جيتز / جيلبرتو | ستان جيتز وجواو جيلبرتو

عام ١٩٦٤، قدَّم البرازيلي جواو جيلبرتو ألبومه جيتز / جيلبرتو، مع مغني الجاز الأمريكي ستان جيتز، الذي صنفته العديد من المجلات كتحالف بين أفضل عازف ساكسفون أمريكي وأفضل عازف جيتار برازيلي في ذلك الزمن. بفضل هذا الألبوم سمع الكثير منا، على الأقل مرة واحدة، موسيقى الجاز البرازيلي والبوسا نوفا عبر الأفلام أو أنواع موسيقية أخرى، أو حتى داخل مصاعد الفنادق.

تعتبر أولى أغاني الألبوم، جرل فرُم إيبانيما، والحائزة على الجرامي، إحدى أشهر الأغاني البرازيلية عالميًا، وثاني أكثر أغنية مُعاد تسجيلها بعد يسترداي للبيتلز. بالإضافة إلى ذلك، باع الألبوم أكثر من مليوني نسخة في سنة صدوره، وحاز على أربع جوائز جرامي، أهمها أفضل ألبوم للسنة، لتصبح أول مرة تمنح فيها الجائزة لألبوم غير أمريكي، وأول مرة تُمنح فيها لألبوم جاز. ساهم الألبوم في اشتهار أنطونيو كارلوس جوبيم وجواو جيلبرتو حول العالم، وفي إعادة تسليط الأضواء على موسيقى ستان جيتز بعد اختفائها في الخمسينات.

***

في بداية الستينات، التقى ستان جيتز بعازف الجيتار تشارلي بيرد في نادٍ في واشنطن، حيث كان يؤدي الأخير عرضًا. بعد العرض ذهب الاثنان إلى بيت تشارلي، الذي شغّل بعض الأسطوانات التي جمعها حينما كان في جولة دبلوماسية في أمريكا اللاتينية ربيع ١٩٦١. اندهش بيرد بتلك الموسيقى، خصوصًا البوسا نوفا التي وصفها بـ الفيوجن بين الجاز والسامبا، ولم يجد من يهتم بهذه النوعية التي لم تكن شائعة في أمريكا بعد. لحسن الحظ، أٌعجب جيتز بالموسيقى بشدة وقرر أن يسجّل ألبومًا طويلًا يُدشّن فيه مزجًا بين الجاز والبوسا نوفا. بعد مدة قصيرة من هذا الاجتماع، اقترح جيتز على المنتج كريد تايلور أن يعد جلسة تسجيل في استوديو تسجيلات فيرف.

في شباط / فبراير من عام ١٩٦٢، قام بيرد بتدريب مجموعة من الموسيقيين الذين عزفوا معه سابقًا في البرازيل، حتى شعر أنهم باتوا مستعدين للتسجيل. ضمت الفرقة عازفَي البايس جين بيرد (شقيق تشارلي) وكيتر بتس، وعازفَي الطبل بيل ريشنباخ وبادي دبنشمدت. سجل جيتز وتايلور الألبوم مع المجموعة في مبنى مجاور لكنيسة في واشنطن بسبب خصائصه الصوتية.

إعلان

صدر ألبوم جاز سامبا في نيسان / أبريل من ذلك العام محققًا النجاح والإشادة، ودخل قائمة البيلبورد لألبومات البوب، كما فاز عنه جيتز بالجرامي لأفضل أداء للجاز عام ١٩٦٣. بناءً على هذا النجاح، قرر جيتز إصدار ألبومين آخرين يفيد فيهما من البوسا نوفا، دون أن يحظيا بنفس النجاح. لاحظ الكثير من منتجي البوسا نوفا أن هناك أخطاء إنتاجية ولحنيّة ومحاولات تقليد غير مجدية من العازفين الأمريكيين، واستنتجوا أن منتجي التسجيلات يستغلونها للربح السريع فقط. بسبب ذلك، قرر جيتز الاستعانة بأشهر عازفي البوسا نوفا في تلك الحقبة لألبومه القادم، أنطونيو كارلوس جوبيم وجواو جيلبرتو.

***

يعتبر جواو جيلبرتو من مبتكري البوسا نوفا، حيث عزف مع المؤلف والكاتب والموزّع وعازف البيانو والمغني أنطونيو كارلوس جوبيم في أغنية شيجا دي سوداد، أول أغنية بوسا نوفا. نالت الأغنية نجاحًا وإقبالًا كبيرًا بين البرازيليين، وأصبح الثنائي من أشهر عازفي الموسيقى البرازيلية.  قرر جيتز الاستعانة بهم في ألبومه، جيتز / جيلبرتو، على أن ينتجه كريد تايلور مرة أخرى. كان الثنائي شبه غير معروف في أمريكا ذلك الوقت، وإن أديا حفلة مرةً في قاعة كارنيجي مع عازفين برازيليين آخرين، من ضمنهم سيرجيو مينديز وروبيرتو مينيسكال، كما عزفا على موسيقى فيلم بلاك أورفيس الذي حاز على جائزة أوسكار لأفضل فيلم أجنبي لعام ١٩٦٠، والتي تعتبر أول مرة ظهرت فيها البوسا نوفا في فيلم. وافق الثنائي على اقتراح جيتز بشرط أن يقوما بإحضار الموسيقيين الخاصين بهم لمنح الألبوم نكهة برازيلية أصيلة.

كانت عملية التسجيل، بحسب المصادر الداخلية، مليئة بالتوتر والدراما، التي كان سببها جزئيًا عدم فهم لغة الآخر، بالإضافة إلى خلافات فنية بين جيتز وجيلبرتو. كان جيلبرتو قليل الصبر ومحبطًا بسبب عدم إتقان جيتز الأسلوب الإيقاعي للبوسا نوفا، لدرجة أنه كان يريد أن يطرده خارج الستوديو. كما شعر جيلبرتو أن جيتز يعزف بصخب أكثر مما يناسب البوسا نوفا، وأن المهندسين يجعلون عزفه بارزًا أكثر في النُسخ النهائية. قد تكون هذه الدراما إحدى العناصر التي جعلت الألبوم أجمل. في أغنية النوستالجيك أون دي أمور، لا يمكن إنكار العزف المهيمن لساكسفون جيتز، بينما دُفِع بجيتار جيلبرتو إلى الخلفية. هذا التنازع واضح في هذه الأغنية وفي الألبوم كاملًا، حيث يحاول كلا العازفَين أن يبرز على حساب الأخر.

بدأ تسجيل الألبوم في استوديو آي آند آر في نيويورك في ١٨ آذار / مارس عام ١٩٦٣، وانتهى في اليوم التالي. كانت العملية بسيطة جدًا. عزف جميع الموسيقيين على آلاتهم في نفس الوقت وفي نفس الغرفة، وقد يكون هذا الأسلوب العفوي في التسجيل السبب وراء الصوت المتماسك للألبوم.

بعد انتهاء التسجيل لم يكن تايلور واثقًا من النتائج، وانتظر عامًا بعد تسجيل الألبوم قبل أن يصدره. بعد نجاح أغنية جيرل فروم إيبانيما، أول أغنية منفردة من الألبوم، ثم كوركوفادا، صدر الألبوم في آذار / مارس عام ١٩٦٤، ليبيع آلاف النسخ في الأسابيع القليلة الأولى من إصداره، ويحتل المركز الثاني في قائمة بيلبورد.

من ناحية إنتاجية، يتكون الألبوم من فيوجن بين السامبا والجاز والبوسا نوفا. تحتوي معظم الأغاني على آلات مثل البايس والطبل والجيتار والساكسفون والبيانو، لتكون أول مرة في تاريخ البوسا نوفا نجد فيها أدوات عزف غير الطبل والجيتار. ضم المشاركون جيتز على الساكسفون، جيلبرتو على الجيتار والغناء، ميلتون بنانا، الذي يلقب بعراب طبل البوسا نوفا، على الطبول، سباستيون نيتو على البايس وزوجة جيلبرتو، آسترد، كالمغنية الأنثى الوحيدة في الألبوم. يحتوي الألبوم على ٨ أغاني تمتد لحوالي نصف ساعة.

يمتاز الألبوم بصوت تقليلي لا يعطي للمستمع تنوعًا صوتيًا، إذ تدور جميع أغانيه في الأجواء الهادئة الحالمة ذاتها. في مقابلة نادرة مع النيويورك تايمز عام ١٩٦٨، وضح جيلبرتو أن عملية التسجيل شملت استثناء جميع الأصوات غير المهمة: “يجب أن أكون هادئًا جدًا بالنسبة لي لإنتاج الأصوات التي أفكر فيها.” يمكن تصنيف عزف جيلبرتو على الجيتار كفرع الجديد من السامبا. لم يكن لعبه بوتر الجيتار بعيدًا عن الاستعراض، بإضافته لتعقيدٍ خادع رغم نبرة اللامبالاة الواضحة.

يُفتتح الألبوم بـ جرل فروم إيبانيما، أجمل أغنية فيه إنتاجيًا وموسيقيًا. يعزف جيلبرتو جيتاره بطريقة تقليلية وناعمة مع غناء هادئ، وتتكامل الأغنية بغناء آسترد المريح العذب: “طويلةٌ سمراءٌ فتيّةٌ جميلة / تتمشّى الفتاة من إبانيما / ولدى مرورها، أبتسم لكن لا تراني.”  تتنقّل الأغنية بين غناء جيلبرتو بالبرتغالي وغناء آسترد بالإنجليزية. علق عازف الساكسفون مايلز دايفز على غناء جيلبرتو في الألبوم: “يمكنه أن يقرأ صحيفة ويُطربك.”

يبرز في الألبوم استمرار مقاطعة ساكسفون جيتز لغناء وهمهمات جيلبرتو، كما في بارات ماشوشار ميو كورتشاو، فيفو سونهاندو ودوراليس، حيث يبدو صوت جيلبرتو مغطًى تمامًا بساكسفون جيتز الصاخب. في ديسفياندو نجد الموازنة بين عزف جيتز وغناء وعزف جيلبرتو. في كوركوفادا، ترجع آسترد إلى الغناء، مصورةً رومانسيات ليالي الصيف الدافئة. حاول العديد من المغنين، منهم فرانك سيناترا، استعادة الأغنية، دون أن ينجح أحدهم في منافسة الأداء الأصل. أو جراندي أمور من أكثر الأغاني تميزًا في الألبوم، حيث أعطى جيتز أفضل وأطول أداءاته. ليست النوتات التي يعزفها جيتز في الأغنية جديدة أو مبتكرة، لكنه يلعبها بمهارة فنية وعاطفية لا تضاهى، راسمًا مشاهد صوتية دافئة وغامضة تتكامل مع عزف جيلبرتو.

إعلان

بعد فترة قصيرة من صدوره، اتضح أن الألبوم من أكثر الألبومات نجاحًا لكلا العازفين، حيث باع أكثر من مليوني نسخة في سنة صدوره، ما يعتبر إنجازًا كبيرًا في وقتٍ كان الجاز يموت فيه ببطء في الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، أصبح الألبوم من أكثر الألبومات مبيعًا للبوسا نوفا كما احتل مركز ٤٤٧ في قائمة أفضل الألبومات على الإطلاق لمجلة رولنج ستونز. نجح الألبوم في التعبير عن الرومانسية الحالمة التي تشتهر بها البوسا نوفا للمستمعين الأمريكيين بطريقة غير مشوشة وأصلية، وألهم العديد من كبار الفنانين، مثل فرانك سيناترا ومايلز ديفيز، لمحاولة اقتباس أجزاءٍ منه في موسيقاهم.

لاستغلال نجاح الألبوم، أصدر الثنائي عدة ألبومات إضافية مسجلة وحية على مدى ١٣ سنة منذ أول إصدار لهم، دون أن تلاقي نفس النجاح النقدي أو الجماهيري، ربما بسبب كون معظم الألبومات عبارة عن تجميع أداءات منفصلة لهما كلٌّ في الستوديو أو المسرح الخاص به.

أثر الألبوم على جاز السبعينات بشكل كبير. يتجلى ذلك في بروز أصداء الجاز اللاتيني في أمريكا وقتها، بإيقاعاته الآتية من بلدان إفريقيا وأمريكا اللاتينية، الملعوبة على أدوات مثل الكونغا والتمبل وآلات الخشب الموسيقية، ودمجها مع نغمات كلاسيكية تعزف على آلات الجاز النموذجية (البيانو، دابل بايس، وغيره). يمكن ملاحظة هذا التأثير أيضًا في أغاني أبرز فناني تلك الحقبة مثل سبانيش كي لمايلز دايفز وميراكل أُف ذا فيشز لميلتون ناسكيمنتو وآفرو بلو لمونجو سانتا ماريا وميدنايت تانجو لأل دي ميولا.

توارثت فرق الروك طريقة التسجيل العفوية والحية في التسجيل والتي كانت سر نجاح الألبوم، كما في ألبوم وايت لايت / وايت هيت لـ ذَ فِلفِت أندرجراوند الذي سُجل في يومين، وألبوم بلاك ساباث لـ بلاك ساباث الذي سُجل في يوم واحد.

أصبحت أغنية جرل فرُم إيبانيما محطة عبور للعديد من عازفي الجاز الأمريكيين بسبب نجاحها. في السنوات التي مضت، وصلت الأغنية، مثل الموسيقى البرازيلية بشكل عام، إلى نقطة من التشبع لكثرة أداءاتها من قبل العديد من العازفين الأمريكيين. سُجلت جيرل فروم إبانيما أكثر من ٢٤٠ مرة من قبل مغنين مهمين مثل إيلا فيتزجيرالد وإيمي واينهاوس وسيرجيو مينديز، ونرى نغمتها الحالمة على أغاني معاصرة مثل أغنية ماكسين لـ جون ليجند.

تميز جيلبرتو بالأداء المتزامن الدقيق الذي دشنه في الألبوم وتوارثته الأجيال القادمة من المغنين والعازفين، حيث أتقنوا ارتجالهم مع النغمات المعقدة ونقل معنى الكلمات بأدنى الإيماءات، التي تخلق نوعًا من الانفتاح والترحيب في أذن المستمع. أثر أسلوبه في العزف والغناء على جيل من الموسيقيين في الولايات المتحدة الذين كانوا مندهشين بالبوسا نوفا ولم يتأقلموا بعد مع الأسلوب، منهم إلفيس بريسلي الذي عبر عن حبه للبوسا نوفا في أغنية بوسا نوفا بيبي. مؤخرًا، قرر العديد من الموسيقيين والرابرز الجدد، مثل الرابر السوداني باس والمغني الأمريكي ماك ديماركو، استخدام عينات من أغاني البوسا نوفا الكلاسيكية أو تقليد أسلوب اللعب المبتكر لجيلبرتو على تسجيلاتهم الخاصة.

Leave a Reply