ليكن هناك روك | التاريخ الذي بدأ عام ١٩٥٥

كتابةعمار منلا حسن - سبتمبر/أيلول 17, 2016

“في بداية التاريخ… في ألف وتسعمائة وخمس وخمسين / لم يعرف الإنسان الروك آند رول وكل هذا المجون / موسيقى البيض عاطفية ومنمقة، وموسيقى السود شديدة الكآبة / لم يعرف أحدهم ما العمل لكن تشايكوفسكي أتى بالإجابة / قال: ليكن هناك صوت، فكان الصوت / ليكن هناك ضوء، فكان الضوء / ليكن هناك طبول، فكانت الطبول / ليكن هناك جيتار، فكان الجيتار / ليكن الروك!”، تروي AC/DC قصة خلق الروك في أغنيتها ليكن هناك روك Let There Be Rock، مستعيرةً قصة الخلق بنسختها الإنجيلية، ما يذكرنا بالعبارة التي تلازمت مع ولادة الروك، أنها موسيقى الشيطان.

لكن لماذا اتفقت فرقة آي سي دي سي وسواها من الفنانين والمؤرخين الموسيقيين على هذا العام بالذات؟ ما الذي حدث عام ١٩٥٥ وجعله علامة ولادة الروك؟ وهل كان ظهور الروك طفرة إبداعية أم نتيجة سلسلة تطورات؟

في بداية الأربعينيات من القرن العشرين بدأ البث التلفازي في الولايات المتحدة، وبشكلٍ طبيعي سيطرت الموسيقى الرائجة على فترات البث التلفازي المخصصة للموسيقى، كما كانت تسيطر بالفعل على معظم فترات البث الإذاعي بالنسبة لشبكات الإذاعة الوطنية التي تغطي البلاد بالكامل، ما دفع الإذاعات المحلية للشعور بالتهديد خصوصاً وأن جمهورها بدأ بالانسحاب باتجاه شبكات الإذاعة الوطنية والشبكات التلفازية. حاولت الإذاعات المحلية بالتالي إيجاد هوية وطابع خاص بها للخروج من المنافسة الخاسرة مع الشبكات الكبيرة، وأصبحت تضع أهدافها على مستوى المدينة والولاية، بالتالي بدأت هذه الإذاعات التي لا تغطي سوى مناطق محدودة ببث المزيد من الموسيقى الريفية والغربية، بل وبدأت باستقطاب جمهور الأمريكان الأفارقة الذين تجاهلتهم الإذاعات الوطنية ومحطات التلفاز، وذلك ببث الإيقاع والبلوز وأغانٍ من أداء أو تأليف موسيقيين سود.

وبسبب هذه الخطوة الإذاعية بدأت ألوان موسيقية محلية بالحصول على المزيد من البث الإذاعي وتجاوز حدودها الجغرافية، خصوصاً وأن بعض الإذاعات المحلية ذات القدرات الإذاعية العالية Super Stations كانت تغطي مساحات يصل قطرها لمئات الأميال. هكذا بدأ الشباب والمراهقون الأمريكيون البيض بالتعرض لموسيقى الإيقاع الجريئة للمرة الأولى، حيث لم يُسمح لهم بزيارة المتاجر التي تبيع هذه الموسيقى أو حتى زيارة المناطق والأندية التي تعزف بها، فكانت الإذاعة نافذة تعرضهم الوحيدة لها. إلا أن التأثير لم يكن يسري باتجاهٍ واحد، فما أتاحته الإذاعات من تداول للموسيقى قد خلق أول احتكاك بين الموسيقى الغربية والريفية المعتمدة على الآلات الوترية، وبين المستمعين الأمريكان الأفارقة وموسيقى الإيقاع الخاصة بهم.

إعلان

أمرٌ ثانٍ شكل منعطفاً هاماً في نهاية الأربعينيات، وخاصةً في عام ١٩٤٨، كان التوجه العام المدعوم بمراسيم وقرارات صارمة لإنهاء العنصرية في الولايات المتحدة، الأمر الذي أتاح، ولو بتحفظ، فرصاً للنجاح الواسع لعدة فنانين من أصول أفريقية، شرط أن يلتزموا بشخصيات علنية مهادنة تخلو من الجموح الجنساني، لدرجة أن بعض المستمعين كانوا يتعرضون لأغاني مغنٍ ذو أصول أفريقية على الإذاعة معتقدين أنه مغنٍ أبيض. كان أبرز من نجحوا في هذه الفترة المغني وعازف البيانو الممتاز فاتس دومينو Fats Domino الذي برز منذ عام ١٩٤٧ بشخصية ودودة جداً وأغانٍ لطيفة لا تنم عن أي تهديد للقيم المحافظة لدى الأسر البيضاء في أمريكا، ما أتاح له نجاحاً وشهرةً على مستوى وطني. وفي ذات العام وبذات الطريقة بزغ نجم ليتل ريتشارد ذو الموهبة الفذة على البيانو، والمعروف بأغانيه الصاخبة نسبةً لوقته وذات الإيقاع السريع الراقص.

التطور الثالث والأخير في تلك الفترة كان ظهور وظيفة مشغلي الأقراص الموسيقية Disc Jockeys في الإذاعات، حيث بات مقبولاً في الأربعينيات، وبعد ثورة الأغنية المسجلة التي حدثت في الثلاثينيات، أن تبث الإذاعات تسجيلات موسيقية عوضاً عن الاقتصار على بث الأداءات الحية، ومع عام ١٩٤٧ كان هناك ٣٠٠٠ دي جاي في الولايات المتحدة، بثو أغانٍ أكثر تنوعاً وأخرى لم تكن مشهورة من قبل. ولما لم تكن شركات التسجيل المستقلة تمتلك ما يكفي من المال للترويج لفنانيهم عبر الحملات الإعلانية التقليدية، كانت تميل لاستقطاب ورشوة الدي جاي لبث المزيد من أغاني فنانيهم المغمورين حتى يصلوا الجمهور الواسع أو حتى المحلي، ويبدؤوا بتحقيق النجاح التجاري المطلوب.

لما لمس مشغلو الأقراص الموسيقية إقبال المستمعين وخاصةً الأمريكان الأفارقة منهم على الإيقاع والبلوز، باتوا يبثون المزيد من هذه أغاني، حتى اعتقد المستمعون أن بعض الدي جايز مثل آلن فريد Alan Freed كان من أصول أفريقية بنفسه رغم خطأ ذلك. كان فريد يستضيف برنامجاً شديد النجاح في كليفلاند اسمه The Moondog Show، ولما فاق نجاح البرنامج النطاق المحلي انتقل به فريد إلى نيويورك ليبدأ بثه من هناك على نطاقٍ وطني، لكن حقوق الملكية الفكرية منعته من الحفاظ على اسم برنامجه الذي كان مأخوذاً بالفعل، ما اضطره لتغيير اسم البرنامج إلى: حفل الروك آند رول Rock n' Roll Party، ومن المرجح أن يكون لهذا البرنامج ذائع الصيت وقتها الدور الأبرز لإعطاء هذا الصنف الموسيقي اسمه.

صبّت كل هذه التطورات الثلاثة الماضية في صالح تشاك بيري Chuck Berry، الذي كان رغم أصوله الإفريقية مولعاً بالموسيقى الريفية والغربية، وفضّل الجيتار الذي كان الآلة الرئيسية لهذه الموسيقى على البيانو الذي كان الآلة الرئيسية لموسيقى الإيقاع، كما أصرَّ بيري على تأليف وكتابة أغانيه بنفسه حرصاً على ألا تحتوي على أي إيحاءات أو كلمات قد تحول بينها وبين البث الإذاعي والتلفازي، رغم أن أغانيه على كل الأحوال كانت مموهة وغالباً ما تقبل إعادة التأويل بطريقة إيحائية جنسانية، ما أفاده من جموح هذه الكلمات دون أن يحرم من البث والوصول للجمهور الواسع. سرعان ما حقق بيري نجاحاً على الصعيد الوطني والعالمي بفضل أسلوبه في العزف على الجيتار، وأدائه الصوتي المميز، إلى جانب أسلوب أدائه الاستعراضي على المنصة. في عام ١٩٥٥ أصدر بيري أغنية مايبلين Maybellene، التي يعتقد أنها أولى أغاني الروك في التاريخ، أغنية ممتازة جامحة بالنسبة لعصرها بغض النظر عن أهميتها التاريخية.

شهد ذات العام صعود موسيقي عبقري آخر عرف أيضاً باستخدام الجيتار والمزج بين الموسيقى الريفية والإيقاع والبلوز، هو بو ديدلي Bo Diddley الذي أصدر وقتها أغنيتي Bo Diddley التي حملت اسمه وI’m a Man، حيث قدم في الأولى إيقاعاً مذهلاً استخدم في أغاني روك أيقونية لفرق مثل رولينج ستونز وذا سميثز وغانز آند روزس. في ذات العام أيضاً، أصدر ليتل ريتشارد إحدى أنجح أغانيه Tutti Frutti. وأخيراً أصدرت فرقة Bill Haley and His Comets أغنية روك أراوند ذ كلوك  Rock Around The Clock، وكان للأغنية من النجاح أن تصدرت المبيعات حول العالم، قبل أن تلعب الفرقة دور البطولة في فلمٍ غنائي عام ١٩٥٦ حمل اسم الأغنية. شهدت عروض دور السينما أعمال شغب غير مسبوقة من قبل المراهقين الذين أدمنوا مشاهدة الفيلم وفقدوا صوابهم منذ أغنية شارة البداية.

في نهاية العام أصبح من الجلي في الولايات المتحدة أن صنفاً موسيقياً جديداً يأخذ بالتشكل، ونظراً لاسم الفيلم الأخير وبرنامج آلان فريد وأغانٍ لتشاك بيري مثل أغنية موسيقى الروك آند رول Rock & Roll Music، تم اعتماد مصطلح روك آند رول اعتباطياً لهذه الموسيقى. كان الروك آند رول في هذه الأثناء لا يزال هجيناً وغير مستقراً على خصائص أو جماليات معينة، تتغير صفاته بعض الشيء مع كل فنان هام أو عمل أيقوني يظهر في تلك الأعوام، لكن هذا لم يستمر طويلاً. في ١٩٥٦ أصبح للروك آند رول نجم شعبي، فتى بمطلع العشرينات من ميسيسبي، عرض عليه أن يسجل موسيقى الفنانين الرائجين ويتبع دين مارتن وفرانك سيناترا، لكنه فشل عن عمد، وفي إحدى الليالي غير المثمرة في الاستوديو أمسك إلفيس برسلي الجيتار وسجل أغنية قد سمعها في مكانٍ ما ولم يتمكن من إخراجها من رأسه. كانت هذه الأغنية بداية لمسيرة فنية سترسخ الروك آند رول وتطلق الموجة الأولى من هذه الموسيقى.


هذا المقال هو الثالث ضمن سلسلة تاريخ الروك.

إعلان

Leave a Reply