ملاك | رشا رزق

كتابةهيا المويل - نوفمبر/تشرين الثاني 7, 2017

تستفيد الكثير من الأعمال التي تتناول الثورة السورية من تساهلٍ نقدي وإقبالٍ جماهيري أساسهما التعاطف. هي حالة تشكّل فخاً، يجعل الكثير من الفنانين يتساهلون في إنتاجاتهم، ويؤخرون القيمة الفنية للعمل ليتسق مع فهم مبسّط ومتسرع للثورية. تعي رشا رزق خطورة هذا النوع من تلقي الأعمال الفنية، إذ أكدت أن معيار نجاح العمل هو حرفيته وتمكنه، سواءً اختار الالتزام بقضية أو بأي موضوع آخر. بهذا، فإن ملاك هو محاولة لإتقان عمل فني شكلاً ومضموناً، دون أن يتجاوز الأخير الأول أو يأخذ مكانه.

لكن في تطرقه إلى انعكاسات الثورة السورية على الشعب السوري، يسلك ملاك سكة موسيقى المزج المحفوفة هي الأخرى بأفخاخ الغرائبية والاستسهال. رُشّح الألبوم لجائزَتي جرامي، الأولى عن أفضل ألبوم موسيقى عالَم، والثانية لأفضل موسيقية جديدة. هل هذه الترشيحات تأكيد على نجاح المهمة التي وضعتها رشا صوب عينيها، أم هل نتيجة وقوع مضاعف في فخ الاستسهال؟

في الحديث عن الألبوم تقول رشا إن أعمالها قبل ملاك كانت انتقائية وتخاطب المستمع الباحث عن أصوات جديدة، أما في ملاك فهي تحاول الوصول إلى قاعدة جماهيرية أكثر اتساعاً، وهي قاعدة، برأيها، تفضل  سماع اللحن المألوف. هل يعني هذا أن ملاك خالٍ من ألحان وأفكار جديدة؟ وإذا كانت محاولة التجديد فيه تأتي عبر بوابة المزج، فهل يحمل الألبوم تجديدًا على مستوى المزج نفسه؟ أم أنه مزجٌ يكتفي بإدخال آلات غربية على الموسيقى الشرقية أو تقديم الكلمات العربية الفصحى مع موسيقات غربية لا تشبهها؟

بالإضافة إلى كونها مغنية أوبرا تؤدي أعمالاً صعبة ومهمة، كأدائها لأوبرا مومياء في ذكرى رحيل مؤلفها صلحي الوادي سنة ٢٠٠٨، تنقلت رشا في عوالم أخرى، فغنت شارات الأفلام الكرتونية وارتبط صوتها بتلك الأفلام كـ كابتن ماجد والقناص ودروب ريمي، كما غنت ما أسمته الجاز العربي في ألبوميها السابقين  في كتابه الموسيقى في سورية يتحدث صميم الشريف عن رشا رزق ويقول بأنها 'من أفضل مغنيات الأوبرا في سورية على الرغم من التيه الذي يأخذها إليه الغناء الشرقي والجاز' مع فرقة إطار شمع، وغنت الشرقي كحفلتها في بيت الدين التي قدمت فيها وصلة شاميات وأغاني أخرى من التراث السوري، يلاحَظ فيها تمايز طابع غنائها عن طابع الموسيقى التي تصاحبها.

