السوق، السور والمقهى | هدنة الهادي الجويني

كتابةآمنة معرّف - يناير/كانون الثاني 31, 2020

لم يسبق أن دخل فنان مسرح قرطاج الأثري من البوابة حتى الركح على متن سيارة، باستثناء الهادي الجويني. كان ذلك في إحدى ليالي المهرجان الغنائي الأكبر في تونس، حين فاجأت سيارة سيترون تراكشن ثلاثينيةُ الصنع الحاضرين باقتحامها لبوابة المسرح، مطلقةً أبواقها الصّدئة ومعلنةً قدوم نجم ذلك الحفل وتلك الحقبة. لم يكن موكب الجويني هذا الحدث الاستعراضي الوحيد في مسيرته، التي كانت بأكملها عرضًا اختزل ثراء وصراع الهوية الموسيقية التونسية.

خلال فترة ما بين الحربين العالميتين، كانت الموسيقى في حاضرة تونس تتوزع بين جلسات المُغنّين اليهود التونسيين، التي ازدهرت مطلع القرن العشرين بانتشار الكافيشانطات (المقاهي الغنائية)، وبين تعزُّز جلسات المالوف بتأسيس المدرسة الرشيدية إبان مؤتمر الموسيقى العربية الأول في القاهرة. في ذلك الحين، وكباقي الجاليات المقيمة في مدينة تونس، كان الإسبان القاطنون في حي المركاض (الميركادو، السوق بالإسبانية) يقيمون بانتظام سهراتهم الغنائية الراقصة، التي استطاعوا من خلالها نشر موسيقى الفلامنكو، وإمتاع روادها من سكان الأحياء المجاورة بحركاته الإيقاعية الانسيابية.

كانت عائلة بن حسين تقطن في الحي المجاور للمركاض، تحديدُا في بطحاء سيدي المِشْرف المتفرعة من نهج الحجّامين من منطقة باب جديد، وكان ابنها الهادي متابعًا شغوفًا لهذه الجلسات منذ سن مبكرة. بدأ الهادي الجويني بمخالطة عازفين من الفرق النحاسية المعروفة بالحسينية بعد انقطاعه عن الدراسة، إثر فشله في نيل شهادة التعليم الابتدائي من الفرع الصادقي. حاول تعلم العزف على بعض الآلات النفخية، لكن سرعان ما استمالته آلة المندولين ومن ثم العود. بدأ تأثر الهادي بالموسيقات المتنوعة التي كانت تغنى في تونس وقتها يزداد، وصار يتنقل بين مجالس الغناء والشعر لتخزين وحفظ مئات الأغاني واستيعاب كل ذلك التنوع، في ظل فترة ترنحت فيها الأغنية التونسية بين توجهات هُويّاتية عدة.

يذكر الكاتب المختار المستيسر في كتابه نشأة الرشيدية – المعلن والخفي، إحدى تجليات هذا الصراع الثقافي “إذ بدا واضحًا منذ العشرينات، ابتعاد أذواق الفئات الشبابية عن ميولات الكهول؛ وأيضًا اتساع الهوة بين ذوي الثقافة العربية التقليدية والساعين إلى محاكاة النمط الحياتي الأوروبية.” نسب عدد من شيوخ المدرسة التونسية الكلاسيكية انحلال الموسيقى وضياع هويتها إلى تجارب موسيقية مشابهة لتجربة الفرانكو آراب، التي وُصفت على أنها “خليط من أهازيج شعبية وأغانٍ مستحدثة بعد تكاثف الاستيطان الأوروبي، لجمع قطعها بين التعابير العامية وبين الألفاظ اللاتينية.”

إعلان

في أوج هذا الصراع، قدم الهادي الجويني سنة ١٩٣٣، وهو في الرابعة والعشرين من عمره، أولى تجاربه التلحينية: ديو شيري حبيتك بصحبة شافية رشدي، المستلهمة من وحي الفرانكو آراب. رغم تصنيفها كمثال للمروق والهزل الفني من قبل الكلاسيكيين حينها، تعتبر شيري حبيتك إحدى أشهر ثنائيات القرن العشرين في الموسيقى التونسية. لم يكن سهلًا أن يستهل فنان صاعد مسيرته بأسلوب محَطّ صراع وتجاذب كبيرين، لكن الجويني أراد الخروج من دائرة الصراع غير الخلاق، والبحث أكثر في الجماليات التي تأثر بها موسيقيو تونس تلك الفترة.

