الموسيقى الناجية من حريق سميرنا

كتابةمي صبّاغ - أغسطس/آب 19, 2013

فدَع ذكر عيشٍ قد مضى غير راجعٍ/ ودنيا كظلِّ الكرم كنا نخوضها

نخب الجيران

تفتح بوابة الحنين العتيقة على مشهديّة الماضي السعيد“: في فناء منزل تقليدي، يتوسّط الموسيقي التركي معمّر كتنج أوغلو مائدةً حميمة تجمع، على ما يبدو، حفنة من الأصدقاء والأحبّة. وإذ تطفح كؤوس النّدماء بالرّاكي التركي (أو الأوزو اليوناني)، يدور الرقص على أغنية شعبيّة من ساحل إيجة، كما تدور الكاميرا على جيران الحي المتمايلين طرباً بنسائه ورجاله وأطفاله. ولأن أجواء الأنس لا تكتمل إلا بقليل من الغراميّات، يلبّي الشّاب صاحب المسبحة اليونانيّة القصيرة (Komboloi) دعوة الفتاة التي تخطر بحذائها الرترو“(Retro) ليؤديا معاً ما يشبه رقصة الزيبقالمعروفة لدى اليونان والأتراك على حدٍّ سواء.

ما صنعه أوغلو في فيديو كليب فاطمتي” (Fatmam) ليس سوى أحد عوارض الحنين الذي استبد بتركيا منذ أوائل التسعينيّات إلى ماضيها العثماني المتعدّد. فكنتش أوغلو اليوناني الهوى، والمجتهد في جمع تراث يونان الأناضول، يجاهر هنا بحنينه إلى الجيران، وإلى علاقات المودّة المندثرة التي سادت زمن المحلّةالعثمانيّة (Mahalle)، أو الحي العثماني المختلط بين أتراك وأرمن ويهود ويونان. من ضفّة إيجة الشرقيّة، يشرب كتنش أوغلو نخب الماضي الهانئتحيّةً لأولئك الذين نفيوا إلى الضفة الغربيّة المقابلة. هو الذي يدرك، أكثر من غيره، فداحة ما خسرته تركيا برحيل جماعاتها الثقافيّة المختلفة.



إعلان

Aman canim gulum fatmam / raki’ya su katmam

أمان فاطمتي، روحي، وردتي/ سأشرب الراكي من دون ماء (!) (دليل رجولة في الثقافة التركيّة)

غناء الكفرة

وصم الخيال الشعبي العثماني مدينة إزمير (سميرنا سابقاً) بـالكافرة” (Gavur Smyrna) بسبب أقلياتها غير المسلمة. إذ تجاور في المرفأ الكوزموبوليتي لقرون طويلة أرمن ويونان ويهود وأتراك وجاليات أوروبيّة أمسكت بمقاليد التجارة المتوسطيّة. لكن لم تكن شقيقة بيروت والإسكندريّة مجرّد مرفأ عثماني مزدهر، بل أيضاً مكاناً موسيقيّاً بامتياز. فعلى غرار العديد من المدن العثمانيّة، من اسطنبول إلى تسالونيكي، انتشرت في سميرنا حانات موسيقيّة أطلق عليها اسم الكافيه أمان Café Aman ، قدّمت لجمهورها أنماطاً مختلفة من الموسيقى الشعبيّة العثمانيّة والأوروبية.

في القرن التاسع عشر، طوّر الموسيقيّون اليونان في المدينة، التي كانت تصدح الموسيقى من أزقّتها ليل نهار، أسلوباً موسيقيّاً عرف بالـسميرنايكو” (Smyrneiko) – تمييزاً له عن موسيقى يونان اسطنبول (Politiko) – مزجوا فيه بين ثقاقتهم الموسيقيّة اليونانيّة والموسيقى المقاميّة التركيّة. وترافق ذلك مع انفتاح كامل على مختلف الثقافات الموسيقيّة في السلطنة العثمانيّة، فرشح عن هذا التثاقف نوع موسيقي هجين بهويّة ملتبسة عصيّة على التصنيف. ففي غناء أهل سميرنا، تختلط صيحات الأمانو(Haydi) (يللا بالتركيّة)، ويا ألله، ويا ليلي يا عيني، ومددبتحيّة ياسو” (Yasu) اليونانيّة. وهم، وإن غنّوا باليونانيّة، يرطنون أيضاً بلغات متوسطيّة أخرى. فلا نستغرب بهذه الحالة أن تغنّي كبيرة فنّانات السميرنايكو بلسان شامي واضح أغنية مطلعها: “عيني يامو يامو يامو/ زعلانة ليش يامو“. أو يغني غيرها القدود الحلبيّة (Halepianos)، وتحديداً: “قدّك الميّاس“- باليونانيّة: (Matia Mou، عيناي).

غير أن أمجاد المرفأ المتوسطيّ أضحت رماداً عام 1922، إذ دحر الجيش التركي فلول القوات اليونانيّة التي احتلت أجزاءً من تركيا لمدة ثلاث سنوات بما فيها سميرنا، طالباً من الأقليّات المسيحيّة إخلاء المدينة. كما شبّت في 13 و14 أيلول/ سبتمبر مجموعة حرائق أتت، بالكامل، على جميع أحيائها المسيحيّة.

أُحرقت المدينة الكافرة، ورحل يونان المدينة على بواخر بائسة مذلّين مهانين، دافعين ثمن حماقة الاحتلال اليوناني لتركيا. وتبع مأساة سميرنا عام 1923 اتفاقيّة التبادل السكاني التي قضت برحيل يونان الأناضول إلى اليونان، وترحيل مسلمي اليونان إلى تركيا. لكن السميرنايكو الذي لا يتلفه حريق سيواصل حياته على الضفة الأخرى، ليرفد لاحقاً ما يعرف بـالربيتيكو” (Rebetico)، أو: موسيقى اللاجئين اليونان.



المغنية اليهوديّة الإسطنبوليّة روزا اشكنازي، كبيرة مغني الربيتيكو (1895-1980) تغنّي أكثر أغاني السميرنايكو شعبيّة: (Hariklaki) (تصغير لاسم هاريكليا) من تأليف بناغيوتس تونداس، مواليد سميرنا (1886_1942). يغنيها الأتراك بعنوان (?Darildin mi cicim bana) (هل أنت غاضبة عليّ يا زهرتي؟)

البارحة هاريكليا/ شغّلت الفونوغراف/ ومرحت مع شاب عابث هناك في باشاليماني (منطقة في سميرنا).

إعلان

وغازلتِ، وقبّلتِ/ هايدي ياسو/ كم خدعتني ثم هجرتني.

حين دخلت الحانة أيتها اللعبة الصغيرة/ يا لحلاوتك/ وأنتِ تغازلين الشّباب بالفونوغراف والاسطوانات

حشيش الطرب

بعد رحلة عذاب طويلة، وصل لاجئو الأناضول (Mikrasiates)، الغرباء مرتين، إلى اليونان ليعيش معظمهم فقراء مهمّشين بعد أيام عزّهم في الأناضول. كان لدى المقتَلَعين من جذورهم الأناضوليّة اعتقاد راسخ بتفوّقهم الحضاري على اليونان المحليين. وحافظت الأجيال الأولى، بفخر واعتزاز على ثقافتها الأناضوليّة المنفتحة على الآخر، وظلّت على حنينها لوطنها الأول. حمل موسيقيو سميرنا المحترفون خبرتهم الموسيقيّة العالية وثقافتهم العثمانيّة المتعدّدة إلى بيئتهم الجديدة، وليس ما نعرفه اليوم بالريبيتكو(Rebetiko) (من Rebetis : متمرّد) سوى نتاج لحظة تاريخيّة تقاطعت فيها موسيقى اللاجئين اليونان بعالم الطبقات الدنيا من المجتمع اليوناني. فكانت هذه الموسيقى في العشرينيّات والثلاثينيّات وسيلة ترفيه فقراء القوم المقيمين حول مرافئ المدن اليونانيّة.

لم يكن الربيتيكو نوعاً موسيقيّاً فحسب، بل ثقافةً وأسلوب حياة. فالموسيقى الخارجة من المواخير والسجون وأوكار الحشيش (Tekke) روت حياة الهامشيّين من صعاليك وحشّاشين ونزلاء سجون. وكان لها قاموس ثقافيّ متكامل من مفرداته الـ“Mangas”، أي: الصعلوك/ الأزعر/ القبضاي والحشّاش،Hasiklis والـ Meraklis أي: الشّغوف. ورغم تعبيرها عن الغراميّات البائسة ومصائر شخصيّاتها المأساويّة، تحتفي هذه الأغاني بملذّات الحياة وحب الصبايا والنراجيل العامرة بالحشيش (Argiles) على وقع الرقصات الأناضوليّة كالـزيبكيكو (Zeibekiko) والـكارشيلاما(Karsilama): رقصة التحيّات، والـهسابيكو (Hasapiko) : رقصة القصّابين.

يحتل الحشيش منزلة رفيعة في الريبيتكو كما في كلمات أغنية السفينة القادمة من بلاد الفرسلفاسيلي تسيستانيس (1915-1984):

السفينة القادمة من بلاد الفرس/ أوقفت في قنال كورينثيا،

محمّلة بأحد عشر طنّاً من الحشيش الزكي:

الآن يبكي جميع الرفاق/ لأنهّم باتوا من دون كيف“.

كما يبرز الحنين إلى الأناضول كموضوع رئيسي، فتتكرر في الأغاني أسماء مناطق التركيّة مثل: غالاتا ووبيرا وططاولة (أحياء في اسطنبول). ويستذكر أندونيوس دلجاس (مواليد اسطنبول 1892-1945) في أغنية (Ti se melli Esenane) (ما شأنك أنتِ) اسطنبول وضواحي سميرنا.



ما شأنك أنتِ من أين جئت/ إن كنتِ من كاراتسي يا نوري أو من كورديليو؟ (ضواحي سميرنا)

ما شأنك أنتِ لتسألي من أي قرية قدمت ما دمت غير مغرمة بي؟

في المكان الذي جئت منه كلنا نعرف كيف نحب/ ونعرف كيف نخفي ألم قلوبنا ونمرح.

ما شأنك أنتِ أي شروال أرتدي قصيرأ كان أم طويلا؟ هكذا هو وكفى.

إعلان

في الطريق من أثينا إلى بيريوس (مرفأ)/ أضعت منديلاً فيه مئة قطعة ذهبيّة

من اسطنبول جئت لأجد العزاء هنا في أثينا/ وبعض الحب والقبل.

في جعبة الربيتكو كذلك عدد لا بأس به من الأغاني الاستشراقيّة، إذ لطالما داعبت مصر الإكزوتيكيّةخيال مؤلّفي الأغاني. ففي بداية القرن العشرين، غنّى أهل سميرنا مصرلوالشهيرة (Misirlou) غزلاً بالفتاة المصريّة. أمّا المغنّية الأرمنيّة ماريكا نينو (مواليد سميرنا 1918-1957)، فتغنّي قصّة حب المؤلّف بفتاة تدعى غول بهار (Gulbahar) التقاها في مصر ذات ليلة مقمرة. ومن اللّافت أن بعض مغنيات الربيتيكو، مثل روزا اشكنازي قد زرن الإسكندريّة، بل أنّ ماريكا باباييكا (مواليد جزيرة كوش 1890-1943) قد بدأت حياتها الفنيّة في المدينة نفسها مع شركة غراموفون“. وتبقى في حمام اسطنبول” (Mes tis Polis to Hammam) من تأليف  أنستيس دلياس، مواليد سميرنا (1912-1944)، أكثر الأغاني الاستشراقيّة شعبيّةً حتى اليوم.



المغنية اليونانيّة تزينا دلاكا مع لوحة استشراقية

في حمام اسطنبول تسبح جارية/ يحرسها رجال عرب/ ليأخذوها لعلي باشا،

يأمرهم بإحضارها إليه/ ترقص وتعزف البوزوكي.

هكذا يقضي كل بشوات الدنيا أوقاتهم/ بالنراجيل والعناق والقبل.

في بلاد الفرس يبيعون الحشيش بالكيلو/ في أثينا لا نشم حتى رائحته/ في بيريوس لا نشم حتى رائحته“.

وليس هذا سوى غيض من فيض الربيتيكو الذي يحار مستمعوه أحياناً كثيرة في تأويله، فلا نعرف على سبيل المثال إذا كانت روزا اشكنازي جادّةً أم ساخرةً في رومانسيّة البسطرماحين تغازل قصّاباً من مدينة كونيا:

آه أيها الكونياليّ/ حين أراك في السوق،

وتقطع لي البسطرما والسودزوكاكي بمهارة (نوع من اللحم المتبّل بالبهارات).

أمان أيّها الكونيالي/ حين تسحب سكينك تأخذ حياتي،

لا حياة من دونك أيها الكونيالي“.

بالإضافة إلى أسلوب السميرنايكو، ظهر في مرفأ بيريوس القريب من أثينا أسلوب آخر في الريبيتكو ابتعد عن التخت الشرقي العثماني لصالح البوزوكي والغيتار. ومثّل هذا الاتّجاه بشكل خاص ماركوس فمافاكاريس (1905 -1972)، وفاسيلي تسيتسانيس (1915-1984).

إعلان

على الضفة المقابلة

قبل أن يصبح الربيتيكو جزءاً من التراث اليوناني، شكّل هذا النوع الموسيقي معضلة حقيقيّة بالنسبة إلى مثقّفي اليونان. بينما كره منظرو القوميّة اليونانيّة النقيّة الربيتيكو لأنّه يحمل آثار ثقافة الاحتلالالعثماني، اعتبرت الطبقة الوسطىـ ذات الأذواق الغربيّة الأوروبيّة أن أغاني الحشيش ليست سوى نوع من الانحلال الأخلاقي، فارتبطت هذه الموسيقى في خيالها بالعوالم الرخيصة والمشبوهة.

عموماً، اعتبر المثقفون اليونان في الثلاثينيّات أن أغاني الهيروينلا يمكن أن تكون جزءاً من الثقافة الشعبيّة، فلا يليق بالغناء الشعبي اليوناني إلا أن يشجّع القيم النبيلة. في هذا السياق، منع الديكتاتور اليوناني متاكساس الربيتيكو عام 1936. والأمر انسحب أيضاً على الرفاق اليساريين الذين استهجنوا العناصر الشرقيّة الرجعيّةفي الربيتيكو، معتبرين أن هذه الأغاني العدميّة والانهزاميّة واللاسياسيّة تدفع بالطبقات العاملة إلى الهروب من الواقع بدل مواصلة الكفاح ضد الرأسماليّة.

استمر النقاش حول الربيتيكو عقوداً طويلة عرفت فيها تلك الموسيقى مراحل أفول وتألّق أعادت فيها تموضعها الاجتماعي أكثر من مرة: فبعد أن كانت وسيلة ترفيه عن الطبقات الدنيا للمجتمع، تقبّلتها الطبقة الوسطى في الخمسينيّات، ثم عادت في السبعينيّات والثمانينيّات لتلقى رواجاً ما زال مستمرأً في الأوساط الطلابيّة والأكاديميّة واليساريّة.

تتذوق النخب التركيّة الربيتيكو اليوم، معيدةً اكتشاف الثقافة التي لفظتها، (بل أحرقتها) القوميّة التركيّة من دون رحمة. وإذا كان اليونانيون يعتبرون هذه الموسيقى جزءاً من خصوصيتهم الثقافيّة، فإن الأتراك يقرأون فيها صفحة مشرقة من ماضيهم العثماني الكوزموبوليتي: “هذا من عندنايقول الأتراك، إذا حدّثتهم عن السميرنايكو. والحال أن في هذه الموسيقى شيئاً من الغموض والالتباس المفتوح على الـتأويل، إذ يرى الكل في الربيتيكو ما يريد، لكنه بالنسبة لليونان كما الأتراك هو: موسيقى الآخر الذي هو فينا، أو موسيقانا على الضفة الأخرىمن إيجة. لذلك تبدو غريبة وأليفة في آنٍ معاً.

من لندن إلى اسطنبول مروراً بأثينا، تواصل الموسيقى الآثمة حياتها.

وقيل في الأثر أن ما تجمعه الموسيقى لا يفرّقه العسكر“.

ملحق



روزا أشكنازي عيني يامو يامومع عازف العود الأرمني الإسطنبولي أغابيوس تومبوليس (هاغوب اسطنبوليان).



المغنية اليهوديّة ستيلا حاسقيل مواليد تسالونيكي (1918-1954) تغني الحنين إلى الأناضول (Bir Allah) (إله واحد)

حين يخرج الخوجة (أستاذ الدين) من الجامع/ في ساعة متأخّرة من الليل/ ويقول: “الله واحد“/ ينزف صدري.

في لحظة لقائي بك/ بعيدأ في الأرض الغريبة/ حين أسمع الله واحد“/ تخطر على بالي.

في أقاصي الأناضول/ في الصحراء المعتمة/ حين أسمع الله واحد“/ ينزف صدري“.



ماريكا نينو في غول بهار

ذات ليلة ساحرة في مصر/ رأيت غول بهار على ضوء القمر/ لكن الحياة لم تكتب لحبّنا“.



(Rompi Rompi)

المطر يدلف من سقف خيمتي/ لكن الله لم يأخذ روحي بعد.

أبيع بالدّين/ لم يتبق لي شيء/ لكن الله لم يأخذ روحي بعد.

رومبي رومبي (كلمة لا معنى لها أو محاكاة لصوت سقوط المطر على الخيمة)/ ما شاء الله“.

أغنية غجريّة تركيّة حملها اللاجئون إلى اليونان من أداء Greek Music Ensemble مع عزف منفرد لعازف الكمان الأردني ليث صديق. من أفضل توزيعات الأغنية رغم تعثّر المغنّية أحياناً، ولهاثها وراء الإيقاع السريع.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply