حامل الهوى تَعِبُ | الطرب طريقًا إلى حلب

كتابةهيا المويل - سبتمبر/أيلول 24, 2018

في سيارتنا الداسيا، مسجلتنا المتنقلة، لم تكن أمي الحلبية ابنة السبعينات تهتم باختيار الأشرطة كثيرًا. اكتفت بطلب جورج وسوف أو ليونيل ريتشي بين وقت وآخر، لتستمع إليهما بحنين لأيام شبابها. كان أبي الزبداني، الذي قدم إلى حلب أواخر السبعينات، هو من يهتم غالبًا باختيار الأشرطة. فتجد أغنيات لأم كلثوم وحليم وفريد الأطرش أذكر منها جيدًا أغنية بساط الريح التي ارتبطت في ذهني مع مشاويرنا إلى المحلق، متنفس الحلبية، حيث كنا نسهر مع الأغاني والتخليطة، بينما تفوح رائحة الشوي ويأتي صوت صباح فخري ممن حولنا، يغني قدك المياس أو على العقيق أو غيرها من الأغنيات المعروفة له.

لم تسيطر على سهراتنا في الحوش العربي في باب الحديد – بيت أهل جدتي سابقًا، وبيت أخيها لاحقًا – أغانٍ حلبيّة بقدر ما فعلت أغاني الدبكة الساحلية لوفيق حبيب، التي يأتي بها ابن أخ جدتي من اللاذقية حيث كان يدرس. استقبلها الحوش بحماس للجديد، إلى جانب تجديدات أخرى حاولت تحويل الحوش العربي المعتق إلى منزل عالموضة. لو قرأت جدتي هذا الكلام في حلب قبل سبع سنوات لقالت: “بيتنا من يوم يومه عالموضة ومواكب للحداثة”، وحكت لي عن الأغاني الأجنبية التي كان أخوها ممدوح يضع أسطوانتها على الجرامافون ويرقص عليها رقصة التويست. أما إذا مازحناها الآن في مصر بأنّنا نعرف موسيقى حلبية أكثر مما تعرف، دافعت عن مخزونها بأن أمها كانت عازفة عود بارعة، وأن جدها، الذي كان يكره جمال عبد الناصر، علمها بزماناته رقص السماح لتؤديه مع المدرسة في حفل استقبال لناصر امتدت من باب الحديد لحي المحافظة. علمها حبًا بجمال الرقصة لا حبًا بناصر.

في زيارتنا الإمارات أوائل الألفينات، قابلت لأول مرة خالي المغادر شابًا من حلب أيام الثمانينات. لم يحدثني عن اشتياقه للطرب الحلبي، بل حدثني عن مارسيل خليفة. سفري الثاني خارج البلاد كان إلى السعودية حيث عمل أبي طبيبًا، وذهبنا لزيارته. كانت المدة أطول، والجماليات المتاحة أقل، فكان اشتياقي لحلب هذه المرة أكبر. في طريق عودتنا من السعودية برًا كان ينتظرني ما وجه سمعي بعيدًا عن حلب. حين تجاوزنا حدود الأردن، بعد عناء يومين من السفر، سمح شوفير البولمان لنفسه بإطفاء القرآن وشغّل فيروز، رنت كمنبه وصول إلى أراضي بلاد الشام، ما جعلني معلقة بها فترة طويلة. ربما كان انحيازي لها سببه رغبتي في البحث عن انتماء كابرتُ على أن يكون حلبيًا.

عام ٢٠١٢ حين غادرنا حلب، لم يكن من المتوقع أن يطول ابتعادنا، كحال أغلب السوريين المغادرين البلاد. لم يكن في بالنا أيضًا أن الرجوع إلى حلب صعب كما اعترفنا لأنفسنا لاحقًا، بمرارة حينًا، وبحال من يضع الأعذار لنفسه حينًا آخر. في الشهور الأولى بعيدًا عنها، والتي قضيتها في السعودية، لم يثِر في نفسي المؤذن في الجامع المجاور سوى الضحك، بصوته القبيح وانفعاله المصطنع ولغته العربية الركيكة. في القاهرة، حيث انتقلت للدراسة، لم تضحكني الأذانات المزعجة، بل شعرت بالفقد، وأصبحت حلب أبعد. بحثت على يوتيوب عن آذانات حلبية، ظهر مقطع لصبري مدلل من الفيلم الوثائقي مقامات المسرة الذي يحكي قصة حياته، يلقي فيه أذانًا متنقلًا بين خمسة مقامات مختلفة. غصت في سماع المدلل متلذذة بصوته الحنون ذي الأعوام الثمانين ولهجته الحلبية الواضحة، حتى وصلت لفيديو يغني فيه ابعتلي جواب، الأغنية التي لحنها بكري الكردي له، واشتهرت بصوت غيره. ظهرت عدة فيديوهات للأغنية على يسار الشاشة مؤداة بأكثر من صوت، من بينها محمد خيري.

إعلان

أول مرة سمعت بها عن محمد خيري كانت في حديث عن صباح فخري قيل فيه إنه ومحمد خيري ومصطفى ماهر أول من قدِموا إلى الإذاعة الحلبية أواخر الأربعينات، وأن محمد خيري أعظمهم صوتًا إلا أنه مات باكرًا، بينما اكتفى مصطفى ماهر بكونه رديدًا في فرقة حسن الحفار. الوحيد الذي “عرف كيف يشتغل” هو صباح فخري. عبارة تشير إلى أنه عرف كيف يصل ويصبح في الواجهة بفضل علاقاته السياسية والاجتماعية. فكرت أن صباح فخري ربما كان عائقًا لا مدخلًا إلى الطرب الحلبي، خصوصًا أنه كانت لديّ وقتها حساسية ضد المنايستريم وأصحاب الأنظمة تمنعني من التعامل معهم بحيادية.

اشتقت لحلب كما لم أشتق قبلًا، وبدأت أراها من بعيد مدينة مظلومة، اهتم المسؤولون عنها بسرقتها والمتاجرة باسمها. ربما لهذا، شكلت الأقوال الكثيرة حول محمد خيري هالة جذابة جعلته رمزًا للانتماء يناسب المرحلة.  فمن قائل إنه ضيّع حياته في الشرب إلى قائل إنه كان يغني على مزاجه، بعكس صباح فخري مثلًا الذي كان منضبطًا بشدة في غنائه وتنظيم فرقته. بالإضافة إلى الشائعات التي ظهرت حول وفاته، التي قالت إن سببها مشادة بينه وبين بعض الشبيحة لم يحتملها قلبه المريض فمات، وكان ذلك في حمص سنة ١٩٨١. فكرت أن محمد خيري يمثل الأصل الحلبي، حقيقته ما قبل الثمانينات بما يحمله من حب للكيف والطرب وخفة السجية، بينما صباح فخري يمثل كل ما تراكم فيه بعد الثمانينات، من انضباط زائد عن حده، وحذر من خرق القوانين.

بحثت عن محمد خيري في الكتب وعلى الإنترنت للتأكد مما قيل عنه، لكن المعلومات حوله كانت قليلة بشكل مستفز، بعكس تسجيلاته. يئست، واكتفيت بالتسجيلات التي كانت متعة بذاتها. ميلي ما مال الهوى، ملا الكاسات، مواويل شرقاوية وسبعاوية، زينها صوته وحسه بشكل تشعر معه أن أي زيادة أو نقصان ستخلّ بها.

مع الوقت، دفعني محمد خيري الجمال لتحويل حماسي له دونًا عن محمد خيري الرمز. أغراني صوته بمعرفة المزيد. استمعت للكثير من الأصوات الحلبية، من أحمد الفقش، إلى حسن الحفار وصفوان عابد. جربت الاستماع لصباح فخري من جديد، وأعجبتني حامل الهوى تعبُ وأغنيات نادرة أخرى نكشها أخي وعرفني عليها.

عرفت أن القدود الحلبية “مخزون من الألحان متبدلة النصوص تشكلت في حلب عبر السنين من روافد محلية وخارجية في عملية مثاقفة غير مسبوقة احتضنتها حلب بحكم موقعها على تقاطع خطوط التجارة العالمية.” سعد الله آغا القلعة، وأن ألحانها “هي الألحان الناتجة في حلب عن إعادة توظيف ألحان مجلية، حسب مقتضيات تغير العصر أو وافدة عبر تجريدها من نصوصها القديمة، محلية كانت أم بلهجة أو لغة أخرى وإكسائها بنصوص جديدة باللهجة المحلية لتتلاءم مع أذواق المستمعين من كبار التجار الذين كانوا أهم ممولي الغناء.” سعد الله آغا القلعة أحببت مفهوم الانفتاح لدى الحلبية في صنع فنهم، الفن الذي احترم مخزون المدينة الموسيقي من جهة، وعرف استغلال موسيقات وافدة بما يتناسب مع هذا المخزون من جهة أخرى. هو حب خالص لا تحيّز فيه، من الطرب الحلبي وإليه. ربما شكل الصوت الحلبي جزءًا من ذاكرتي السمعية، لكنه جزءٌ بحجم الذي شكلته فيروز، الموسيقى المصرية الكلاسيكية، والأغاني التي انتقلت لي عن طريق العائلة. إلى أن استطعت سماع هذا الصوت جيدًا، تخبطت بين حنين الحلبية وما به من تعصب تارةً، ونفورهم من حلب وما به من فقد تارةً أخرى.

الآن، أسمع الطرب الحلبي بأذن مختلفة، أغتني بالجمال لا الانتماء. ما أشعر به هو الامتنان، للأصوات الجميلة التي سمعتها والتي لم أسمعها بعد، لعمر البطش الذي طور رقص السماح ودفع البنات إلى تأديته، لمن أسسوا إذاعة حلب أواخر الأربعينات وأقاموا عليها، فلم تكن مجرد وسيلة إعلامية، إنما محطة صقل للخامات التي مرت بها. أشعر بالامتنان لصانعي الطرب الحلبي، إذ لا يعطوننا فرصة لنتباكى عليه، ينقلونه من جيل لآخر، ومن تكية لأخرى، يتركوننا لأحلامنا بمرحلة جديدة يعيد فيها الطرب الحلبي فتح أبوابه من جديد، مستحضرًا دون خوف مفهوم الانفتاح الذي شكله.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply