من التسعينات حتى اليوم | الروك وخطر ما بعد الانتصار

كتابةعمار منلا حسن - مارس/آذار 25, 2017

هذا هو المقال الحادي عشر ضمن سلسلة تاريخ الروك.

بعد سيادة الروك الرائج بدايةً من السبعينات، ثم تدخل شركات التسجيل لتشذيب الـپانك وتحويله للموجة الجديدة، ظهر توجه واسع عند موسيقيي الروك الشباب نحو التهرب من هذا الرواج التجاري وما جلبه من تدخل صناعة الموسيقى بالمنتج الفني وفرضها معاييرًا معينة لزيادة المبيعات. رغبت هذه الحركة التي تشكلت في الثمانينات بإعادة الحرية الإبداعية للروك سواءً من حيث التسجيل أو التوزيع أو الترويج، فتركزت في الجامعات، مستخدمةً إذاعات الجامعات ضعيفة التغطية لنشر أغانيها، ومستغلةً ضعف تغطية هذه الإذاعات الذي خلصها من اضطرارها لبيع الإعلانات التجارية، فتمكنت من بث الأغاني بغض النظر عن قابليتها للرواج. كذلك قام معظم فنانو وفرق هذا التوجه بتنظيم حفلاتهم في الجامعات أو الصالات الموسيقية الصغيرة.

وفر كل ذلك استقلالية للموسيقيين خلقت مجالاً لصنفٍ فرعي جديد جمع بين جماليات الغراج روك Garage Rock والـپانك من حيث الجودة التسجيلية المنخفضة وسهولة العزف والغناء، وجماليات أخرى حددها كون هذا الصنف متداولًا من قبل طلبة الجامعات بشكلٍ رئيسي، كمبدعين أو مستمعين، فكانت كلمات الأغاني شاعرية عاطفية، بينما امتازت الأغاني بالهدوء أو الصخب المحدود مقارنةً بالـپانك أو الميتال أو حتى الروك الجدي، كما امتازت بالبساطة الأدائية والابتعاد عن الاستعراضية والجانب المسرحي سوى ما هو ارتجالي أو من وحي الموسيقى. سميت هذه الموسيقى مبكرًا بروك الجامعات، ثم تحول اسمها إلى الروك المستقل كونها تتشكل بعيدًا عن جو شركات التسجيل، وبذات الوقت الروك البديل تمييزًا لها عن الروك الرائج.

مع الوقت بدأ الروك البديل والمستقل يمر بما مرت به معظم الأصناف الموسيقية المغمورة، ويفرز فرقًا مميزة ذات قابلية للرواج التجاري والوصول للجمهور العريض، كفرقة آر إي إم التي عثرت على نجاحٍ محدود في ألبوماتها الأولى، حتى وقعت عقدًا مع شركة التسجيل الكبيرة وارنر بروس Warner Bros، مؤكدًة على ضرورة حفاظها على حرية إبداعية، ما مكنها من إصدار ألبومها الأيقوني آوت أُف تايم عام ١٩٩٠. شهدت بريطانيا مشهدًا موازيًا أفرز فرقًا مثل ذ سمثز التي تعد إحدى أفضل فرق الروك التي ظهرت في الثمانينات، بأعمالٍ مثل هايتفل أُف هَلو Hateful of Hollow وميت إز مردر Meat is Murder.

إعلان

التسعينات | الروك مسكونًا بروحٍ مراهقة

رغم هذه النجاحات التجارية المتفرقة، ظل الروك المستقل والبديل صنفًا موسيقيًا مغمورًا في الثمانينات، بانتظار الفرقة التي ستفتح بوابة الرواج التجاري واسعةً لعبور الصنف بأكمله، وكانت هذه الفرقة نيرڨانا. أصدرت نيرڨانا أولى ألبوماتها بليتش في ١٩٨٩، متبنيةً فكرة الروك المستقل بتطرف، إذ بلغت كلفة تسجيل وإنتاج الألبوم ٦٠٦ دولارات فقط. بهذا الألبوم أسست نيرڨانا لصنف فرعي جديد ضمن الروك المستقل هو الغرنج Gurnge، لكن النجاح الجماهيري الواسع للفرقة أتى لاحقاً مع صدور ألبومهم الثاني نيڨرمايند في ١٩٩١، الذي بيع منه أكثر من ٢٤ مليون نسخة حول العالم.

