كرسبو الهرم – الألبوم الأول

كتابةياسين زهران - مارس/آذار 14, 2016

كلما ذُكر اسم كرسبو الهرم تقوم القيامة ويبدأ الكل بإصدار فتاوى وإطلاق أحكام كأنهم خبراء وخريجو أكاديميات موسيقى عالمية. يهاجمون كرسبو على طريقة إلقائه ولأنه كما يقولون بكل جهل يقع من على البيتكما ينتقدون لدغه في بعض الحروف مع أن ليس لذلك علاقة بمستوى الرابر إطلاقاً.

يرفض الكثيرون أيضاً المواضيع التي يتناولها كرسبو، ويعتبرونها سوقية غير لائقة بالفن أو الراب، متناسيين إن الراب لغة شوارع مللنا من التحفظ الاخلاقي المزيف فى الراب خصوصاً أن عزبة الهيب هوب، الكيان المؤثر الذي أسسه كرسبو من قلب العشوائيات، يخوض معارك حامية الوطيس مع خصوم من الاسكندرية والقاهرة وغيرها. كما أن أغلب أغان كرسبو القديمة فردية هجومية وعن خلافات بينه وبين خصومه من الرابرز.

لطالما اصطدم كرسبو بهؤلاء سواء في أغانيه المنفردة أو في حياته اليومية، لكن اليوم ومع ألبومه الأول، فإن التحدي الحقيقي لـ كرسبو هو المجال نفسه والجمهور الرافض له. ماذا يريد الجمهور من كرسبو وماذا يريد منه باقى الرابرز؟ هل يريدونه أن يكون مثل زاب ثروت أم يريدونه أن يتبع طريق إسفلت جايينه في مقال قريباً؟ أم على الرابر أن يتقيد بقواعد متعفنة ومتهالكة لإرضاء الجمهور؟ هل المشكلة فى اللغة؟ أم فى التعبير بطريقة خاصة وأفكار جديدة؟ كرسبو يواجه كل هذا في ألبومه الأول، ومهمته هي أن يرسخ مكانته كمتمرد على المشهد، وأن يثبت وجوده رغماً عن كل ما يلاقيه من هجوم وانتقادات.

فلنعش حياة أبدية – الكلمات

يقدم كرسبو شخصية الأبيض لقب البطل في فيلم ابراهيم الأبيض التي يتقمصها في الألبوم منذ الأغنية الأولى. يتحدث كرسبو عن نفسه وتجاربه الحياتية وعما يريده منه الجمهور والمنافسون ويدافع عن نفسه وعن أسلوبه وطريقة نطقه للحروف من خلال جُمل شعرية قصيرة. ما يميز كرسيبو الأبيض هو لغته البسيطة، فهو يستخدم لغة شارع دون تكلف أو زخرفة أو استعراض. بلغة الشارع، يكون كرسبو على طبيعته.

إعلان

إنت ليه بتشتميني؟

عشان ألدغ؟

ولا عشان في كل التراكات انا بكتب الكلمات من غير ما بكتب حروف اللدغة

عشان الاوف بيت ولا عشان الحريم ولا بتشتموني من اجل مين يا ولاد القحبة!

كلها بتجرب

عزبتنا بتقوم على الله

الشارع والرجولة والأهل والموت كلها كلمات ذات مدلول بطولي تقاس بها مكانة المرء. في عشوائيات مصر، هذه القيم ما زال لها معنى حقيقي لم يعد يوجد في باقي المجتمعات القاهرية. الروابط الاجتماعية هناك أقوى بكثير من تلك في مناطق أخرى، الكل واحد، يساند بعضهم بعضاً، وهذا هو الأساس الذي تقوم عليه العزب المتواجدة في العشوائيات. يوصل كرسيبو هذا إلى المستمع بنجاح.

آخرتها موته

آخرتها تشوف أشباح جمب الحيط بتتكيف من بوله

آخرتها نعيش برجولة ولو هنموت تبقى ببطولة ولو اللي فات من العمر مات أنا اللي معاك لو قلت توبة / آخرتها فوق مكتوبة

إعلان

ياخويا

طمني عليك يا ابن امي وابويا

ابوك اتولد فـ وقت غير وقتنا

ابوك ماقلش مننا أبوك لو قلبه جمد علينا ده لأجل ما ينشف عضمنا / خلوا البيت يلمنا

فى البارات التالية يوضح كرسيبو أن عزبته هو التي يشد ظهره بها تشمل من يسميه هنا بـ العشري، الرابر ديدا الهرم هو يسمي نفسه بالعشري أيضاً، وقد تكون جائت فكرة ابراهيم الأبيض من هنا. يتقمص كرسبو شخصية ابراهيم الأبيض ويعطي ديدا شخصية العشري من الفيلم ذاته أيضاً.

الشارع بيربي / بجيب حقي وابقى مرضي

الاكبر مقام يتشال عالدماغ الأبيض تمام أباتشي

إتعشت وفـ ضهري العشري

التركيبة اللغوية عند كرسبو شوارعية تستخدم فى الحديث الحامي بين خصمين يتعاركان. تستطيع أن تقول إن كرسبو يتعارك على الإيقاع اللحني مع المستمع الذى يأخذ الكلام على محمل شخصي. كرسبو ليس له حدود لغوية وأدبية فى الكتابة وهذه ميزة.

إوعي تغب عليك انطرك شبح وماشفتش فيكوا دكره

كلها بتقول هتخطف الملعون مش بنقول بنقطرك بندقرك بنعرف ندق وندشدش لمض جمع لمبة

إحنا مقام ولو عالتمام أشباح وأعلام ولو مجاش على هواك الكلام خلي بالك عشان اللي جاي هجام

11755632_851049541643060_7089933373548399975_n

الموسيقى

الالبوم مكون من ٨ أغاني أنتج أربعة منهم منتجين متخصصين هم بولو وماك دي و فينوم وبيج ماستا.

فلنعش حياة أبدية إنتاج بولو

استخدم بولو الامبراطور عينات من الموسيقى التصورية لفيلم إبراهيم الابيض للملحن القدير هشام نزيه بما تحتويه من عزف الكمان على إيقاع طبلي فى أبسط أشكاله بحيث لا تشتت المستمع عن الكلمات ولا تنسلخ عن ثيمة الألبوم وسياقه. فكرة تقطيع النغم بحيث يظهر ويختفي ليعطي وزنا أكبر لبعض المقاطع السردية موفقة. استطاع بولو بالاقتراب بالأغنية من جو الفيلم العنيف والقائم على قوة العاطفة الإنسانية على الرغم من قسوة المحتوى.

لَفْ نو هيفين إنتاج ماكدي

من لا يعرف ماك دي، ذلك البركان الخامد الذى افتقده المشهد طويلاً. ماكدى رابر قوي ومنتج بارع. في هذه الاغنية يستخدم ماك دي مؤثرات صوتية مناسبة للمحتوى العاطفي للأغنية. الإيقاع الطبلي ذو التركيبة البسيطة مع نغمات البيانو الطويلة تعطي لوناً داكناً للمسار يستمر على طول الاغنية في حلقة متواصلة لكن ليست مملة.

إعلان
هيب هوب عزبتنا إنتاج بيج ماستا

استطاع المنتج بيج ماستا أن يقدم موسيقى ذات طابع حامي يعكس العراك اللفظي ويصبه فى قاعدة صلبة ساخنة تمكن كل من ديدا وكرسبو من بناء كلماتهم الهجومية فوقها. موسيقي بسيطة تتناسق في سياق متكامل، لكن أكبر مشكلة فيها هي استخدام صوت تصفيق الجماهير، هي بدعة قديمة عفى عليها الزمن.

لاست وورد إنتاج فينوم

فينوم هو أحد أعضاء نينجا باند والتي هي جزء من عزبة الهيب هوب. هو أيضاً منتج جديد فى هذا المجال مقارنة بالأسماء الأخرى في الألبوم. رغم حداثة فينوم إلا أنه أثبت أنه يمتلك حساً عالياً وقدرة على الابتكار، كما أنه يعطي الانطباع بأنه مدرك تماماً لما يفعله. الأغنية هي الكلمة الاخيرة لكرسبو على الألبوم، أي أنها آوترو، وتتناسب الأنغام والمؤثرات الصوتية فيها مع الإيقاع لتشكل مخرجاً نهائياً لا يكون حلقة مغلقة متكررة، بل خطاً مستمراً يوفّر لـ كرسبو ما يليق بكلماته الأخيرة على الألبوم.

هل فعلاً يقع كرسبو من على البيت؟

كثيرون يقولون إن كرسبو يقع من على البيت، أي يخرج عن الإيقاع، دون وعي منهم أن هذا مقصود وأنه أسلوبه منذ بدأ. الخروج عن الإيقاع والخوف من تصنيفه على أنه ضعف يجعل الرابر يتجنب هذه المخاطرة الفنية، كما أنه يتطلب مهارة وموهبة هناك رابرز مهمين جداً يقومون بذلك مثل MF DOOM و RZA، وجرأة على كسر القالب والتمرد على القواعد المتفق عليها. يقوم كرسبو بذلك في جميع أغانيه تقريباً وهو من أهم ما يميزه فى المشهد. قلة قليلة يخاطرون فى الخروج عن المألوف مثله.

كرسيبو أيضاً يمتلك الشجاعة الكافية لكي يسلك خطاً خاصاً به مما يجعله غير سهلاً لوضعه في خانات تصنيف مريحة. الحاجة للتصنيف مشكلة يواجهها الكثيرون في الراب. هناك اعتقاد بأنه لا بد من أن يكون لكل أغنية هدف لفرزها ووضعها فى قالب معين سواء كان أخلاقياً أو اجتماعياً أو سياسياً، أو تلك الفئة الكارثية الجديدة التي تتمثل بأغان Self Help تحث المستمع على تقويم الذات. هذه كلها أفكار قديمة بلهاء أصبحت الآن مستفزة الأغنية ليس لها هدف بل هي رحلة. مقولة 'ما هو هدف الاغنية' هو مجرد بحث عن سراب حيث لا حاجة لسراب أصلاً. أغاني كرسبو تحمل الكثير من المعاني وهذا يختلف عن كونها ذات هدف. نحن نبحث عن محتوى الرحلة وهناك فارق كبير بين محتوى الاغنية/الرحلة وهدف أو وجهة الاغنية/الرحلة. كما هو الحال في أغاني أبيوسف، ليس هناك هدف للأغنية لكنها غنية فى المحتوى. التنوع فى الراب موجود ومطلوب لكن ليس على الرابر اتباع طريق محدد فى التعبير عن أفكاره، وليس مطلوباً من كرسبو أن يفرض أبعاداً اجتماعية عميقةفي موسيقاه، لأن ما يميز كرسبو عن غيره هو الواقع اللغوي الذي ينطلق من خلاله. كرسبو لا يحتاج لتضخيم الحدث اللغوي ولا يحاول أن يعطي صورة غير حقيقية عن الواقع المصري. عندما أسمع كرسبو أنا لا أبحث عن معنى الحياة بمفهومها السامي الرومانسي بل عن من يستطيع أن يسرد حكايات العزبة المصرية دون تكلّف أو تبرير أخلاقي واهن.

ما يعيب الألبوم هو كثرة استخدام اللغة الإنجليزية دون مبرر، خصوصاً في أسماء الأغاني. ما المغزى فى استخدام لغة أجنبية فى البوم عربي صرف، وخصوصاً أن ما يميز كرسبو هو اللغة البسيطة غير المبتذلة؟ لماذا الابتذال في استخدام الانجليزية؟ كما أن لدي تساؤلات حول أغنية لوف نو هيفن الضعيفة وغير المتناسقة مع مستوى الالبوم ككل. كلمات الأغنية تعكس أثر البوب المصري على ثقافتنا وكيف أنها أثرت حتى على الراب، إذ تظهر كلمات مكررة مثل ‘أشباح’ و’شقاوة’. الكلمة، والتي هي أساس الراب، تستمد قوتها من ندرتها أو تغيير طريقة استخدامها. بالنسبة للموسيقى، رغم الجهد المبذول في صنعها، إلا أنها تبقى متوسطة المستوى، خصوصاً لألبوم يفترض به أن يكون علامة فارقة فى المشهد. أخيراً، المشاركات الغنائية شي جميل عموماً ولكن ذلك مرتبط بمدة الألبوم وعدد الأغاني. في هذا الألبوم تنقلب هذه الميزة عيباً لأن الالبوم قصير والضيوف كثر، فلا يبقى لدى كرسيبو فرصة كافية لإظهار نفسه.

لكن رغم كثرة المشاركين في الألبوم، إلا أنني انبهرت حقيقة بشخصية كرسبو الواضحة جداً في أدائه وحضوره القوي وقدرته على خلق صوت خاص به يميزه فوراً عن الآخرين. كما وجدت إيجابيات كثيرة فى التركيبة اللغوية والكلمات البسيطة المستمدة من اللغة اليومية للشاب المصري – والتي أتمنى لو لم يتنصل كرسبو منها بنزوحه إلى الأنجليزية دون أي داعي – ومتميزة جداً فى تركيب بسيط للجمل، واتقان الأداء والإلقاء الخارج عن الإيقاع بمهارة وتمكّن.

إذا تغاضينا عن كثرة استخدام الإنجليزية دون مبرر، خصوصاً في أسماء الاغاني، وعنوان الألبوم السيء جداً جداً جداً لهذا تعمدنا عدم وضعه في عنوان المقال كعادتنا في المراجعات. غلاف الألبوم كارثي أيضاً، يمكننا القول إن كرسبو نجح في هذا الألبوم بإثبات وجوده والارتفاع فوق صرخات منتقديه. مع ذلك، كان باستطاعته أن يقدم ما هو أفضل لو لم يتكاسل ويتسرع. كرسبو فى بدايه مشواره، وعليه أن يتخطى عيوب هذا الالبوم ليعطي ما هو جديد وأصلي في عمله القادم، لأن ذلك باستطاعته.

Leave a Reply