خائنو نصوص الست | ١٥ استعادة لأغاني أم كلثوم

كتابةعبد الهادي بازرباشي - نوفمبر/تشرين الثاني 27, 2018

في كتابها أم كلثوم: عصر من الفن، ذكرت نعمات أحمد فؤاد قصة من بدايات أم كلثوم في الموالد والمدائح النبوية، حين كانت تنشد مع أبيها وبطانته البيتين: “جُلّ من طرّز الياسمين فوق خديك بالجلنار / وارتضى ذا الجمان الثمين معدنًا من لماك العقار”، وتصمت لدى الوصول إلى كلمة الجمان. لاحظ الأب الأمر وسألها عنه، فردّت بأنها لا تعرف معنى الكلمة، وتخشى إن أنشدت ما لا تفهمه أن توحي بالمعنى أو الإحساس الخطأ. بقيت هذه الحساسية للكلمة عقيدة أم كلثوم على مدى مسيرتها، تضع في خدمتها كل قدراتها وخبراتها. لذلك يرى مهاويس أم كلثوم في تفاصيل أدائها أكثر من مجرد الاستدلال على قدراتها الصوتية. الأمثلة كثيرة، في ثورة الشك مثلًا: انقطاع النفس في نهاية كلمة نفسي لدى غناء أكاد أشك في نفسي وكأنها تمسك الدمع، الحرقة في السكتة وأخذ النفس بين “لم” و”تحفظ” لدى غناء ولم تحفظ هوايا ولم تصني، والسكتة العبقرية في الختام بعد كلمة أجبني “أجبني إن سألتك هل صحيحٌ”. يصل الأمر أحيانًا حتى إلى الهوس بأحرفٍ بعينها لفرادة أداء أم كلثوم لها، مثل الحاء في نحوي من الأطلال، ولوحدي من ياللي صنعت الجميل، وحبيبي في ياما ناديت.

يميز الذكاء الأدائي أم كلثوم في المقام الأول، تليه الإمكانيات الصوتية. يبدو أنه يُمكن اكتساب هذه الميزات ببذل الجهد الكافي، لكن حتى اليوم، بقي ظِل أم كلثوم مثل ظل الأخ الكبير الناجح في كل شيء، يدفع الصغير إما لاستنساخ تجربته أو الشذوذ عنها دون تفكير. في معظم الأحيان، إما نجد مؤديةً مثل صوفيا صادق، المميزة بتمكُّنٍ نادر، تُحاكي أداء أم كلثوم وكأنها أجنبية تُردد ما تعجبها نغمته ولا تفهمه؛ أو نجد شغوفة كبيرة بفن أم كلثوم مثل مي فاروق، تتهيب المؤدية التاريخية أكثر مما يجب، فتغفل بعض الإحساس، وتحشر كل ما لديها من فنون الأداء دفعةً واحدة طوال الوقت، خاصةً العُرَب، فيُقلل إسرافها من قيمة إمكانياتها لأنها لا تقدمها في الوقت والمكان المناسب.

في هذه القائمة، الاستثناءات. الأداءات التي لم يُثقل عليها ظل أم كلثوم بشكلٍ يجردها من أي روحٍ جديدة، بصوت ١١ من أفضل من غنى لـ أم كلثوم.

الأمل | ربى الجمال

“كنا نعرف أنّنا إذا اجتمعنا على رأيٍ معيّن فمعناه أننا أمام حالةٍ خاصة. يومذاك اتفقنا مندهشَيْن على أنّ صوت ربى يجمع بين أكبر مدرستين في الغناء العربي: أم كلثوم وأسمهان.” إلياس سحاب في حديثه عن لقائه وأخيه المايسترو سليم سحاب بـ ربى الجمال لدى قدومها إلى القاهرة أول مرة.

ربى الجمال إحدى المعدودين على أصابع اليد الواحدة الذين فهموا بالفعل فن أم كلثوم. “إن الكلثومي روحًا هو الذي يخون أم كلثوم في نصها” كتب الباحث الموسيقي الفرنسي فريدريك لاغرانج. هذا ما فعلته ربى، التي لم تعتبر غناء الكلثوميات مجرد اختبار، بل كانت تمسك بكل لحن وتعتبره خاصتها، تبحث عن كل مساحة في الأغنية يمكن أن تستحوذ عليها دون النوطة، وتنطلق بتفاريدها الخاصة مستفيدةً من روح اللحن والكلمة.

