أنا وليلى مدخلًا إلى كلاسيكية كاظم الساهر

كتابةهيا المويل - نوفمبر/تشرين الثاني 7, 2018

ظهرت أنا وليلى لـ كاظم الساهر في نهاية التسعينات، في وقت سادت الأغنيات السريعة أو الهابطة كما اعتبرها معاصروها، واتهموها بأنها لا تمت بصلة للزمن الجميل. استحضرت أنا وليلى ذلك الزمن بطابعها السردي الطويل، وملامحها القريبة من لست قلبي من تلحين عبد الوهاب، نموذج الساهر في التلحين، واستخدامها للوتريات بطريقة درامية. ولو أن أنا وليلى أكثر إحكامًا وجمالًا في الصنعة من لست قلبي، سواء في تعدد مقاماتها وإيقاعاتها وامتدادها على ١٤ دقيقة، أو بخاتمتها الممهد لها بشكل أسلس وأكثر إقناعًا من خاتمة لست قلبي، التي نشعر فيها وكأن عبد الوهاب قرر في لحظة ما أن يُنهي الأغنية فانتهت.

ظهور أنا وليلى بعد ١٤ عامًا من انطلاقة الساهر، استخدامه السابق للفصحى وميله للأغنية الطويلة في بداياته المبكرة مثل لا يا صديقي عام ١٩٩٣ التي تمتد لـ ٤٧ دقيقة، ابتعاده شيئًا فشيئًا عن اللون العراقي، وظهوره بالبدلة الكلاسيكية في حفل أداء لا يا صديقي، تعزز جميع هذه العناصر الاعتقاد بأن الساهر في أنا وليلى أصر على تثبيت صورته كمطرب وملحن كلاسيكي عربي رغم تحقيقه لشهرة كبيرة من خلال الأغنية ذات الطابع العراقي في عبرت الشط عام ١٩٨٩. نجاح أنا وليلى الكبير وشهرتها قد يكون أضر بالساهر، إذ جعله يبالغ في التمسك بهويته الكلاسيكية حتى في مراحل لاحقة، ما يغرينا بالرجوع إليها نموذجًا، وفهم شكلها وفكرتها.

حين أراد الساهر استحضار شخصية عبد الوهاب الملحن المفضلة لديه، لم يتتبع عبد الوهاب المسيرة ولا الأسلوب، بل استحضر عبد الوهاب كحالة: موسيقار الأبيض والأسود المفكر، والذي يستطيع قيادة فرقة كبيرة. كذلك ظهر الساهر في فيديو أنا وليلى التي جعلت كاظم يبدو، بقصد أو بدونه، كموسيقار يستطيع أن يؤلف أغنية طويلة ويلحن قصيدة أيًا كان زمنه. ما تمثل في ذهن الساهر هو اللحن والصورة التقليدية عن موسيقار ناجح، وليس التراكم الذي أنتج كل منهما. يؤكد ذلك استخدامه الأصوات الإلكترونية التي دخلت حديثًا على الأغنية العربية، كما في أغنية أكرهها مثلًا، على نفس مبدأ عبد الوهاب في استخدام الآلات الغربية في التخت الشرقي. بهذا وقع بالمفارقة، وخالف عبد الوهاب المجدد من حيث أراد السير على نهجه فكرره.

قدّم الساهر الحب في أنا وليلى بصورة شعرية قديمة، طبعت عشاقًا كان أبرزهم مجنون ليلى، نموذج الأغنية، ما دلل عليه اسم المحبوبة ومفردات مثل صحراء، وقافلة، إلى جانب الفيديو الذي صور العاشق كمجنون شريد تائه ضاقت عليه بلاد الله ما رحبت.  فما الذي استوجب استحضار هذه الصورة؟ وهل عكس استحضارها رؤية جديدة وفهمًا جديدًا للموضوع؟

إعلان

كان مجنون ليلى ابن زمانه، بمفرداته وفصاحته وتصويره المعاناة في الحب، على عكس المرواني الذي استقى كلماته وقصيدته على بحر البسيط من حالة سابقة، كذلك إذا كان الحب وألمه واحد على مر العصور، فإن تعاملنا معه وبالتالي طرحنا له في الفن ليس واحدًا.

 في السنوات التي سبقت صنع أنا وليلى، أي في المرحلة التي احتوت التراكم المعرفي الذي من المفترض أن يؤثر في مفهومها، ظهر كتاب لـ صادق جلال العظم تحدث فيه عن حب مجنون ليلى وأمثاله، يقول إن عاطفة الحب “تتصف كغيرها من المشاعر الإنسانية ببعدين رئيسيين: الامتداد في الزمان، أي دوام الحالة العاطفية واستمرارها عبر فترة معينة من الزمن، والاشتداد وهو يدل على مدى عنف الحالة العاطفية وحدتها في لحظة ما في الزمان.”

صحيح أن من خصائص الحب كما يقول العظم كونه انفعالًا تلقائيًا وعفويًا، إلا أن هذا لا يحرم المحب من اختيار النزعة، اختيار الامتداد أو الاشتداد. اختيار قيس لحالة الاشتداد مثلًا كان تمردًا وتجديدًا، إذ يقول العظم إن “زوج الحبيبة وأهلها وأعراف وعادات البادية تمثل شريعة الامتداد التي تعمل على استقرار المجتمع بإخضاع الحب والزواج لاعتباراتها التقليدية، بينما نجد العاشقين في صدام مستمر مع تلك المؤسسات، إنهما لا يريدان الحب الذي ينزع نحو الدوام والاستمرار ضمن مؤسسة الزواج لأن ذلك لا يتحقق إلا على حساب اشتداد الحب وتوهجه وكلاهما يبحث في الحقيقة عن حدة الانفعال في العشق، ويريد العمل دومًا على تصعيد عنف عشقه وقوته إلى أعلى درجات التوتر الممكنة.”

في حالة أنا وليلى اختار حسن المرواني الامتداد وجاء الرفض ليحول دونه. هي قصة حزينة بالطبع، لكن لا جديد فيها، كما يصعب على المستمع الذي قرأ كتاب العظم أن يصدق المبالغة التي اختارها المرواني ومن بعده كاظم، إلا في حال اتخذا بشكل إرادي العذاب في الحب وقررا استغلاله في الفن. في حال كهذه فإن هناك جانب ممتع بالنسبة للعاشق الفنان، جانب مشرق في كونه اختار، جانب لم يَعُد يخفى علينا الآن، فأصبح تصوير الحب على أنه قدر محتوم من المعاناة لا محيد عنه ضرب من المبالغة. مبالغة ربما بدت طبيعية أيام مجنون ليلى مثلًا، قبل أن ندرك أبعاد قصة الحب بين قيس وليلى. نحن نعلم الآن أن قيس بن الملوح لم يُجنّ بالمعنى الحرفي للكلمة، وأنه إن وجد سواء في زمانه أو زماننا أحدهم جُنّ من العشق فهي حالة استثنائية مرتبطة بطبيعة الشخص النفسية. وإن حصل وجُنّ أي أصيب باختلال عقلي فإن هذا لن يسمح له لا بكتابة الشعر ولا بصنع الموسيقى.

أن يثبت الساهر أن مجنونًا يغني ويقول الشعر يتطلب جهدًا منه حتى يجعلنا نصدقه وفق مفاهيمنا المعاصرة، جهدًا لم يبذله الساهر بل اكتفى بتشبيه مكرر، هو تشبيه العاشق بالمجنون. افترض الساهر أن مفهومنا للحب ثابت، وإذا كانت قصة حسن المرواني قد ساعدت في جعل هذه المبالغة تبدو حقيقية، فإن هذا لا يبرر استمرار ثيمة دراما العشق في مسيرته اللاحقة، متمثلة بالآهات وباستخدام الكمانات بكثرة.

في الشخصيتين اللتين كانتا نموذجًا للساهر، سواء الموسيقار في الموسيقى، أو العاشق في الفكرة، ثبت كاظم الصورة التقليدية لهما. فكرته التي أراد عنهما. إلا أن كلتا هاتين الشخصيتين، تحمل أبعادًا أخرى في ذهننا اليوم، تجعلها أكثر مرونة وحيوية مما صور كاظم الموسيقى والحب في أنا وليلى خصوصًا وفي مسيرته اللاحقة عمومًا. نجاح الأغنية، جعلها هي بدورها نموذجًا شخصيًا للساهر أحبه واستهلك تفاصيله، كآهاتها التي استخدمها بكثرة فيما بعد، وغالبًا ما أتت ضمن مساحة أكبر مما تحتمل الأغنية بألحانها وكلماتها ومضمونها. فإذا فهمت آهاته في أنا وليلى على أنها آهات رجل يعاني من الألم، لن تفهمها حين تظهر في أغنية تتحدث عن جريدة.

كذلك كان الساهر مقيدًا مع إصراره على غناء قصائد قديمة نسبيًا. استخدامه لأشعار نزار قباني جعل فصحته اللاحقة جامدة مرتبطة بزمان واحد، هو زمان القباني غالبًا. ما يخالف صفة في أصل اللغة هو مرونتها وقدرتها على التفاعل مع زمانها الذي خلقت به، سواء من ناحية الألفاظ أو المعاني. تعبير مثل “مبحر في زمن الحب” يختلف تأثيره في التسعينات مثلًا عنه في الألفية الثانية، كان هذا دون أن يتنازل عن الصورة التي رسمها لنفسه، فجرّد أشعار نزار من أغلب مفرداتها التي تعكس عقليته وتصور الحب كما هو ثابت في ذهن الساهر.

عوّل الساهر في نهجه على الحنين لفكرتنا الأولى عن الألحان والموسيقى والحب، الحنين الذي يصفه فادي العبد الله بأنه “يقول في آن الألم واللذة، ألم الشعور بالزمن والفقد، ولذة الاستعادة والإيمان بالقدرة على الاستمتاع”. ما ضيّع عليه وعلينا فرصًا فنيّة كثيرة كان بمقدور ثقافته وصوته الجميل الممتد لأوكتافين تحقيقها، لأن هذا الحنين لن يبقى كما هو مع تكرار الاستماع، ستأتي معرفة جوانب جديدة من العمل الفني لتحل محل سابقة، وتجعلنا نراه بنظرة مختلفة، وعندها لن يصمد سوى ما هو مبتكر ومنعش فيه.

إعلان
 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply