مخلصة للضجيج، متحررة من الجمال | القاهرة تصنع موسيقاها

في مشروع بحثي امتد لسنوات، قام الباحثان الفرنسيان نيكولا بويج ١ وفينسنت باتستي ٢ برصد وتدقيق وتصنيف مجموع الأصوات التي تملأ الفضاء الحضري لمدينة القاهرة ٣. اهتم الباحثان بتسجيل كافة الأصوات التي نسمعها في المدينة، وحاولا أن يفهما كيف يسمعها سكان المدينة وماذا يسمونها، ثم أنشآ معجمًا لهذه التسميات وتوصيفها. استند هذا الجهد إلى اعتبار الصوت جزءًا من المكان وهيكله الاجتماعي، بل أن الصوت منتج اجتماعي، يشارك في إنتاجه أهل المدينة بشبكاتهم واحتفالاتهم وعلاقاتهم الاجتماعية، وبالتالي لا يمكن دراسة صوتيات مدينة دون مراجعة التركيبة الاجتماعية والذوقية التي تنتجها.

تجاوز الباحثان الوصف الذي استخدمته أبحاث سابقة عن الصوت في القاهرة باعتبارها مدينة صاخبة ومزعجة تزدحم فيها أصوات عالية ومتنافرة Cacophony، وعمدا إلى رؤية الأسباب الاجتماعية التي خلقت هذه البيئة الصوتية، التي تظل مقبولة لسكانها طالما استمرّت ممارساتهم الاجتماعية تكرسها (كالأفراح وأصوات الآذان والسماعات الصاخبة في الشوارع ووسائل المواصلات والمحلات التجارية). رصد نيكولا بويج في ورقته البحثية، المدينة المضخّمة ٤، هوس المصريين منذ السبعينات باستخدام الميكروفونات والسماعات بأحجام مختلفة منذ السماح باستيرادها في مصر. رأى بويج هذه الظاهرة تعبر عن ثقافة جديدة بدأت تحتفي بالثروة (أو بالمكانة عبر الثروة) باستخدام طقوس صوتية تخترق المجال العام، أسماها ثقافة الـ show off، بغرض دعم التمايز الاجتماعي المتحقق بحيازة الثروة. ونظر إلى التحيّة التي يلقيها نبطشي الأفراح كأحد التجليات الحرفية لهذه الظاهرة، حيث يفصّل النبطشي الأسماء والمبالغ المدفوعة للعروسين والمتبادلة بين العائلات (النقوط).

يرصد بويج أيضًا أول ظهور للأورج الكهربائي في الفرق الموسيقية العربية في أغنية قارئة الفنجان لعبد الحليم حافظ ١٩٧٦، ويرى أن العازف مجدي الحسيني نجح منذ وقتٍ مبكّر في تطويع الآلة لأسلوب أداء مختلف عن استخدامها الغربي المعتاد. ساهم عمار الشريعي لاحقًا في تطوير أول أورج مع شركة ياماها اليابانية يؤدي الثلاث أرباع تون العربي، ليلتقي بعدها أسلوب العزف (المعرّب) مع إمكانية عزف أي أغنية عربية على الأورج، ويصبح الأورج ضيفًا دائمًا لدى الفرق الشعبية التي تحيي الأفراح، وعلامة من علامات البيئة الصوتية القاهرية، تمامًا كالميكروفون والسماعات. كافة هذه المظاهر كانت مداخل لبيئة حضرية تدل على حداثتها وعصرها الجديد المواكب بأسلوب يميّزها

بالتوازي مع هذا النمو في الحجم الصوتي الذي ينتشر في المدينة، دون ضوابط على استخدامه، كان الوسط الموسيقي الاحترافي لا يزال في جدله الذي لا ينتهي حول انهيار الموسيقى العربية وصعود الأغنية الشبابية. كان السند الرئيسي لهذا الجدل هو هجوم يصل حد التكفير لاستخدام التكنولوجيا. فالنقد الأساسي الذي اتكأ عليه أصوليو الموسيقى العربية لم يكن موجهًا نحو التأليف الموسيقي أو التلحين وتطورهما، ولا البناء والمعمار الموسيقي وحرفيته، ولا النصوص الشعرية والغنائية التي تصلبت شرايينها وضاقت عن استقبال أي جديد يذكر منذ نحت قالبها الأساسي ومفرداته الشاعر الكبير أحمد رامي، وإنما انبرى في وصم الاستعانة بأي اختراعات تكنولوجية باعتباره علامة ضعف في حد ذاتها. في البداية، وصم المطربون الذين يستعينون بالميكروفون بضعف أصواتهم، وبعد أن أصبح الميكروفون جزءًا من الأمر الواقع، انتقل الهجوم إلى تقنيات التسجيل والتراكات، ثم إلى الآلات الكهربائية كالجيتار والأورج، وأخيرًا الأوتوتيون والمؤثرات الصوتية الإلكترونية وبرامجها المحوسبة.