إعلان

هذا الأداء لـ الأمل من ألحان زكريا أحمد هو من أكبر الأدلة على القيمة الفنية التاريخية التي فقدناها برحيل ربى، خاصةً أنها إحدى المرات النادرة التي تصاحبها فيها فرقة تفهم فنها وحاجتها إلى التجاوب من العازفين بدل فرض المكتوب في النوطة. يستغرق الثلث الأخير من الأغنية “يا شبيه البدر” نصف التسجيل لوحده، بتطريبٍ مُسكرٍ مُكثّف، وحضورٍ مسرحيٍّ آسر لا يفارقه الروقان والسلطنة على وجه ربى وفي حركاتها وأدائها.

نهج البردة | نجاح سلام

بعد سماع ومشاهدة أداء نجاح سلام لـ سلوا قلبي، الذي لم تكن فيه – رغم جماله – بأحسن حالاتها تمكنًا وحفظًا بالإضافة إلى وضوح التهيُّب والتوتُّر، كنت مترددًا في العودة إليها لسماع كلثومية كبيرة أُخرى. لكن عندما يئست من إيجاد تسجيل واضح لنهج البردة بصوت أم كلثوم بعد كل الأساطير التي سمعتها عن الأغنية، لم أجد أمامي إلا هذا التسجيل بصوت نجاح سلام، وكانت مفاجأةً فريدة.

منذ دخولها بـ “ريمٌ على القاع” تلفتك درجة عذوبة ونقاء الصوت، لتستمر بعد ذلك بإغداق الجمال والمفاجآت التي تصل ذروتها بدايةً من بيت “إِذا خفضت جناح الذل أسأله عزّ الشفاعة لم أسأل سوى أَمَمِ” وحتى النهاية، بلفظٍ سليم وقفلات محكمة.

لـ نجاح سلام أيضًا أداءٌ جميل لـ ولد الهدى.

يا مجد | ذكرى

قبل العثور على هذا التسجيل، كان من المسلمات بالنسبة لي أن أحدًا لن يفكر بغناء مونولوجات أم كلثوم والقصبجي ما قبل رق الحبيب، خاصةً أمثال يا مجد ومنيت شبابي وياما ناديت. لسبَبين، أولهما أن الغالبية العظمى من المطربين – بشكلٍ غريب – يكتفون مثل الجمهور العادي بالسنوات العشر الأخيرة من إرث أم كلثوم، ليس لأنهم يجدونها أجمل، لكن لأنها ببساطة وصلت إليهم دون أي مجهود بحثي. السبب الثاني أن أم كلثوم القصبجي كانت في تحدٍّ مستمر لنفسها، تبلغ معه في كل أغنية جديدة ذروة أدائية جديدة، وفي مونولوج يا مجد إحدى أعلى تلك الذرى.

حتى حين يتطرق أحدهم إلى أغنية كلثومية من غير المألوف أن يؤديها غيره، يكون دافعه غالبًا أن من سمعوا الأصل قلة، وبالتالي سيتفادى المقارنة ويحصل فقط على الإعجاب. لكن في حالة ذكرى، لا يقلل سماع الأصل – التاريخي – من أهمية وجمال أداء ذكرى، خاصةً مع بصمتها الصوتية الفريدة، المعززة بإحساسٍ عالي وتمكُّنٍ جعلاها واحدة من أهم صوتين نسائيين ظهرا بعد رحيل أم كلثوم، ربى الجمال وذكرى.

من الجدير بالذكر أيضًا أن ذكرى هي أفضل من غنى للصبر حدود وعلى بلد المحبوب وديني بعد أم كلثوم.

إعلان

آه يا سلام | شهرزاد هلال

كان الشغفُ بالغناء دافعَ ذكرى لتكون سمّيعة، أما التونسية شهرزاد هلال فكان لديها دافعَين جعلاها ربما أكثر تبحّرًا في إرث أم كلثوم: الشغف بالغناء والتلحين، والبحث الأكاديمي. شهرزاد مطربة وملحنة وحائزة على الدكتوراه في العلوم الموسيقية من جامعة السوربون وأستاذة في المعهد العالي للموسيقى بتونس.

“صار صوت أم كلثوم الآن في أعلى مراتب رخامته. يزيد في راحة المستمع لدى الاستماع إلى هذا الدور المطرب جدًا، استرخاء الغناء وهو استرخاء ظاهر، يخفي التحكم المطلق بالحجاب الحاجز والحنجرة، على أعلى مستويات حرفة الغناء الراقي.” كتب فيكتور سحاب عن الأداء الأصل لهذا الدور. يمكننا بقراءة هذا الكلام وسماع الأصل تخيُّل صعوبة التحدي الذي أقدمت عليه شهرزاد بغناء هذا الدور، وتقدير أهمية أنها كانت على قدر التحدي.

سلوا قلبي | آمال ماهر

آمال ماهر ممن أثقل عليهم ظل أم كلثوم، فكانت تحاكي حتى ارتجالاتها في كثيرٍ من الأحيان، ربما خشية أن لا تستطيع تقديم ما يصمد لدى المقارنة، وهي خشية مبررة.  لكن تثبت أغلب الأداءات في هذه القائمة أن تحرر المؤدي نفسه أولًا من هوس المقارنة، يجعل نصيب ما وضعه من روحه في الأغنية أكبر من نصيب محاولات استحضار روح أم كلثوم. أفضل نسخة من أم كلثوم هي أم كلثوم.

أداء آمال ماهر لـ سلوا قلبي أحد أداءاتها القليلة التي لم تسيطر عليها الطبيعة الاختبارية المعتادة. بشكلٍ ما يبدو أنها اختارت هذه الأغنية ليس لمجرد أنها من القادرات على أغاني أم كلثوم، لكن لأنها تحبها بالفعل. يمكن لمس حجم الإنجاز الذي حققته آمال هنا بكونها تفوقت على أداء قامة كبيرة مثل نجاح سلام للأغنية نفسها.

أبرز أداءات آمال الكلثومية الأخرى التي لم يثقلها الأصل نجده في حيرت قلبي معاك.

أيها الفلك | أيهم أبو عمار

أجمل ما في هذا الأداء لنجم برنامج نجم النجوم، أيهم أبو عمار، أنه يمكن بسهولة لمس كون دافعه لاختيار الأغنية حبه للقصبجي في المقام الأول، لا لـ أم كلثوم. لا يحاول أبو عمار أساسًا إثبات أنه قادر على الارتقاء لمستوى الأداء الأصل، ويبتعد عن أية استعراضات مهما كان الإغراء كبيرًا. يريد فقط الوفاء لروح اللحن – غير المشهور بقدر ما يستحق – ولشخصيته الغنائية الخاصة، بشكلٍ جعل أداءه أجمل من أداء شهرزاد هلال، الأكثر خبرةً وتمكنًا منه، للأغنية نفسها.

أراك عصي الدمع | إيمان عبد الغني

لحن هذه القصيدة من أصعب ما أدته أم كلثوم في الستينات إن لم يكن الأصعب، بثمانية أبيات مرسلة من عشرة، تجعل فيها من الموّال المُلحّن الكثير. كذلك تتميز الأغنية بدقة الإحساس الأدائي الذي تتطلبه، وبحملها الكثير من الشخصية الكلثومية، السيدة القوية عصية الدمع. لذلك يسهل اتخاذ موقف مسبق رافض لمن سيؤديها بعدها.

مع طريقٍ وعرة من بدايتها كهذه، لا يمكن إلا الإعجاب بما قدمته إيمان عبد الغني هنا، وخاصةً استقلاله عن الأصل، رغم بضعة مواضع قصور مثل نطق القاف كافًا طوال القصيدة، نطق الزاي سينًا في البيت الأخير، عدم غناء البيت الثامن “فقلتُ كما شاءت”، نسيان الكلمات الصحيحة للشطر الثاني من البيت التاسع وغناء “إذا الليل أدقاني” مرةً و”إذا الليل أنساني” أُخرى بدل “إذا البين أنساني”، وأداء البيتَين الموقّعين الوحيدَين “معللتي بالوصل” و”وفيتُ” ببهجةٍ خارج السياق. رغم كل هذا، مع أغنية كهذه، بصراحة كتّر خيرها.

الأولة في الغرام | ربى الجمال

حين تحدّث فريدريك لاغرانج في مقابلته مع ياسر عبد الله عن الأولة في الغرام قال: “مفيش كلام ممكن يوصف حاجة زي الأولة في الغرام، إحنا بنتكلم عن قمة الطرب العربي، قمة في الأداء التطريبي، أداء تطريبي بس التطريب الذكي اللي ما فيهوش إعادات، ما فيش جملة بتبقى شبه الجملة اللي قبلها ولا الجملة اللي بعدها، كل جملة بتفكر فيها أم كلثوم أو ممكن ما بتفكرش فيها على فكرة، ممكن في هذه الحالات تبقى مجرد وسيط، تبقى روح الموسيقى بتعبر هذا الوسيط اللي اسمه أم كلثوم، تبقى فيه حاجة بتحصل أشبه بالمعجزة.” وحين رفع الأستاذ صلاح علّام – أحد عتاولة السميعة – هذا التسجيل لـ ربى الجمال وهي تعيد خلق المعجزة كتب: “الأولة في الغرام، بديعة بيرم وداهية زكريا، بصوت قادر عليها.”

بالفعل، هذه إحدى قمم الطرب العربي، بأداء أم كلثوم، ثم بأداء ربى الجمال.

إعلان

يا نجم | شهرزاد هلال

مونولوج قصبجي كبير آخر لا يعرفه إلا قلة، ويصعب تخيل أن يتهور أحدهم لدرجة التفكير بغنائه. لحسن الحظ، رغم مكانة اسم شهرزاد هلال فنيًا وأكاديميًا، تهورت، واختبرت – بوضوح – أقصى إمكانيات صوتها مع يا نجم، مدركةً أنه من الصعب جدًا أن تخرج من التجربة في مكانٍ وسط، إما نجاح ملفت أو فشل محرج. ربما لم يكن الأداء محكمًا بالكامل – وهو أمر طبيعي في هذه الحالة، لكن شهرزاد نجحت بالتأكيد وقدمت إحدى أفضل محاولات الوصول إلى الذروة الكلثومية القصبجية. على أقل تقدير، أفضل من جميع المحاولات مع رق الحبيب مثلًا.

لشهرزاد أيضًا أداءات ملفتة لـ يا فايتني وانا روحي معاك وإمتى الهوى وحبيت ولا بانش عليا وياللي شغلت البال.

دليلي احتار | عائشة حسن

في الخمسينات، حين كانت أم كلثوم متربعة على عرشها دون أي مصدر قلقٍ عليه، حاولت كثيراتٌ الاستفادة من بعض بريقها على الأقل، طالما المنافسة مستحيلة، بأداء أغانيها في حفلاتهن. في تلك الفترة، عند سماع أن شابة في السابعة والعشرين وحديثة العهد نسبيًا بالغناء الاحترافي ستؤدي أغنية مثل دليلي احتار، ينتظر منها الجمهور بشكل تلقائي أن تكون مقلدة بائسة أُخرى.

كانت المفاجأة لهذا الجمهور عام ١٩٥٧ أن عائشة حسن، التي أدت دليلي احتار، لم تكن مجرد مقلدة في الأسلوب كالعادة، وإنما فيما يجب أن تقلد أم كلثوم فيه، أن تغني بدمها روي عن أبو العلا محمد، المطرب والملحن الكبير وأستاذ أم كلثوم الأول في القاهرة، أنه تنبأ لأم كلثوم بعمرٍ قصير لأنها على حدا تعبيره تغني بدمها، أي تحرق دمها في الغناء.. مع أداءٍ كهذا تتضاءل أهمية اللحظات القليلة التي يبدو فيها أن عائشة ستفقد السيطرة على زمام صوتها في القفل، لأن سطوة إحساسها غامرة، سواءٌ في بهجة كالتي في “واشوف عينك تراعيني” أو ألم كالمرافق لـ “واخاف لتفوت ليالينا”.

هو صحيح الهوى غلاب | سعاد محمد

ربما هذا أكثر اختيار متوقع. لا يمكن سماع هو صحيح الهوى غلاب بصوت الكبيرة سعاد محمد مرة دون الرجوع إليها مرارًا. بين كل ما أدته لأم كلثوم تبدو ألحان زكريا أحمد الأقرب إلى قلب سعاد، وخاصةً هذا اللحن، الذي استمر في كونه أكثر ما يُطلب منها أداؤه حتى رحيلها، واستمرت في إشباعه شجنًا وطربًا.

