إنديفيجوَل دروبس | آيس_آيز

كتابةرامي أبادير - مايو/أيار 28, 2019

منذ إصدارهما الأول كوارتز إل بي حتى ألبومهم السابق كالتشر أُف باين، يمكننا رصد التطور والنضج في أعمال الثنائي اليوناني آيس_آيز. لا يتقيد الثنائي بشكل متشدد بجنرا معينة، لكنهما يتطرقان إلى حدود الجنرات بأسلوبهما الخاص المعتمد على ذوقهما في التصميم الصوتي والإنتاج المتقن، الذي يسفر في كل ألبوم عن صوت ضخم ولامع ومتماسك. في إصدارهما الأول ظهرت بعض معالم الآي دي إم بالإضافة إلى الضب تكنو، صابغين إياه بخامات وأصوات معقدة ليكسرا الأسلوب التقليلي والمنتظم للجنرا. كثّف الثنائي جرعة التجريب في نيو فرايم، حيث يمكننا الإمساك بخيوط الضب تكنو لألبومهما الأول مضيفين إليه أسلوبًا متشظيًا وصوتًا حادًا وثقيلًا. أما في ألبومهما الثالث كالتشر أُف باين، والذي اخترناه ضمن أفضل الألبومات الإلكترونية الصادرة العام الماضي، أخذ آيس_آيز صوتهما الثقيل إلى حلبات الرقص مستكشفين عوالم بديلة وجديدة للموسيقى الراقصة من خلال تفكيك مفاهيمها المقيدة بالجنرات المتعارف عليها. لعل تراكات مثل نوكسو وذَ مينينج أُف هما خير مثال على تلك المعادلة، وفي رأيي الشخصي كانا من أفضل التراكات الراقصة الصادرة العام الماضي.

في ألبومهما الجديد إنديفيجوَل دروبس (Individual Drops) الصادر عن تسجيلات جِنُت سنتر التشيكية، يأخذنا الثنائي إلى أكثر أعمالهما تجريبية، والتي تتكون من خلطة عنيفة من المواد الصوتية التي تنصهر ببعضها وتتحول باستمرار كفيضان، بفضل اعتماد الثنائي المكثف على الجرانيولر سنث، وتفتيتهما للإيقاع وأي بنية منتظمة للتراكات. يضاف إلى ذلك البايس الثقيل والجليتشات والسنث بادز والنغمات التي تأتي كصفعة من حين لآخر. نتبيّن هذه المظاهر في التراك الأول سيان جريديانتس الذي يمككنا مقاربته من حيث الصوت كتراك لسِكوند وُمن مطعّم بجرعة تشظي عنيفة، حيث تخترق الكيك والسب بايس التراك كالرصاص بشكل غير منتظم، ترافقهما كوردات السنث المشوشة والمقطّعة. في حين تملأ الأصوات الإيقاعية والجليتشات مدى الستيريو للمِكس لتحيط ببقية الأصوات ككتلة موحدة في تغيّر مستمر.

يأتي تراك إنديفيجوَل دروبس كاستكمال لحالة الغليان في التراك الأول، مع زيادة التركيز على تأثير الجرانيولر سنث، فيسلط الثنائي الضوء على تفاصيل ميكروسكوبية داخل كل مادة صوتية، بالأخص الأصوات الإيقاعية، في حين تأتي كوردات الضب كغلاف لها. ما يميز حسه آيس_آيز العالي بالصوت هو تحديدهما للتوقيت المناسب لانسحاب الأصوات التي تصل إلى أقصى درجة من التشبع بالطبقات والضجيج، يليها صمت نسبي يسفر عن حالة من الارتياح، وهو اختبار لمدى تحمل المستمع لهذه الموسيقى المركبة.

آرجو هو التراك الأسهل على الأذن من حيث القوالب الإيقاعية المستقرة التي تقسّم التراك إلى عدة مقاطع، وظهور ألحان واضحة ومنظمة. يرتكز التراك على الكيك الغليظة والجليتشات وصوت بشري تم التلاعب بطبقته، ليضفي طابع اصطناعي يؤهل التراك ليكون موسيقى تصويرية لفيلم ديستوبي عن المستقبل القريب. يكسر آيس_آيز الإيقاع في إكزوجينيوس معتمدين على الكيك المشبعة بالدستورشن لموسيقى البايس البريطانية، في حين تتصارع الخامات الصوتية المعدنية في الخلفية بشكل عشوائي. يتألف التراك الختامي كُوروس من بناء خطي لا تتشابه أجزاؤه، فتأتي كـ كولاج صوتي من عدة مقاطع من المشاهد الصوتية والجليتشات يتخللها صوت بشري.

إعلان

لا يتوقف الألبوم عند هذا الحد، إذ يأتي الجزء الثاني بتعاون الثنائي مع منتجين آخرين لأداء ريمكسات لتراكات الألبوم. أبرزها هو ريمكس المنتج ومصمم الأصوات والمبرمج البريطاني رنيك بِل، حيث يصيغ من سيان جرِديانت تراك جديد راقص يبرز فيه صوته الخاص المعتمد على إيقاعاته الخوارزمية، تاركًا مساحة مقلة لعينات التراك الأصلي. الأمر الذي ينطبق على رميكس جايلن تيبتُن لتراك كوروس وهو الأفضل بين الريمكسات بسبب طاقته وقدرته على خلق مزاج جديد يختلف تمامًا عن التراك الأصلي. فيما يظهر الطابع التجريبي المعتمد على إعادة صياغة العناصر الإيقاعية الراقصة  لتراكات آرجو وإنديفيجوَل دروبس لكل من CXLO وبنيلوكس إنرجي.

إنديفيجوَل دروبس مختلف في الأسلوب إذا قارنّاه بالأعمال السابقة، إذ يعتمد الألبوم على التصميم الصوتي المتقن الذي يتضح على مستويين، الأصوات بجودتها المنفردة، ثم التلاعب بها لخلق أصوات جديدة في عملية أشبه بالنحت لخامات حادة وعنيفة. كما يتميز الألبوم بحيويته بفضل تدفقاته التي من الصعب توقعها، لتكشف عن تجربة سمعية ذات جماليات مفككة ومليئة بالتفاصيل التي يمكن تبينها من خلال الاستماع المتكرر للألبوم.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply