بحث | نقد | رأي

العودة | ترتيلة لفصح الموصل

مي صبّاغ ۲۰۱۵/۰٤/۰۵

نستحضر اليوم، والموصل بين فرهودٍ وتغريبة، لحظةً موسيقيّةً تقاسم فيها أهل العراق وضيوفه ترتيلةً سريانيّة شرقيّة: الجياسا بصوت حنا بطرس.

تذهب الرواية إلى أن الموسيقي الموصلي والشمّاس الكلداني حنا بطرس (١٨٩٦ – ١٩٥٨) سجّلا عام ١٩٣١ لشركة هيز ماسترز فويس أسطوانتين بعنوان كاروزوتا دحاشا (موعظة الأحزان أو الآلام)، تضمّنتا بضعة تراتيل كلدانيّة وأغانٍ فلكلوريّة. إلى جانب بطرس نفسه واضع (أو معّد) الألحان ومؤديها، جمعت الكاروزوتا عازف الكمان الحلبي سامي الشوا (١٨٨٩ –  ١٩٦٥)، عازف العود الكويتي-العراقي اليهودي دوواد الكويتي (١٩١٠ – ١٩٧٦)، وعازف القانون الاسطنبولي نوبار أفندي ملخصيان (١٨٨٥ – ١٩٥٤)، رفيق الشوا والشيخ علي الدرويش في تسجيلات أوديون مقالة باسم بطرس حنا عن والده في موقع بخديدا.

لا نملك، بطبيعة الحال، ما نضيفه إلى معرفة العراقيين بريادة بطرس في التأليف الموسيقي، وأياديه البيضاء في تأسيس المعهد الموسيقي في بغداد (الفنون الجميلة لاحقًا)، قبل تولّي الشريف محيي الدين إدارته العام ١٩٣٦. كما بات معلومًا فضل صالح وداوود الكويتي على الأغنية العراقيّة الحديثة وصناعة نجومٍ من وزن سليمة مراد وزكيّة جورج وعفيفة اسكندر وغيرهن. غير أن اجتماع الرباعي في الكاروزوتا يستدعي جملة صور ورواياتٍ ولقاءاتٍ ثمينة أتاحها تجوال الموسيقيين العرب في ثلاثينيّات القرن الماضي: تسجيلاتٌ لسامي أفندي مع صديقة الملاية ومنيرة الهوزوز، صورةٌ لأم كلثوم مع عازف القانون العراقي اليهودي يوسف زعرور أثناء زيارتها البغداديّة الأولى العام ١٩٣٢، وروايةٌ عن غنائها قلبك صخر جلمود لصالح الكويتي، حوارٌ موسيقي بين الأخير ومحمّد عبد الوهاب، لفيفٌ من عازفي الجالغي البغدادي اليهود مع محمد القبنجي في مؤتمر الموسيقى العربية في القاهرة عام ١٩٣٢، سليمة مراد والأخوان الكويتي على مسرح الكاريون في بيروت عام ١٩٣٥، وفي السنة نفسها، صالح وداود في حلب لتسجيل أسطوانات لشركة سودوا.

هذه أيضًا سنوات تأسيس معهد موسيقي، بطموح كوزموبوليتي، تزامل فيه الموصلي حنا بطرس والحجازي-التركي الشريف محيي الدين والرومانيّان جوليان هرتز وساندو ألبو، ونوبار، والحلبي علي الدرويش، والتركي مسعود جميل (نجل الطنبوري جميل). كانت الكاروزوتا لحظة العراق المتعدّد، قبل أن تدور على شركاء الترتيلة الدوائر، إذ نعرف، بشهادة الكاتب العراقي حسقيل قوجمان كيف انتهى الأخوان الكويتي غريبَين في إسرائيل، بينما يتواصل التيه السرياني  منذ ماردين وسيميل وعامودا وحتى الموصل.

عن الموسيقى العراقية في الثلاثينيّات – مقطع من مقابلة لصالح الكويتي في إذاعة القدس.

من أسطوانة حنا بطرس ننتقي ترتيلة الجياسا Gayassa، أي قاطع الطريق، وهي حوارٌ بين الملاك واللص دوما خوس الذي صلب على يمين المسيح، إذ يطرح النصّ الجدل الدائر بين اللص الطامع برحمة الرب ودخول الجنة والملاك الذي يأبى عودة البشر الخطّائين إليها. ينتهي الحوار بإشهار اللص الصليب وترحيب الملاك بتوبته. كما يقوم الشمامسة في اثنين الباعوث، الذي يلي أحد الفصح، بأداء الجياسا في الكنيسة على شكل مسرحيّة قصيرة لا تخلو من الفكاهة.

الجياسا الموصليّة الشعبيّة.

مع جزيل الشكر للأب جورج مسوح والأب يترون غوليانا.

المزيـــد علــى معـــازف