رائد ياسين يسخر من السخرية

كتابةمعن أبو طالب - مارس/آذار 14, 2013

يسير رائد ياسين على خط رفيع جداً. متسلحاً بمعرفة موسوعية بالموسيقى وتعمق بالثقافة السائدة والمنسية على حد السواء، يتمكن رائد ياسين من تقمص بيرسونا مخلوعة من وسطها ومقحمة في الوسط الذي يحدث فيه العرض. البيرسونا التي يتقمصها رائد هي للمغني المصري الشعبي. هذا المغني موجود ليستمتع ويمتع، ولا يكترث لأي شيء آخر. بهذا الخليط يحقق رائد ياسين احتفاءً ونقداً في آن واحد.

في عرض برائد (رائد ياسين + السويسري باد كونكا) في كافيه أوتو في شرق لندن، نجد خلطاً ما بين الموسيقى الشعبية الدارجة في أحياء مصر الفقيرة، وبين موسيٍقى الضجيج والتي هي في مقدمة خطوط الطلائعية والتجريبية في الموسيقى الغربية. في تقديمه لهذه الأخيرة يستعين برائد بآلات أوركسترالية يقدمها باستخدام بيرسونا فيها الكثير من الفكاهة وعدم جدية، وهكذا يبدو الأمر وكأنه المواجهة المعتادة بين ما يسمى الفن العالي والهابط، بين فن الغرب الراقي والفنون الشعبية المنحطة.

في بداية العرض يبدو أن رائد يسخر من الموسيقى الشعبية المصرية ويعرضها في أوتو على أنها شيء طريف. ولكن بتقدم العرض، وباتساع ابتسامات الجالسين تعبيراً عن أنهم يفهمون النكتة، يبدأ أمر آخر بالاتضاح. رائد لا يسخر من الموسيقى الشعبية المصرية بمواجهة نقيضها في الفن العالي (الأوركسترالي). يتطور العرض ونبدأ بملاحظة أن رائد يحتفي بالموسيقى الشعبية المصرية. هو معجب بها بحق ويتابعها بجدية. هو خبير في الموسيقى الشعبية المصرية. الشخصية التي يتقمصها برائد ليست ساخرة، بل هي تقدمة للموسيقى تجعلنا نسمح لنفسنا بالخروج من نمطية استقبال الموسيقى المتعارف عليها.

يمكنكم أنتم أن تسخرون، ولكني أنا لا أسخر من الموسيقى الشعبية، هو ما يقوله رائد بينما يتطور العرض. هو احتفاء بمختلف أنواع الموسيقى، دون أن يكون هذا الاحتفاء مجرد توليفة لطيفة. هو أكثر من هذا، هو مواجهة، وهي مواجهة يأخذ فيها رائد جانباً ويدافع عنه. يدافع عنه أمام الحضور المنحاز والذي يعتقد أنه يفهم النكتة، وأمام المفاهيم السائدة لماهية الفن الجيد‘.

بعد منتصف العرض بقليل تبدأ مرحلة جديدة، وهنا تتبلور البيرسونا تماماً وتبدأ إشكالية العرض بالظهور، وهذه المرحلة هي بدء رائد بالسخرية من الآلات الأوركسترالية، من الجدية الباهظة التي ترافق ظهورها أينما ظهرت. نجد رائد يسخر من السخرية الأولى، ويسخر من التبجيل لما هو أوركسترالي. تتجلى هذه اللحظة عندما ينهي رائد مقطعاً شعبياً صاخباً، ويشير إلى شريكه ببدء عزف منفرد على البيس معقد وتجريبي بحت. هنا يعلن رائد عن أنه سيستغل هذه الفرصة ليغادرنا ويجري مكالمة هاتفية. نراه يخرج هاتفه من جيبه ويبحث عن رقم بلا مبالاة بينما يقدم لنا مقطوعة العزف المنفرد دون حتى أن ينظر إلى زميله العازف (عيناه مركزتان على الهاتف) ثم يستأذن باستخفاف ليجري المكالمة. يعود رائد عندما تقارب المقطوعة على الانتهاء، بينما هو ما زال على الهاتف يجامل ويسأل عن الحال والأحوال.

إعلان

في هذه اللحظة المحملة والغنية، يضع رائد بالمواجهة التبجيل والروح الخفيفة المرحة. الفن الذي يأخذ موضوعه بجدية مفرطة، مع الفن الذي يأخذ الأمور بأريحية قد تكون مفرطة أيضاً. الفن الذي يسعى لنفسه والفن الذي يسعى للإمتاع. هي نظرة للموسيقى وأنواعها من خارجها، وهي نظرة يسمح بها انغماس رائد العميق بأصناف موسيقية متنوعة ومن عوالم منفصلة تماماً. ولكن ليس هذا فقط ما يحدث هنا، فرائد، كونه فنان، يقدم قراءته للتضاد الثقافي والسياسي بين هذه الفنون، وللأفكار المسبقة التي تصاحب عرض هذه الفنون. الشرقي والغربي والشعبي والنخبوي.

إذا سمحنا لأنفسنا بالتمادي قليلاً وتخيلنا حضور أدورنو وڤالتر بنيامين للعرض، لنا أن نتخيل أن أدورنو، بنظريته عن انقسام الفن إلى العالي والمنحط وعدم إمكانية هذين الشطرين على الالتئام لتقديم واحد صحيح، كان سيمتعض أيما امتعاض من عرض برائد. فالفن العالي والشعبي كلاهما مشوبان بالتسليع ولا يمكن إنقاذهما، ودمجهمها هو مجرد زيادة الطين بلة. بينما بنيامين مثلاً، بنظريته عن الإمكانيات الثورية في تحوير الأصناف الفنية والخروج عنها، نستطيع أن نتخيل أنه كان سيقف ليصفق بحرارة. براعة رائد – في حال أنك لست أدورنو – تكمن في أنه سيجعلك تقف لتصفق سواء كنت ساخراً من الصنف الشعبي ومبجلاً للنخبوية، أو لو كنت عاشقاً للموسيقى الشعبية ولا تكترث بتاتاً للأصناف النخبوية. نكتة رائد تنطلي على المتلقين بعدة أشكال في ذاك المحيط بالذات. ولذا فأن يعرض برائد هذا العمل في الأوساط المصرية الشعبية ستكون بالتأكيد تجربة مهمة وضرورية، وقد تأخذ أبعاداً جديدة لم يفصح عنها العرض في كافيه أوتو.

يركز رائد على هذا التقابل حيث يكرر الانتقال الحاسم والفجائي من الآلات الأوركسترالية إلى الألحان الشعبية الصاخبة، ويستمر رائد بهذه النقلات حتى بعد أن تصبح متوقعة وتفقد عنصر المفاجأة، وكأن في هذا إصرار على التقابل والتضاد بين الصنفين.

في استخفافه بقداسة الآلات الأوركسترالية يذكرنا بيرسونا رائد بميزة هامة جداً في الفنون الشعبية عامة والمشهد الشعبي المصري خاصة، وهي عدم اكتراث تام واكتفاء ذاتي لا تحلم فيه المنتوجات الثقافية الأخرى. الفنان الشعبي لا يكترث بتاتاً للتصنيفات الثقافية للأعمال ولا لتقييمها كفجّة أو راقية، هو لا يحاول التمادي عن محيطه للوصول إلى العالمية أو الفوز بإقامة فنية في باريس. الفنان الشعبي معني بالهُنا والآن في محيطه. هي نظرة أفقية لا تكترث لما هو خارج المحيط ولا يشوبها الاستلاب.

يسير رائد بثقة على خط رفيع يكاد لا يظهر ويدعو الحاضرين للسير معه. لا بد للحاضر أن يحيد عن الخط هنا وهناك، ولكن هذا الحود، وحتى التوهان الكامل عنه، يبقى في النهاية تجربة ممتعة بلا شك. رائد ياسين، وهو واقف يهز خصره على ألحان عدوية، في أحد أكثر بارات شرق لندن طلائعية، لا يحاول تعريف الحضور على موسيقى من مكان آخر بعيد وعجيب، بل هو يمشكل طريقة تلقي الموسيقى بأكملها.

Leave a Reply