لماذا دفناه حياً؟ | عن أسلوب بوب ديلان المتأخر

كتابةعمار منلا حسن - مايو/أيار 25, 2016

لا يمكن القول إن بوب ديلان قد خرج من الذاكرة البشرية خلال السنوات الأخيرة، بل العكس تماماً. فقد بات ديلان على الأرجح أكثر فناني الروك حيازةً على التكريم والاحتفاء النقدي خلال حياتهم. حفلات فخرية وأوسمة شرف عليا بشكل دوري منذ التسعينات وحتى اليوم. لكن هذه التكريمات رغم حدوثها خلال حياته إلا أنها تتعامل معه على أنه ميِّت. الأفلام التي تتحدث عن ديلان والحفلات والألبومات الفخرية التي يؤدي فيها أبرز الفنانين أغانيهم المفضلة له كلها تركز على أعماله من الستينات، بالإضافة إلى بعض المختارات من السبعينات والثمانينات، وكأن تلك الحقبة هي آخر مرة شوهد فيها ديلان حياً رغم أن معظم النقاد حافظوا على متابعة وتقدير الأعمال من الفترة اللاحقة. ربما تعد نسخة أديل لـ Make You Feel Love التي نشرها ديلان في ١٩٩٧ الاستثناء البارز الوحيد من هذا التجاهل الجماهيري المعاصر، وحتى هذا الاستثناء يترك حقبة الألفينات من موسيقى ديلان في حالة تجاهل شبه تام.

يدفعنا هذا للتساؤل ما إذا كنا قد فعلنا خيراً بحق ديلان عندما تجاهلنا حقبة الألفينات من موسيقاه، أم أننا أهلنا التراب على كنوز غير مكتشفة ودفنا فناناً وهو حي، يعيش ذروة متأخرة لا تقل حدةً عن الأولى. أجد نفسي بعد سماع هذه الأعمال المتأخرة على طول السنوات الماضية منحازاً تماماً للنظرية الأخيرة. بمناسبة عيد ميلاده الخامس والسبعين دعوني أختار لكم ثلاث أغانٍ من ثلاثة ألبومات تعطينا نظرة على أحد الأوجه العديدة لمسيرة ديلان مغضوض النظر عنها خلال هذه الحقبة.

قبل التطرق إلى الأغاني علي الإشارة إلى أن البُنية في هذه الأغاني الثلاثة واحدة، وهي بنية ظهرت في أعمال ديلان المبكرة مثل Bringing it All Back Home، تتكون من مقاطع بلا لازمات أو بلازمة مدمجة تظهر كسطر أو سطرين يتكرران في آخر كل مقطع مثل عبارة It's All Over Now Baby Blues التي تظهر في آخر كل مقطع من الأغنية التي تحمل ذات الاسم، كما قد تعزف الأغنية بتوزيعة آلات إيقاعية تكرر سطر طويل ومعقّد نسبياً بتعديلات طفيفة أو بلا تعديلات، أو يصاحبها آلة لحنية جيتار غالباً تستمر بعزف لحن واحد طويل متصل متغير على طول الأغنية، كما في Desolation Row. في الألفينيات استعاد ديلان هذه البنية ليكررها في معظم أغانيه مستفيداً من الإمكانيات التي تمنحها بشكل مختلف في كل ألبوم. ليصبح التطور من الألبوم للآخر أكثر وضوحاً، سأختار أغانٍ لها ذات البنية من الألبومات الثلاثة.

ألبوم حب وسرقة وأغنية بلوز يوم وحيد

في ٢٠٠١ أصدر ديلان حب وسرقة، أحد أكثر ألبوماته تجرداً من السياق الموسيقي. معظم أغاني الألبوم تتبنى اتجاهات موسيقية مستقلة بحالها. هناك ميسيسبي، الملحمة الشخصية التي توازن بين اللحني والإيقاعي لدعم غناء ديلان وهو يحكي قصة ندم غير منتهية، وباي آند باي، البالاد Ballad العاطفي الذي يغازل جاز مطلع القرن الماضي؛ وموونلايت، الأغنية العاطفية التي ستعطينا نظرة مستقبلية على ألبوم عاصفة الذي صدر بعد 11 عاماً على حب وسرقة.

إعلان

هذا التنوع لم يمنع الألبوم من أن يضم ثلاث أغانٍ شكلت نواته وحملت صوتاً جديداً ممتازاً. أيام الصيف وبلوز يوم وحيد وكراي آ وايل Cry A While كانت أغانٍ تواكب بطريقتها الخاصة، بقصد أو بلا قصد، حركة إحياء ما بعد البانك Post Punk Revival التي اندلعت في الولايات المتحدة تلك السنة. هنا أسطر الجيتار المكررة Guitar Riffs ضخمة صوتياً وصارمة، كتلك التي عزفها جيمي بايج في ألبومات ليد زيبلين الأولى. جيتار إيقاعي ثانوي يساند جيتار الإيقاع الرئيسي، وإيقاع طبول ممتاز يساند كل ذلك، بينما تختم أسطر جيتار لحنية قصيرة جداً جمل ديلان أو تظهر بكثافة وبشكل دوري لتحافظ على عنفوان الأغنية وحيوية تدفقها.

لعل بلوز يوم وحيد كانت أفضل هذه الأغاني. مقطعها الإيقاعي المتكامل الذي يكرر نفسه على طول الأغنية منسوج بطريقة زخمة ومبني على تطور لحني يوهم المستمع بأن الأغنية تتطور وتتصاعد بشكل مستمر، معتمداً بخدعته على أسطر الجيتار اللحنية القصيرة التي تختم جمل ديلان ثم تطول لتختم الأغنية. ما يزيد الأغنية قوةً هو استغلال ديلان الممتاز لبنية اللوازم المتتالية الإيقاعية في كتابة الكلمات. المقاطع المؤلفة من ثلاث أسطر طويلة لا تحكي قصص متتالية، بل هي مجموعة قطع ضمن لوحة فسيفساء موسيقية. كل مقطع هو فكرة أو ذكرى تسيطر على ذهن ديلان المكتئب في يوم وحيد. يخبرنا ديلان بذلك عندما يبدأ الأغنية بـ اليوم كانيوماً شديد الوحدة والحزن / اليوم كانيوماً شديد الوحدة والحزن / أجلس هنا مفكراً بينمايسرح عقلي بأرجاء الكون، ثم تبدأ المقاطع والأفكار والذكريات بالتوالي حتى تختلط الذكريات البعيدة بالقريبة، والواقع بالخيال، يختلط كل ذلك علينا ويوهمنا ديلان في نهاية الأغنية الملحمية أن الأمر قد اختلط عليه أيضاً فبدأ بتحقيق انتصارات بطولية لا تحدث سوى في رأسه.

ألبوم معاً خلال الحياة وأغنية شايك شايك ماما

معاً خلال الحياة الصادر في ٢٠٠٩ هو أكثر ألبوم قادر على تلخيص أو تمثيل الحقبة الألفينية لديلان من حب وسرقة في ٢٠٠١ وحتى عاصفة في ٢٠١٢. في الألبوم الكثير من البلوز، لكنه يعتمد على توزيعة خاصة ظهرت في ألبومات هذه الحقبة ولم تتكرر، يقع في نواتها استخدامات متقطعة وغير متوقعة لكن شديدة الملاءمة للأوكورديون والبانجو والماندولين. بإمكاننا سماع أحد أشكال هذه التوزيعة في الأغنية التي تقفل الألبوم: كله تمام، حيث يتحالف سطران متكرران للأوركورديون والجيتار الكهربائي مع كلمات بوب ديلان وأسلوب غنائه لخلق صوت مستفز مخبول: “تحدثي عني بخبث لو اضطررتي يا مدام / ألقي بالغبار فوق أكوام السخام / لو كنت مكانك لفعلت المثل / ألا تعلمين ما يقال؟ كله تمام!”

لكن الأغنية الأكثر إثارة للاهتمام في الألبوم هي استعادة لأغنية مانس ليبسكومب المغمورة Shake Shake Mama، والتي تعطينا نظرة على أقرب مكان للبلوز وصل إليه ديلان خلال حقبة الألفينات. يستعيد ديلان هذه الأغنية وفق شروطه الخاصة، يعيد كتابتها وإعادة توزيعها بشكل جذري، يبنيها على بنية هجينة تتألف من مقاطع ثلاثية الأسطر، المقاطع الثالثة والسادسة والثامنة منها تلعب دور لازمة تكرر ذات اللحن وتختلف بالكلمات مع الحفاظ على عبارة تمايلي يا حبيبتي في بداية أول سطرين. تحافظ الأغنية على كثير مما في بلوز يوم وحيد من حيث الاعتماد على مقطع إيقاعي طويل يتكرر على طول الأغنية، واعتماد هذا المقطع بدوره على سطر جيتار مكرر أساسي يعزف فوق جيتار إيقاعي ثانوي، مع ظهور أسطر جيتار لحنية بين نهاية كل لازمة وبداية المقطع التالي لتؤصل طابع البلوز. كذلك يأتي طابع البلوز من كلمات الأغنية وصوت ديلان الذي نالت منه البحة بشكل أكثر وضوحاً، فيلتحم غناء ديلان بباق الآلات ويسحبها نحو صوت أكثر هرماً وبؤساً، إذ نسمع ديلان يتوسل بشكل عابث حبيبته السابقة لتعود إليه بحجة أنه ما يزال لديهم بعض الأيام الجميلة ليقضوها معاً: “تمايلي يا حبيبتي كسفينةً تنزل في البحر / سرقتِ كل مالي لتعطيه ريتشارد لي وتصيبني بالقهر (…) تمايلي يا حبيبتي حتى نهاية الزمان / أنا بقربك تماماً ولن أغادر المكان.

ألبوم عاصفة وأغنية الدرب الضيق

في ٢٠١٢ أصدر ديلان ألبوم عاصفة الذي حافظ فيه على الإطار العام للتوزيع الموسيقي المستخدم في معاً خلال الحياة، ليوجه عنايته لدرجة فوقكمالية لبنية الأغاني والكلمات. وبالفعل، فقد حقق ديلان برأيي الشخصي على الأقل ذروته الأدبية الشعرية القصوى مع عاصفة، الألبوم الذي حمل اسم آخر مسرحية كتبها شيكسبير بمفرده مع اختلاف بـ الـ التعريف، ألبوم ديلان اسمه عاصفة أما المسرحية اسمها العاصفة.

متبجحاً بعضلاته الأدبية نوَّع ديلان بنى الأغاني على الصعيد الأدبي، فاستخدم مرثيتين، الأولى تحمل اسم الألبوم وتقوم على ٤٥ مقطع رباعي الأسطر تروي بتتابع قصة غرق التايتنك بلغة أدبية فذَّة يرافقها لحن أيرلندي جنائزي؛ أما الثانية باسم امضِ بطريقك جون فتنطلق مما يبدو أنه وصف للمشهد الذي تلقى فيه ديلان خبر مقتل جون لينون: “دكتور! دكتور! أخبرني ما الوقت من اليوم الآن؟ / زجاجة مشروبٍ أخرى فرغت / بنس آخر تم صرفه / التفت للخلف ومضى بطريقه بهدوء / أطلقوا عليه الرصاص غدراً فهوى على الأرض / أشعل نوراً / لوح به / احتراقك أنار العالم / امض بطريقك جون“. ويتابع ديلان تبجحه الأدبي في أغنية ملاك القصدير Tin Angel التي يبنيها كمسرحية موسيقية يلعب فيها دور الراوي. يبدأ بتقديم المشهد المسرحي ثم يشرع بسرد الأحداث والمحادثات التي تدور بين الشخصيات الثلاثة الرئيسية بانياً ذروة دراميةً تقليدية تقود للنهاية التراجيدية الرومانسية.

إلا أن قمة التمكن في الكتابة كانت في أغنية الدرب الضيق بالإنكليزية هي درب ضيق Narrow Way بلا الـ تعريف، تمكُّن ديلان هنا لم يكن فقط بكتابة أغنية حب كلاسيكية تضع معاييرها بنفسها، بل بالانسجام المذهل بينها وبين بنية الأغنية. تتحدث كلمات الأغنية عن علاقة حب فوق تاريخية، تتقمص فيها روح ديلان حياة شخص جديد في كل جيل، وكذلك تفعل روح حبيبته رأيتك تشربين من كأسٍ بلا قعر / رأيتك تدفنين، ثم تبعثين من القبر، وفي كل حياة يحاول الفوز بها، وفي كل حياة يموتان قبل نجاحه بذلك، وتستمر المحاولة في الحيوات اللاحقة، لكن ذلك لا يحبط ديلان الذي يرى أن علاقته مع هذه الفتاة هي درب طويل، وهو ضيق بقدر ما هو طويلأي أن دروبهما ستستمر بالتقاطع للأبد، بالتالي يسلّم ديلان بحتمية نجاح العلاقة بمكانٍ ما على طول هذا التاريخ، ولديه حجة جيدة لذلك: ” لو لم ترفعني الحياة لمستواك، ستخفضك لمستواي الذليل!”، وعلى طول الأغنية يرسم لنا ديلان صور مبعثرة من تاريخ هذه العلاقة، بعضها حالم لا تتوقفي عن الرقص حبيبتي، من مثلك لا يخطئ الرقص / أحيطيني بيديك، يديك تطردان البؤس، وبعضها ناقم والدتك تخلت عنك، والدك لم يكن أفضل / حتى الموت بنفسه بات منك يتنصل، لكن بإمكاننا أن نتفهم أن علاقة فوق تاريخية مماثلة لها أيامها البيضاء والسوداء كأي علاقة أخرى.

من ناحية البنية استخدم ديلان مقاطع متتالية من 6 أسطر مع لازمة مدمجة تشغل سطرين من آخر كل مقطع: “إنه درب طويل، وهو ضيق بقدر ما هو طويل / لو لم ترفعني الحياة لمستواك، ستخفضك لمستواي الذليل؛ أما موسيقياً فقد استخدم مقطعاً إيقاعياً متكرراً أقصر بكثير من المقاطع المستخدمة في إعماله السابقة، كثف فيه الضربات الإيقاعية القوية للبايس والطبول، واستخدم سطراً مكرراً رئيسياً قصيراً جداً، ينتهي بنوطة حادة ناشزة بعض الشيء، ولا ينفك يعيد نفسه بفارق صغير جداً بين التكرارات، لكنه يلعب على تغييرات غير منتظمة بحدة الصوت ليخلق بالتوازي شعوراً بالاختناق والضيق وبذات الوقت إحساس بالتدفق والاستمرار، خصوصاً أن السطر المكرر الرئيسي يتحرر نسبياً من إيقاعيته ويتحول بخفة لأسطر لحنية مختلفة تظهر خلال الاستراحات الآلية الطويلة بين بعض المقاطع. بالنتيجة تنسجم كلمات الأغنية وبنيتها وموسيقاها في سمة واحدة، تتحول الأغنية لعنصر واحد وهو عبارة عن نفق موسيقي طويل وضيِّق يشبه الكلمات التي يتحدث عنها.

الجواب يا صديقي، لا يحلق مع الريح

قد يكون ديلان هنا ضحية نفسه قبل أي أحد آخر، عندما رفع المستوى في الستينات فقد رفعه عالياً لدرجة تبرر لنا ألَّا نتوقع منه أن يحافظ على هذا المستوى لنصف قرن، وأن نجزم بأنه لن يكون قادراً على تغيير موسيقى الروك من رأسها لجذورها على مدى نصف قرن آخر. هذا طرح مبرر وواقعي، لأن استمرار ديلان على نفس المستوى أشبه بالمستحيل، ثم أنه يقع خارج دائرة اهتمامه من الأساس؛ ديلان اليوم غير مكترث بالروك كما هو وبـ لعبة الروك، هو اليوم يستمتع باستعادات الجاز والبلوز، يستمتع بالعثور على توزيعة موسيقية جيداً جداً لدرجة تقيم لون موسيقي هجين مستقل بذاته. هو لا يزال مجتهداً بعنف ككاتب أغانٍ وشاعر، منغمس بذاته أكثر من أي وقت مضى، لا يكترث للفولك Folk والقضية، لديه مخزون ذاتي خام كافٍ لنسج الكثير من الأصالة. فإذا كان ديلان اليوم يقوم بكل هذا، ويقوم به بذات الشغف والأصالة التي قام بها عندما قلب الروك في الستينات، إذا كان ديلان الفنان لا يزال يتنفس بصخب، لماذا دفناه حياً؟

إعلان

Leave a Reply