الورد جميل | لغة الزهور بين اﻷفندية والشيخ

كتابةياسر عبد الله - مايو/أيار 20, 2019

بدا المشهد كما لو أن الجنة تجسدت على شاشة السينما المصرية في مطلع أربعينيات القرن العشرين، بينما كانت رحى الحرب العالمية الثانية تدور في الصحراء الغربية، كانت الغنائية الحالمة مشهدًا معاكسًا تمامًا لحال الحرب والشوارع المظلمة باﻷمر. رغم ذلك استبطن هذا المشهد جدالات فنية لم تكن محسومة طوال عقد اﻷربعينيات. جدالات آتية من عقود سبقته ولم تحسم سوى بعده.

اﻷفندي الغندور مطرب القصور

في الثلاثينيات قدم محمد عبد الوهاب ثلاثة أفلام جاءت كلها تنويعًا على شخصية واحدة، اﻷفندي الغندور المتشبه بالأرستقراطية والصاعد نحوها للمزيد حول محمد عبد الوهاب وتمثيله لشخصية اﻷفندي انظر العمل الرائد Walter Armbrust, mass culture and modernism in Egypt, Cambridge university press (1996) كذلك Lucy Ryzova, The age of the Efendiyya, Oxford university press (2014). تحمل هذه الرؤية في طياتها تبشيرًا بمنجزات المدنية التي ﻻ تطحن الأفندية في رحايا الصراع الطبقي، وتفتح لهم طرقًا ممهدة للصعود الاجتماعي، وهي رؤية تناقض صورة أخرى للأفندي قدمها نجيب الريحاني في أفلامه، اﻷفندي المكسور؛ وإذا كان محمد أفندي هو طالع السعد ومطرب البهجة في أفلامه كلها، فإن نجيب أفندي هو طالع النحس وفيلسوف الغبرة في أفلامه كلها، وليس غريبًا أن يختم كلاهما حياته السينمائية في مشهد غنائي جمعهما في آخر فيلم قدماه: غزل البنات (١٩٤٩)، حيث يغني عبد الوهاب المطرب الشهير في الفيلم أغنية تلخص تعاسة حمام أفندي المدرس الفقير.

ساهم المخرج محمد كريم المساهمة اﻷكبر في صياغة صورة عبد الوهاب السينمائية، رغم لقاءاتهما اﻷولى التي لم تبشر بتعاون مستمر لاحقًا، حيث قال كريم: “أدركت من تصرفاته هذه ومما سبق أن رأيته في الزقازيق أنه دِليكِت [Delicate] جدًا، وقلت لنفسي ماذا سيفعل هذا الدِليكات في السينما؟” مذكرات محمد كريم في تاريخ السينما المصرية، إعداد وتحقيق محمود علي وتصدير مدكور ثابت، أكاديمية الفنون، القاهرة ٢٠٠٦؛ لكن اشترك الطرفان في رؤية واحدة عن السينما وتقديم الحياة الواقعية والريف وغيره من الموضوعات، بوصفها كارت بوستال جميل، وهو “ما يمكن وصفه بغنائية النظرة إلى الحياة” بحسب عبارة مدكور ثابت المرجع السابق.

قبل فيلم يوم سعيد، الذي قدم فيه محمد عبد الوهاب تصوره لموضوع بيع الورد في لحن يا ورد مين يشتريك، قدم عبد الوهاب ثلاثة أفلام لم يخرج فيها عن النظرة الغنائية للحياة، وشخصية اﻷفندي الغندور معشوق الحياة والنساء. تدور أحداث تلك اﻷفلام في أحياء أفرنگية منمقة بعيدة عن اﻷحياء البلدية (الشعبية بتعبيرنا المعاصر)، أما الريف فهو دومًا مزوّق يغني له “ما احلاها عيشة الفلاح”، ويرقص فيه على إيقاع “اجري اجري”؛ وهو ما مثل صورة للأفندي تحمل رؤية معينة عن المدنية (بحسب المصطلح السائد وقتها)، أو عن الحداثة (بمصطلحات أيامنا). كذلك تماثلت ألحان اﻷفلام بشكل ما مع عمارة تلك اﻷحياء اﻷفرنگية، القائمة على مزج عناصر مختلفة، أوروبية بشكل أكبر ومصرية بشكل مظهري لإنتاج معمار مختلف، ﻻ شرقي وﻻ غربي. المشابهة مع العمارة وزخارفها، ومفهوم المدنية والتحديث في ذلك الوقت ومناقشته بالتفصيل خارجين عن نطاق هذا المقال، لكن يمكننا عقد مقارنة ما بين الوصلة النهضوية، والفضاء المفتوح في سلاملك القصور وحدائق بيوت الريف وصيوانات الأحياء البلدية، مقابل عمارة الأغنية السينمائية عند عبد الوهاب واستعارتها من اﻷنماط الأوروبية السائدة، المشابهة لمعمار اﻷحياء اﻷفرنگية في زمن الخديوي عباس حلمي الثاني (حي مصر الجديدة على سبيل المثال) والملك أحمد فؤاد وابنه فاروق للمزيد عن العلاقة بين الزخارف في الموسيقا وفي العمارة انظر Lois Ibsen al Faruqi, “ornamentation in Arabian improvisational music: a study of inter-relatedness in the arts”, the world of music, xx-1, 1978.

إعلان

في لحن يا ورد مين يشتريك الذي يمكن اعتباره مثالًا للأغنية السينمائية الوهابية، يعتمد اللحن على نص يمزج ما بين العربية المصرية والعربية القياسية كتبه بشارة الخوري، تذكّر لغته بالموشحات المتأخرة في مطلع القرن العشرين، مثل موشح يا بهجة الروح المازج ما بين المستويين من العربية. قدم اللحن تطويرًا للطقطوقة المسرحية كما قدمها سيد درويش في يا ورد على فل وياسمين، المعتمدة على مذهب وأغصان متكررة اللحن. هنا يعيد عبد الوهاب تقديم ثيمة بيع الورد ﻻ كما قدمها درويش على لسان فتاة فقيرة تبيع الورد، لكن بصوت شاب في حفل أرستقراطي، يغني ببدلة بيضاء في صالون عصري وسط أفندية وبكوات وباشوات وهوانم. يعتمد النص على ألوان الورد البلدي خالقًا لها دلالات مختلفة لعلاقات الحب، وتقسم اﻷلوان اﻷغنية لثلاثة أغصان، اثنان منها على مقام النهاوند، بتلوين على مقام البياتي الشوري في الجملتين المصاغتين بالعربية القياسية، واللتان تعملان لحنيًا بوصفهما جسرًا يعود بعدهما الغناء لمقام النهاوند في المذهب: “يا ورد ليه الخجل فيك يحلو الغزل / أفدي الخدود التي تعبث في مهجتي” في غصن الورد اﻷبيض، و”شقت جيوب الغزل وانبح صوت القبل / على الشفاه التي تشرب من مهجتي” في غصن الورد اﻷحمر. يخلو غصن الورد اﻷصفر الذي من هذا التلوين، المفتتح بجملة على مقام الراست وإيقاع الواحدة الموحي بارتجالات، يوفيها عبد الوهاب قدرها في إعادة “أصفر من السقم أم من فرقة اﻷحباب” مع تباطؤ الإيقاع في هذا الغصن عن الغصنين السابقين.

هكذا استطاع عبد الوهاب بكلمات تخلط ما بين مستويين من اللغة، تقديم لحن سينمائي يخلط هو أيضًا بين لغتين موسيقتين مختلفتين، ومثلما قدم عبد الوهاب نفسه بوصفه “وسيلة مواصلات بين الطبقة الفقيرة وباقي الطبقات” فيكتور سحاب، السبعة الكبار في الموسيقى العربية المعاصرة، دار العلم للملايين، ١٩٨٧، قدم كذلك موسيقاه بوصفها جسرًا ما بين البلدي واﻷفرنگي. كذلك نلاحظ أن ”الموضوعات الرفيعة تسمح باﻷساليب المتدنية بينما تتطلب الموضوعات المتدنية أساليب رفيعة” وولتر أرمبرست عن الازدواجية اللغوية، مرجع سابق. بحسب عبارة أرمبرست، فإذا استبدلنا المتدنية بالعامية والرفيعة بالفصحى وطبقنا هذا على الاقتباس عند عبد الوهاب، تبدو الاستعارة من موسيقى غربية غير مقامية بحاجة لما يبررها، فتُقتبس في إطار أساليب رفيعة (شعر فصيح) لمنحها مكانة مختلفة، وهو ما فعله عبد الوهاب قبل ذلك مع قصيدة بشارة الخوري جفنه علم الغزل، في أول أفلامه الوردة البيضاء (١٩٣٣)، حيث جاء النص الفصيح على لحن غير فصيح مقتبس من رقصة الرومبا.

الورد بين يدي آنسات اﻷفندي

في مارس ١٩٤١ تواريخ العرض الأول للأفلام من كتاب محمود قاسم، موسوعة اﻷفلام المصرية، ٢٠٠٨. قدمت شركة تلحمي أخوان فيلمها اﻷول لجمهور السينما في مصر واﻷقطار الشرقية، وهو كذلك الفيلم اﻷول للمطربَين المحبوبَين أسمهان وفريد اﻷطرش، بحسب نص الكتيب الدعائي للفيلم. يقدم الفيلم الذي كتب قصته عمر جميعي وأخرجه أحمد بدرخان قصة شقيقين يهاجران إلى مصر (مذكرةً بقصة فريد وأسمهان الحقيقية)، وتتوج رحلة كفاحهما بانتصار الشباب وانتصار الملحن فريد اﻷطرش على عقباته بتقديم اﻷوبريت الذي يحلم به، وهي ثيمة ستتكرر لاحقًا في أفلام فريد اﻷطرش. كذلك تدور أحداث الفيلم بين اﻷحياء البلدية، حيث يسكن البطلان في إحداها في بداية اﻷحداث، واﻷفرنگية، التي ينتقلان إليها لاحقًا. يقدم فريد اﻷطرش شخصية أفندي مختلفة عن اﻷفندي في أفلام عبد الوهاب واحتفائها الغنائي المبالغ فيه بالحياة، وإن كانت تتقاطع معها في كونه أفندي متعلم يهوى الموسيقى لكنه يعاني من الحياة، وكلاهما ينتصر في النهاية بفضل فنه ويلتحق بالطبقة اﻷعلى.

لم تكن أسمهان غريبة عن السينما الغنائية والوهابية بالذات، ففي العام السابق على انتصار الشباب شاركت بصوتها دون ظهورها على الشاشة في فيلم يوم سعيد، في قصيدة مجنون ليلى وما احلاها عيشة الفلاح. توضّح المقارنة بين تسجيلات أسمهان اﻷولى (مثل عاهدني يا قلبي) وتسجيلات انتصار الشباب، كيف تأثرت بمنطق اﻷغنية السينمائية الوهابية وأعادت تقديمها بتصور آخر، وهو ما يبدو جليًا في لحن يا بدع الورد.

على مستوى الصورة يقدَّم لحن يا بدع الورد في صورة راقصة على مسرح أحد الكازينوهات، في مشهد تعرُّف البطل أنور وجدي على البطلة أسمهان التي يحبها لاحقًا في أحداث الفيلم، وهي صورة راقصة يسود فيها اللون اﻷبيض في فساتين المطربة والفتيات الراقصات، ما يذكر بالبدلة البيضاء في مشهد يا ورد مين يشتريك في فيلم يوم سعيد. جاء اللحن على مقام البياتي الأثير عند فريد اﻷطرش، معتمدًا على نص كتبه حلمي الحكيم. مثل يا ورد مين يشتريك، تعدد اﻷغنية ألوان الورد، لكن هذه المرة دفعة واحدة بدلًا من تقسيم الألوان على اﻷغصان، “اﻷحمر من بدعه وجد وهيام الطف يا لطيف / واﻷصفر من ريحته غيرة وآﻻم ارحم يا رئيف / واﻷبيض دا العفة ريحة وغرام اقطف يا شريف”، وهي لغة وسيطة ﻻ تخلو من جمال، ثم تأتي اللازمة الاحتفالية “رسول العشاق سمير المشتاق”. أما الغصن الثاني ففي الكلمات تلاعب لفظي بديع في “نادي وردك يا خولي اوعى يجرحك شوكه واسهر عليه”، ما بين نادي الصفة ونادي فعل النداء، ثم يأتي إيقاع ثلاثي راقص “هادي حبك يا عاشق / وردك ينعشك طوقه” ليعود بعدها إلى اللازمة الاحتفالية “رسول العشاق” المتناسبة مع التابلوه السينمائي الراقص رغم شجن الغصنين، واحتفالية المذهب “يا بدع الورد يا جمال الورد”. مما يسترعي الانتباه وجود قائد الفرقة عزيز صادق في كل من اللحنين يا ورد مين يشتريك ويا بدع الورد.

في العام التالي أعادت ليلى مراد تقديم ثيمة بيع الورد في فيلم ليلى (١٩٤٢)، الذي أخرجه توجو مزراحي عن قصة غادة الكاميليا. كما في يا بدع الورد، يتعرف البطل حسين صدقي على البطلة ليلى مراد من خلال اﻷغنية. بصريًا، يهيمن اللون اﻷبيض على فستان المغنية التي تسعى بين المدعوين في حفلة أرستقراطية توزع الورود عليهم. اعتمد اللحن الذي قدمه السنباطي على نص لرامي يعيد فيه تقديم ثيمة الورد البلدي وألوانه، “وردة بيضا صفو الوداد فيها / ودي وردة صفرا الغيرة تضنيها / ودي وردة حمرا بالدمع أرويها”، بينما يبدو المذهب كما لو كان إعادة ترتيب لمذهب يا ورد مين يشتريك ﻻ أكثر، واﻷغنية أقصر الثلاثة أيضًا، تعتمد على غصن ومذهب يتكرر في المقدمة والختام، بنفس اﻷفكار المتكررة في اللحنين السابقين.

تبدو ثلاثية الورود المتتالية في مطلع عقد اﻷربعينيات كلها منتمية لمدرسة واحدة في الغناء والسينما، حاملة نفس التصورات الضمنية عن مدنية المجتمع وتطور الموسيقى. آخذين في الاعتبار علاقات الأستاذية المحتملة بين عبد الوهاب وأسمهان التي شاركته الغناء في يوم سعيد، وليلى مراد التي شاركته التمثيل في فيلم يحيا الحب السابق على يوم سعيد، والسنباطي الذي شاركه في فيلمه اﻷول الوردة البيضاء (١٩٣٣) عازفًا على العود.

كذلك اعتمدت الأغاني سينمائيًا على مشهد الحفل والورود، سواء بيع الورد في الحفلات الأرستقراطية مثل يا ورد مين يشتريك ومين يشتري الورد مني، أو الكازينو والراقصات في يا بدع الورد. مشاهد تخاطب جمهور الطبقة البرجوازية في وقتها المستمتع بمشاهد سينمائية غنائية غير عابئة بأجواء الحرب العالمية الثانية ومعاركها الدائرة على حدود مصر الغربية.

إعلان

الست والشيخ مقابل اﻵنستين واﻷفندي

في أحاديثها وصورتها الاجتماعية المُعلنة، قدمت أم كلثوم صورة تحمل تصورًا مختلفًا إن لم يكن مناهضًا لصورة اﻷفندي الغندور الحداثي عند محمد عبد الوهاب؛ وفي مقابل جدل التطوير المحسوم للاقتباس بمنطق المدنية المازجة ما بين عناصر أوروبية وعناصر محلية في ألحان عبد الوهاب وأفلامه، تبدو أم كلثوم مثل مصر نفسها، حائرة ما بين تطوير يتمثل العناصر اﻷوروبية ويهضم منطقها، ويعيد تقديمها بعناصر من الداخل دون مزج شكلي (القصبجي ورامي على سبيل المثال)، وتطوير آخر أكثر أصالة يعتمد على عناصر بلدية محض عند الشيخ زكريا وبيرم التونسي (وهي أصالة مخترعة رغم ذلك). إذا كان الصراع الجماهيري الاقتصادي بين عبد الوهاب وأم كلثوم قد حُسم بانضمامها إلى أسطوانات كايروفون منذ مطلع اﻷربعينيات، فالصراع بين الرؤى المختلفة للتحديث لم يُحسم سوى لاحقًا، عندما لم يصبح مسموحًا بتعدد الرؤى المختلفة في المجتمع مقابل صيغة توافقية تمزج ما بين كل العناصر قسرًا فيما بعد قيام نظام يوليو.

في أفلامها، باستثناء عايدة (١٩٤٢)، قدمت أم كلثوم موضوعين أساسيين، مواضيع مقتبسة من كتب التراث العربي وحكايات الجواري المغنيات مثل وداد ودنانير وسلامة، ومواضيع اجتماعية تمثل انتصار الفتاة الفقيرة بنت الحي البلدي في نشيد اﻷمل وفاطمة. يستعيد فيلم فاطمة (ديسمبر ١٩٤٧)، قصة مصطفى أمين وإخراج أحمد بدرخان، قضية إثبات نسب بنت المطربة فاطمة سري من محمد باشا شعراوي ابن هدى شعراوي، وهي القضية التي هزت اﻷوساط الفنية المصرية في مطلع حياة أم كلثوم، ويبدو أنها أثرت على اختياراتها لاحقًا في الفن والحياة تحتاج قضية فاطمة سري وأثرها على صورة المطربة في المجتمع المصري لاحقًا لتفصيل يتخطى مساحة هذا المقال، لكن لنا أن نقارن بين شخصية منيرة المهدية المنطلقة بطلة ما قبل ١٩٢٧ بالشخصيات النسائية الغنائية، ومنها أم كلثوم، المحافظة بعدها.. في تقديمها لأغاني فيلم فاطمة في الإذاعة المصرية في ديسمبر ١٩٤٧، قالت صاحبة العصمة أم كلثوم عن القصة “إن حوادث هذه القصة تجري في حارة، حارة لم تدخلها المدنية الزائفة بمظاهرها المدنية التي تحمل في طياتها الأنانية والمادية، المدنية التي قضت على روح التضامن والتعاون.” الإذاعة المصرية شاهدة على العصر، أيام مصرية، ٢٠٠٤. يبدو جليًا في كلمة أم كلثوم إدانتها لتصور معين عن الحداثة الشكلية (المدنية الزائفة)، كذلك في أحداث الفيلم نرى صراعًا ما بين شهامة بنت الحارة أم كلثوم مقابل دناءة بنت الأرستقراطية أمينة شكيب، التي شهدت ضدها بينما لم تُرد أم كلثوم فضحها على الملأ. يبدو اختيار أمينة شكيب التي تسمت بميمي اختيارًا موفقًا غاية التوفيق، فيبين مجرد اختيارها لاسمها انحيازها لمدنية زائفة يدينها الفيلم، ويأتي الفيلم كذلك بعد منح أم كلثوم وسام الكمال ولقب صاحبة العصمة وكأنها أرادت تأكيد انتماءها البلدي للحارة لا للحي البرجوازي، مكرسة نفسها في نهاية الأربعينيات فنانةً للشعب كله، حتى لو كان هذا الشعب غير قادر على حضور حفلاتها التي أخذ سعر تذكرتها بالارتفاع شيئًا فشيئًا، حتى عجز موظف أفندي مثل نجيب محفوظ عن دفعه نجيب محفوظ يتذكر مع رجاء النقاش..

