معارك تحت نجوم الصباح | في أغاني الملاحم الألبانية

كتابةشادي لويس - يوليو/تموز 28, 2017

“لطالما كانت ثِمة حرب التحرير الوطني مصدرًا مستمرًا لإلهام فنِّنا، فجميع كتابنا وفنانينا – بما في ذلك الرسامين والنحاتين – استعانوا بها، لا للاشتباك فقط مع الأحداث التاريخية الحاسمة للحرب، بل أيضًا للولوج إلى جوانب أخرى من الملحمة العظيمة لشعبنا. كذلك، موضوع لوحة جيرغو ينطلق ويتطور على خلفية تلك الأحداث التاريخية (لحرب التحرير). تعبر أعمال جيرغو عن الوقائع والأفكار التي ميزت هذا القرن، والتي ربما كتب لها أن تكون خالدة. ليلة زرقاء داكنة مملوءة بالنجوم، قرية أو قلعة أو كتلة صامتة من الصخر، بشر ومقاتلون وقرويون مشحونون بالمشاعر والأفكار العظيمة الهائلة. في وسطهم الأغنية القديمة لراوي الملاحم التي تأتي من القرون السحيقة، وتدخل صراعات جديدة، حروب دموية وتاريخية.”

في مقالته المنشورة في جريدة دريتا في ديسمبر عام ١٩٧١، استعان الناقد والمؤرخ الفني الألباني أندون كيوغالي بلوحة ملحمة نجوم الصباح لطرح نظرياته حول الواقعية الاشتراكية، والتي كانت حينها مثارًا للجدل. فعلى خلاف الدوجما الرسمية لاتحاد الكتَّاب والفنانين الألبان، والملتزمة بالنظرية الجمالية الستالينية، رأى كيوغالي أن دور الفنان لا ينحصر في نقل الواقع وعكسه كما هو، بل بتأويله ومن ثم إعادة إنتاجه إبداعيًا. قمعت تلك الأفكار التحريفية سريعًا، إذ أزيلت اللوحة المشار إليها من المعرض الوطني الألباني عام ١٩٧٤ وألقي القبض على صاحبها إديسون جيرغو. كانت التهم التي واجهها ومات في حبسه بسببها، هي الأكاديمية والشكلية. فإلى جانب النمط التعبيري للوحة، استخدم جيرغو اللون الخطأ، وهو الأزرق الغامق الذي وجدته السلطات كئيباً. لم تساعده أيضاً علامات الشرود والحزن على وجه الجندي المتكئ بوجهه على كفه. لكن ما أزعج السلطات حقًا في اللوحة، وكان قد التقطه كيوغالي في مقاله المشار إليه، هو مركزية المغني الضرير وآلته الموسيقية الـ لاهوته. مركزية لا تنحصر فقط في طرح الأغنية كمحور للحدث التاريخي، أي حرب الاستقلال الوطنية، بل طرحها كحامل للماضي السحيق وذاكرته، في لحظة وُلُوجه الحاضر وتشكيله.

حظيت أغاني الملاحم الألبانية، أغاني محاربي الحدود، والتي أخذت تقاليدها شكلها النهائي ما بين القرنين السابع والثامن عشر، باحتفاء رسمي من السلطات الشيوعية بوصفها سجلّاً بطوليًا لروح الكفاح الوطنية، وكان رُواتها المتجولون، الذين نقلوا قصائدها شفاهة على أنغام اللاهوته بين القرى وعبر الجبال الألبانية، عنصرًا أساسيًا في لوحات الاشتراكية الواقعية. لا يزال المعرض الوطني الألباني يحتفظ بعددٍ من لوحات تلك الفترة، يظهر فيها رواة الملاحم مع آلتهم مضمومة إلى صدورهم، لكن وعلى خلاف موقعهم في لوحة نجوم الصباح، فإن عازفي اللاهوته يقفون في الصفوف المتأخرة، خلف الفلاحين والعمال والمهندسين والجنود، والمجتمعين في دائرة حول ممثلي الحزب وقياداته. ما استدعى غضب السلطات لم يكن فقط الأولوية التي نالها راوة الملحمة في لوحة جيرغو، فهم في النهاية حافظوا على الروح البطولية للماضي وناقلي جذوتها، بل كان إدراك السلطة الغريزي لدور رواة اللاهوته، والذي فصله كيوغالي في نظريته الجمالية عن الفن، لا كعملية نقل للتاريخ أو عكس للواقع، بل كعملية تأويل مستمرة لهما وإعادة لإنتاجهما، ذلك هو ما أزعج قيادات الحزب، فلوحة عن حرب الاستقلال يمكن قراءتها كيأس من الحاضر المزري وتوقًا للخلاص منه بانتظار بزوغ الصباح الذي تعد به نجوم آخر الليل. أغنية عن ملحمة البطل الأسطوري جيرجي إليز إليا ومعاركه مع الفارس الأسود تحمل عشرات القراءات والتأويلات لحظة دخولها الحاضر، فالبطل الذي تقعده إصابته وجروحه غير المندملة في إحدى المعارك، طريحًا للفراش لتسع أعوام كاملة حتى نساه الجميع، ينتفض في النهاية لمواجهة التنين وقتله.

إعلان

ملحمة جيرجي إليز إليا، والتي يتشارك كل من الألبان والصرب سرديتها

يستعين الروائي الألباني الأشهر اسماعيل كادريه بثِيمات أكثر تعقيدًا فيما يتعلق بأغاني الملاحم في روايته الملف عن ه، والصادرة في ١٩٨١، أي بعد عشرة أعوام من عرض لوحة نجوم الصباح. تبدأ الرواية مع وصول باحثَين إيرلنديَّين إلى ألبانيا في محاولة لفهم آليات النقل الشفهي لملاحم هوميروس الشعرية، عبر تتبع رواة أغاني الملاحم الألبانية، وتسجيل نفس الأغنية من رواة مختلفين أو من نفس الراوي على فترات متباعدة. ما حاول الباحثان اكتشافه لم يكن قدرة الرواة على الحفظ والتذكر، بل آليات النسيان والخطأ وتراكمهما. انكب الإيرلنديان على مقارنة النسخ المختلفة للأغنية في كل مرة، ومحاولة فهم العلاقة بين التغيرات في المعنى وطريقة الإلقاء وعمليات الإحلال التي يقوم بها الرواي، وربطها بحالته المزاجية والحدث الآني وعوامل أخرى. لكن البحث سرعان ما تواجهه أكثر من معضلة، فالسلطات المحلية تتوجس ممن تظنهما جاسوسين، والراهب الصربي الذي يزورهما فجأة يحاول إقناعهما بصرف النظر عن الملحمة الألبانية والتحول إلى الصربية ورواتها، وسرعان ما يبدأ بتأليب الألبان على الباحثين وتخويفهم من آلتهم العجيبة التي تسجل الأصوات وتسجنها، وتحذيرهم من أنها سرعان ما ستخطف قدرتهم على الكلام والغناء. تنتهي الرواية بتحطيم عصابة الراهب الألباني لجهاز التسجيل وتخريب تسجيلاته، ومن ثم مغادرة الباحثين عائدين إلى بلدهما.

خطرت فكرة الرواية  لكادريه بعد لقاءٍ له في مؤتمر في أنقرة عام ١٩٧٩ مع الباحث الأمريكي في مجال الفولكلور ألبرت لورد، حدثه فيها عن بحثه المشترك مع مواطنه ميلمان باري، عن آليات تراكم وإنتاج نصوص الإلياذة والأوديسة وتثبيتها في صورة نص واحد سلطوي ومركزي مكتوب كما نعرفه اليوم، عبر استكشاف أغاني الملاحم الألبانية وتقاليد رواتها بوصفهم آخر الآثار الباقية من تراث نقل الأغاني الهومرية شفهيًا. لكن كادريه يذهب في تناوله شبة الواقعي لبحث لورد وباري إلى أبعد من تسجيل الخلاف الأكاديمي ذو الدوافع السياسية حول نسبة تراث أغاني الملاحم وتقاليدها في البلقان، والذي يتشاركه الألبان مع الصرب والبوسنيين فيتصارعون على نسبته إلى شعوبهم بغرض تأصيل دعاوى التفوق الإثني وملكية الأرض المتصارع عليها. إذ تلعب رواية كادريه على ثِيمة تكنولوجيا التسجيل الصوتي وإمكانياتها الأيديولوجية على إنتاج نسخ قياسية وموحدة من النص الموسيقى والشعري، يصبح معه ارتجال راوي اللاهوت أمراً من الماضي، وقدرته على إعادة الإنتاج الفردي والآني مقيدة بنص سلطوي ومركزي ثابت زمنيًا. هكذا يطرح كادريه مقارنة بين النقلة التي حدثت لنسخ  الإلياذة والأوديسة الشفهية المتعددة، بتحولها إلى نص هوميروس المدون كتابة، وبين انتقال الأغاني الملحمية الشفهية إلى عصر الميكنة والتوحيد القياسي وإعادة الإنتاج الكثيفة. لكن ربما أراد كادريه أيضًا وبشكلٍ ضمني المقارنة بين تنظيرات كوجالي عن الفن بوصفه تأويلًا، وبين فن الواقعية الاشتراكية بوصفها مرآة وأداة للحفظ والتثبيت.

اليوم، انتهى تجوال رواة الملاحم الألبان بلا رجعة، وعادت لوحة ملحمة نجوم الصباح إلى مكانها في الطابق الأخير من المعرض الوطني بعد أن سقط نظام أنور خوجه وواقعيته الإشتراكية، أما آلات التسجيل فلم تتحطم كما في رواية كادريه، وبفضل تكنولوجيتها أصبح ممكنًا لنا اليوم الاستماع إلى أغاني التراث الملحمي الألباني وغيرها، والتي تخبرنا عن أمور كثيرة، منها الأدوار المعقدة التي تلعبها الموسيقى، إلى جانب قوالب فنية وأدبية أخرى، في ترسيخ هويات وسرديات وطنية وإثنية وإيديولوجيات سياسية وجمالية متنافسة أو نفيها، عبر تراكمات تاريخية طويلة لألاعيب النسيان والخطأ والتأويل والارتجال، وقفزات في تقنية التدوين القياسي بدءًا من الكتابة ووصولًا إلى التسجيل الصوتي والمرئي، والتي وإن اتهم منتجها بالسلطوية، إلا أنها هي ذاتها تتيح لنا فهم تلك السلطوية وتحليلها.


المصادر:

http://www.elsie.de/pdf/articles/A2014AlbanianEpicVerse.pdf

https://www.amazon.co.uk/File-H-Ismail-Kadare/dp/0099497190/ref=sr_1_1?ie=UTF8&qid=1500723593&sr=8-1&keywords=the+file+on+h

https://afterart.org/2014/08/23/kritika-te-orientoje-e-te-hape-horizonte-some-comments-and-resources-related-to-aesthetic-criticism-in-communist-albania/

http://www.albanianliterature.net/oralverse/verse_09.html

http://www.elsie.de/en/books/b35.html

إعلان

Leave a Reply