إعلان

ويبدو لي أنه منذ السبعينات وظهور الكاسيت كوسيط سمعي حرر الإنتاج الموسيقي من ارتباطه بالاستوديوهات والموافقات الرسمية، بدأ فراق الوسط الموسيقي عن بيئته الصوتية المحيطة يتزايد. في مواجهة هذا التطور، انقسم الوسط الموسيقي إلى فريقين: الأول حامٍ للأصالة ومهيمن على الجهات الرسمية والأكاديمية، والثاني أكثر شبابًا ومغامرةً والتحاقًا بموجات الموسيقى العالمية. في الحالتين، ومع أن الفريق الثاني لم تكن له نفس التحفظات على تكنولوجيا الإنتاج الموسيقي، أنتج كليهما بيئة إبداعية مغلقة لم تستوعب ما يحدث في الشارع صوتيًا.

منذ الظهور المتفجر لأحمد عدوية، تحايل الوسط الموسيقي على المنتَج الموسيقي الذي اقترب صوتيًا مما يحدث في الشارع بتسمية “الأغنية الشعبية”، وصارت التسمية كود يحمل ملامح طبقية تميز الفنانين الشعبيين عن غيرهم داخل الوسط الموسيقي، بحيث تصبح الأغنية الشعبية فصيلة، لا يعتنى بدراسة ملامحها أو ما يطرأ عليها من تغيرات، أو ما يميزها من تلاعب بأساليب العزف والغناء التي تأخذ أطوارًا مختلفة. فلا تختلط دماء أغنيتنا وأغنيتهم. وهي عقدة أصيلة لدى المتعلمين من أبناء الطبقة الوسطى، تعتد بمصادر تعليمها النقلية كنصوص دينية، تستمد منها المكانة وتمارس من خلالها التمييز الطبقي، وتتوقف عند أبواب المعرفة فلا تطرق جديدها.

لم تنتظر التكنولوجيا آراء الوسط الموسيقي، وكانت تطوراتها تنتقل لشارع معبّأ بأدواتها ومفتوح على استخدامها بتجريب المتحرر من النمط. فجاءت المرحلة الجديدة للديجيتال بأدوات تساهم في مزيد من “الإغداق الصوتي” Sound Prodigality بتأثيرات الصدى والتأخير والريفرب. تأثيرات رقمية متاحة وسهلة الاستخدام، يستخدمها المنتجون المحترفون بحساب، بينما كانت تأخذ في موسيقى الشارع أبعادًا جديدة. فالأوتوتيون الذي يستخدمه مطربو البوب لتصحيح النغمات وفق معطيات سلم موسيقي محدد، يستخدم في المهرجانات بشكلٍ محايد نغميًا، كمؤثر صوتي ينتج نوعًا معدلًا / مضخمًا / محرّفًا من الصوت، ليصبح علامة صوتية sound marker بحد ذاته.

يذكر نيكولا بويج رأي بيتر دويل Peter Doyle ٥ في ظاهرة الحادثة الصوتية Accident Sonore التي تنشأ عن استخدام غير معتاد للمدخلات الصوتية في مساحة فراغية معينة. فالعلاقة بين الصوت والمساحة التي ينتشر فيها تحدد نوعيته، يظل التردد الصوتي محددًا ومعروفًا طالما ناسب المساحة الذي ينتشر فيها. سيظل صوت الكمان مثلًا كما اعتدناه طالما استخدمت ميكروفونًا مناسبًا للمكان الذي يلعب فيه – لو ضاق المكان سنسمع صفيرًا (في حالة تثبيت حجم الصوت وقوة الميكروفون)، ولو اتسع المكان كثيرًا سيصبح صوت الكمان بعيدًا وأقرب لرنين تائه. تبين في تجربة صوتية أنتجت إحدى تلك الحوادث أنه إذا زادت كمية المدخل الصوتي (المعلومات باللغة الرقمية) overflow وكمية الصوت overdrive في مساحة محددة، ينتج مؤثر صوتي يسمّى التشبع saturation، مختلف سمعيًا عن الصوت المناسب للمساحة، وهو تأثير استخدمه موسيقيو الروك إثر ظهوره. تسمى تلك الأصوات بدايةً لغرابتها بـ طفيليات صوتية Parasites Sonores، وتصبح لدى اعتمادها واستخدامها المتكرر علامة صوتية Sound Marker جديدة تضاف للأصوات المقبولة سمعيًا (كما لدى جيمي هندريكس مثلًا).