جاء فيلم فاطمة تتويجًا لمرحلة جديدة من مراحل السينما الغنائية ما بعد الحرب العالمية الثانية، في السنوات اللاحقة هيمنت اﻷفلام الواقعية التي تعبر عن صراع ما بين الحي البلدي والحي البرجوازي، التي ينتصر فيها دومًا الحي الشعبي بحلول توفيقية، وهي ثيمات سيحسمها لاحقًا تغير المجتمع نفسه في منتصف الخمسينات بعد قيام نظام يوليو. كذلك كان فيلم فاطمة آخر أفلام أم كلثوم وشهد آخر ألحان القصبجي لها، حيث مالت أكثر فأكثر للابتعاد عن رؤاه التحديثية، وشهدت اﻷحداث بعد الفيلم قطيعة بين الشيخ زكريا أحمد وأم كلثوم استمرت ١٣ عامًا، وحين عاد الشيخ زكريا إلى تقديم لحنه اﻷخير لها كانت اﻷمور قد حسمت لما سمي فيما بعد بالسنباطية الكلثومية. في الثلاثينيات واﻷربعينيات جمعت أم كلثوم ما بين جبهتين رئيسيتين في التحديث الموسيقي، جبهة القصبجي، الذي بدأ حياته شيخًا وخلع العمامة ولم يحتفظ بلقب الشيخ، وهو اختيار له دلالته، الهاضم عقليًا للمنجزات اﻷوروبية محاولًا إعادة تقديمها بتطوير من الداخل دون اقتباس مفرط واضح مثل عبد الوهاب عن فكرة التطوير من الداخل عند القصبجي انظر مقال سمحة الخولي في كتاب حياتي مع الموسيقى، دار الشروق ٢٠٠٠.، والجبهة اﻷخرى جبهة زكريا أحمد، الذي بدأ حياته شيخًا وخلع العمامة لكنه احتفظ بلقب الشيخ، المائل بطبعه لتطوير مختلف يطعم الموسيقى العربية الموروثة من عصر النهضة بعناصر بلدية شعبية، وبينهما وقف السنباطي يميل حينًا للشيخ زكريا وأحيانًا كثيرة للقصبجي الأفندي، حتى تنحى الاثنان ففرض مدرسةً وسطًا تقوم على التوفيق بين كل العناصر الموروثة وهي مدرسة سادت لاحقًا في المجتمع كله ﻻ في الموسيقى وحدها.

في فاطمة، قدم زكريا لحن لغة الزهور (الورد جميل) الذي يمثّل سينمائيًا لحظة انتصار بنت الحارة على تخشب اﻷرستقراطية، حين دخلت المنزل ممرضة الباشا الكبير  (أم كلثوم) ففتحت ستائر المنزل القاتم الكئيب. توضح مقارنة هذا المشهد الذي أخرجه أحمد بدرخان بمشهد يا بدع الورد الذي أخرجه قبل ستة أعوام في فيلم انتصار الشباب مدى نضج اللغة السينمائية في وقتها. يعتمد لحن الشيخ زكريا أحمد على نص صديقه وشريكه بيرم التونسي، الذي يشكك دائمًا في البنية الفكرية للحداثة المصرية التي تمثلها صورة اﻷفندي عند عبد الوهاب وولتر أرمبرست، مصدر سابق. قدم بيرم التونسي تلاعبًا بذهن المستمع المتوقع لأغنية تحكي عن الورد، فتلاعب مطلع اﻷغنية بكلمة الورد المعبرة عن الورد البلدي وكل الزهور في الوقت نفسه، مؤخرًا كلمة الزهور “شوف الزهور واتعلم” إلى المذهب، وبدلًا من لعبة ربط ألوان الورد البلدي بحالات المحب، قدم بيرم التونسي لغة زهور متوارثة في التراث الشعبي، وهي سمة من سمات شعره حيث سبق له أن ساءل البنفسج الحزين عن سر حزنه في طقطوقة صالح عبد الحي ليه يا بنفسج.

قبل رحيله عاد الشيخ زكريا أحمد إلى لحنه وسجله بنفسه في التلفزيون المصري. تفضح تسجيلات الشيخ زكريا أحمد لألحانه ﻷم كلثوم عملية التفاوض الإبداعي التي جرت بينه وبينها، ففي تسجيلها السينمائي قدمت أم كلثوم غصن “يا فل يا روح” على غصن “شوف الياسمين جميل نعسان”.

يفتتح التسجيل بليالٍ مرتجلة ثم يأتي المطلع والمذهب على مقام الخزام، ينتقل بعدها الشيخ زكريا في غصن النرجس إلى مقام البياتي، نلاحظ هنا وفاء بيرم التونسي لموشح قديم هو غضي جفونك يا عيون النرجس، كذلك نلاحظ وفاءً من الشيخ زكريا للحن الموشح ذاته، الذي سجله أستاذه درويش الحريري، فيرتكز الشيخ زكريا على الجنس اﻷول لمقام البياتي موحيًا طوال الوقت بانتقال محتمل للصبا (مقام الموشح)، ثم يـأتي غصن “شوف الياسمين جميل نعسان” الذي جعلته أم كلثوم غصنًا ثالثًا على مقام الراست، ويختم الشيخ زكريا بالغصن اﻷخير “يا فل يا روح” عائدًا به إلى مقام الخزام وهو تسلسل يذكّر بالترقية في حلقات الذكر، كذلك تبدو المصاحبة اﻵلية كما لو كانت لتخت قديم رغم أنها لفرقة موسعة، ويفرض الشيخ بأدائه التطريبي وصوته اﻷجش طريقة أكثر حرية وأقل التزامًا من تسجيل الفيلم.

نص كلمة أم كلثوم في الإذاعة المصرية للدعاية لفيلم فاطمة

اختتم لحن الشيخ زكريا تعامل الأربعينيات مع ثيمة الورود، دخلت مصر لاحقًا في سنوات ساخنة مع حرب فلسطين، حُسمت بحركة الجيش المباركة كما سميت في بدايتها، توقف محمد عبد الوهاب بعدها عن مغامراته الاقتباسية المتغربة، حيث لم يعد ذلك في الإمكان مع تغير الجمهور في الخمسينات بفعل وعود ثورة يوليو الوطنية، وأعادت أم كلثوم صياغة مدرستها المحافظة على يد السنباطي التوفيقي. كانت الموسيقى في الثلاثينيات واﻷربعينيات بنت جدل مجتمعي واسع، في التحديث أدبيًا وفنيًا وعلى مستوى عمارة اﻷحياء، دخلت وسائط جديدة وانعكس ذلك على الموسيقى المقدمة سينمائيًا.

كانت الثلاثينيات التي هيمنت فيها صورة اﻷفندي كما قدمها عبد الوهاب هي سنين تأسيس اللغة السينمائية الغنائية. اعتمدت السينما في ذلك الوقت على قصص اﻷغنياء وقصورهم والمناظر الجميلة، ووصل اﻷمر إلى رفض تقديم قصص تعبر عن مشاكل الطبقات الشعبية (كما حدث مع فيلم العزيمة) دراسة مختصرة عن تاريخ السينما المصرية، إلهامي حسن، الهيئة المصرية العامة للكتاب ١٩٧٦، ثم اختلف مفهوم السينما مع سنين الحرب العالمية الثانية وما بعدها مع تقدم تقنيات التصوير وتسجيل الصوت، فأصبحت قادرة كما في فيلم فاطمة على التصوير الخارجي البديل عن تصوير الستوديوهات المتأنقة. في كل ذلك كانت الموسيقى بنت زمنها وجدل مجتمعها، وكان الغناء معبرًا عن معاني متضمنة أكبر من مجرد النص المغنى، بحيث يمكننا حتى بتتبع ثيمة فرحة مثل ثيمة الورود تشمم شذى حراك مجتمع وتطور موسيقى ذلك الوقت.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply