المستقبل الكامن في مشروع أحمد فكرون

غنى لليبيا وفلسطين ولبنان وهيروشيما، ولعمر المختار والفلاحين والمدن. غنى كثيرًا لليل وللقمر، وللنوارس. شُغل بالحالة الإنسانية بشكل عام وغنى لآلامه في الحياة، وفي أثناء ثورات الربيع العربي، ظلت إذاعة مصراتة المحلية تردد أغنيته يا بلادي حبك موالي. لا يوجد الكثير من المحتوى على الإنترنت يتعلق به باستثناء معلومات مأخوذة من صفحة ويكيبيديا تضم عام مولده ومدينته وبضعة تعاونات فنية، وتتحدث بشكل سطحي عن صناعته للموسيقى. منذ بداية أحمد المبروك فكرون بدأ فصلٌ مثير واستثنائي في حياة الموسيقى العربية، يستحق استكشافه والاستمتاع بنتاج ما يزيد عن خمسين عامًا، خلق فيها فكرون حالة عالمية من الفضول تجاه موسيقاه، وتوليفة خاصة به.

فكرون والشاعري

مزج فكرون الألحان الشرقية بالغربية داخل إطار من السول فانك والريجي والديسكو، في محاولة مبدعة للتمهيد لأشكال جديدة. باستخدامات ذكية للسنث مع الآلات الشرقية والفلكلور الليبي، والغناء حول مواضيع غير معتادة وبعيدة عن لوعة الحب وآلام الفراق، خرجت موسيقاه حية ولامعة. دون شعور بالغربة تندمج الآلات الغربية داخل أغانيه العربية، ليبدو فقط أن غير المألوف هو مدى الانسجام بين اللونين.

أخذ حميد الشاعري اتجاهًا مشابهًا، لكن عند نقطة ما استطاع تخطي الحواجز التي لم يستطع فكرون تجاوزها، أو بالأحرى لم يتعامل معها على أنها حواجز، مثل إصراره على استخدام اللهجة الليبية التي كانت إحدى العوامل التي حدت من انتشاره. استبدل حميد الليبية بالمصرية لسهولة الوصول والانتشار، وفي مرحلة مبكرة استطاع الوصول إلى معادلته المضمونة من الجيتار والإيقاعات والتصفيقات التي استهوت الجمهور المصري، ما جعل من حميد الشاعري أسطورة نقلت الموسيقى نحو مناطق أكثر تطورًا ومواكبة. على الجانب الآخر، انغمس فكرون في التجريب وبنى أغانيه على إيقاعات عديدة من ثقافات مختلفة، من الريجي والديسكو إلى السوداني والشرقي الخالص. أيضًا، استخدم القانون مع نغمات سنث خفيفة مع إيقاع ديسكو، واستخدم الجيتار الكهربائي مع إيقاع يمزج بين الشرقي والغربي.

قدم فكرون كل ما لديه في النهوض بمستوى الموسيقى في اتجاه أكثر فنية بحسب رؤيته لا بحسب الرواج التجاري. ليس الغرض من المقارنة هنا التقليل من دور أيٍّ منهما، بل توضيح اتجاهاتهم المختلفة. للاثنين سمات موسيقية مشتركة وكلاهما قادم من ليبيا، لكن حميد أرسى قواعده في مصر واستغل أول شرارة نجاح حققها في صناعة الانقلاب المعروف به، في حين أن فكرون اتجه إلى لندن ليؤسس فرقته وظل ينتقل بين بنغازي ولندن وميلانو وباريس، ويتعاقد مع شركات إنتاج أوروبية لنشر ألبوماته في مناطق مشبعة بهذا اللون من الموسيقى. بالإضافة إلى تقديم أغانيه بلغة غير لغتهم، ما جعل من فكرون مجرد ظاهرة عربية في أوروبا وعرقل توسع أغانيه في الوصول إلى قواعد أكبر من الجماهير في العالم العربي. وإن كانت موسيقى فكرون أكثر نضجًا وتطورًا، فقد ظهرت موسيقى حميد في مكانها الجغرافي المناسب، وعملت كقوة دافعة لمرحلة مرتبكة وراكدة من الموسيقى العربية.