يشبه هذا المثال حالة الصوت الذي أنتجه إسلام شيبسي على الأورج باستخدام تقنية عزف جديدة، ومؤثرات صوت تمت برمجتها بالتعاون مع أخيه عمرو. أنتج إسلام مكتبة صوتية حصرية تحمل أصوات لآلات مثل الناي والكلارينت متوافقة مع المقامات العربية، وتستخدم مؤثرات الصدى والتكرار والرنين بأسلوب اعتُمد باسمه في نسخة للأورج أنتجتها ياماها محتفظة له بحقوق ملكيتها الفكرية ٦. نرى هنا التناظر بين دور أداه عمار الشريعي في السابق كممثل معتمد للجماعة الموسيقية الرسمية (لصناعة أورج كهربائي يفهم التحويلات الموسيقية العربية) وبين دور أداه إسلام شيبسي غير المعتمد من نفس الجماعة في جيلٍ تال.

رأى الباحثون الفرنسيون في دراستهم الانفجار الصوتي القاهري كمساحة لإنتاج ما لم يسمع من قبل، ما يضاف للمكتبات الصوتية، ويُستعار على نحو واسع من الأجيال الشابة المحمّسة. صنعت الأصوات التي نشأت من الفضاء الصوتي القاهري المزعج والمتنافر منتجها (الشعبي المصري والمولد والمهرجانات)، الذي راج واتسع مجال انتشاره طبقيًا واجتماعيًا. تستند هذه الموسيقات في الأساس إلى حالة تعبيرية تجريبية. في سعيها للتواصل والمحاكاة، تمر بكثير من الحوادث الصوتية التي تحدثنا عنها، ولا تخشى من التجربة. هي ابنة بيئتها الصوتية التي نسمعها كل يوم في القاهرة، ابنة مخلصة للضجيج ربما، لكنها أيضًا غير مكبّلة بمعنى مؤطر للجمال، وكما يقول الفنان التشكيلي الفرنسي مارسيل ديشامب: “العدو الأول للفن هو الذوق الجميل.”


١. Nicolas Puig is an anthropologist and researcher in the research unit URMIS (Unité de recherche migra- tions et société, IRD UMR 205/CNRS UMR 8245, Université Paris Diderot et Université de Nice Sophia-Antipo- lis) for the Institut de recherche pour le développement (IRD). His research explores themes related to urbanity, culture and social order in Egypt and Lebanon, and the anthropology of Palestinian communities in Lebanon.

٢. Vincent Battesti is an anthropologist and researcher in the research unit Eco-anthropology and Ethnobiology (CNRS UMR 7206) at the Musée de l’Homme for the Centre national de la recherche scientifique (CNRS) in Paris and a visiting scholar in the Department of Anthropology at Columbia University, New York. His research explores themes related to ethnoecology of Saharan oases and sound dimensions of urban life, especially in Egypt.

إعلان

٣. Vincent Battesti, Nicolas Puig. “The sound of society”: A method for investigating sound perception in Cairo. Senses and Society, Taylor & Francis (Routledge), 2016, Contemporary French Sensory Ethnography, 11 (3), pp.298-319. 10.1080/17458927.2016.1195112 . hal-01380972.

٤. Nicolas Puig. La ville amplifiée: Synthétiseurs, sonorisation et effets électro-acoustiques dans les rituels urbains au Caire. Techniques et culture, Éditions de la Maison des sciences de l’homme 2017, Low Tech ? Wild Tech !. halshs-01560535.

٥. Doyle, P. 2005 Echo and Reverb, Fabricating Space in Popular Music Recording, 1900-1960. Middletown : Wesleyan University Press.

٦. Nicolas Puig. La ville amplifiée: Synthétiseurs, sonorisation et effets électro-acoustiques dans les rituels urbains au Caire. Pp13. Techniques et culture, Éditions de la Maison des sciences de l’homme 2017, Low Tech ? Wild Tech !. halshs-01560535.

Leave a Reply