على القالب المتوقع من كلمات واضحة تصاحبها الموسيقى بشكل متوازٍ. على العكس، نتفاجأ بكلمات متشظية غير متوقعة، ومقاطع اللفظية تتابع متجاوزة التسلسل النمطي الذي يسعى إلى إيصال معنى ما (قصة أو رسالة). تكمن جماليات هذا الأسلوب الغنائي في التلقائية والعشوائية التي تجيد تنظيمها وإنتاجها. تقول جين: “أترك نفسي للتيار، ولا أخطط لتأليف الموسيقى، فلا أخطط كيف سيبدأ أو ينتهي التراك. عادةً ما أبدأ بإيقاع أو صوت سينث أو أيما كان الصوت، ومن هنا يبدأ كل شئ. في بداية العام سألني صديق إذا كان باستطاعتي أن أقوم بإعادة إنتاج عمل لي. وكانت الإجابة إن ذلك مستحيل، لأن ما أنتجه وليد اللحظة، ولا أتذكر بعدها كيف كتبت النغمات والإيقاع وما هو سلّم التراك. لا أرغب في تكرار ذاتي وما يساعدني على ذلك إني شديدة النقد لذاتي، وأتصور أن هذا هو ما يجعل الفنان أكثر إنتاجًا وإبداعًا. كما أحاول دائمًا استخدام عناصر جديدة ومختلفة في كل إصدار كى يخرج كل عمل مميزًا عن الآخر.”

 يصل بنا إلى قمة هذا المزاج الغامض التراك الأخير سكيركرو الذي يحمل اسم الألبوم رغم أنه مختلف عما سبقه من ناحية الإنتاج والأصوات المستخدمة وطريقة الغناء. يسيطر الإيقاع على هذا التراك، ويظهر للمرة الأولى بشكل قوي ومطور بعناية، بعد ظهوره بشكل متواضع في التراكات السابقة. أما الغناء فيقدم صوت جين الطبيعي الخالي من المؤثرات، والذي يذكرنا بصوت بث جيبونز من بورتسهد.

يعتبر هذا الإصدار امتدادًا للألبوم السابق xnoir، وخصوصًا في ما يتعلق بأسلوب الغناء. في سكيركرو تركز جين أكثر على صوتها الغنائي وصوت الآلات المشبعان بالـ reverb، والتي تفتح معاً مساحات واسعة، وتأخذ الإصدار في اتجاه موسيقي أكثر تقليلية عن إكسنوار. أما هذا الأخير فقد اعتمد بشكل كبير على الأصوات المحيطة والقسم الإيقاعي. يمكن ملاحظة ذلك من خلال تراكين مميزين هما إكسنوار و salte اللذان تتشابه عناصرهما مع صوت ألبوم سكيركرو. لذلك أتصور أنه من الممكن دمج الإصدارين بطريقة ما في عمل متكامل. 



بعد الاستماع للعملين لعدة مرات يمكن رصد خط تريب هوب تتجلى عناصره في الإيقاع البطيء والسينث والعينات الصوتية والجاز، وخصوصاً في المزاج المظلم. نستشعر أصداء من أعمال تريكي وبورتسهد  تستخدم الأغنيتان في الروابط نفس العينة من أغنية آيكس راب ٢ لـ آيزك هايز. ظهرت الأغنيتان في نفس العام وماسيف آتاك الأولى، بالإضافة إلى إير، ولكنها تحمل طابع شخصي لا يخلو من الخصوصية. تتفق جين جزئيًا مع ذلك التحليل حيث تقول إن إير من الفرق التي أثرت على موسيقاها بالإضافة إلى فلاينج لوتس زيرو٧ وبونوبو، وكذلك نوجابس في مرحلته المتأخرة. كما تأثرت أيضًا بسماش بيتس وبشار سليمان وسول-شِف ومورا ماسا. تشير هنا أيضاً إلى إن زولي كان مصدر إلهام لها وساعدها في بدايتها. تقول هنا إن أكثر ما جذبها إلى عالم الموسيقى هو موسيقى الأفلام وموسيقى الأنيمي Anime الصور المتحركة اليابانية والبرامج التلفزيونية. “كانت بدايتي الموسيقية عبارة عن محاولات لإنتاج موسيقى الأفلام. وهذا ما يجعل أعمالي يغلب عليها الأصوات المحيطة والسينث، حيث أحاول تخيل مشاهد معينة من خلال الموسيقى الخاصة بي، أو ما أطلق عليه تصوير المشاهد من خلال النغمات. منذ بضعة أشهر قمت بإنتاج تراك بعنوان 5515 مع صديقي المصور الفوتوغرافي جيسون ويلر. كنت متحمسة لإنتاج موسيقى ترصد روح الفيديو، وأن أرى الأصوات تُترجم بشكل بصري أمامي. تلك التجربة كانت من أفضل تجاربي وأتطلع إلى العمل مع المزيد من الفنانين البصريين”.

إن كان هناك شئ ينقص جين فهو التركيز بشكل أكبر على القسم الإيقاعي وتصميم أصواته. فبالرغم من تصميمها الجيد لبقية الأصوات إلا أن القسم الإيقاعي ينقصه التطوير (مع وجود بعض الاستثناءات)، وقد يبدو مستهلكًا أحيانًا إذا ما قارناه مع باقي العناصر في موسيقاها. أتصور أن الاعتناء بهذا الجزء من شأنه أن يزيد من تماسك موسيقاها وقوتها. أسلوب جين المميز في الغناء وأصواتها المحيطة يجعلها تحتل مكاناً خاصاً وأصلياً. موسيقاها متفردة ومستقلة، وبعيدة عن أي كليشيهات أو غرائبية، وتفتح المجال لتوظيف صوت المغني بطرق أكثر إبداعًا.

Leave a Reply