من كلِّ فجٍّ عميق | أحسن ثمانية أذانات

في زيارة بابا الفاتيكان إلى المغرب سنة ٢٠١٩، اصطحبه الملك محمد السادس إلى معهد تكوين الأئمة، أحد أهم المدارس الدينيّة في أفريقيا والعالم الإسلامي. تفاجأ الجميع برفع الأذان مع جوقة موسيقية مرافقة بجانب ترانيم مسيحية ويهودية. اندلعت موجة تنديد واحتجاجات في العالم الإسلامي، إذ لم يعهد المسلمون رفع الأذان مع الموسيقى أو مزجه مع موسيقات دينية أخرى منذ عهد الرسول.

لم يكن الأذان من الشعائر الثابتة نظرًا إلى سرّية الدعوة المحمدية في بداياتها المكّية، وتجنب مريديه المجاهرة بعقيدتهم الجديدة آنذاك. مع هجرة المسلمين إلى المدينة، اقترح العديد استعمال البوق أو الأجراس والنواقيس بعد أن كانت قريش تضيّق عليهم إقامة طقوسهم، لكن الرسول امتعض منها بدعوى ارتباطها باليهود والنصارى، إلى أن أتى عبد الله بن زيد بفكرة الأذان بعد أن تراءت له في المنام سنن أبي داود، الجزء الأول، باب بدء الأذان، صفحة ٣٦٩. . اختار محمدٌ بلالَ الحبشي، أبو السناجك، لرفع الأذان بصوته القوي، مخيّرًا إياه عن صاحب الفكرة عبد الله بن زيد، لأنّ بلال أندى منه صوتًا تشير بعض الأحاديث إلى تلك الواقعة: ’فقُمْ مع بلالٍ، فألْقِ عليه ما رأيتَ فليؤذِّن به، فإنَّه أنْدَى صوتًا منك.’ . نرصد إليكم قائمة من أهم الأذانات وأنداها.

علي البرّاق (تونس)

عندما قدِم طه حسين إلى تونس سنة ١٩٥٧ بعد استقلالها، كان كتابه عن الشعر الجاهلي قد فتح شرخًا في تاريخ النقد الأدبي فجّر طه حسين وقتها الاهتمام من حوله بعد أن تبنى أطروحة غير تقليدية في كتابه، مفادها أن أغلب الشعر الجاهلي منحول وكُتب بعد نزول الإسلام، فيما أنكر أن يكون هناك شعر عربي موحد طالما أن هناك اختلاف في اللهجات العدنانية. . مثّلت زيارة الأديب حدثًا سياسيًا وثقافيًا في تونس، ولقي احتفاءً كبيرًا في  الوقت الذي هاجمه فيه الأزهر. لدى زيارته المدينة العتيقة وقتها، توقف عند جامع صاحب الطابع في الحلفاوين، واستمع إلى أذان شيخ مكفوف يدعى علي البراق. فُتن الأديب بصوت المؤذن وقال: “إن صوته يعيدنا إلى الزمن الأوّل لنزول القرآن”، واعتبر تلاوته من أهم ما سمع. بعد قرابة العقد، عندما زارت أم كلثوم تونس سنة ١٩٦٨، ذهبت إلى شركة نغم لتوقيع أولى أسطواناتها، واستمعت هناك إلى تراتيل علي البراق المسجلة في الإذاعة التونسية، كما حضرت إحدى جلساته المدحية التي كانت تقام في مقهى المرابط في المدينة العتيقة وأثنت على أدائه.