لم يمر حدث تأسيس الجمعية الرشيدية، وتحولها إلى قطب لاكتشاف المواهب الجديدة، خاصةً في بداية موجة تَونَسِة الموسيقى، مرورًا عابرًا على الجويني، الذي استطاع أن يندمج داخل حلقات الموسيقيين وينخرط في الجمعية. كان بعض المؤسسين من شيوخ المعهد الرشيدي، يعتبرون الهادي مارقًا عن أصول وقيم المعهد، ومنحازًا إلى مدارس أخرى غريبة عن الأغنية التونسية كتاب الهادي الجويني: أثر العملاق لـ نوفل بالحسين.. من جهة أخرى، كان الجويني يُروّج لأفكاره خلال الدروس التي كان يلقيها في المعهد – والتي لم تدم طويلًا – عن الطبوع (المقامات) التونسية والمقامات الشرقية، أساسها الانفتاح على الثراء الثقافي والفني الرائج، وتأسيس مدرسة تونسية تستوعب كل تنوع ممكن.

لم تكن فترة ما بين الحربين عنوانًا لمجالس الغناء فقط، إنما كانت حقبة ازدهار المقاهي الثقافية. تكونت بين رواد مقهى شعبي كان يعرف بمقهى خالي علي في منطقة باب سويقة، حركة ثقافية سمّيت تحت السور (نسبة للسور المشيد في نفس المنطقة). انضمت إلى الحركة جماعة عبد العزيز العروي وعلي الدوعاجي، بعد أن كانت تزاول مقهى الدربوز في منطقة باب منارة برئاسة العربي الكبّادي. مثّلت هذه الحركة تجمعًا ثقافيًا كبيرًا ضم ثلة من الصحافيين والشعراء والأدباء والمفكرين. كانت الدواوين الشعرية والقصائد والروايات تصدر وتُنشر بكثافة، ما مثل زخمًا كتابيًا مغريًا لملحّني تلك الفترة. 

لم يفلت الهادي الجويني فرصة الاحتكاك بالجماعة والانضمام إليها، لما أنتجته من نصوص بدت له مشاريعًا مختلفة قالبًا ومعنًى عن القصائد الكلاسيكية المغناة حينها، وأكثر عمقًا من المعاني الخليعة المضمنة لبعض التيارات الغنائية. تتطرق ابتسام الوسلاتي في كتابها الهامشية في الأدب التونسي – تجربة جماعة تحت السور، إلى موقف الجماعة من الكتابات الشعرية في تلك الفترة: “كان وعي جماعة تحت السور عميقًا بأن الأغنية التونسية تعاني من التهميش والإقصاء، بسبب دورانها حول مواضيع سخيفة وإباحية. هذا ما دفع هؤلاء المبدعين إلى معالجة الداء الذي ينخرها، بالتوجه نحو كتابة الأشعار الغنائية بأسلوب فني وشعري، وبرؤية تقضي بضرورة ربط الصلة بين الأدب والواقع.”

كانت الجماعة تعلم أن للموسيقى تأثيرٌ كبيرٌ على وعي التونسيين، لذلك طوّروا من شكل القصائد الغنائية ومنحوها لعدد من الملحنين الذين كانوا يجالسونهم. اعتبروا الجويني ملحنًا شغوفًا ومتميزًا عن بقية ملحني عصره المصدر السابق.. منحوه كل النصوص التي كانت تعجبه، حتى أنه كان يعدل فيها كما يشاء، يستثني بعض المقاطع أو يغير في عناوينها أو حتى يعدل في  بداياتها باعتماد أسلوب الطرابلسي، فيبدًا الأغنية من آخر كلمة في السطر أو العجز الأول، كما الحال في يطفي ناري لـ محمود بورقيبة. أما أيقونة عبد الرزاق كرباكة، مكتوب يا مكتوب، التي كان عنوانها في الأصل أش لخر؟ (إلى متى؟) ومطلعها “يا مكتوب عذاب أش لخر؟”، أعاد الجويني بناءها معتمدًا التكرار والتركيز على كلمة مكتوب (القدر في العامية التونسية)، لما تحمله من دلالات الغموض والحيرة.

غنّى الجويني للعديد من كتاب تحت السور، إلى جانب كرباكة ومحمود بورقيبة، نذكر جلال الدين النقاش الذي غنى له سمراء يا سمراء وتبعني نبنيو دنيا زينة ويا معذبتني بزينك، والهادي العبيدي أغنية إلّي تعدى وفات التي سجلت سنة ١٩٤٩. أيضًا، بعد انضمامه إلى حركة تحت السور منفيًا من مصر إلى تونس خلال عشرينات القرن الماضي، قدم محمود بيرم التونسي للجويني دور اعطفي عادل قوامك الذي لحنه وأدّاه لأم كلثوم في جلسة حضرها زكريا أحمد وبيرم التونسي، رغبة منه في أن تغنيه لكنها اعتذرت في النهاية، ليستقر أمره عند علية التونسية.

لم تكن كتابات حركة تحت السور مجرد إصدارات ثقافية تضاف إلى سجل الموروث الأدبي والشعري، بل صنعت نموذجًا تونسيًا خالصًا، استمد روحه من فترة عرفت مقاومة واسعة للاستعمار من جهة، وتجديدًا في الأشكال الكتابية الكلاسيكية من جهة ثانية.

دفعت زحمة الكتابات والنصوص الهادي الجويني للركض خلف التنويع في كل تجربة جديدة، مراوحًا في ألحانه بين قوالب وأشكال عديدة، حيث مكنته خلفيته من تقديم ألحان ثرية نغميًا وأسلوبيًا. يبدو تونسيًا موغلًا في الموسيقى الشعبية، الحضرية منها والبدوية، عندما لحّن وأدى أغانٍ مثل ياللي نسيتي خالك أو فوق الحنّة، ذات الإيقاع الراقص وعروبيات (مواويل) واستخبارات (تقاسيم) المْحير عراق (مقام تونسي) المُطربة. أحيانًا أخرى، يظهر تأثره بالنغمات والقوالب الشرقية، حيث لحن دَوْرين أحدهما لبيرم التونسي (سبق ذكره) والآخر من نظم علي الدوعاجي على مقام الزنجران (الزنكولاه في الموسيقى التونسية)، وهو دور العتاب،  وعلى مقام البسته نكار لحّن أغنية كي بغيتي تطيري يا حمامة لعبد الرزاق كرباكة.

إعلان

أبدع الجويني في جعل القصيدة العامية فريدة، إذ لم يسلك اتجاه التعقيد في خلق أسلوبه الخاص. تميّزت إنتاجاته ببساطة الألحان والتراكيب الخالية تقريبًا من الزخارف التطريبية، والأقرب إلى الحالة الانفعالية الواحدة، لتصبح سهلة التلقي وسريعة الحفظ والانتشار. في واحدة من أهم ما لحن في مسيرته، اختار التانجو الأرجنتيني قالبًا لكلمات علي الدوعاجي، لتصبح حبي يتبدل يتجدد إلى نموذج أيقوني في الغزل.

لم تفارق نغمات حي المركاض خيال الهادي الجويني. كان الفلامنكو سببًا في أن يصبح من أوائل الذين حرروا موسيقى التونسيين من حربها الهُويّاتية، واعترفوا بتنوع محيطها الثقافي. في أغانٍ مثل لاموني اللي غاروا منّي واليوم قالتلي زين الزين وعينيك تقتل فيا وياللي عيونك في السماء وغيرها، يقتحم إيقاع الرومبا آذاننا دون حاجة إلى مقدمات. تشاركت جميعها في طابع البساطة والتأثر غير المسرف بموسيقى الإسبان. في تسجيل للتلفزة الوطنية التونسية خلال السبعينات، قدم الجويني واحدة من إبداعاته الفنية عندما أعاد غناء مكتوب يا مكتوب، تاركًا المجال لآلة الكاستانات الإسبانية لملء وإثراء الوحدات الإيقاعية للأغنية، لتكتمل لوحته الاستعراضية بمصاحبةٍ من راقصة الفلامنكو الإسبانية / المكسيكية لوسيرو تينا (Lucero Tena) خلال أدائه الحي. نظّم ولحّن الجويني أغنيته الأشهر والأكثر استعادة، تحت الياسمينة في الليل، على إيقاع الفالز، مبرزًا طابع الشجن فيها بجمل بسيطة ومتجانسة مع وحداته الإيقاعية.

كان لتجربة الجويني في عالم الأفلام والمسرح، لحنًا وتمثيلًا، دور كبير في إثراء زاده وتطوير قدرته على التطويع السلس بين الكلمة واللحن، كما مثلت فرصة لاكتساب شهرة واسعة منذ وقت مبكر في مسيرته، وقبل الانتشار الجماهيري للإذاعة ومن بعدها التلفزيون. كان فيلم الباب السابع لآندري زوبادا (١٩٤٦) الذي صور في المغرب الأقصى، فرصة للجويني للظهور وتقديم أغانيه وأداء بعضها، لكنه مثّل كذلك أبرز لقاء فني بينه وبين المغنية والممثلة اليهودية نينات (شهرت وداد)، ابنة الراقصة الشهيرة جولي لا مارسياز، حبيبته التي تزوجها. أما عن المسرحيات، فقد لحّن العديد من المسرحيات وشارك في بعضها كممثل. من أهمها مسرحية عائشة القادرة لعبد الرزاق كرباكة، ومسرحية بين نومين لعلي الدوعاجي.

أصبح دور المعهد الرشيدي بمرور الزمن منحصرًا في تلقين الطبوع التونسية وأغاني المالوف، بعد أن كان بوابة الشهرة الأولى والمؤسسة الإنتاجية الوحيدة. لذلك تلقفت الإذاعة التونسية سريعًا دور الإنتاج الفني. كانت الحاجة ملحة لملء حصص البث الإذاعي بأغانٍ تونسية، وتقليص انتشار الأغاني الأجنبية، لهذا خُصصت حلقات أسبوعية لتقديم الأعمال التونسية الجديدة.

التحق الجويني سنة ١٩٥٧ بالإذاعة، حيث أُسندت له مهمة رئاسة قسم الموسيقى والإشراف على البروفات وحصص تسجيل أغاني الفنانين الصاعدين، بعد أن مر بفرقة الإذاعة التي كان عازفًا فيها. أتت هذه المهمة الجديدة باقتناع من المشرفين على هيكلة الإذاعة ومن خلفهم بعض القيادات السياسية، أن الجويني هو الأقدر على قيادة مرحلة جديدة من الموسيقى بعد أن استطاع تركيز تجربة ناضجة ومستقلة عن الرشيدية. أما على المستوى الشخصي، كانت مرحلة جديدة دخلها الهادي بعد أن قلّت إصداراته لفترة وجيزة، بسبب انتهاء تجربة الجيل الأول من حركة السور إما بوفاة بعض كتابها أو باعتزال بعضهم الآخر. أصبح الجويني يمضي جل وقته في الإذاعة يكتشف المواهب الجديدة ويمنحها فرص التسجيل والعزف والغناء، من بينها عازف الكمان رضا القلعي وصادق ثريا وفتحية خيري، كما كان المؤطر الفني لهم. (في الستوديو مع نعمة وثائقي الدقيقة ٨.٤٥).

خلال تجربة تقارب الثلاثين سنة، قدم الجويني ألحانًا عديدة لفنانات تونسيات كحسيبة رشدي في تحت الياسمينة في الليل والسيدة علية في يا عزيزة الروح، وزهيرة سالم في كسرت القلة، والسيدة نعمة في يا شاغلني وشاغل بالي. وما يفوق الـ ٣٠٠ أغنية تعتبر من المفقودات، ولا أثر لتسجيلاتها في أرشيف الإذاعة والتلفزة التونسية. بحلول حقبة التلفزيون، أصبح الهادي الجويني نجمًا تلفزيونيًا أولًا لا ينافسه أحد. كان ختمه التلحيني حاضرًا في عدة ألحان لفنانين مُزامنين له، فمن خلال تلحينه لأكثر من ٦٠٠ أغنية محصاة، استطاع أن يكوّن مسيرة نموذجية ناجحة لم يُسقط فيها أي تفصيل، حتى من خلال تأنق شكله ولباسه المواكب للموضة. مع حلول الثمانينات والتسعينات، تحول أسلوب الجويني إلى الأسلوب شبه الرسمي في دوائر الموسيقيين وعند الجماهير التونسية، لتصبح مسيرته انتصارًا في صراع الهوية الموسيقية التونسية، ويتوّج كعرّاب جيل كامل من الفنانين.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply