الروك في الثمانينات | استراحة اليوم السابع

كتابةعمار منلا حسن - مارس/آذار 11, 2017

هذا هو المقال العاشر ضمن سلسلة تاريخ الروك.

كان اختراع الطبيب الفرنسي، لويس پاستور، لمبدأ اللقاح أحد أبرز إنجازات العلوم الطبية في القرن التاسع عشر، حيث يعطى المرضى نسخًا مخففة من المرض ليشكلوا مناعةً إزاءها تصمد في مواجهة المرض بقوته الكاملة. منذ بعثه البريطاني في الستينيات المبكرة وحتى ذروته الخطرة في نهاية السبعينات، كان الروك مرضًا كامل القوة، همَّش العديد من الأصناف الموسيقية الفرعية وترك ما توافق معه. من غير المستغرب أن أصنافًا كالبلوز والآر آند بي والسول قد استمرت بالازدهار في ظل الروك نظرًا لكونه قد تأثر بها بعمق خلال ولادته. لكن مع دخول الروك الثمانينات، وتراجع تياري الروك الرئيسيين، الكمالي المستمر من الستينات والصاخب الهمجي وليد السبعينات، تراجع هذين التيارين أمام مد الديسكو، ظهر الروك مزعزعًا بشكلٍ سمح لأصناف موسيقية أخرى بتجرع مقادير غير قاتلة منه، وهذا ما حصل مع ثلاثة أصناف موسيقية على الأقل، استغلت خلو ساحة الموسيقى السائدة من سيطرة قطب واحد مع بداية الثمانينات، وتمكنت خلال هذا العقد من اغتنام حصص عادلة من الرواج.

مطالب الثمانينات | الميتال… والعدالة للجميع

بالنسبة لمستمعٍ هاوٍ للروك والميتال، يبدو الميتال كنسخة أكثر صخبًا من الروك. رغم كونها مفرطة التبسيط، إلا أن نصف هذه العبارة صحيح على الأقل، وهو كون الميتال نسخة ما من الروك، على الأقل كان كذلك خلال مرحلة تشكله الهجينة. يمكن نسب منشأ الميتال لنهاية الستينات والنصف الأول من السبعينات، حيث ظهرت عدة فرق ركزت على العزف المنفرد والإتقان المبهر والاستعراضي في العزف والغناء، والتعرض لألحان صعبة، إلى جانب الاقتباس من الموسيقى الكلاسيكية والجاز والبلوز باعتبارهم الأصناف الأكثر جديةً في تلك الحقبة بالنسبة إلى شمال أمريكا وغرب أوروبا. شكلت هذه الفرق كما ذكرنا سابقًا مشهد الروك التقدمي، ولا اختلاف هنا سوا أننا سننتخب ثلاثةً منها على وجه التحديد: لِد زيپلين، وديپ پرپل وبلاك ساباث.

بدأ تميز لِد زبلين من مستوى التخصص الفردي العالي داخل الفرقة، حيث تمكن ثلاثة من الموسيقيين الأربعة من الحصول على سمعة أسطورية في مجالاتهم، روبرت پلانت Robert Plant بترسيخه أهمية أسلوب الأداء الصوتي Voice Technique على حساب الخامة الصوتية، التي لم يعوزها، مقدمًا أسلوبًا متفردًا في الغناء بطبقات العالية ترك أثره على أجيال من مغني الروك بعده، جايمي پايج Jimmy Page الذي يعد أحد أفضل مؤلفي أسطر الجيتار المكررة بتاريخ الروك، خصوصاً تلك الضخمة صوتياً Power Riffs (Based on power chords)، جون بونام John Bonham الذي ساهم إلى جانب جينجر بايكر من كريم Ginger Baker of Cream لتحرير الطبول في الروك من أدوار إيقاعية ثانوية أو استطرادات هلوسية مقيِّدة بصنفها، إلى دور رئيسي في نسيج الأغنية ومقاطع منفردة لا تقل جموحًا عن مقاطع الجيتار. أما ديپ پرپل فنريد منها أسلوب عازف الجيتار ريتشي بلاكمور Ritchie Blackmore الذي أدى مقاطع منفردة مطولة شديدة الصعوبة لتأثرها بالموسيقى الكلاسيكية. وأخيراً بلاك ساباث الذين ينسب لهم فضلين، موسيقي واستعراضي، فيما يخص الميتال. من جهة كانت موسيقاهم ثقيلة الإيقاع بشكل كئيب ومرهق، وضخمة صوتياً عبر عزف ذات الإيقاعات والألحان في بعض الأحيان على أكثر من آلة في ذات الوقت لمنحها مزيد من الحجم الصوتي والمناخ العاطفي السوداوي، ومن جهة أخرى اتسمت عروضهم المسرحية بالطابع القوطي السوداوي بشكل مماثل لفرق مثل KISS وآليس كوپر.

إعلان

شكلت هذه الفرق خلال النصف الأول من السبعينيات جماليات الميتال، وإن لم تجتمع هذه الجماليات في فرقة واحدة فكان على المستمعين اقتباس صفات هذا الصنف الهجين وتجميعها في مخيلتهم، فيما يحاجج بعض المؤرخون الموسيقيون أن جماليات الميتال قد اجتمعت في فرق كـ جوداس بريست منذ ألبومهم الأول الصادر عام ١٩٧٤، روكا رولا. على كلٍ بدأ هذا التيار بالتنامي خلال السبعينات، لكن اقترانه بالفرق السابقة، وبالتالي بالروك التقدمي المتطلب، قد جعله عرضة الهجوم الحاد الذي شنه الـپانك على الروك المصقول والجدي بشكلٍ يحد من إتاحته، وبينما صمد الروك الجدي في وجه الـپانك كونه قوي الأساس، إلا أن الميتال لم يصمد، ولم يصمد بعدها أمام الديسكو والفانك، فظل حبيس ثقافات فرعية ومشاهد مغمورة ونجاحات فردية محدودة طيلة السبعينات تقريبًا. هذا التأخر في نجاح الميتال تجاريًا لم يكن ضارًا بالضرورة، فما بين سيطرة الـپانك وإعلائه لجماليات الجودة المنخفضة lo-fi aesthetics وبين المحدودية المالية التي ترافق تطوير مشهد موسيقي فرعي مغمور، تمكن الميتال من عزل نفسه أكثر وأكثر عن الروك التقدمي، وإعطاء جماليات البانك فرصة واقتباس البعض منها، ما جعل صوته أكثر تميزًا واستقلالًا عن ذي قبل.

تمركزت الثقافات الفرعية للميتال على وجه الخصوص في لندن ولوس آنجليس، وبدأت بتكثيف الجماليات الهجينة للميتال وتوكيدها، والعمل على عزلها وتطويرها من البداية كصنف موسيقي مستقل. بدأ العالم بسماع أولى نتائج هذا الصوت الجديد في وسط الثمانينات، ففي لندن تمكنت فرقتي آيرون مايدن وموتورهيد من النجاح بالوصول إلى الجمهور العريض بعد سنوات من تشكيلهما، أما من لوس آنجليس فحققت فرقتي ڨان هيلين وكوايت رايوت انتقالاتٍ سريعة من كونها مغمورة أو ذات نجاح محدود لكونها فرق تبيع ألبوماتها بالملايين، وكان لكل فرقة ألبوم أحدث هذه النقلة، في حالة فان هيلين كان ألبوم ١٩٨٤ الصادر في ذات العام والذي باع ٢٠ مليون نسخة، ودفع الجمهور لشراء عشرات ملايين النسخ من ألبومات الفرقة الأولى التي كانت مغمورةً عند صدورها، أما لدى كوايت رايوت فكان ألبوم ميتال هِلث جسرها إلى نجاح جمهوري واسع، بائعاً ست ملايين نسخة في الولايات المتحدة وحدها.

لكن ظلت هذه الفرق حالاتٍ فردية، كما ظلت في منطقة هجينة بين الروك العنيف Hard Rock والمسرحي Glam Metal، مع ذلك كان لنجاحها دورٌ هام في تمهيد ذائقة المستمعين في شمال أمريكا وغرب أوروبا لما كان قادماً، حيث بدأت مئات فرق الميتال بالتشكل عندما بدت فرصة رواجها ممكنة رغم صعوبتها، وأخذت هذه الفرق بالتدفق للنجاح التجاري الواسع خلال النصف الثاني من الثمانينات. في البداية، حافظت معظم الفرق على الصوت الهجين ما بين الروك العنيف والمسرحي، كـ بون جوفي الذين أصدروا في ١٩٨٦ Slippery When Wet الذي باع ١٢ مليون نسخة في الولايات المتحدة، وغانز آند روزز الذين أصدروا في ١٩٨٧ أحد أفضل الألبومات الأولى بتاريخ الروك، آپتيت فور دستركشن، بائعاً أكثر من ٣٠ مليون نسخة حول العالم. كان لوصول ألبومات مماثلة لهذه الدرجة المذهلة من النجاح التجاري أهمية كبيرة لصالح الروك، بأن أعمالاً جدية موسيقياً وإبداعياً بهذا الشكل لا تزال قادرة على منافسة الروك التجاري والموسيقى الرائجة والديسكو، ولو كان ذلك تحت اسمٍ جديد.

استجابةً لانتشار الميتال أطلقت محطة إم تي ڨي MTV عام ١٩٨٧ برنامج Headbangers Ball المخصص للميتال، كان إطلاقه توثيقًا للحظة الذي لم يعد فيها الميتال صنفًا موسيقيًا مغمورًا أو فرعيًا هجينًا، الأمر الذي أراح فرق الميتال المغمورة من هم التحايل للوصول للنجاح أو الشهرة، وشجعهم على التركيز على هويتهم الموسيقية وتطويرها بجدية إبداعية. بدأت نتائج هذا التوجه بالظهور خلال النصف الثاني من الثمانينات ومع بداية التسعينات، مثل ألبوم Reign In Blood لـ سلاير الصادر في ١٩٨٦، و…And Justice for All سادس ألبومات ميتاليكا، وأخيراً ألبوم كاونتداون تو إكستنشن لميجاديث الصادر في ١٩٩٢. مع صدور أعمال مماثلة للألبومات الثلاثة الأخيرة كسب الميتال استقلاله التام عن الروك وأصبح صنفًا موسيقيًا مستقلًا، أفرز خلال فترة قصيرة الكثير من الأصناف الفرعية بدوره.

البوب المعاصر | تفاهم مع الروك أو مُت وأنت تحاول

حافظت الموسيقى الرائجة التقليدية، جيل كروسبي وسيناترا، على طابعها المهادن المحافظ رغم ظهور الروك في الخمسينات والستينات، متشبثةً بما أمن لها الرواج لحقبةً ما: الابتعاد عن الجدل. لكن مع مطلع السبعينات بدأ نجوم هذه الحقبة بالانحسار لحفلات في ڨيجاس ونيويورك، وتضاءلت جماهيريتهم معلنةً نهاية الحياة الفنية للعديد من الموسيقيين، استثناء الذين اتسموا بكاريزما وجمهور شديد الولاء، وغالبًا شديد النوستالجية، تمسك بهم كجزء من نسخة أقدم مفضلة من العالم. أدرك الجيل الجديد من موسيقيي البوب، والذين عاصروا الستينات والسبعينات في حياتهم المبكرة، أن عصر المهادنة الوديعة الساذجة قد ولَّى، وأن عليهم التفاهم جماليًا وإبداعيًا مع الروك أو الموت خلال المحاولة.

لحسن حظ هؤلاء الموسيقيين لم تنتهِ محاولاتهم بالموت، بل تزامنت مع ظهور التلفاز الموسيقي، وخصوصاً محطة إم تي ڨي وما تبعها من محطات موسيقية كشفت عن مساحات جديدة غير مستخدمة يمكن لموسيقى البوب الجديدة استثمارها، وهذا ما حصل بالفعل على مستويين.

كان المستوى الأول في محاكاة الجانب الاستعراضي المسرحي الذي قدمه الروك في السبعينات، حيث عمد نجوم البوب الجدد إلى العناية بتصميم رقصاتهم وكيفية تصويرها وتقديمها، وفرق الراقصين المساعدين الذين تمت الاستعانة بهم بكثرة، والأزياء والديكور ومساحيق التجميل والمؤثرات الخاصة. ترافق ذلك مع اقتباسات جزئية من الأصناف الموسيقية الرائجة في تلك الفترة، للاستفادة من رواجها الوقتي وإعادة إنتاجه بحثًا عن صعود أكثر سرعةً، فتم إدخال الجيتار الكهربائي من الروك بأدوار غالبًا ما كانت هامشية أو مقتضبة، كما تم اقتباس إيقاعات الفانك لتناسب الجو الراقص الجديد للبوب. على هذا المستوى ظهر نجوم أبرزهم مايكل جاكسون الذي كان أول فنان أمريكي من أصول أفريقية تذاع فيديوهات أغانيه بكثافة على إم تي ڨي، وبعد فترة قصيرة لحقه نظيره پرينس الذي حقق نجاحاً موازياً متبعاً الوصفة العامة ذاتها.

أما المستوى الثاني فظهر عند فنانات البوب الإناث في البداية بشكل أبرز رغم أنه وجد عند جاكسون وبرينس أيضاً، وكان الاستفادة من العنصرين الصدامي والإيحائي الجنسي لجذب الانتباه وتحقيق الانتشار بسرعة أكبر، خصوصاً أن المجتمع الأمريكي آنذاك كان يحافظ على بقايا أخيرة هشة من العقلية المحافظة تأكد البوب المعاصر من نسب الفضل إلى نفسه في تحطيمها. أبرز الأسماء في هذا السياق كانت مادونا، التي زادت انخراط الموسيقي في أعماله لدرجة أنها تناولت الجانب الترويجي والتسويقي وحققت إنجازات ممتازة على هذا الصعيد، فكانت تظهر بحدث ذو سمة فضائحية يثير الجدل حولها لفترة، وتستغل هذا الانتباه لتحويله نحو موسيقاها أو إصدار موسيقى جديدة خلال فترة قصيرة، كأدائها الشهير لأغنية لايك أ ڨرجن في حفل توزيع جوائز إم تي ڨي عام ١٩٨٤ الذي جعلها مثار الجدل في أمريكا لفترة غير قصيرة. تكرر السيناريو نفسه تقريباً في حالة جانيت جاكسون التي انتقلت من صورة الفتاة البريئة المرتبطة بأسرتها وقيمها العائلية في أعمالها الأولى الصادرة في صغرها، إلى الظهور عارية الصدر على غلاف مجلة رولينج ستون Rolling Stone وإصدار ألبوم كونترول عام ١٩٨٦ معلنةً النسخة الجنسانية الجامحة الجديدة منها. لم يقتصر الطابعين الجنساني والصدامي على الجانب المرئي من أغلفة المجلات وأداءات الحفلات الموسيقية والفيديوهات المصورة، بل امتد للموسيقى نفسها وكلمات الأغاني وأسلوب الأداء الصوتي الإيحائي، كل ذلك عزز عودة البوب القوية خصوصاً لدى جمهور المراهقين.

إعلان

تمكن الجيل الأول من نجوم البوب من الاكتساح جماهيريًا ليس فقط لإتقانهم أسرار الرواج والوصول إلى المستمع بسهولة، لكن أيضًا لأنهم حافظوا على ما قام به الروك من إزالة الحواجز بين المغني وعمله، فانخرط فنانو الجيل الأول بالكتابة أو التأليف أو الإنتاج أو تصميم الرقصات والعروض الحية أو كل ما سبق، لهذا أتى هذا الجيل بزخم إبداعي يوازي زخمه التجاري، وتمكن لاحقًا من التأثير في الروك بعد أن تأثر به في البداية. لكن صناعة الموسيقى لم تنظر للأمر بهذه الكمالية، وتمكنت بسرعة من فلترة صفات تضمن رواج البوب المعاصر، صفات أقل تعقيدًا وتطلبًا مما بدا لدى جيل المؤسسين، فجاء الجيل الثاني من البوب في التسعينات مركزًا على مظاهر الصدامية والإحيائية ومحاكاة ما هو شائع موسيقيًا بشكلٍ آني في كل وقت، وغاضًا النظر عن ضرورة التحام الفنان بعمله وجدية الناتج من الناحية الإبداعية، ما بدأ طريقًا وعرة للبوب جعلته أحد أقل الأصناف الموسيقية تحديدًا، يتغير بحدة مع كل صيحة موسيقية، لكن أحيانًا يساهم بتقديم بعض أفضل أعمالها.

استراحة اليوم السابع

قد تكون كلمة استراحة قاسية بحق الكثير مما حصل في إطار الروك خلال الثمانينات، فعل الرغم من التراجع الواضح قياسًا بالستينات والسبعينات، وعلى الرغم من تحول الروك التجاري للممثل الرئيسي للروك خلال العقد، إلا أن حضور الروك كان غير مباشرٍ عبر تأثيره بالأصناف سابقة الذكر، والأهم من ذلك أنه وجدت أصناف فرعية مغمورة كانت آخذةً بالتشكل ببطء خلال الثمانينات، في الجامعات وعلى موجات الإذاعة المحلية أو المهجورة، حتى أسست هذه الأصناف أساسًا لما سيكونه الروك بدءًا من التسعينات المبكرة، وإلى حدٍ كبير، حتى اليوم.

Leave a Reply