على اسفلت

كتابةياسين زهران - أكتوبر/تشرين الأول 26, 2016

تأثر الكثيرون بالرباعي اسفلت ابراهيم فاروق، جاد الجلاد، عفريت الكلام، ديب منذ ظهورهم عام ٢٠٠٥، سواءً من الجمهور أو من الرابرز، وخلال مسيرة العشر أعوام أصبح اسفلت اسماً مهماً في الراب المصري. الآن، وبعد أن انحلت المجموعة ولم يبق منها سوى المؤسس ابراهيم فاروق وجاد الجلاد، تظهر عدة أسئلة: هل استطاع الفريق الحفاظ على نفس المستوى فنياً؟ وكيف تأثر هذا المستوى برحيل نصف الفريق؟ والأهم من ذلك، هل نال اسفلت أكثر مما يستحق من الثناء؟

للإجابة على هذه الأسئلة أجد نفسي أمام اسفلت كحالة اجتماعية أكثر منها حالة موسيقية ضمن الراب. تزامن صعود الفريق مع بحث المجتمع عمَّا هو جديد موسيقياً، واستغل اسفلت هذا الوضع عندما ظهر كفريق راب بشكله البدائي. لم يكن ليحظى بإعجاب مستمعي الموسيقى الرائجة ولا الباحثين عن التجديد، لكنه استفاد من أسبقيته على باق الفرق في المشهد، ثم الانجراف من الراب إلى الموسيقى الرائجة بشكل تدريجي، الأمر الذي غدا ملحوظاً مع الثورة الموسيقية التي تزامنت مع ثورة 25 يناير. كان اسفلت فريقاً مغموراً لفترة طويلة، أما اليوم فأصبح شهيراً ناجحاً جماهيرياً، لكنه أصبح أيضاً فريقاً مستسهلاً من الدرجة الأولى، وسنرى هذا في تقليبنا لمواضع القوة والضعف في موسيقى اسفلت.

الكلمات على اسفلت

الراب، كالروك، هو صنف موسيقي قادر على التنوع والتشعب وإنجاب أصناف فرعية. بإمكاننا رؤية هذا الأمر بوضوح عند اسفلت، حين تحولت موسيقاهم باتجاه الماينستريم والبوب راب، تحولٌ لم يهدف سوى لجذب عدد أكبر من المستمعين.

من فيرس ابراهيم

إعلان

بصيت لبابي المتزخرف بالأرانب

الوانه باهتة سايحة في خيوط العناكب

مقفول وساكت، ترباسه شابك

شروخه زي مرشد تايه بالأجانب

من فيرس جاد الجلاد

بصيت لشباكى لقيته مليان شقوق

وضوء مرسوم على شكل واحد مشنوق

ماسك فى إيده لعبة مكتوب عليها مظلوم

ضمير مش قادر يقوم، أحلام عايشة في غيوم

لا أفهم هذا الإصرار على تضخيم الحدث من خلال الغموض واللغة المتكلفة. هل الغرض منه إعطاء انطباع بالتعقيد لجذب المستمع العادي والمهتم بالراب على السواء؟ التكلّف يشوه الأغنية ويعقدها دون سبب، وهو فخ مصدره الرغبة بادعاء الثقافة. هل نسيت الفرقة أن الراب بدأ كموسيقى شوارع وتناسبه البساطة؟ أم أن الخلط بين الشعر العربي والراب لا زال مستمراً؟

إعلان

الكورس في أغنية بابي بصوت أمير يوسف:

ولسة العقدة في لساني، ملازماني في كل مكان

وكل طريق بيرسمني، على الهامش بدون عنوان

ولسة على الحيطان عايشة، شروخ الماضي مش بتزول

يتوه الحلم جواها، وفي الاخر يموت مقتول

لا يقدم أمير يوسف أي جديد في هذا الكورس رغم الفرصة المتاحة كونه يغني مع فريق راب، إذ أنه من السهل عليه أن يتلاعب بصوته أو أسلوب أدائه مستغلاً أريحية الراب وقلة التقييدات فيه، إلا أنه أصر على الغناء بالطريقة التقليدية وبالاعتماد على الصوت التجاري الرائج، والذي لا يزال ينجح بشدة في جذب الجمهور المصري والعالمي أحياناً، سالكاً أسهل الطرق الممكنة للفوز بالجماهير.

هناك مقياسين لنجاح أغنية: النجاح التجاري والنجاح الفني. قد الحياة هي أغنية ناجحة تجارياً لأن هذا ما يريد الجمهور سماعه، لكن هل هي ناجحة فنياً؟

من فيرس ابراهيم:

رافض أشوف يأسي فـ يوم بيهزمني

مهما أخد مني، حلمي بيكملني

ارسم بإيدك فكرتك، غير لون يومك البهتان

لو سبت مرة بصمتك، هاتعرف يعني إيه انسان

من فيرس جاد:

عزيت في حزني بابتسامتي

إعلان

طفيت نور همي بإرادتي

إيجابي، مسحت اكتئابي من كتابي

حيادي، بعبد ربي وأنا قافل بابي

لا شك في أن هذا الكلام جميل ويحث على الخير والبهجة، لكن هل له علاقة بالواقع؟ يذكرني هذا الكلام بالأفلام المصرية الحديثة التي تحدثت عن طبقة معينة في مصر، طبقة الناس الكيوت، على أنها واقع؛ متجنبةً تماماً الصورة الحقيقية في مصر والطبقات المطحونة. لكننا لسنا بصدد النقاش من منطلق طبقي بل موسيقي. الكلمات عند اسفلت مربكة وتحتوي زخرفة لغوية لتضخيم المعنى دون جدوى. الظاهرة تتكرر في أغنية مشروع السعادة، تلوين البيوت بألوان جميلة من قبل شباب يرتدون ملابس على الموضة، لكن البيوت خربة من الداخل والناس تموت فيها من الجوع.

الموسيقى والأداء والفلو أيضاً على الاسفلت

يختلف أداء جاد الجلاد في أغنية مشروع السعادة عن أدائه في بابي، وهذا ينطبق على اسفلت عموماً، فما يصدمني بحق هو قدرة الفريق على الراب لكن إصراره على إنتاج ما هو تجاري وضعيف بكل معنى الكلمة. هل هو أكل عيش، أم هو خضوع لما هو دارج؟

ليس هناك أي إبداع في الإلقاء أو تنوع في الصوت في أغاني مثل بابي، قد الحياة، واحوى يا واحوى التي تقوم على فكرة مستهلكة وفلو روتيني متكرر وممل. الغريب أن ذلك يتناقض مع ما رأيناه من مشاركات ابراهيم واد في ١٦ عالطاير، حيث أثبت الاثنان قدرتهما على إلقاء البارات.


لماذا يتخلى اسفلت عن موهبتهم ومهاراتهم ويقدمون ما هو أقل منها؟ هل كان اتجاههم استجابةً لرغبةٍ في الظهور، أم هو أثر السوق على كل ما يقترب منه؟ ما يمكن قوله بثقة هو أن السعي نحو الجماهيرية بأي ثمن يقتل قيمة المشروع الفني، وهذا ما حصل لاسفلت
.

Leave a Reply