«وصلة» | إنطاق الكامن المكتوم

كتابةفادي العبد الله - فبراير/شباط 23, 2015

 

مقطوعة حصريّة من الاسطوانة يخص بها طارق عبد الله معازف.

في مشروع وصلةيشتق طارق عبد الله ومعه عادل شمس الدين نهجاً مفارقاً في الموسيقى المشرقية، إذ يتقدمان بجديدهما، دون ادعاء متكلف بالتطوير المنهجي أو استعراضات خاوية للتقنية البارزة، في طريقة قديمة ومهجورة انقطعت إليها السبل مع رحيل الجيل السابق لأم كلثوم ومحمد عبد الوهاب، وبالأخص مع رحيل صالح عبد الحي، هي طريقةالوصلة“.

للوصلة المصرية، بطبيعة الحال، مرادفات في الموسيقات العراقية والتركية والفارسية، ولكل ميزته، غير أن الوصلة المصرية قد انقطعت عن الوجود بعد ان كانت الإذاعة أتاحت لها استمراراً وتوثيقاً لم يكن عصر الاسطوانة السابق يسمح به. لذا من المحمود للموسيقيين فضيلة العودة إلى مفهوم الوصلة هذا، والذي يعني متتالية من المقطوعات الموسيقية المبنية على مقام موحّد وايقاعات وسرعات متعددة. غير ان للوصلة التقليدية مساراً محدداً ارتبط بالغناء، فنجد فيه بعد البشرف او السماعي وتقاسيم السلطنة ليالي وموشح قبل ان يختم بدور او قصيدة. في غياب مرادف آلي بحت للوصلة التقليدية، اعاد طارق عبد الله وعادل شمس الدين تركيب الوصلة مقترحين ثلاث وصلات مختلفة البياتي فالراست ثم السيكاه المصري (هزام)، تختلف في سيرها وتتابع وحداتها (الموقّعة والمؤلفة والمرتجلة والحرة من الإيقاع) ولكن تجمعها خصائص متقاطعة في وحدة المقام الأساسي، وفي النأي عن البدء بالتقاسيم الحرة، وفي الارتجال والتأليف على ايقاعات عرجاء نادرة الاستخدام وأطول مما بات سائداً.

إعلان

إلى الجدة في تركيب الوصلة وتقديم اقتراحات مختلفة لتتابع مكوناتها، هنالك تعامل مختلف مع موروث الموسيقى المشرقية في وصلة“. ذلك أن طارق عبد الله يخرج الايقاعات التي كان انحصر استخدامها في موشحات قليلة(كالخوش رنك والعويص) إلى مجال الموسيقى الآلية، موسعاً مجال التعامل معها خارج الإطار النظري. غير أن عود طارق عبد الله، الذي لا يخجل بصوته الشرقي البيّن الريش والأوتار والمبتعد عن هوس النقاء الحديث، لا يخجل أيضاً بتوسيع مفردات جمله الميلودية من المدرسة النهضوية لتشمل كامل ما بات موروثاً اليوم. أي أنّه لا يحجز نفسه في أسر هاجس الأصالة ولا يسعى إلى القفز خارج ما تحقق منذ أواخر عشرينيات القرن الماضي، بل يحتضنه كاملاً ويقدم عملاً حياً يتقبل آثار الزمن وتلاحق المؤلفين والعازفين والملحنين ولا يحلم بزمن أصلي فردوسي ومفقود.

في كل هذا يبتعد طارق عبد الله عن المشروع الإحيائي الذي يسعى إلى بعث الموسيقى النهضوية على ما كانت عليه، على الرغم من تغير ظروف إنتاج الموسيقى وتدريب عازفيها وشروط سماعها، ويقدم تقاسيم ومؤلفات له على قوالب قديمة أو جديدة خاصة به وسماعي القصبجي الشهير ويحوّل مؤلفات وقوالب قديمة عن أصولها لتبرز في إضاءة جديدة عليها، يخدمها بعوده المبهج في سيره غير المتعجل وبتقنياته الخفرة كعادة المدرسة المصرية وبإحساسه الدقيق بالإيقاع والإمكانات اللامتناهية في ثناياه. ويحافظ العمل على القواعد الأساسية للموسيقى المشرقية (وحدة المقام الأساسي، صوت العود الشرقي، التلاعب بالزمن سوية مع الإيقاع) لكن مع استغلال ما كان قد ترك يتيماً (كايقاع الخوش رنك الذي انحصر في موشح سل فينا اللحظ“) فضلاً على تقديم تطبيقات جديدة لتلك القواعد (مثل تحويل مقطوعة السماعي القديم العربي عن إيقاعها الأصلي، طي إيقاع الخوش رنك إلى 10 وحدات، تركيب زنجير عربي من خمسة ايقاعات واستدخال التقسيم على السماعي فيه، تقديم صيغة بشرف القره بطاق على آلة واحدة مع الإيقاع).

مبتعداً، إذن، عن أحلام الأصالة والإحياء والبعث والسير على هدى السلف، يتقدم طارق عبد الله في مشروع وصلةباقتراح الانصات إلى الاحتمالات غير المستغلة في الموسيقى المشرقية من أجل إنطاقها بعد أن ظلت كامنة ومكتومة، راغباً في الاستثمار فيها للوصول إلى استمرار حيّ لتلك الموسيقى، ولتثمير مواردها وامكاناتها في موسيقى حية اليوم تقاوم الإفقار الطاغي والتكرار المبتذل للمحتوى الموسيقي الراهن. في هذا القرص المدمج الأول يلتقي إذاً مشروعان:الاستثمار والتثمير، تفعيل المهمل في الموروث واستخلاص موارده لتخصيب الراهن. ولئن كان الأول بارزاً، والثاني يلوح حيياً مضمراً في القوالب الجديدة التي يقترحها وفي ألفة مفردات ميلودية من عقود مختلفة، فوحدها الأعمال التالية ستقول إن كانا، وكل منهما بالغ الأهمية والضرورة، سيسيران مجدولين معاً وإلامَ، وفي أي وقت سيصل استنطاق المهمل والاستثمار فيه إلى حد تفعيل حرية الخروج عليه، الحرية نفسها التي انتجت الموروث والمهمل معاً مثلما تنتج في كل مرة المدرسة وتاليتها، أو مثلما تنتج حياة البراكين سهولاً خصبة تغطي سهولاً أسبق خصوبة.

Leave a Reply