.
بحث | نقد | رأي

أول كابس | زولي

رامي أبادير ۲۰۲۱/۰۳/۱۲

لكل منتِج ناجح لعنة؛ تراك أو ألبوم ضارب يظل المنتج حبيسه بسبب شغف الجمهور به. تراك تريجر فينجر مثالٌ على تلك اللعنة. في ألبوم ترمينال هجر زولي المنطقة الراقصة إلى صوت تجريبي مخصص للاستماع، حافل بالتعاونات وتناول غير متوقع للراب؛ كما شغلته مشاهد محيطة ولحنية. بالرغم من قوة الألبوم وصوته غير المألوف، ظلت اللعنة باقية، فعادةً يتطلب الانعتاق منها عملًا ضاربًا آخر يكون بمثابة تطوير أو تحوير، وهو خيار وتحدٍّ صعب. بذلك يأتي أول كابس بتراكاته النارية الستة، والذي أعتقد أنه سيكون سبيل تحرُّر زولي من قبضة تريجر فينجر، الذي صار بمثابة جرعة مصغّرة ونسخة أولية من إصداره الجديد. 

 

بعد الاستماع إلى التراك الافتتاحي، تاني، غمرني اشتياق للحفلات وقاعات الرقص، التي فشلت تمامًا محاولات البث الحي على منصات الإنترنت في شغل مساحاتها أو حتى في أن تلعب دور المسكّن. يلعب التراك على فواصل إيقاعية متدفقة بكثافة، وحدّة بفضل الدستورشن، تزيد من ديناميكيتها العينة الصوتية البشرية المتلعثمة. يشغل الدستورشن أيضًا المدى المنخفض، فتأتي البادز التي تنساب كغطاء لحني متقطّع حينًا لتفسح المجال لالتقاط الأنفاس بينما ينسحب الإيقاع. يهيء التراك المستمع إلى المزاج الراقص المسيطر على الألبوم. يتحقق نفس الإحساس الغزير في أفضل تراكات الألبوم، وير دو يو جو. يحمل التراك طاقة عالية، ومحفّزات راقصة مركّزة تؤسس لصوت جانغل ٢.٠ مجدّد. بينما يعتمد التراك على عينات إيقاعية خام للجانغل، تكمن حِرَفية التراك في معالجتها وتقطيعها وتصميمه الصوتي بشكل يدفع الجنرا إلى الأمام؛ إذ يختلف صوت زولي اللزج والمتّسخ والغليظ عن الصوت اللامع والمنقّح للدرام أند بايس أو الصوت الاستعادي التسعيناتي للجانغل. يكتسب التراك لذّة من نوع خاص بفضل أصوات الفيدباك وتناثر المدى العالي من الفواصل الإيقاعية بالديلاي، بالإضافة إلى اللحظات الصامتة القصيرة. هذه تفاصيل صغيرة ذات أثر صوتي كبير تكسر أى شعور بالتكرار أو الملل وتغني التراك بميوعتها. بعد نقلات متتالية، يفاجئنا زولي بباراته اللعوبة “ألاقيكوا واقفين على ناصية / تاكلوا زبيب وقراصية / شعركم شيبان م الحسرة / يعني ولا ترنيب ولا بصرة…” موظفًا صوته وحسه الفكاهي الذي يظهر في عدّة مواقع أخرى في الألبوم.

 

تصوير ملك الصاوي

يأتي باسوس بإيقاعاته المتشابكة وعينته المتكررة والبايس العميق كتحوير للفوتوورك. يضغط السَب بايس والتومّات المشوّهة على صدر المستمع، بينما تأتي السناير والسقفات كلدغات لتزيد من تشابك الإيقاع، وتصعّد مزاج التراك العنيف الذي يحتل مساحة بينية بين الديناميكية والطابع المخدّر. تظهر الخامات الزجاجية والبلاستيكية في تراك كين دماج. يفيض التراك بالأدرينالين بفضل تدفق إيقاعه المتقطع كطعنات متسارعة، حيث تنسجم الكيك الثقيلة مع الخامات الزجاجية والجليتشات المتشظية والبايس. يرتكز التراك تقريبًا على لوب واحدة، لكن التنويعات في النمط الإيقاعي ومعالجة المواد الصوتية وإدخالها وإخراجها في توقيتٍ أمثل يجعلون التراك في تغيير دائم. ينحرف زولي إلى الهيب هوب قليلًا في بيت بنسلين دَك؛ إذ يهدأ الإيقاع ليتيح مجالًا لزولي لمزيد من التجريب واستعراض تصميمه الصوتي. تأخذ الكيك العريضة مساحتها فتظهر من بينها خامات إيقاعية مقرمشة وعينة صوتية متقطعة وسائلة وسنث بايس، يضيف إليها سنث مثير وغريب يصرخ ككائن هجين.

 

في التراك الأخير برو! (لاف إت)، يعلن زولي عن استيائه من النظرة الإكزوتيكية للمستمع الأجنبي، المغرم  بالسردية على حساب الموسيقى وخلفية الفنانين الهوياتية على حساب ما هو جمالي وتقني. يبدأ التراك بموجة من الكيكّات الغليظة والضاغطة على العينات الإيقاعية المفتتة والسنث باد الزجاجي الذي يحاول التنفس جاهدًا، ثم تأتي واحدة من أكثر لحظات الألبوم جاذبية، إذ تدخل عينة موسيقية وإيقاعية عربية لنسمع رجل يقول “Oh my god, this has Egyptian music all over it, love the Arabic fusion bro” في إشارة من زولي إلى هوس الأجانب بأي موسيقى راقصة تحتوي عينة عربية. يتصاعد الإيقاع فجأةً ويزداد مزاج التراك متعة ويصل بالمستمع إلى النشوة مع الفواصل الإيقاعية بين الكيكات والعينة الموسيقية. المثير أن زولي يذهب بذلك الصوت “الإكزوتيكي” أو ما أطلقنا عليه بسخرية Habibi Vibe إلى منطقة راقصة من المحمس أن يستكشفها بعد ذلك، ويعيد هيمنته دون حرج على صوت متعلق بذاكرتنا الموسيقية، غير عابئٍ بالنظرة الإكزوتيكية.  

 

“إذًا، ماذا سنتوقع من عمل زولي القادم؟ نظرًا إلى مدى اختلاف هذا الألبوم عن إصداراته السابقة، من الصعب التنبؤ بأي شيء.” بهذه الكلمات اختتم محمد أشرف مراجعته لألبوم ترمينال. مع زولي جميع الاحتمالات مفتوحة نظرًا إلى اتساع مدى ذائقته الصوتية. يأخذ زولي في ألبومه الجديد خطًا راقصًا صارمًا. لا يفلسف أول كابس الأمور ولا يتناول قضايا كونية أو مفاهيمية كبيرة، لكنه يفلسف الموسيقى الراقصة ويدفعها إلى الأمام بفضل جمالياته الفريدة وتفاصيله الإنتاجية، ولغته الصوتية التي يصعب إعادة إنتاجها. أول كابس اختراقٌ صريح للبايس البريطاني، ألبوم صايع. ستة تراكات ضاربة ذات بصمة خاصة يتفوق فيها زولي على أعماله السابقة.

المزيـــد علــى معـــازف