نشأ البراق في القيروان، أول عاصمة إسلاميّة في المغرب الكبير، وقدم إلى تونس خلال الثلاثينات للدراسة في جامع الزيتونة، قبل أن ينضمّ إلى الإذاعة الوطنية حديثة النشأة آنذاك. بعدها بقرابة ثلاثة عقود، استقطبته التلفزة الوطنية لتسجيل القرآن وفق رواية قالون إحدى روايات القرآن المعتمدة في تونس وليبيا وبعض بلدان أفريقيا، تنسب إلى قالون، أحد رواة الإمام نافع، من أصحاب القراءات العشر في القرآن. . ارتبط أذان البراق بالتقاليد اليومية للتونسيين، ولا تزال الإذاعة والتلفزيون الرسمي يعتمدانه إلى اليوم. كان هنالك توجه مبكّر – سبق مرحلة دولة الاستقلال – يقضي بنحت هوية ثقافية تميز التونسيين، تركّزت في الصحافة والأدب والموسيقى، وامتدت مراميها إلى نسج تلاوة تميّز الطابع التونسي، مثّلت بدورها جزءًا من المشروع الموسيقي الذي دشّنته الرشيدية في مرحلةٍ ما. يقدِّم علي البراق توليفة الصوت التونسي وهويته الخام في أذانٍ شجي يؤديه غالبًا على مقام راست الذيل، ويستعرض الخصوصيات الطربية التونسية، التي تتميز بقصر النفس مقارنةً بالمدارس المشرقية المعتمدة على تثقيل النبر وإطالة بعض المقاطع.

صبري مدلل (سوريا)

الأذان ركيزة أساسية في المدرسة الحلبية، إذ تُضبط أهلية مؤدّيه وفق قواعد صارمة تسمّى التسميع، وهي بمثابة طقس العبور إلى فن الإنشاد من خلال الأذان. يصعد المؤذن الشاب إلى المئذنة قبل موعد الفجر ويبدأ ببعض الأذكار والتواشيح، فإذا استحسن أهالي الحي صوته، يُعهد إليه بالأذان. نجح صبري مدلل في هذا الاختبار، ونال جدارة الأذان في مسجد قسطل الحجارين، ومن بعده الجامع الأموي القديم الذي تسيّد مئذنته لعقود طويلة.

نشأ صبري في عائلة ورعة في حلب، وتأثر بميل أبيه إلى الإنشاد الديني، والذي نهاه في مرحلة لاحقة عن الغناء في الإذاعة ليرجع بعدها إلى الإنشاد. تعلم صبري تجويد القرآن في حلقات الشيخ أحمد المصري، قبل أن ينتقل إلى حلقة أرفع صيتًا مع عمر البطش، صاحب الأثر الكبير في حلب.

مثّل صبري مدلل حالة جذب فريدة في حلب، بأذانه “الذي تحسبه تغريدًا” لما فيه من “اجتماع للقوة وللمساحة والحس في صوت واحد” كتاب شيخ المطربين صبري مدلل وأثر حلب في غنائه وألحانه لـ محمد قدري دلال. . يضع صبري مدلل خلاصة الصوت الحلبي المشبع بالقدود والموشحات وفن السماع والإنشاد، ويؤدي الأذان من خلال جمل متواصلة دون توقفات، مستعرضًا قوة المدرسة الحلبية التي المعتمدة على طول النفس. يوازن صبري بين مقاطع الأداء من خلال مسافات زمنية متساوية تقريبًا، منتقلًا بين الوصلات المقاميّة.

رحیم مؤذن ‌زاده أردبیلي (إيران)

تلازمت عند الإيرانيين مناجاة محمد رضا شجريان، ربنا لا تزغ قلوبنا، مع الأذان المرفوع بصوت رحیم مؤذن ‌زاده أردبیلي، وارتبط كلاهما بالطقوس الدينية وخاصة خلال شهر رمضان. يبدو صوت شجريان الرخيم والمرتجف تمهيدًا فخمًا لأذان أردبيلي، الذي يجمع بين الموسيقى الفارسية القديمة، والتقاليد الدينية الشيعية التي تستحضر حمولة تاريخية ثريّة من سرديات الملاطم وشعائر الحزن الحسيني. يؤدي أردبيلي الأذان على نغمة بيات ترك، إحدى النغمات الخمس المميِّزة للموسيقى الفارسية بجانب أبو عطا وبيات أصفهان وأفشاري ودشتي، والحاضرة بقوة في أداء الأذان والقصائد والنصوص ذات الصبغة الدينية.

نشأ رحيم أردبيلي في عائلة دينية محافظة، وورث عن أبيه مهنته كإمام ومؤذن بعد وفاته. لا يزال صوته معتمَدًا في الإذاعة والتلفزيون الإيراني وإحدى الثوابت التي نشأ عليها الإيرانيون، ومنهم شجريان الذي يدين له بتشكيل جزء كبير من ذاكرته الصوتية.

محمد رفعت (مصر)

في كتابه ألحان من السماء، يربط السعدني بين محمد رفعت وسيد درويش، اللذان عاصرا نفس الفترة المشحونة من تاريخ مصر: “من جهةٍ، كان سيد درويش يلحن ويغني مواجع الشعب وصيحاته الاجتماعية، فيما كان رفعت يترجم الحياة الروحية للشعب.” محمود السعدني، ألحان من السماء، صفحة ١٧.  جمع رفعت في أدائه نداءات الباعة المتجولين ودعاءات الشحاذين في حي البغالة والسيدة زينب، فخرج “مشحونًا بالأمل والألم، مرتعشًا بالخوف والقلق، عنيفًا عنف المعارك التي خاضها الشعب أثناء ثورة ١٩١٩ التي عايشها رفعت.” المصدر السابق، صفحة ١٥.  نلمح ذلك جليًا من التسجيلين المتوفرين بصوت رفعت للأذان على مقامي الراست والسيكا.

يقدم لنا أداء رفعت لمحةً عن فترة المشايخ في مصر، التي سبقت ظهور أم كلثوم وعبد الوهاب، وأثرت على شكل الغناء الدنيوي فيما بعد. خلافًا لأذانه على مقام السيكا، كشفت تفاريد محمد رفعت على مقام الراست أساليب التلاوة الشائعة وقتها، كترجيف الصوت والتبكي وإشباع النبر، بالإضافة إلى انتقاله المحكم بين طبقات صوتية متفاوتة تكشف مواطن الجمال في خامة صوته.

كفاح عرسان (فلسطين)

تتميز الضفّة الغربيّة بِتعميم الأذان الموحد على القرى والمدن، رغم سعي سلطات الاحتلال لمنعه بدعوى التشويش على الأجهزة الإسرائيلية. تعوّد الفلسطينيون على صوت كفاح عرسان، أصغر المؤذنين في الضفة. نشأ كفاح في مدينة جنين وتعلم التجويد وأصول المقامات من شيوخ مسجد المدينة. بدأ كفاح بتقليد أحد المؤذنين في مخيم جنين في سن الثالثة عشر، وأخذ عنه ثيمات أسلوبه المعروف عنه اليوم؛ قبل أن ينتبه إليه الأهالي في إحدى المرات عندما أذّن في مسجد عبيدة ابن الجراح، واختير فيما بعد للمشاركة على شبكة الأذان الموحد في سن السادسة عشر، ثم أصبح مؤذنًا في مسجد عبد الناصر في البيرة. قضى كفاح فترةً في سجون الاحتلال، وكان يؤم الصلاة ويرفع الأذان في السجن ويعيده أكثر من مرة بناءً على طلب رفاقه. يروي كفاح كيف أن مساجين بعض الأقسام الأخرى خالفوا إمامة زميلهم وسجدوا غير منتبهين بعد أن شدّهم صوت كفاح القادم من القسم الآخر.

يستعرض كفاح أحيانًا نسخًا متغيرة على مقام واحد من خلال التنويع النغمي والانتقال بين أساليب عدة: “الحلو في الأذان إنه كل ما مارست الأذان أكثر، كل ما كان عندك إشي جديد.” (كفاح مؤذن يطرب القلوب، عن وكالة وطن للأنباء). يتميز أداء كفاح بترقيق الصوت والتنويع في مساحات صوتية ضيقة. 

محمد علي لسمر (تونس)

نشأت موسيقى المزود في حاضنة صوفية، وكانت ملازمةً للمزارات والمقامات التي يرفعها الناس إلى مقام القداسة. مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين، انتهى ارتباط المزود بالزوايا الصوفية، وتشبعت موسيقاه ومضامينه بالعالم الدنيوي، لتشهد طفرة غير مسبوقة منذ السبعينات واصلت ألقها إلى التسعينات. صنعت بعض الأسماء مجدًا غير مسبوق خلال تلك الفترة، ومنها محمد علي لسمر، أحد فحول المغنين.

تعوّد جمهور المزود على أفول بعض الأسماء بسبب التوبة والابتعاد عن عوالم المزود الإبليسية، المسكونة بشياطين الرقص والخمر والتظلم من شكوى الزمان. لذلك فوجئ الجميع حين رفع محمد علي لسمر، صاحب البحة الفريدة والصوت القوي، الأذان من أحد الجوامع. لم يكن الأمر إعلان توبة أو انسلاخًا عن المزود، بقدر ما مثّل مصالحة طبيعية بين موسيقى شعبية فُتن بها الناس وتشبعت بالسرديات الصوفية، وتقليدًا دينيًا استقطب الأصوات الطربية قبل غيرها. مثّل الأمر سابقة في تونس، إذ لم يصدف أن رفع أحد مغني المزود الأذان من قبل.

إسماعيل البزعي (السودان)

لو استمعنا إلى أذانات ود التاج ويونس عوض ومحمد الفاروق وإسماعيل البزعي وغيرهم من السودان، لوجدنا تقاطعات أسلوبية بارزة، تكاد تعيّن ملامح خصوصية أدائية سودانية تستلهم من المواريث الغنائية المدحية في البلد، التي تتداخل فيها الجذور الأفريقية والعربية، بالإضافة إلى الحضور الطاغي للمقام الخماسي الذي طبع الهوية الصوتية المحلية. تندرج التأثرات التي تشكّل فن التلاوة والسماع المميز للسودان وشرق أفريقيا عن رواية الدوري عن أبي عمرو البصري المعتمدة هناك. يحوي أذان إسماعيل البازعي المعروف في الجامع الكبير في الخرطوم على طرب مبهج خالٍ من التحزين، يفتقر أداءه إلى الزخارف، ويأتي صوته دافئًا ممتدًا، عاكسًا البيئة السهلية للسودان.

أذان جماعي (سوريا)

شهدت بداية العهد الأموي أوّل تجربة في أن يتشارك أكثر من صوت رفع الأذان، وكان ذلك بمؤذّنَين اثنين، بهدف توسيع مجال الصوت ودفعه إلى أقصاه، ومن أجل إخطار عدد أكبر من المصلين. بعد عدة قرون، وضع الفقيه عبد الغني النابلسي قواعد أذان الجوق كما نعرفه اليوم، حيث أصبح يعتمد على مجموعة من أحسن الأصوات المختارة، يجتمعون في مئذنة العروس، أقدم مآذن العالم الإسلامي، ويشرع أحدهم في أداء منفرد، ليردد البقية من خلفه. حتى اليوم، ما زال يُرفع أذان الجوق من الجامع الأموي.

علاوة على الأداء الجماعي، يتميز أذان الجوق بتوزّع مقاماته حسب الأيام؛ الصبا يوم السبت والبيات الموافق للأحد والنوى الاثنين، والسيكا للثلاثاء ومقام العراق المميز ليوم الأربعاء والحجاز للخميس، والجمعة على مقام الراست، فيما يُستثنى أذان الظهر ويكون حصرًا على مقام الحجاز، ويلغى الجوق عند أذان الفجر الذي يؤدى بشكل فردي ويسبقه بعض التواشيح حسان عباس، الموسيقى التقليدية في سوريا، صفحة ٢٦. .