إعلان

تُبرز تجارب رشا إيجابيات وسلبيات التطرق إلى أنماط موسيقية مختلفة، فبينما قد يزيد هذا التجريب والتنويع من فرص الانتشار، فهو من ناحية أخرى قد يدفع الفنان لإقحام نفسه في أنماط قد لا تلائمه. في ملاك، تتنقل رزق بين أنماط مختلفة، كالروك الذي نسمعه واضحًا بحتًا في بداية أغنية سكروا الشبابيك، حيث يمهد جيتار كهربائي كثيف للغناء، ثم تنتقل الأغنية إلى إيقاع شرقي على خلفية آلاتية خفيفة بطريقة تحاكي خمول ورتابة حياة من تحدثهم: خليكن هيك / ضلوا خلوا كل شي بمحلهلتعود مرة أخرى لأسلوب الصراخ والصخب، محاوِلَة استفزازهم سكروا الشبابيك غمضوا العيون.” هذا الانتقال بين الشرقي والروك سلس وممهَّد له، إلا أن الصنفين لا يلتقيان إلا في ختام الأغنية، دون أن ينتج عن لقائهما صوت جديد مختلف عن أي منهما. ذلك بالإضافة إلى أن الشرقي والروك في الأغنية، كل على حدة، دون دمجهما، يفشلان أيضًا. هو ليس روك الذي نسمعه في ملاك، بل فكرة من لا يسمع روك عن الروك، هو كليشيه الروك. كذلك نجد في أغنية الموؤودة تيهاً جديداً، حيث نسمع صوتًا إلكترونيًا يراد منه، ومن خلال الكلمات التي ألقتها بالفصحى، محاكاة حالة الهلع والوحدة التي تحيط بالفتاة المغتصَبة. النتيجة للأسف مقطوعة ملتبسة، نسمع فيها غناء تارة، وإلقاء تارةً أخرى، في محاولة لإثارة تعاطف المستمع دون جدوى.

إلى جانب الموؤودة هناك أغانٍ خلت تمامًا من الآلات الشرقية والطابع الشرقي سوى في اللغة، كأغنية يمكني جنيت، ويا غزالي التي تغنيها برفقة البيانو لا غير. كذلك أغنية ملاك التي تعيدنا إلى صوت رشا الذي اعتدناه أطفالاً.

تميل كفة الطابع الشرقي في أغنية بيا ولا بيك المأخوذة من التراث الشعبي لمدينة السويداء، فتبدؤها بإيقاع وطبول، ثم تعززها بصدى صناعي في الخلفية حاولت من خلاله تسهيل إيصال الأغنية للمستمع الغربي. تضمنت الأغنية موالًا كتبه (إلى جانب أغنية لو إني) الشاعر والسيناريست عدنان عودة، تقوله رشا بصوتٍ جميل دون أن تختفي الطبول والتصفيق المرافقان. يظهر الطابع الشرقي أيضًا بدخول العود في أغنية نسيتني، وفي يا ساكنة بالعالي، الأغنية الاحتجاجية التي تخاطب فيها أسماء الأسد، والتي تبدأ بصوت راديو وأصوات بشرية، لترسم لنا صورة رشا جالسة مع الشعب على إحدى القهاوي، تغني معهم وباسمهم: “كانوا الناس ناطرينه تيحمل سيفه وسكينه ويحاسب كل محبينه اللي سرقوا روحي ومالي يا ساكنة بالعالي”.

هناك نقطة تحسب لرشا في هذا العمل وفي أعمالها الأخرى البعيدة عن الأفلام الكرتونية، وهي أن صوتها ارتبط وترسخ في أسماعنا أطفالًا كشخصيات كرتونية، وحتى نسمعه في ألوان أخرى ولا نشعر بأننا نشاهد فيلمًا كرتونيًا، يتطلب ذلك منها ليونة وقدرة وخبرة لتنتقل بصوتها بين الصور المختلفة دون أن يطغى طابع أي منها على الآخر. لكن ذلك لا ينفي مبالغته وحلياته الزائدة في الكثير من المواقع، تظهر بأوضح ما يكون في لو أني، وتتسبب بضياع المستمع عن السياق الأصلي للأغنية رغم اللحن المميز الذي يجمع بنجاح بين العود والرق والبيانو.

الألبوم في معظمه عملية تركيب ودمج لأنماط موسيقية مختلفة، غير أنه تركيب لا جديد فيه، فلا خلق مثلًا لأصوات جديدة من أخرى موجودة مسبقًا، ولا استخدم آلات بغير مكانها المعتاد واكتشاف ما قد يتولد عن ذلك. لا تفتقر رشا رزق إلى ما يؤهلها لابتكار موسيقى جديدة قادرة على الوصول لآذان مختلفة، هي فقط بحاجة لمساءلة مفهومها عن كيفية عمل ذلك، وأن تكون أكثر ثقةً بالمستمع.

Leave a Reply