خمسون طيفاً من الروك | الفوضى السخية لبداية السبعينات

كتابةعمار منلا حسن - فبراير/شباط 11, 2017

هذا هو المقال الثامن ضمن سلسلة تاريخ الروك.

في ١٩٧٣، أصدرت پينك فلويد ألبوم الجانب المظلم من القمر بغلافه الشهير الذي يصور شعاعاً أبيضاً يدخل موشورًا زجاجيًا ويخرج من جانبه الآخر طيفًا من عدة ألوان. يشبه غلاف الألبوم ما حدث للروك في مطلع السبعينات، حيث كان في الخمسينات والستينات صنفًا واحدًا متماسكًا يتأثر جملةً بكل ما يطرأ عليه من جماليات جديدة، ثم دخل الحقبة الهلوسية وخرج منها في مطلع السبعينات عدة أصنافٍ بدأت بالتطور بشكلٍ مستقل والتباعد عن بعضها البعض.

قبل التطرق إلى الأصناف الفرعية الأم التي ظهرت مطلع السبعينات، هناك ثلاثة عوامل يجب توضيحها. أولها استمرار روح الكمالية الهيبية بين موسيقيي الروك في السبعينات، حيث جاء جزء من تشعب الروك نتيجة بحثٍ عن المزيد من الكمالية بطرق ومدارس مختلفة. في ذات الوقت، انقسمت الإذاعة في الولايات المتحدة إلى إذاعات AM ذات التغطية الواسعة والمستخدمة لدى شبكات الإذاعة القومية والإذاعات القوية، وتم بديهياً احتلالها من قبل الموسيقى الرائجة والضربات التجارية، وإذاعات FM الأقل تغطية وبالتالي رواجاً، ما أدى لازدحامها بالأعمال التجريبية والجادة. أخيرًا، شهدت صناعة الموسيقى خلال الأعوام الأخيرة تقدماً تقنياً ملحوظاً بسبب ازدياد المبيعات والأرباح بشكلٍ هائل، ما أدى إلى المزيد من الإمكانيات في مجال الإنتاج والتسجيل والتوزيع طالما أن الأرباح تبرر هذه النفقات الجديدة.

الروك التقدمي

قد يكون أنسب تعريف للروك التقدمي Progressive Rock أنه صنف عزل مبادئ الكمالية الهيبية عن معظم التأثيرات الأخرى ودفعها إلى حدودها القصوى. أبرز محددات الروك التقدمي هي جدية الكلمات، البراعة الفائقة Virtuosity في العزف والغناء واستخدام التأثيرات، واستخدام الجودة الإنتاجية كآلة موسيقية أو عنصر فني بحد ذاتها، وعدم التقيد ببنية الأغنية التقليدية لصالح الميل أحياناً نحو الارتجالية الطربية، وأحيانًا أخرى نحو الأغاني الطويلة نسبياً التي تتسع لمقاطع العزف المنفرد الموسعة، وأخيراً التركيز على الألبوم ككل وعلى الألبومات السياقية، بما في ذلك تصميم الغلاف وتسمية الألبوم وربما وجود استمرارية بين الأغاني على الصعيد الكلماتي أو الموسيقي أو الاثنين.

من المثير للاهتمام أن معظم هذه الفرق، على الأقل في الفترة المبكرة، كانت من بريطانيا لا الولايات المتحدة، فرق مثل Yes وأبرز ألبوماتها Close to The Edge المكون من ثلاث أغانٍ تتراوح أطوالها بين تسع وتسعة عشر دقيقة، وفرقة Genesis بألبومها السياقي الروائي The Lamb Lies Down on Broadway الذي يحكي قصة شخصية وهمية تخوض رحلة استكشاف ذاتي.

إعلان

كانت بينك فلويد إحدى أهم فرق الروك الجدي كونها لم تلجأ للألبومات السياقية والعزف المسترسل لأن ذلك يعد تقدمياً وجدياً، بل لأن موسيقاها كانت تتطلب ذلك. عرفت موسيقى الفرقة بميل جامح نحو المسرحية والروائية، فأخذت فكرة السياقية لمستوىً جديد، حيث تروي أغاني الألبوم الواحد أجزاءً من قصة واحدة أو سلسلة من قصص متتابعة، كما عرفت بالاستثمار على مستوى التوزيع وإخراج الروك من توليفة جيتار / بايس / طبول لصوت أكثر تعقيدًا وأوركستراليةً مع ميل متكرر نحو الجاز. إلى جانب الموسيقى المسجلة، عملت بينك فلويد على تطوير العرض على المستوى السياقي من جهة، وعلى مستوى كون العرض جزءًا من العمل الفني ومتعلقًا بالتجربة الاستماعية من جهة أخرى، ما كان له دور في ظهور الروك المسرحي.

الروك المسرحي والصدامي

رغم ولادته نتيجة رغبة بتحقيق المزيد من التقدم والجدية في الموسيقى، إلا أن الروك المسرحي Glam Rock لا يعد صنفًا موسيقياً بقدر كونه أدائياً، إذ لا نستطيع إلا نادرًا سماع أغنية ما والقول أنها روك مسرحي، رغم أن الطبيعة الأدائية للأغاني تفرض أحياناً تغييراتٍ موسيقية. بدأ الروك المسرحي إثر وصول الألبومات السياقية لمستوىً أرادت عنده التعبير عن نفسها بصرياً بشكل يتجاوز التغليف، إذ أراد بعض الموسيقيون نقل سياق أعمالهم للمنصة بما في ذلك من أزياء وحضور فيزيولوجي للشخصية / الشخصيات السياقية وبيئتها المحيطة، والاستفادة من إمكانيات المسرح الآخذة بالتطور في ذاك الوقت من مؤثرات صوتية وبصرية.

كان دايفيد بووي الأبرز في التأسيس للروك المسرحي كصنف موسيقي استعراضي مرن الاستخدام، إذ أمكن اقتباس أسلوبه بطرق مختلفة من قبل موسيقيي الروك والميتال والبوب منذ السبعينات وحتى اليوم. اعتمد بووي في البداية على نقل ألبوماته الروائية المعتمدة على شخصيات سياقية كـ Ziggy Stardust من The Rise and Fall of Ziggy Stardust and The Spiders From Mars للمسرح، بما في ذلك الشخصية السياقية الرئيسية والشخصيات المساندة أنفسها، الأزياء، المكياج، الديكور، الإضاءة، إلخ… إلى جانب حضوره الكاريزماتي الذي استخدم البعد الجنساني بشكل مثير للجدل، وكان ممهدًا لظهور الروك الصدامي كامتداد للمسرحي.

ظهر الروك الصدامي Shock Rock بقصد زيادة جاذبية العروض الحية عبر دفع الحضور للمزيد من الهيجان والجموح، كما لدى فرقة آليس كوپر التي كانت تختم حفلاتها بخدعة مسرحية يوضع خلالها رأس أحد أعضاء الفرقة على مقصلة وتسقط الشفرة ليتدحرج رأس زائف على المنصة. وفرقة KISS التي استخدمت الانفجارات وألسنة اللهب في حفلاتها، وتقمص أعضاؤها شخصياتٍ وهمية وارتدوا طبقاتٍ كثيفةً من المكياج باستمرار خلال عروضهم، لدرجة كان من الصعب معها تمييز أحدهم بمظهره الطبيعي بعيدًا عن العروض، ما أكسب الفرقة هالة وغموضًا زاد من جاذبية موسيقاهم. من المثير للاهتمام أنه بالوقت الذي كانت فرق الروك تعبر فيه للنجاح التجاري عبر ألبومات مسجلة في الاستوديو ورائجة باستخدام الإذاعة، كانت KISS أول فرقة روك تحقق نجاحها التجاري الأول عبر ألبوم حي Live Album، هو ألبوم Alive! الصادر في ١٩٧٥.

