والليل والخيل وسيوف بيلمعوا | معلّقات الزجل اللبناني

* الأمثلة المستخدمة في هذا المقال مستمدة من ستّ حفلات بين جوقتي القلعة وزغلول الدامور في الثمانينات والتسعينات وبداية القرن الحاليّ، في لبنان (حبوب، فقرا، كرم سدّه، زحلة) وأستراليا (سيدني وملبورن).


تفرّع الشعر العامي من الزجل، حيث يشترك الاثنان في صياغتهما باللهجة الدارجة، بينما يتميز الزجل بكونه فنًا غنائيًا دون الحاجة إلى لحن أو مطرب، غالبًا ما يأخذ شكل مبارزة بين زجّالَين أو أكثر، يصاحبها عزف إيقاع. فصل الزجل اللبنانيّ نفسه عن الأصناف الأخرى للفنّ الغنائيّ في المنطقة، حتّى ذهب بعض المؤدّين له أو الباحثين فيه إلى اعتبار الزجل متأصّلًا من التراث اللبنانيّ، أو السريانيّ كحدّ بعيد، في حين تشير أبحاث عديدة إلى زجل في الأندلس، ظهر متأثّرًا بالقصيدة العربيّة الكلاسيكيّة. لا تخفى صورة لبنان عن الزجل الذي قُدم في القرن العشرين وحتّى الآن، لكن في الوقت نفسه، يعود شعراء الزجل إلى القصيدة العربيّة ليأخذوا منها ما يحلو لهم توظيفه من مصطلحات، أو أبيات، أو صفات الشعراء؛ ومثلما يتموضع الزجل، بمعظمه، بين صورة لبنان والصورة التي يحملها استخدام الشعر العربيّ القديم، يجد الزجل نفسه، من ناحية النظم والإيقاع، بين الموسيقى والأدب.

يتحدّد الزجل اللبنانيّ بأشكال معيّنة (مثل المعنىّ، والشروقيّ، والقصيد، والقرّادة، والعتابا) تختلف بعدد الأبيات وإيقاعها وقافيتها. لا توجد بحور شعريّة للزجل، لكنّه يتحدد بقافية معيّنة تجعله ذا إيقاع منضبط، يضعف الزجل إن بعد عنه. أمّا مضمونه فيأخذ طابعًا تنافسيّا بين المتبارين أو طابعًا غزليًا أو وطنيًّا في حال اختار الشاعر أداء أحد أشكال الزجل منفردًا (الشروقيّ مثلًا).

تظهر حفلات الزجل إلمام الشعراء بالتراث الشعري العربيّ، حيث يستخدمون شخصيّاتٍ شعريّة ويقارنون أنفسهم بها لإظهار معرفتهم الأدبيّة الواسعة، ولإعلاء شأنهم أمام الشاعر الخصم في جولات التحدّي. يطوّع الشعراء هذه الشخصيّات وأعمالها لتناسب صورتهم، وأحيانًا يختلف استخدام الشخصيّة الواحدة بحسب سياق التحدّي، فتارة يكون الشاعر أعلى شأنًا من الشخصيّة المذكورة وتارةً يساويها.

تحضر شخصيّة المتنبّي في مباريات الزجل لتكون ركنًا أساسيًّا في جدلٍ عماده: من يتملّك لقب المتنبّي أكثر من غيره؟ في حفلة حبوب، يعتبر الشاعر الياس خليل نفسه متنبّي التفكير الذي سيعيد إحياء الأسطورة الأولى لمتنبّي الشعر. يسبق الياس خليل خصمه بمقارنة نفسه بالمتنبّي، فيسقط هذا السلاح عند الشاعر إدوار حرب، ليصبح أبو الطيب أقلّ قيمة منه: “وما زال عشاق التحدّي  تجمّعوا / روحوا اندهوا بو الطيّب الليلة وتعوا / وخلّي معو يجيب القلم من موضعو / والليل والخيل وسيوف بيلمعوا / مش محرزة بحبوب باري الياس خليل / وينو أبو الطيّب لإتبارى معو.” يتّبع الشاعر أسعد سعيد الطريقة نفسها، فيُسقط المتنبّي من عرشه حين يقارن الشاعر الخصم نفسه به: “ووقت ال عيارو بخفّ / وبصفي متلك متلو / بصير بإمكاني لفّ / اتنعشر متنبّي بعبّي.”

تدور المبارزة الزجليّة أيضًا حول الفحولة، التي كانت أساسًا في النقد الأدبيّ القديم، والتي كان يقيّم الشاعر على أساسها. فعلى الشاعر الزجليّ أن يثبت فحولته عبر الصور الشعريّة، كما عبر ذكر قدرته الشعريّة علنًا في المبارزة، يقول زغلول الدامور في حفلة زحلة: “وإجا أحمد أبو الطيّب قبالي / ورجع يحيّي بعزا كافور ع إيدو / وسمع شعري ركعلي وانحنالي / وقتل محسود من خنجر قصيدة / قبل ما يقتلو خنجر قصيدو.”

تختلف شخصيّة عنتر بن شدّاد عن أبي الطيّب، حيث يحمل إدخالها في مبارزات الزجل أبعادًا اجتماعيّة وسياسيّة لها علاقة بالثقافة السائدة في فترة الحفلات المذكورة. يمثل عنترة مثالًا مهمًا على كيفيّة تطويع شعراء الزجل لأيّ شخصيّة تاريخيّة، يستخدمون منها ما يحلو لهم لإرفاع شأنهم وتغذية ذكورتهم الشعريّة، أو لذمّ الشاعر الخصم. تارة يقارنون أنفسهم به مستخدمين جملًا من معلّقته، فيقول إدوار حرب: “وينك يا عبلة بهودج الشعر اخطري / عنتر مرق دقّي النشيد العنتري”، وموسى زغيب: “باسم رب الوحي وراعي الأصيلة / يا بسحبكن من قصور التحدّي / متل ما كان عنتر عبس يسحب / ملوك العرش ع خيام القبيلة”، وزين شعيب: “اللي بيتلاقى بزين شعيب / بيتلاقى بعنتر شداد.” تارة أخرى يصبح عنتر العبد الأسود القبيح في صورة شعرية ذكوريّة عنصريّة، بحسب الشاعر زغلول الدامور: “وع شو عشقوك عالشعر المجعد / وعلى شفاتير عنتر يا حبيبي / يا عنتر حاج تتفلسف وتبعد / عن الموضوع والفكر المصيبة / إن ما هزينا العصاية ما بتجمد / لأنّو العبد أطوارو غريبة / قصدتك تغزي الملوك بليل أسود / وإنت أسود من العتمة الرهيبة.”

دخلت شخصيّات أدبيّة عديدة ساحة المبارزة الزجليّة في هذا السياق، وخضعت بالمثل لثنائيّة الشاعر والشاعر الخصم، مثل أبو العلاء المعرّي الضرير ورسالة الغفران، الفارابي والغزالي وابن رشد وفلسفتهم، الفرزدق وجرير سويّة، امرؤ القيس وأبو نوّاس وبلاغة شعرهما، الحريري ومقاماته، جعفر البرمكي وهارون الرشيد، وغيرهم.

كاستخدام الشخصيّات الأدبيّة، يختار شعراء الزجل شخصيّات دينيّة ليقارنوا أنفسهم بها. في ثنائيّة تبنى عليها التحديات الزجليّة، تصبح الشخصيّات الدينيّة وسيلة الشاعر للدفاع عن نفسه وإظهار تفوّقه على الخصم، في حين يتمثل الشاعر الخصم بالشخصيّات التي كانت ضدّ الدين، أو التي خانت الأنبياء أو الرسالة الإلهيّة. في الجولات الثنائيّة في هذه الحفلات، يصبح الإيمان مقابل الكفر، والولاء لله وأنبيائه مقابل الخيانة. ويصبح الإسلام، أو تصبح المسيحية، المرجع الأخلاقي المعتمد في مباريات الزجل، والمبرّر لأفعال الشاعر وأقواله.

المسيح هو الشخصيّة الدينيّة الأكثر حضورًا في هذه الحفلات، ويحمل في معظم الأحيان لقب الفادي. لا يقارن الشاعر نفسه بالمسيح عادةً إلّا من حيث التشابه في القداسة، الدينية والشعرية. يقول موسى زغيب عن نفسه: “موسى متل عيسى بعود من الممات / ولولا صلبت فادي الزجل والمعجزات / بدّك بعد ما تصلبو وتعلقو / تركع من المصلوب تستجدي الحياة.” بينما يساوي الشاعر زغلول الدامور نفسه مع مكانة المسيح أحيانًا: “ومن بعدها بطلع قمر عالي الجبين / لمطرح ما طلعوا قبل مني الخالدين / عيسى المسيح ومار الياس وبو الياس (أي الزغلول) / صرنا تلاتة بدون نزلة طالعين.” تنطبق هذه المقارنات على شخصيّة النبي محمّد والنبي موسى أيضًا، يقول موسى زغيب: “وروحي متل روح الألوهة المطلقة / إلها مع الفادي ومحمّد ملتقى”، و”إذا كنت البحر ت فيك إقطع / أنا موسى النبي وحامل عصاية.”

تتجلى المقارنة أكثر مع تلامذة المسيح، فالشاعر هو التلميذ الذي يطيع معلّمه، والشاعر الخصم يصبح التلميذ الذي يبيع المسيح مقابل الفضّة:

“الفادي تغضّب عالإنسان / ال باعو وعليي ترضّى / ويا جايي ببيع الأديان / تقضّي أكتر ما قضّى / بس بتفرق هوي كان / بايع ربو بالفضة / وإنت ع كتر الايمان / بايع ربك بنحاسة.” – موسى زغيب.

“بطرس بربّو شكّ ع صياح الديوك / وأسعد ببيّو شكّ ما عندي شكوك.” – زين شعيب.

“هلأ عند ما الديك يا موسى يصيح / رح يعرفوا الناس المنيح من القبيح.” – زغلول الدامور.

