ميوزك فور ذ آنكشس | عمرر

كتابةرامي أبادير - دسيمبر/كانون الأول 2, 2016

نتلقى من حولنا أصواتاً كثيرة مثل زوامير السيارات وحفيف الأشجار وطنين المعدات الكهربائية، قد يكون بعضها منفرًا ومزعجًا أو مريحًا، لكن الاستماع إليها في الحياة اليومية بشكل غير واعٍ هو الشائع. على غرار الفن البصري الحديث يتعامل بعض الموسيقيون مع الأصوات الطبيعية أو الأصوات الدقيقة القصيرة مثل النقر والطقطقة والأزيز كشئ مستخدم جاهز الصنع Found Object، حيث يتم تسجيل هذه الأصوات واستغلالها ثم التلاعب بها لتستخدم في عمل ما أو تتحول هى نفسها إلى موسيقى، فيتضاءل الفارق بين الصوت المجرد والموسيقى.

قام العديد من الموسيقيين التجريبيين باتباع هذا النهج منذ مانفستو لويجي روسولو الذي طرحه قبل مئة عام، حتى أخذ حيزاً كبيرًا من الموسيقى الإلكترونية، ذلك بالإضافة إلى انتشار التلاعب بالخلل والضجيج الرقمي منذ ما يقارب العشرين عامًا. ما زال هذا الحيز قادرًا على فتح المجال للعديد من الأصناف الفرعية للموسيقى الإلكترونية بطريقة مباشرة وغير مباشرة، حاملًا احتمالات بوفرة تلك الأصوات اليومية.

يأخذنا عمر العبد في إصداره الجديد ميوزك فور ذ آنكشس  Music for The Anxious الصادر من خلال إليان ريكوردز، إلى عالمه الخاص حيث الأصوات الدقيقة والخلل والأصوات الطبيعية والتشويش هي أدوات أساسية، بالإضافة إلى أصوات محيطة وخامات متماسكة تكشف عن مشروع ذو جماليات شديدة الخصوصية وهوية مستقلة.

تسود طابع الألبوم الهادئ حرفية في التحكم بالأصوات والتلاعب بها، وكأن كل مقطوعة عمل منحوتٌ بتأني وحذر. فبينما تتسم العديد من الأعمال المحيطة بالتكرار والثبات، يعتمد عمر أكثر على العزف الحر دون التقيد بأي بناء تقليدي، أو ميزان أو إيقاع معين – عدا في حالات قليلة – ويضيف من خلالها طابعًا محببًا على أصوات التشويش والخلل. تعد موسيقى عمر في هذا الألبوم مزيجًا من الموسيقى المقامية والأصوات غير الموسيقية، كما تركز على تفاصيل خامات صوتية دقيقة ومركبة. كل هذا يجعل العمل أقرب إلى عرض صوتي مجهز Sound Installation من كونه ألبومًا يجمع مجموعة من المقطوعات الموسيقية. إذا أردنا تحديد موقع هذا الألبوم من أعمال فنانين آخرين من نفس النوع سنجد ألفا نوتو في إصداره الأخير (Xerrox Vol. 3) قريب إليه بالأخص في التشويش والخلل، كما هناك أوجه مشتركة بينه وبين ستيفان ماثيو وريوشي ساكاموتو ولكن هذا العمل يتمتع بديناميكية وحرية أكبر وخامات موسيقية أغنى.

إعلان

في مقطع مصور يقوم ماثياس فان إيلكو بمحاكاة التراك الأول من الألبوم عن طريق فيديو يعكس من خلاله طابع الألبوم الهادئ. يستخدم عمر في هذا التراك الجيتار والباد وعينة صوتية يصعب تتبع مصدرها تلعب دور الإيقاع في منتصفه. لا يخلو هذا التراك من الخلل، وهي سمة يستثمرها عمر بطرق مختلفة حتى نهاية الألبوم. إن كان هناك إسراف في الدوران Panning السريع نتج عنه توتر زائد في صوت الجيتار، إلا أن الميكسنج والانتاج كان موفقًا في بقية الألبوم، نتج عنه صوت مجسّم وعريض.

في إمبكبل (شي لايكس تيولبس) يحافظ عمر على نفس الهدوء باستخدام مقاطع صوتية متلاعب بها وتشويش خافت. تتوالى البادز وألوان موسيقية مختلفة إلى أن يصل التراك فجأة إلى منطقة أكثر ديناميكية عند دخول صوت موجة الساين الأشبه بعزف الماريمبا على خلفية إيقاع خفي لطقطقة ونقر وخدوش.

تهدأ ديناميكية الألبوم في سنز آند واين وهو أكثر التراكات تجريدًا. يختلط هنا الصب وموجة الساين بالترددات العالية. يظهر الجيتار في المنتصف وتكون البادز قاعدة ترتكز عليها بقية الأصوات والعينات. كما يظهر عنصر التكرار لأول مرة في الألبوم من خلال الجيتار.

يستمر الصب في نيمفومانيا ولكنه يختلف هنا إذ أن الضجيج والبيانو والجيتار المشبعان بمؤثر الـ Bitcrusher، لذلك يختلف صوت هذا التراك ذو طابع الـ لو فاي عن بقية الألبوم. يمكن من خلال نيمفومانيا التعرف على معادلة عمر في بناء أغلب تراكات هذا الألبوم، حيث ينقسم التراك إلى نصفين، نصف يبدأ هادئًا ثم يخلق توترًا تدريجيًا بإضافة الطبقات الموسيقية واحدة تلو الأخرى إلى أن يتشبع التراك بالضجيج وتتصارع الأصوات في النصف الثاني، وأخيرًا ينتهي بالسكون التام.

نوفمبر هو أكثر تراك درامي وحافل بالمشاعر بنغماته المعتمدة على أصوات السنث التي تتأرجح Glide أو Portamento مع خلل في الخلفية يقفز من حين لآخر. إلا أن هذه الحالة من المشاعر تنتهي سريعًا، وقد كنت أتطلع للمزيد من التكرار والتوتر والإطالة في هذا التراك تحديدًا.  يقطع الألبوم فاصل قصير بعنوان Catch 22 يليه تراكان. ومقارنة بما جاء قبل الفاصل، نجد في هذين التراكين تكراراً لبعض الأفكار دون تقديم أي جديد. ولكن تبقى التراكات جميعها سلسة ويبقى مفهوم الألبوم متماسكًا من ناحية أخرى.

في Nataly يظهر تأثر عمر بـ ريوشي ساكاموتو وأسلوب عزف البيانو الذي يتخلله أجزاء صامتة. ينتهي الألبوم بـ The Rise & Fall Of Caro وهو خاتمة موفقة وملخص للعمل، يجمع بين تجريد Sins & Wine وNataly ومشاعر November وضجيج Nymphomaniac وهدوء Impeccable. أما غلاف الألبوم الذي جاء مناسباً لروحه قام بتصميمه ريمي فردييه الذي استخدم عملاً لـ كاميرون روبنز، الذي تعكس رتوشه هذا التشويش والكم الهائل من الأصوات الدقيقة.

إعلان

ميوزك فور ذ آنكشس عمل ممتع، يوظف عناصر الموسيقى المحيطة بشكل ذكي ليكسر التوقعات في بناء مقطوعاته وديناميكيتها. لا يتبع عمر أسلوبًا واحدًا في تصميم الأصوات، فكل ما يقع في طريقه من أصوات سواء كانت طبيعية أو إلكترونية أو خلل أو ضجيج يتخذه كمادة خام لإنتاج عمل يفاجئنا بتأويله لهذه الخامات.

Leave a Reply