ربما أخطأ فكرون في تقدير حساباته وفي طرق التسويق لأغانيه، بما أن تعامله الأساسي كان مع شركات إنتاج أجنبية، ولم تُوزع ألبوماته بالسبل التي كانت ستوفر له الانتشار حينها في العالم العربي. ربما هذا ما كان يبحث عنه، فبالنظر إلى مسار فكرون، يبدو من المنطقي أن يسلك اتجاهًا أكثر شعبية، خصوصًا أن تلك التجربة قد أثبتت نجاحها بالفعل مع محمد منير مثلًا.

يتشابه منير وفكرون في موضوعات الأغاني، وحتى في مراحل موسيقية مثل مرحلة منير مع هاني شنودة. كلاهما أحبا الغناء لليل والبعاد والأحلام والدروب، وكلاهما تحدثا للقمر، وكلاهما ساند المقاومة. كلاهما استكشفا مناطق مختلفة من الموسيقى، مع اختلاف أن فكرون أكثر تجريبية، لكن الظروف المحيطة بمنير تختلف بشكل جذري عن ظروف فكرون، ما يدعم نظرية أن أدوات فكرون الإبداعية، رغم قدراتها الفنية الهائلة، لم تجد البيئة الخصبة للانتشار. في أوروبا قد يستمتع الجمهور بالموسيقى لكن تبقى اللغة عائقًا، وفي مصر كانت اتجاهات بديلة تقدم موسيقى وكلمات مشابهة، لكن بلهجة الجمهور، ما جعل اختيار منتَج آخر أمرًا مستبعدًا، وهذه النقطة التي انتبه إليها حميد مبكرًا.

حتى لو وصلت موسيقى فكرون في وقتها إلى الجمهور العربي، لم تكن لتحقق التأثير الذي حققه حميد، لا سيما أنه كان يصنع الموسيقى لمطربين آخرين ولكل منهم عوامل نجاح ومقاييس محددة قد تقيد الحرية في التجريب. في حين أن فكرون، الذي كان يصنع الموسيقى لنفسه، استمر في تطوير نفس المسار الذي سلكه منذ البداية، ولم يحاول التقرّب من الجانب الشرقي في البوب، الذي استغله حميد، ما كان سيصعب على موسيقاه الاندماج في السوق حينها، وسيقلل رغبة المنتجين باستغلال هذه الفرص الموسيقية المحفوفة بالمخاطر.

ما قدمه فكرون أواخر السبعينيات كان بمثابة بذور للثورة التي قادها حميد في الثمانينيات والتسعينيات، من استدخال الآلات الغربية والمزج بين الموسيقى العربية والأساليب الموسيقية الرائجة في العالم وقتها، ليصنع نموذجه من الموسيقى العربية العالمية. يكمن هنا أيضًا أحد أهم الفوارق بين المسارين، لا تصنف موسيقى حميد كمزيج بين الشرقي والعالمي (فيوجن)، فحميد لم يمزج بين الاثنين بل أضاف ملامحًا من العالمي إلى الشرقي، لكن الموسيقى الشرقية هي السائدة في أغانيه، بينما فكرون لا يكترث إلا لكون الموسيقى متقنة وجميلة وتنقل ما يفكر فيه ويحسه؛ التصنيف عنده ثانوي.

محطّات

في آخر إصدار لفكرون، ألبوم مجمع من أغانيه التي تمثل أبرز ملامح مشروعه الفني، والتي أُعيد استكشافها في السنوات الأخيرة كدرر عربية كانت مخفية، نجد روح البوب العربي التي كان فكرون يسعى إليها، وذروة محاولاته المبدعة لتطوير الشكل القديم، والتي لا تزال مناسبة لإدخالها في الشكل الحديث للبوب كتركيب وأفكار واستخدامات للأصوات. 

في أغنية يا صاحبي يغني فكرون بطريقة حالمة مع إيقاعات ريجي ونغمات أثيرية: “يا صاحبي هات ودنك ليا / حرب الحياة بسيوف خشبية”، وفي سلفني القمر يبدأ بهارمونيكا ثم إيقاع راقص ثم يدخل الكورس “يا ليل سلفني القمر / سلفني القمر ليلة.” أما في صحرا فيستعرض فكرون ثقافته الموسيقية ويضيف لمحة من إيقاع هندي إلى الإيقاع الإلكتروني الذي يرتكز عليه غناؤه بصوت مُضخّم ويدور في خلفيته كورَس عرقي أفريقي.

نسيان، التي تُعد أشهر أغاني فكرون، والتي أيضًا في الغالب تكون أول ما يكتشفه المستمع الذي لا يعرف فكرون ثم يبدأ في استكشاف بقية أغانيه، أغنية ناعمة في الاستماع إليها، مليئة بالجماليات، وتسكن الأذن بسهولة. تبدأ بإيقاع هادئ مع ضربات بايس جيتار وأصوات سنث تتصاعد تدريجيًا لتلتحم بنغمات الجيتار الإلكتروني، ثم يبدأ بالغناء: “وين ضاع الحنان والحب اللي كان”. تستمر التراكيب اللحنية في الاشتباك مع بعضها دون تغيير في إيقاع الأغنية الذي بدأ به، مع إضافة أصوات بيانو خافت في الخلفية، حتى نقطة معينة تصل فيها الأغنية لذروتها، تصمت جميع العناصر عدا الإيقاع: “ونشوف في عيونك …”. يستكمل فكرون “نظرات النسيان” وتستكمل الآلات من بعده من منطقة ذروتها كأنها لم تتوقف، ببنية موسيقية جميلة تغيظ الأذن، وفي كل مرة تتكرر هذه الجملة يبتكر فكرون طريقة أخرى ليستكمل بها من بعد التوقف، ثم يتوقف في منطقة أخرى في الكلمات لم يعتد المستمع التوقف عندها، ويبدأ بعدها في إدخال أصوات جديدة، الأمر غير المتوقع بعد أن وصلنا إلى ما يقرب من نهاية الأغنية. استغل فكرون كل مساحة ممكنة في الأغنية لإضافة عنصر إبداعي وتطوير البناء، دون أي شعور بالازدحام.

تتجلى رؤية فكرون ببساطتها وتعقيدها في أغنيته سولي سولي. تسير الموسيقى في اتجاه راقص على إيقاع ولحن أغنية ستاين ألايف لـ بي جيز، لكن بلمحة من الموسيقى الشرقية، وقبل أن تنتهي الأغنية يفاجئنا فكرون بتقاسيم كمان تستكمل الخط الشرقي الذي بدأ به، لتوازن كفتي الغربي والشرقي في الأغنية بهارمونية جميلة مع إيقاع الديسكو؛ إلا أن أغلب أغانيه لا تتكافأ فيها الكفتين. بدت موسيقى فكرون في وقتها متطورة أكثر من اللازم في العالم العربي، ومع انتشار الإنترنت والتعرض لأنواع موسيقية من شتى الألوان، ثم الاصطدام بفكرون، تبرز جودة أفكاره وفهم تراكيبه سواء على الجانب التقني أو اللحني، وقدرته على منح أغانيه شخصيّات مختلفة تتنقّل من صحاري ليبيا إلى معابد الهند إلى حانات بريطانيا.

العودة

توارى فكرون عن الأنظار فترة طويلة بدأت مع نهاية التسعينيات تقريبًا، وانتهت منذ ما يقرب من عشر سنوات بعد انتشار منصات البث في المنطقة، وتنقيب موزعي الأغاني والدي جيهات عن أغانيه ليعيدوا توزيعها وتقديمها بأشكال جديدة. أدت هذه الموجة إلى إعادة اكتشاف فكرون وعودته لأداء الحفلات.

بعد عودة فكرون للأجواء وإعادة استكشاف عالمه عبر أجيال لم تشهد صعوده، وبالنظر إلى أغانيه وربطها بسياق الموسيقى حينها، يمكن رؤية التباين في الجودة وحس المغامرة، ما يزيد التقدير لتجربة فكرون ويجعل منها إرثًا قيّمًا، وتجربة تستحق استمرارية تواجدها.

وظّف أحمد فكرون أدواته الإبداعية في إنتاج مادة تتيح له فتح خطوط تواصل بينه وبين العالم، ما يجعل الصدق عنصرًا أساسيًا في أغانيه، ويجعل منه واحدًا من أجمل من قدموا الموسيقى العربية الحديثة. حتى لو لم يستطع ترك بصمة قوية على الموسيقى العربية بشكل عام، لكنه بالتأكيد وضع صورة ناجحة وفريدة لاتجاه فني عربي عالي الجودة والقيمة والذوق. نجح فكرون في أن يكون ظاهرة.