سندباد | أحمد كامل

كتابةياسين زهران - إبريل/نيسان 18, 2016

أحمد كامل له تاريخ لا يستخف به في المشهد المصري. فبعد أن كان أحد الأعضاء الفاعلين في فلو ميكرز، استمر كامل بمفرده وأسس مجموعة التتار فى حي دار السلام العشوائي. عبّر الفريق بداية عن فكر وثقافة الحي المكتظ، ثم اتسعت المجموعة حتى ضمت رابرز من الاسكندرية ومدن مصرية أخرى، بل وصلت السودان أيضاً. انضم للتتار كذلك رابرز من الجيل القديم مثل الخطاف وعفرتو ملك الكلمات وزامو وجيجا الذين كانوا أعضاء في فلوميكرز قبل أن يتفكك. المتابع لأحمد كامل يدرك أن له منهجاً واحداً لا يبتعد عنه فى أغانيه وأنه متأثر بالبوب المصري القديم دون الحديث، وأن هذا النهج قد مكنه من تأسيس قاعدة جماهيرية مخلصة. السؤال هو: هل استطاع أحمد كامل إضافة ما هو جديد إلى مسيرته والمشهد عامة في مشروع سندباد؟

السنباد

بعد فترة طويلة من إنتاج الأغان الفردية مثل سلسلة وجع ١ و٢ و٣ حتى ١٠ أطلق أسد دار السلام وقائد التتار المصري أحمد كامل عمله الأخير الذي يقع في ثمانِ أغان تتوزع على ٢٣ دقيقة. هو ألبوم قصير فيه تعاون واحد فقط مع عبد الرحمن عاطف المعروف بـ عفروتو ملك الكلمات. السياق العام للألبوم متناسق، إذ أن الانتاج والتوزيع من تنفيذ إسلام شيتوس في بعض الأغان والباق من إنتاج أحمد كامل وحده.

توقعت سير الألبوم فى اتجاه محدد واحد لا يخرج عنه وتأكدت من هذا وأنا أسمع الألبوم لأول مرة. شعرت بوضوح أن ما أسمعه مختلف عما يجدر بنا أن نسلكه فى الراب. لا مفر طبعاً من تأثير البوب المصري على الرابرز المصريين كما هو واضح فى سلوكهم وطريقتهم في تقديم عملهم. وليست هذه مشكلة بحد ذانها، بل تكمن المشكلة في طريقة معالجة هذا التأثر وإعادة إنتاجه.

يتناسى العديد من الرابرز أن الإيقاع اللحني أساس ثقافة الهيب هوب ولا يقل أهمية عن الكلمات. الهيب هوب بدأ كموسيقى قبل الراب ولا نستطيع أن ننكر ظهور الدي جي قبل القول على المايك Emceeing. كيف إذاً نحدد النوع الموسيقي دون معرفة التركيبة الذى اعتمد عليها، وهل يمكن أن نحدد النوع من خلال الأداء الصوتي؟ هذا فخ يقع فيه معظم الرابرزلا يمكن أبداً تحديد النوع من خلال الموضوع والكلمات. هذه قمة الإسفاف. العنصر الوحيد الذى يتم تحديد النوع من خلاله هو التركيبة الموسيقية وطريقة الأداء، بمعنى كيفية استخدام الآلات والأصوات. هناك إيقاعات لحنية فيها كمان وناي وعود أيضاً وغيرها من آلات النفخ أو الوتريات ولكن كيفية استخدامها هي ما تعطي للنوع معناه. يذكرني هذا بشغل فردريك في أغنية مشواري لـ عمر بوفلوت إذ وظّف العود بنجاح في أغنية راب

إعلان

تتضح في الألبوم نية أحمد كامل وإسلام شيتوس في المحافظة على الطابع الشرقي المتمثل في البوب المصري مع الالتزام بالعنصر الإيقاعي في الراب. فمثلاً قد تدرك منذ السماع الأول لأغنية سندباد سير الموسيقى على نهج البوب المصري القديم المتأثر بأنغام عاطفية تقليدية. تزدحم الأغنية بآلات موسيقية دون جدوى جمالية، قد يكون سبب هذا الإقحام للآلات محاولة إعطاء الكلمات مصداقية وعاطفية ولكن هذا لم يكن موفقاً في أغلب الحالات.

أغنية حرام كانت محاولة أفضل من شيتوس في دمج موسيقى ذات طابع إسلامي تعتمد على الدف والعود والناي واستخدام التهاليل في الخلفية. لكن المحاولات المستمرة في دمج الراب والبوب المصري لا تخرج عن سياق واحد ونبرة مألوفة جداً ومستهكلة، إذ يبحث أحمد كامل وشيتوس عن هذا التوفيق بين الراب والبوب من خلال المزج المباشر بدلاً من أخذ عناصر من كليهما ودفعها إلى مساحات جديدة.

يرتكز الالبوم على فكرة التجربة الشخصية للسندباد ابن البلد الجدع وقص خبرته القاسية في الحياة وما استفاد منها، خصوصاً أن دار السلام وغيرها من المناطق العشوائية تفرض على ساكنيها فكرة ابن البلد اللي الزمن جه عليه والذي يكافح ويستمر رغم الظروف القاسية. هذا طبيعي في الراب لأنه لغة الشارع. رواية التجربة الحياتية من خلال قصها على المستمع مثل أحد أهم ألبومات الراب على الإطلاق Illmatic لـ Nas تكون على شكلين: درس ووعظ للمستمع، وهو غير مرغوب فيه. أو إخبار المستمع بقصص وسرد لما مر به الرابر من تجارب حياتية ليس الغرض منها العبر والمواعظ. هذه الموضة الجديدة في الأخذ على عاتق الرابر تقويم ذات المستمع والوعظ في الأغاني من أكبر المخاطر التي يواجهها الراب المصري.

التركيبة اللغوية عند السندباد غير معقدة. هو يقص على المستمع معرفته الشخصية من خلال جُمل توظف الحكم والأمثال الشعبية أكثر من اعتماده على تأليف جمل شعرية وأسطر تعلق بالذهن. لكن ما يقوم به السندباد ينجح بسبب تطويع أسطره ببراعة لما يوافق قافية ووزن هذه الحكم. هذا غير مسبوق في المشهد، لكن ما يعيبه هو حصر المعجم اللغوي في كلمات قد يكون لها مرادفات أفضل وأكثر تنوعاً:

الليل بياع .. و سندباد رحال وعمر قلبه ما خاف والمال بيحب المال ونصيبك تحت إيدين سياف دكر من صغرك / الى تحبها تشوفها أم لابنك الشارع متوى للي عاش ومات معاناة

امشى على رمشي وكحلي جفني إلا منامشي بكره عيد شيخ البلد وابن البلد معاشي والدنيا مهما تشتي / والعين ما تبكي وتنكر مسيرك تكره عيشة الليل عشان وحدك بتغني ملكش شقيق

الشارع ملجأ / شكلك لسا مش مصدق إنك هنت عليهم زي ما هانو عليك و بعت المبدأ كداب / والسندباد لو مال أهو جدع بيدور عالي باقي منه فى ميت جزء من وجع

الوعظ الديني يهلك أغنية حرام رغم الأداء الجيد لسندباد. بالإضافة إلى هذا، تظهر مشكلة تكرارية نفس الجُمل بصياغة مختلفة قليلاً تجعل الكلمات مملة ومتوقعة.

امسكو كتاب الله / اهتفو الله اكبر خلو الامة سلف صالح جيل جديد يشرّف ابنك وبنتك يقتدو بيك مش تكونو تماثيل عرق وفلوس وتنسى الدين وتسأل نفسك باظو ليه

ربو ولادكو عالدين / الجيل القديم مفيش أمل فيه بكلم الجيل الجديد ياريت تعملو بيه خلو ولادكو رمز للأمة وللبلد وفخر لكل دين موسى نبي وعيسي نبى كل من له نبي يصلي عليه

إعلان

صوت أسد التتار وأداؤه

نبرة الصوت ليست معياراً نوعياً في تقييم أداء الرابر. قد تعزز نبرة الصوت الأداء لكنها لن تنقذ العمل أو تدمره. ما يهم هو معايير نوعية أخرى مثل التدفق والصور الشعرية والتعامل مع الإيقاع اللحني. فمثلاً جاروول صاحب النبرة الغليظة والمميزة تهالك أداؤه نتيجة تكراره نفسه واللجوء نمط واحد لا يغيره. هذا أمر آخر يعاني منه ألبوم أحمد كامل: يتكل الألبوم على نبرة صوت السندباد ولكنه يلجأ إلى النمطية والتكرارية في الأداء. أغنية حرام تكرار لأغنية أولاد رزق، وباقي الألبوم يمشي على نفس النمط. أستغرب إغفال أسد دار السلام لهذا، خصوصاً أنه أثبت سابقاً أن باستطاعته تنويع أدائه كما رأينا في أعماله السابقة مثل أغنية العو2 وفي أغانيه مع أبيوسف والعزبة.

لماذا إذاً يتسرع رابر مثل أسد دار السلام ويصدر ألبوماً دون الأخذ في الحسبان عناصر لا يجوز إغفالها؟ لكل نوع موسيقى عناصر أساسية وعناصر مكملة. إذا تسرعت وأغفلت العناصر الأساسية يخرج العمل عن النوع ويصبح فجوة باهتة، لا هو راب جيد ولا هو بوب جيد. هذه هي مشكلة المزج الذي لا يأخذ الأنواع المستخدمة إلى مساحات جديدة. هو كالطالب الذي يدرس الطب متناسياً أنه في كلية الحقوق، وأن عليه أن يتمكن من القانون أولاً. الدمج بين الطب والقانون في مراحل مبكرة قبل الدكتوراة غير منطقي Transdisciplinary دراسات عبر التخصصات، وينم عن استستهال واستهتار.

موسيقى لا تمت للراب بشيء، راب نمطي متكرر دون تلوين أو تجديد، وعظ في جميع الأغاني. هذه العناصر أهلكت ألبوم أسد دار السلام. رغم إبداع السندباد في التركيب اللغوي إلا أن مفرداته كانت محدودة جداً. ما يتميز به السندباد من قدرات ومهارات في التدفق والراب لم يُستغل في الألبوم الذي وجدت فيه تقصيراً واضحاً من أسد دار السلام. كان يجدر به التأني والتفكير أكثر بما يريد عمله في الألبوم وبالاتجاه الذي يريد أن يسلكه في موسيقاه. هناك الكثير لدى أسد دار السلام ليقدمه لجمهوره وجماهير جديدة، لكن عليه أن لا يتسرع.

 

Leave a Reply