يسيطر استخدام يوضاس أو يهوذا الإسخريوطيّ، وابن ملجم (الذي قتل الإمام علي) كشخصيتين خائنتين، مسيحية وإسلاميّة، لوصف الشاعر الخصم، وربّما كان اختيار هاتين الشخصيتيّن مقصودًا في حفلات حصلت معظمها في فترة الحرب الأهليّة، التي أخذت طابعًا طائفيّا آنذاك. ينطبق هذا الأمر على معظم حفلات الزجل المذكورة هنا، وتلك غير المذكورة:

“لقيتك بَيْ مع يوضاس تاجر.” – أسعد سعيد

“حبالي وصلتن للشنق والاختبار / ولردع الخيانة وهيك مع يوضاس صار.” – سميح خليل

“المرسة ولو نزلت عن صيب / ع عنقي بيصرخ يوضاس / قيموها من عنق شعيب / لعنق زغيب اليوضاسي.” – زين شعيب

“وانت مش ابن مريم ابن ملجم / ال دبح سيدو علي في بيت الله / بضحّي ابن الله بالكنيسة.” – زين شعيب مخاطبًا أسعد سعيد

“نطرت تلات ايّام ت مرّك يطيب / قدّام عيني سهرت والمشهد رهيب / بيّن ع وجك ملجم بعينك الشمال / وعينك التاني متل مسمار الصليب” – الياس داغر

في هذا الجو الذي يقتصر هدفه الأساسيّ على أن يضع المتبارون ذكورة خصومهم على المحكّ، لا وجود يُذكر للنساء إلا في حال كانت الأمّ أو مريم العذراء، مع التركيز على كونها بتولًا أو على كونها أمّ يسوع المسيح. من الاستثناءات النادرة شخصية الخنساء، رغم أن شعر الخنساء ليسَ موضوع المقارنة، إنّما بكاؤها على أخيها. حتّى في هذه الحال، تكون المقارنة لصالح ذكورة الشاعر، يقول زين شعيب: “العنب زينيّ (إشارة إلى زين شعيب) وبحالي بشوف حالي / متل ما شافت الخنسا أخوها”، ويتابع في مناسبة أخرى: “بشعري بِكْيتْ الخنسا أخيها / وبصوتي دموعها رجعت تهنّي.”

“مريم العدرا الطهر ع ديها ربي / وبقيت بتول وعانس بهالمسكبة.” – زين شعيب

“مريم بتول وإمّ بالمعنى الصحيح / ربّت ال قام الميّت ومشّى الكسيح.” – إدوار حرب

“هديتك ع أشرف نساء العالمين / ال بقيت بتول وابنها رب البنين.” – زين شعيب

يتسع الزجل لاستخدام العديد من الشخصيات الدينية الأخرى في مقارباته، فيستأثر زين شعيب بمقارنة نفسه بزين العابدين، ويقارن بعض الشعراء أنفسهم بالنبيّ يوسف الذي كان أفضل من إخوته، كما تظهر شخصيّات أخرى من فترات تاريخيّة متنوّعة مثل: النبيّ نوح، النبيّ يعقوب، مريم المجدليّة، الشريف المرتضى، الإمام الحسين، شمشون، النبي عمران والنبي اسحق، السيدة نفيسة، زيد بن الحارثة، وغيرهم.

استمد المتنبي اسمه من ادعاء النبوة، وكُتِب جزء كبير من سيرته الشعرية حول المنافسات والمباريات الشعرية القائمة على قيم الفحولة، التي خاضها المتنبي في سبيل الرفع من اسمه أو أسماء الشخصيات السياسية التي خدم في بلاطها (سيف الدولة الحمداني). في مثل هذا الحيز بين قدسية الشاعر وفحولته، بنى شعراء الزجل لأنفسهم قاعدة شعبيّة واسعة في فترة الحرب الأهليّة اللبنانيّة، ما قبلها وما بعدها، قبل انطفاء ذلك الوهج لحفلاتهم مع تحوّل الإعلام عنها، ومع تغيّرات مجتمعيّة وتقنيّة متنوّعة، ورحيل أبطال تلك الفترة الذهبيّة. لعبَ شعراء الزجل دورًا أكبر من توقّعاتهم لشعرهم المنبريّ الشعبيّ في معظم الأحيان، وعثر الكثير منهم على نفسه منخرطًا في أبعادٍ سياسية، إما تلقائيًا، كون الشعراء من مناطق وطوائف وخلفيات مختلفة، أو بشكلٍ مقصود حين أحيوا حفلاتٍ برعاية نوّاب أو شخصيات سياسيًة في مناسباتٍ عدّة. اليوم، تبدو الحقبة الذهبية للزجل اللبناني كإحدى الحلقات التي يعيد فيها التاريخ نفسه، خاصّة أن الشكل الأدائيّ أو شكل التحدّي بين خصمين، أو بين ذكرين تحديدًا، هو ما يبقى من ذاكرة الزجل أكثر من المضمون، ذاكرة قائمة على مباريات ارتجالية أكثر من القصائد المحضّرة والمدونة، ذاكرة الحلبة.

Leave a Reply