انحلَّت نيرڨانا في ١٩٩٤ بعد انتحار كيرت كوباين Kurt Cobain، لكن نجاحها، وتتويجها رغمًا عنها بلقب الناطقة باسم الجيل، تسببا بتمهيد الطريق للروك المستقل والبديل، لتتبعها للنجاح التجاري في التسعينات المبكرة عدة فرق، أولها الفرق الأقرب لأسلوبها كـ پيرل جام وغرين داي وراديوهِد وفوو فايترز التي أسسها عازف الدرامز من نيرڨانا، دايفيد غرول David Grohl.

كان لهذا الصعود السريع والزخم للجرنج في الولايات المتحدة عدة نتائج فورية، أولها استجابة بريطانية جاءت على شكل حركة البريتبوب Britpop، وأبرز ممثليها فرقتي بلور وأوايسِس. ثاني الاستجابات كانت بظهور شركات تسجيل بعقلية تستوعب جماليات هذه الأصناف الفرعية، وتبحث عن معادلة تحقق لهم نجاحًا تجاريًا كافيًا لاستمرارهم دون التدخل في عملهم إبداعيًا، وأبرز هذه الشركات ماتادور في نيويورك، التي لا تزال تلعب دورًا محوريًا في مشهد الروك المستقل حتى اليوم.

مع استمرار صعود الروك المستقل، بدأت الإمكانيات بالتوافر أمام موسيقييه، وبات من المتاح لهم احتراف الموسيقى، لكن هذا لم يؤدي إلى تحسن الجودة التسجيلية أو تغليب اللحن على الإيقاع أو زيادة جدية الكلمات، ما أدى لترسخ هذه الصفات وسواها كجماليات الروك المستقل لا كمجرد تقييدات وظروف وقتية. بدأت أصناف موسيقية أخرى تتأثر بهذه الجماليات وتشهد حركات إحياء ذات زخم وطول عمر متفاوت ما بين الكانتري روك الذي شهد استعادةً مع فرق مثل آنكل توپيلو وويلكو، كلاهما بقيادة المغني وعازف الجيتار جِف تويدي Jeff Tweedy، وبين حركة إحياء الپوست پانك، لكننا نستبق الحديث.

كانت التسعينات تشهد موجة جديدة من البوب المعاصر، قادتها مغنيات كـ بريتني سـپيرز وكريستينا آغليرا من جهة، وفرق كـ بلو وباكستريت بويز وسـپايس غرلز وديستني تشايلد من جهة أخرى. ذَّكر النجاح التجاري الهائل لهؤلاء بعض موسيقيي الروك الفتية بمدى النجاح الذي يمكن أن يحققه القليل من المواجهاتية وضد التقليدية Anticonformity، وتساءلوا: لو كان هذا صحيحًا، فكم من النجاح قد يحققه الكثير من ذلك؟ أتاحت الحرية التصنيفية وكثرة الأصناف الفرعية المتشكلة في التسعينات ظهور إجابة على هذا السؤال، إجابة حملت اسم الروك الصناعي.

موسيقيًا، يدين الروك الصناعي بالكثير لترينت رزنر Trent Reznor، الذي كان عام ١٩٩٤ في أواخر عشرينياته عندما حقق ألبومه الثالث ذ داونوارد سـپايرال، والصادر تحت اسم مشروعه ناين إنش نايلز، عبوره نحو الجمهور العريض، مقدمًا ذلك المزيج العنيف من الميتال والموسيقى الإلكترونية الثقيلة والجودة التسجيلية الخشنة، المزيج الذي بدا ضد تقليديٍ بنسيج صوته بحد ذاته، بغض النظر عن الكلمات، واستمتع بمبيعات تجاوزت الأربع ملايين نسخة حول العالم. في ذات العام، أنتج ريزنر أول ألبومات فرقة مارلِن مانسون، وبعد عامين شارك بإنتاج ألبومها الثاني. تعرف فرقة مارلِن مانسون عادةً بعضوها الرئيسي الذي يحمل اسم الفرقة، والمكون، كأسماء سائر أعضاء الفرقة، من اسم ممثلة وكنية سفاح أو قاتل متسلسل. حملت الفرقة فكرة المواجهاتية وضد التقليدية لأكثر مستوياتها في ذلك الوقت تطرفًا وحرفيةً، تبنت سمات شيطانية فظَّة الوضوح، ومزقت كتبًا دينية في حفلاتها، متوسلةً أن يتم حظرها من الأداء الحي أو البث الإذاعي، وهو ما حصل بالفعل في ولايات أمريكية كيوتاه وكارولينا الجنوبية، الأمر الذي أسس لسمعةٍ شقيَّة للفرقة، سمعة حققت لألبوماتها الأولى بضعة ملايين من المبيعات رغم كل المحاربة. تركت مانسون أثرها على جيلٍ لاحق من البوب المعاصر نقل الصدامية على الصعيد الاستعراضي لمستوياتٍ بعيدة.

شكل كل ذلك جسرًا للميتال للتأثر بالروك البديل، وهو ما تم بالفعل في وسط التسعينات حين بدأ تيار ميتال بديل بالظهور، أفرز عدة أصناف فرعية أبرزها النيو ميتال Nu Metal، وأبرز فرقه ليمـپ بيزكيت ولينكين پارك وسيستِم أٌف أ داون.

الألفينات | الانطباعات الثانية عن الروك

رغم غنى وزخم كافة العقود على مستوى الموسيقى المعاصرة منذ ظهور الروك في الخمسينات، إلا أن حلول القرن الجديد قدَّم فلسفةً جديدة لجري الأمور. الموسيقيون الذين كانوا شبانًا في مطلع الألفينات، وأمامهم عقدٌ جديد لملئه، كانوا يتعاملون مع مشهدٍ مختلف. لم يعد أحد يعتقد بسذاجة أن الابتعاد عن الجدلي يضمن المبيعات، لم يعد أحد خائفًا من التمرد، لا على مستوى الصخب ولا على مستوى ضد التقليدية، حتى أن مجال التمرد قد استهلك معظمه على كل حال. لم يعد الروك صنفًا موسيقيًا متأرجحًا يخوض حرب بقاء، بل أصبحت أغانيه وألبوماته مستقرةً في قوائم المبيعات ومحطات الإذاعة والتلفاز التجارية. حتى الوافدون الجدد الأكثر إثارةً للجدل كالراب والميتال بدا عليهم أنهم قدموا ليبقوا. في السابق، ظهرت العديد من أصناف الروك الفرعية كرد فعل أو استجابةً لحاجة، لكن لو كان ما يمر فيه الروك حربًا، فكان من الواضح في بداية الألفينات أنه انتصر، ومع غياب الحاجة غاب الاختراع، ولم تكن هناك أصناف فرعية جديدة على وشك الانبثاق.

إعلان

يرى البعض في ذلك تراجعًا في زخم الروك الإبداعي، إلا أن نظرةً للخلف ستكشف عن أمرٍ مختلف. خلال تطوره العجول، خصوصًا منذ بداية السبعينات، كان الروك يهجر كثيرًا من الأصناف الفرعية والتيارات الجمالية بحثًا عمَّا هو مقبل، دون أن يستنفذ هذه الأصناف كليَّاً، وكان على موسيقيي الروك في مرحلةٍ ما التعامل مع هذه التراكمات الثرية، وهو ما بدأ في الألفينات المبكرة مع حركة عرفت بعدة أسماء من بينها ثورة الروك الجديد، لكن أكثر أسمائها شيوعًا كان موجة إحياء البوست الـپانك.

تشكلت هذه الحركة في بداية الألفينات المبكرة، من فرق بدأت تعتمد بشكلٍ رئيسي على موروث كبير من الروك خلفها، مستعدةً لمهمة الاستعادة وإعادة الإنتاج. فمن جهة اعتمدت فرقة ذ وايت سترايـپس على موروث البلوز روك من رولينغ ستونز إلى لِد زيـپلين، بينما اعتمدت إنترپُل على البوست پانك البريطاني، وتحديدًا جوي ديـڨيجن، وأخيرًا ذ ستروكس التي استقت من الـپانك الأمريكي السبعيناتي، كـ ذ ڨيلـڨيت أندرغراوند.

كانت ذ ستروك أكثر الفرق أهميًة من حيث تأسيس جماليات إحياء البوست پانك، الذي لم يكن فقط أول حركة استعادية تشهدها الألفينات، بل العمود الفقري للروك القائم بشكلٍ أو بآخر حتى الآن خلال هذه الحقبة. زاد ذ ستروكس من اعتمادهم على أسطر الجيتار المكررة، واستخدموا عددًا كبيرًا من الأسطر الثانوية بدل سطرين رئيسيين يتبدلان بين اللوازم والمقاطع، كما رفعوا من جدية كلماتهم من حيث مستوى الكتابة، لا من حيث المواضيع التي ظلَّت عاطفية وشخصية إلى مدىً بعيد، وحافظوا على جودة تسجيلية منخفضة بشكلٍ متعمد وفلسفة مزج صوتي غير مألوفة، غالبًا ما تدفع بصوت المغني إلى خلف الآلات أو منتصفها، فيبدوا غائرًا، آتيًا من بعيد.

وصفت ذ ستروكس من قبل العديد من النقاد على أنها إحدى أكثر فرق الروك تأثيرًا، إذ ظهر على إثرها فرقة The Yeah Yeah Yeahs التي تلقاها الجمهور كـ ذ ستروكس بمغنية، كينغز أٌف ليون الذين وُصفوا كـ ستروكس الجنوب، وآركتِك منكيز الذين كانوا باعترافهم استجابةً بريطانيةً لـ ذ ستروكس. لاحقًا، شهد العقد الثاني من الألفينات ظهور جيلٍ ثالث من موسيقيي إحياء البوست الـپانك كـ كورتني بارنِت وكار سيت هِدرست.

إلى جانب إحياء البوست الـپانك، ظهرت حركات أخرى جماعية كحركة استعادة السينث روك، والتي لم تحقق درجاتٍ عالية من النجاح الجماهيري لكنها تحافظ على وزنٍ إبداعيٍ زخم، وحركة البوب روك المعاصر مع فرق مثل ذ ١٩٧٥، أو حركات أكثر فردية كاستعادة ذ بلاك كيز للبلوز روك وميوز للروك التقدمي وتايم إيمـپالا للروك الهلوسي. وفي سياقٍ مواز، توجه العديد من نجوم الروك القدماء لمنحىً أكثر بعدًا في الاستعادة، عائدين إلى حقبة ما قبل الروك لإنتاج صيغة جديدة من الروك الكلاسيكي، ومن أبرز رواد هذه الحركة بوب ديلان وإريك كلاپتون.

لا تزال الألفينات حتى اليوم حقبةً استعاديةً بشكلٍ رئيسي بالنسبة للروك، باستثناء محاولات فردية لإنتاج أصوات تجريبية لم تستقر لتفرز أصنافًا فرعية جديدة بعد، لكنها غدت أكثر جديَّةً وكثافةً في السنوات الأخيرة، ما يوحي باحتمال استئناف الروك لمسيرته قريبًا.

Leave a Reply