البلوز والجاز والكانتري روك

رغم كون البلوز أمريكي المنشأ، إلا أن البلوز روك كما في حالة الروك التقدمي قد ظهر بداية في إنجلترا، متأثراًَ بشكل أساسي ببلوز مدينة شيكاغو الذي انتشر هناك بشكل واسع. فعلى عكس أمريكا حيث ارتبط البلوز بموسيقى الأفارقة الأمريكان وبكونه في الأساس صنفاً موسيقياً إثنياً إلى حدٍ ما، نُظِرَ للبلوز في بريطانيا نظرة قريبة للجاز باعتباره صنفًا موسيقيًا حيويًا وجادًا. تأثر الروك بالبلوز في بريطانيا منذ الستينات، كما لدى الرولينج ستونز، الذين كان تأثير البلوز شديد الوضوح في أعمالهم المبكرة، واستمر بثبات وصولاً إلى أحد أفضل ألبوماتهم Exile in Main Street الصادر في ١٩٧٢. كان إريك كلابتون Eric Clapton من أبرز المعجبين بالبلوز والراغبين بدمجه بالروك، وبدأ ذلك في فرقته الأولى The Yardbirds التي كان عازف الجيتار جيمي بايج Jimmy Page أحد أعضائها، لكن كلابتون أحبط بالنهاية من الفرقة التي وجد موسيقاها تميل نحو التجارية بشكل مرفوض، ولا تقترب من البلوز وجديته بما فيه الكفاية، فتركها وأسس فرقة كريم التي كانت إحدى أهم فرق الروك في الستينات، وكان لها دور رئيسي في التأسيس للبلوز روك، خصوصاً من حيث صوت الجيتار الكهربائي الذي عزفه كلابتون واقترن بهذا الصنف الموسيقي.

بعد مغادرة كلابتون، قام عازف الجيتار جيمي بايج بإعادة تشكيل ذ ياردبيردز بعد أن ضم إليها المغني روبرت پلانت Robert Plant وعازف الطبول جون بونام John Bonham، وقرر في اللحظة الأخيرة استخدام اسم جديد للفرقة ربما لتجاوز الإحباط الذي أحاط بنهاية الفرقة الأصل، فاتفق الأعضاء الجدد على تسمية أنفسهم لِد زيبلين. جمعت الفرقة بين عدة تأثرات كان أبرزها الروك التقدمي من حيث الطلاقة المذهلة لدى پلانت وپايج وبونام، والبلوز روك المستمر من تجربة الياردبيردز، محققين أخيرًا الجدية التي كان كلابتون يبحث عنها.

إلى جانب كريم ولد زيبلين بدأت فرقة ديپ پيرپل بالتحول من الروك الهلوسي إلى نوع أكثر جديةً من الروك، متأثرةً بالموسيقى الكلاسيكية والبلوز، كما في ألبوم Machine Head. أما في أمريكا فقد ظهر نوع من البلوز روك أكثر تأثراً بالموسيقى اللاتينية وإيقاعاتها، خصوصاً تلك السائدة في المكسيك، فظهرت فرق مثل زي زي توب وسانتانا تؤدي بلوز روك بلمسة لاتينية ميزت البلوز روك الأمريكي عن نظيره البريطاني.

إعلان

***

كان الجاز روك بالمقابل أقل حظوظاً من البلوز روك، فرغم حماس الثقافة الهيبية للجاز باعتباره أحد الأصناف الموسيقية القادرة على الخلود، إلا أنه عند ظهور أعمال الجاز روك الأولى في وسط السبعينات، والتي عرفت بشكل أكبر بالفيوجن جاز Fusion Jazz ثم تحورت وأصبحت نوعاً موسيقياً هجيناً مثيراً للجدل، عند ظهور هذه الأعمال المبكرة لم تحظ بحماس لا باعتبارها جاز ولا باعتبارها روك، وأصبحت المشكلة التصنيفية هنا أكثر أهميةً من مجرد استخدامها في النقد والتأريخ، حيث تسببت بأن يعيش الجاز روك دورة حياة قصيرة هشة انتهت في مطلع الثمانينات، وانقرض بعدها بشكل شبه تام. خلال دورة حياته القصيرة كان فرانك زاپا ومايلز دايفز من أبرز ممثلي الجاز روك.

***

لم تبدأ موسيقى الروك الريفية Country Rock كصنف موسيقي مستقل بقدر ما كانت سمة صبغت بعض أعمال الستينات والسبعينات، إذ بدأت بالظهور في الأعمال المبكرة لبوب ديلان وذ بيردز، ثم ازدادت حدتها في السبعينات مع صعود فرق مثل The Eagles وCreedence Clearwater Revival.

أسلوب المغني/كاتب الأغاني

اقترن الروك منذ بدايته في الخمسينات بإزالة الحاجز بين كاتب الأغاني / المؤلف والمغني / العازف Singer-songwriter، وازداد هذا التوجه في الستينات عند أمثال ديلان والثنائي لينون ومكارتني. في السبعينات، ظهر توجه جديد لإزالة الحاجز بين الموسيقي والمستمع عبر تنحية كل البهرجة الزائدة التي تشوش العلاقة الحميمية الشخصية بين المغني/العازف ومستمعه. امتاز هذا الصنف الذي عرف بأسلوب المغني/كاتب الأغاني، وحاز على نجاح جمهوري مستمر حتى اليوم امتاز بالتركيز على المغني وآلته الرئيسية، والقبول بكلمات الأغاني الأكثر عاطفيةً وبساطةً رغم أن ذلك لم يكن شرطاً، والابتعاد بمسافات تختلف من فنان لآخر عن الخدع والبهرجات الإنتاجية ومقاطع العزف المنفردة والمؤثرات الطبيعية والإلكترونية على الآلات الموسيقية. يمكن تلخيص ذلك بمشهد لبوب ديلان جالساً على كرسي يحتضن جيتاره، تظهر الهارمونيكا أمام فمه معلقةً على قوس معدني، يغني بانفعال وحميمية لجمهورٍ صغير نسبياً. سوى أن ديلان في السبعينات كان يبتعد بسرعة عن هذه الصورة بينما كان عشرات الموسيقيين يتجهون نحوها، ونحو النجاح الجماهيري الواسع القابع خلفها.

على خلاف البلوز روك والروك الجدي كانت الولايات المتحدة سباقة وأكثر نجاحاً في هذا الصنف من بريطانيا، حيث افتُتِحَت السبعينات في الولايات المتحدة بصعود مغنين مثل جايمس تايلور وبول سايمن المنشق عن الثنائي سايمن وغارفنكل، كما ظهرت مغنيات في هذا المجال، مثل كارول كينج التي كانت كاتبة أغانٍ لفنانين آخرين، ثم دخلت مرحلة خمول عادت منها بألبوم ممتاز هو Tapestry الصادر في ١٩٧١.

كانت كندا شريكاً ومنافساً رئيسياً للولايات المتحدة في استضافة مشهد المغني/كاتب الأغاني، بفنانين مثل جوني ميتشل ونيل يونج الذين تمكنوا من تحقيق نجاح شعبي واسع وسريع مواكبين نظرائهم الأمريكان. أما بريطانيا فلم تكن مستعدة بعد للتخلي عن الجدية التي أتت بها الكمالية الهيبية، لذلك كان أقرب ما قدمته لهذه الحركة فنانون كـ بول مكارتني وإلتون جون وفان موريسون، الذين قد يشبهوا ظاهرياً أسلوب المغني / كاتب الأغاني، خصوصاً في أغاني البيانو روك العاطفية، إلا أنهم حافظوا على مستوىً عالٍ من الجدية الموسيقية والولاء للهيبية أو الهلوسية بذات الوقت.

الجانب المشرق من الروك

بعد نجاحه في اكتساح جيل سيناترا وكروسبي والانفراد بالرواج التجاري في أواخر الستينات، بدأ العصر الذهبي للروك في النصف الأول من السبعينات، متحولًا من صنف موسيقي محدد إلى حزمة فضفاضة من الجماليات قادرة على إنتاج أصناف فرعية تختلف عن بعضها البعض بشكلٍ مغنٍ، وتتراوح اهتماماتها بين الخلود الفني والرواج التجاري، كما تمتلك القدرة على التهام أصناف أخرى وإعادة إنتاجها. لكن هذا الغنى جعل الروك شديد التطلب، آخذًا باستنفاذ جماليات الكمالية الهيبية بسرعة، ومطالبًا بدماء جديدة أكثر شبابًا كانت على وشك الانفجار مع دخول السبعينات نصفها الثاني.

Leave a Reply