ليه تلاوعيني | دلال أبو آمنة

أصبح لـ دلال أبو آمنة حظوة خاصة في قلوب سميعة القصبجي منذ أحيت رائعته لـ فتحية أحمد يا ترى نسي ليه، لتكمل جميلها لاحقًا باستعادة طقطوقته الكلثومية المهمة ليه تلاوعيني، وتستحق بالنتيجة حظوةً أكبر.

لـ دلال آمنة أيضًا تسجيلٌ ساحر مبتور لـ حبيت ولا بانش عليا، وآخر بنفس المستوى لـ الورد جميل.

رباعيات الخيام | سيد النقشبندي

تسجيل النقشبندي هذا لـ رباعيات الخيام وتسجيل حسن الحفار لـ نهج البردة مُذهلَين، لكن يعود تفضيل النقشبندي إلى كون أدائه أكثر التزامًا بالطابع السنباطي الصوفي الذي تذوب فيه الحدود بين الديني والدنيوي، على عكس أداء الحفار الذي حوّل نهج البردة إلى ابتهالٍ دينيٍّ بالكامل وبلحن السنباطي نفسه.

في هذه القصيدة تحديدًا إقبالٌ كبير على الدنيا بما فيها من حبٍّ وجمال، إلى جانب مناجاة الله، والدفق العاطفي في صوت النقشبندي أشبع الجانبَين. من لذات الحاضر في “لا تشغل البال بماضي الزمان / ولا بآت العيش قبل الأوان / واغنم من الحاضر لذاته / فليس فى طبع الليالي الأمان”، إلى العشق في “أولى بهذا القلب أن يخفق / وفي ضرام الحب أن يحرق / ما أضيع اليوم الذى مر بي / من غير أن أهوى وأن أعشق”، ثم الدعوة لاغتنام الشباب بالارتواء من شهد الدنيا، مع التذكير بأنها طيف خيال أمام الآخرة في “أطفىء لظى القلب بشهد الرضاب / فإنما الأيام مثل السحاب / وعيشُنا طيف خيال فنل حظك / منه قبل فوت الشباب”.

غنيلي شوية شوية | سعاد محمد

مرة أخرى سعاد محمد وكلثومية لـ زكريا أحمد. أكثر ما ميز الأداء الأصل لـ أم كلثوم اليُسر والروقان اللذَين أدت بهما لحنًا أرهق كل من غناه بعدها. هاتان أيضًا ميزتا نسخة سعاد محمد هذه، الموفية بوعد الكلمات: “لاسحركم إذا غنيت”.

إعلان

يا ظالمني | ربى الجمال

في حديثنا هنا عن أفضل الأداءات للكلثوميّات بدأنا بـ ربى الجمال، عدنا إليها لدى انتصاف الحديث، والآن نختم بها كما يليق بأفضل من غنت لأم كلثوم على الإطلاق.

حتى وقتٍ قريب، كنت قد يئست من اكتمال هذه القائمة، بدا وكأن ربى قد أغلقت الباب خلفها، هي أفضل من غنت لأم كلثوم الأمل والأولة في الغرام ويا ظالمني وحبيبي يسعد أوقاته وإسأل روحك وعودت عيني وحقابله بكرا وإفرح يا قلبي. كان سيضاف إليهم أيضًا رباعيات الخيام وأنا في انتظارك لو كان تسجيلَيهما المتوافرَين غير مبتورَين بشدة. جعل هذا السقف العالي الذي وضعته ربى من البحث عمليةً أطول، ومُجزيةً أكثر، فاكتشفت شهرزاد هلال وعائشة حسن وإيمان عبد الغني وأيهم أبو عمار، والأدائَين المبهرَين لذكرى والنقشبندي.

في يا ظالمني نجد العيب الذي عانت منه ربى طوال مسيرتها، فرقة ضحلة الخبرة بنوع المرافقة الآلية التي تحتاجها مطربة مثلها. لم يقتصر الأمر على غياب أي جاهزية للتفاعل مع ربى، لكن وصل إلى عدم حفظ اللحن الأساسي كما يجب. مع ذلك، تفرض ربى سلطنة غير عادية، وتقدم أداءًا أيقونيًا في كوبليهَي “صبرت سنين” و”أطاوع في هواك”. ما يُحسّر بشدّة على انقطاع التسجيل قبل غناء “حكيت لك عن سبب نوحي”.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply