بيروت ترنّم، بيروت تهتف | خمسة عروض ومشاهد

كتابةعمر ذوابه - February 7, 2020

في ١٥ كانون الأوّل / ديسمبر الماضي، تمام السابعة وخمس وخمسين دقيقة، دوّت قاعة الأسِّمبلي هول في الجامعة الأمريكية في بيروت بوابل من التصفيق والهتافات الغاضبة. هتفت سيدة خلفي: “السنيورة!”، وسرعان ما انتشر هتاف “ثورة! ثورة!” في أرجاء القاعة. انطلق هتاف جديد من الصفوف الأمامية: “برّا برّا برّا، سنيورة طلاع برّا.”، لكن فؤاد السنيورة، في كرسيه في الصف الأول، تظاهر بانشغاله بتصفح كتيب المهرجان ، مقطّب الجبين.

اقترب موعد الحفل، وصعدت سيدة من المنظمين على المسرح، أمسكت ميكروفونًا وقالت بصوتٍ عالٍ: “بدنا نعمل ثورة منطلع برّات هالتشابل … لو سمحتوا. نحنا جايين نحضر حفل ثقافي فني، الثورة برّات هالبيت. حطوا بليز هالشي على جنب.” باءت محاولة السيدة بالفشل مع اشتداد الهتافات. اعتلى منشدو ومنشدات كورال الفيحاء خشبة المسرح على وقع الهتافات، ثم تبعهم الموسيقيون، انتهاءً بـ غي مانوكيان على البيانو. بدأ عزف مقدمة ليتل درامر بوي، على أمل أن تخبو الهتافات مع انطلاق الموسيقى، إلا أنها كانت تشتد. بإشارة من غي مانوكيان، عُزف النشيد الوطني اللبناني عوضًا عن أغنية الافتتاح. شارك الجميع في غناء النشيد، وما إن انتهى حتى عادوا إلى الهتاف ضد السنيورة.

بدا أنه ما من خيار لمن على المسرح سوى المضي في الحفل – كان المشهد أشبه بمحاولة ولدٍ السعالَ بصوت عالٍ للتغطية على شجار والديه في الغرفة المجاورة. لم يُسمع شيء من ليتل درامر بوي، وانتهت بقدرة قادر. وقف الجميع على المسرح بوضعية الاستعداد، ثم اقترب رئيس الجامعة الأمريكية من المسرح وهمس في أذن غي مانوكيان، وما هي إلا لحظات حتى اشتعلت القاعة تهليلًا بعد مغادرة فؤاد السنيورة.

كورال الفيحاء، من عرضهم في الأسيمبلي هول، الجامعة الأميركية في بيروت

كورال الفيحاء، من عرضهم في الأسِّمبلي هول، الجامعة الأميركية في بيروت

وقع هذا المشهد ضمن إحدى أمسيات مهرجان بيروت ترنّم، الذي يُنظم سنويًا وبالمجان في موسم الأعياد الميلادية. يستعيد المقال خمس حفلات ومشاهد من المهرجان، توزعت بين كنيسة مار مارون في الجمّيزة، والأسِّمبلي هول في الجامعة الأمريكية في بيروت.

جاهدة وهبه | كنيسة مار مارون، الجمّيزة

“أناشيد وتسابيح، مصابيح على كينونة الحياة في الوجدان الإنساني، معارج الروح في انجذابها إلى الملكوت الأعلى … حوار الأديان، السلام والعيش المشترك على نبض الموسيقى وإيقاع الصنوج والأدعية، هيللة قول لا إله إلا الله.، تلاوة وتحليق إلى سموات من النورانية الفياضة. شطحات، مزامير، أصداء بيزنطية وسريانية لصلاة جامعة على قمم الأرز عند قباب مشرق الإيمان.” بخلاف سائر حفلات المهرجان التي لم تضم برامجها المطبوعة سوى قوائم الأغنيات، اختارت جاهدة وهبه ضم هذه الكلمة الافتتاحية إلى برنامج حفلها، وَجَد، الذي لم يسلم من سيل الكليشيهات الجارف أعلاه.

رغم إمعان برنامج الحفل في التلويح برايات “يحيا الهلال مع الصليب” على نحوٍ فج، سواءٌ في اختيار العناوين أو ترتيب أدائها (متل إتباع المجد لك بـ طلع البدر علينا)، قدمت جاهدة مجموعة من الترانيم المسيحية، والابتهالات الإسلامية، والقصائد الفصحى من حقبات مختلفة، إضافة إلى أغنيات ميلادية لبنانية وأخرى مترجمة إلى العربية، وأحسنت غناء مختلف الألوان الموسيقية التي اختارتها للأمسية، متنقلةً بسلاسة في مدى صوتها الواسع، ومحسنةً استغلال فضاء الكنيسة السمعي. اختارت افتتاح الحفل بإنشاد الله لنا (المزمور ٤٦ من العهد القديم) دون ميكروفون، بلفظ واضح وصوت جهور، موجهة جسدها بزوايا محددة جعلت رنين غنائها يتردد بشكل ساحر في أرجاء الكنيسة. عند وقوفها أمام الجمهور، تكثر جاهدة وهبه من الحركة (خاصة بيديها وذراعيها)، وتظهر تعابير وجهها صارخة وسريعة التبدل؛ قد يبدو أداؤها مبالغًا فيه أحيانًا لمن يشاهدها على الشاشة، إلا أن من يحضرها بشكل حي يدرك أن انفعالها ممتع، وجزء أساسي من أسلوبها القائم على الغناء بكل جسدها.

أضافت جاهدة إلى الأمسية عنوانين من وحي الثورة اللبنانية، لم يُذكرا في برنامج الحفل. اختارت في القسم الأول تقديم أغنية فيروز بتتلج الدني، المسبوقة بموال لا تخافي سالم غفيان. كما المتوقع، دوى تصفيق الحضور لذكر لبنان، إلا أن جاهدة لم تكتفِ بتفاعل الجمهور، وعلّقت في نهاية الأغنية على “المفاجأة اللي قدمتلكن إياها” قائلة إنها تحية “لشهداء لبنان وشهداء الجيش الحبيب.” عند اقتراب الحفل من نهايته، قدمت جاهدة النسخة المعربة بشكل ركيك من أغنية إديت بياف مون ديو، أتبعتها بوصلة أغنيات ميلادية مثل عيد الدني، ليلة الميلاد، هدية سما، ثم نشيد السلام. فجأة، هدأت الموسيقى، وقفت جاهدة مبتسمة، وتلت بيتي شعر بالمحكية اللبنانية، كاشفةً الأغنية “الوطنية” الثانية: “سألوني شو صاير ببلد العيد / مزروعة عالداير نار وبواريد / قلتلهن بلدنا عم يخلق جديد / لبنان الكرامة والشعب العنيد” وانفجرت القاعة تصفيقًا. استدرجت جاهدة وهبه تفاعل الجمهور بخيار كسول ومغرق في الشعبوية، يمكن اعتبارها واحدة من أهزل أغنيات فيروز المثقلة بإرث الحرب الأهلية المظلم.

كورال الفيحاء | الأسِّمبلي هول، الجامعة الأميركية في بيروت

بشكل استثنائي، حظيَ الكورال الطرابلسي بأمسيتين خلال المهرجان، استضافت كلاهما الأسِّمبلي هول في الجامعة الأميركية في بيروت. جمعت الأمسية الأولى خمس أغنيات ميلادية من لبنان والعالم، وأغنياتٍ أرمنية، وبعض أعمال مارسيل خليفة وزكي ناصيف، إضافة إلى أغنيات متفرقة أخرى.

كان تنوع البرنامج ركيزة نجاح حفل الفيحاء، حيث تعددت العناوين التي جمعت ببراعة بين الأداء الجماعي، والغناء المنفرد بصوتَي المنشدَين رولا أبو بكر وطارق عبد الفتاح. إضافة إلى الميلاديات بلغات عدة، قُدمت أغنيات شعبية كان يصعب تخيل أدائها من قبل كورال لطالما ارتبط بالغناء الكلاسيكي، مثل تلات دقّات التي غابت عنها الآلات الموسيقية ليحل مكانها مزج مبتكر بين الأصوات، فلاقت تفاعل واستحسان الجمهور. ضم برنامج الحفل المطبوع الجملة التالية بين قوسين بجانب أغنية دين أبوكم اسمه إيه: “أغنية عن السلام في الأديان وضد الإرهاب.”

عبير نعمة، من عرضها في كنيسة مار مارون، الجمّيزة بيروت ترنم معازف

عبير نعمة، من عرضها في كنيسة مار مارون، الجمّيزة

لو استثنينا الأغنية السابقة، بالإمكان القول أن حفل الفيحاء ارتكز على تقديم برنامج غني ومتقن، دون اللجوء إلى سهولة استدرار العواطف. تجدر أيضًا الإشادة بانضباط أداء الفيحاء بقيادة المايسترو بركيف تَسلاكيان، الذي تجلت صرامته أولًا عند إيقافه الكورال لمرتين أو أكثر لإعادة الدخول في المغنى بشكل سليم، وثانيًا عندما اضطرت إحدى المنشدات لمغادرة المسرح قبل انتهاء إحدى الأغنيات وعادت بعدما بدأت الأغنية التالية، فطلب من الكورال إعادة الأغنية من البداية.

رودولف بورجيه | كنيسة مار مارون، الجمّيزة

في تحية للشاعر الفلسطيني محمود درويش، قدم الملحن الفرنسي رودولف بورجيه هذا العرض الشعري الموسيقي عازفًا على الجيتار الإلكتروني، وقارئًا لنصّ نشيد الأناشيد من التوراة، وقصيدة يطير الحمام لمحمود درويش بترجمتها الفرنسية، بصحبة الممثلة اللبنانية يارا زخور، والرابر اللبناني وائل قديح (ريّس بيك)، وبالاشتراك مع جوليان بيرودو على الكيبورد، ومهدي حداب على العود.

انقسم العرض إلى جزئين: قدم رودولف ويارا مقاطع من نشيد الأناشيد باللغة الفرنسية، رافقتها صولوهات للجيتار والعود، ثم صعد ريّس بيك على المنصة وقدم قراءة بالعربية لقصيدة يطير الحمام، فيما شارك رودولف ويارا في قراءة الترجمة الفرنسية. تميّز العرض بالحوار الذي جرى بين الجيتار والعود والمزج بينهما، إضافة لكونه الحفل الوحيد بين أمسيات المهرجان الذي أُثقل بالمعدات الصوتية والإضاءة، واستغل كامل مساحة الكنيسة كديكور، مقدمًا تجربة سمعية / بصرية فريدة.

على كلٍ، انطوى هذا العرض على تاريخ إشكالي، إذ سبق تقديمه في فرنسا بصحبة مغنية إسرائيلية وبحضور ريّس بيك. يبدو أن القيمين على العرض الأصلي أرادوا تقديم تحية لمحمود درويش من خلال طرحٍ غربي للقضية الفلسطينية، مغالٍ في السطحية والتكرار، يصر على أنها “صراع إثني بين العرب واليهود”، وبهذا تكمن وصفة الحل السحرية في جمع رابر عربي وموسيقية إسرائيلية في عرض موسيقي روحاني “يتخطى الحدود والحروب ويثبت أن الموسيقى لغة عالمية تصلح ما أفسدته السياسة.” لا غرابة أن الكلمة الافتتاحية التي ألقتها ميشلين أبي سمرا في بداية الحفل باللغة الفرنسية، زخرت بالحديث حول تجاوز الموسيقى للجغرافيا، وقدرتها على توحيد الشعوب وما إلى ذلك. وقع منظمو المهرجان في خطأ آخر تمثل في ذكر اسم المغنية الإسرائيلية في نسختي كتيّب المهرجان عوضًا عن يارا زخور، التي ظهر اسمها على موقع المهرجان الإلكتروني فقط.

عبير نعمة | كنيسة مار مارون، الجمّيزة

فيما همّت عبير نعمة بغناء المقطع الثاني من ترنيمة يا مريم البكر، دوى صوت سقوط جسم ثقيل على المنصة. اختفى صوت الأورغ، فتوقفت عبير عن الغناء ونظرت إلى عازف الكيبورد مبتسمة، لتجد آلته ممدة على الأرض. هتفت “يا عدرا!” قبل أن تغرق في نوبة ضحك امتدت إلى الجمهور وقوبلت بالتصفيق.

على رغم المرض الذي اضطر عبير إلى تأجيل الموعد الأصلي لحفلها، تمتعت ليلتها بمزاج جيد انعكس على حسن أدائها، الذي لم يخل من بضع هفوات تعاملت معها بمهنية وخفة دم: “إذا بعد بخربط عالهوا كارثة!”، في إشارة لبث الحفل على شاشة تلفزيون نورسات مباشرة.

ضم حفل عبير نعمة الميلاديات والترانيم، إضافة إلى بعض الأغنيات اللبنانية الحديثة. ارتكزت بعض الخيارات أيضًا على تجربة عبير في الموسيقى الإثنية، مثل ترنيمة سريانية وأخرى أرمنية، وميلاديات من التقليد الماروني. يبدو ألا مفر من الفيروزيات في أمسية كهذه، اختارت عبير منها خمس أغنيات: افتتحت الحفل بـ تلج تلج، وقدمت لاحقًا بدي خبركن وضوّي بليالي سعيدة، ثم غنت بيتي أنا بيتك، وهي أغنية روحانية ”غير دينية“ من مسرحية ناطورة المفاتيح، قادمة من مشهد تناجي فيه زاد الخير (فيروز) ربها بعدما ظلت وحيدة في مدينة هجرها أهلها بسبب بطش الملك.

حافظت عبير على ابتسامتها طوال الحفل، وأقلت من الحركة على المسرح أو الحديث بين الأغنيات. اقتصر تعليقها على الوضع السياسي في البلد بقول “اليوم منصلي من أجل قيامة لبنان“، لكنها أحسنت بتجنب جواكر الأغنيات الوطنية، واختتمت حفلها بأغنية ع إسمك غنيت من إرث فيروز الستيني، وهو خيار – على مستوى الكلمات واللحن – اكثر انسجامًا مع سائر أغنيات الحفل، ومتسق مع شخصية عبير الفنية الخَفِرة والكتومة.

غي مانوكيان وكورال الفيحاء | الأسِّمبلي هول، الجامعة الأميركية في بيروت

توجه غي مانوكيان إلى منظمي المهرجان بلهجة بين المزاح والجد قائلًا: ”قلتلكن غي مانوكيان بالأسِمبلي هول ما بتزبط“ في إشارة لاكتظاظ الصالة وممراتها ومداخلها بالحضور، الذين سعى لامتصاص غضبهم (بعد حادثة السنيورة) بتقديم أغنية ملحم بركات موعدنا أرضك يا بلدنا كافتتاح جديد للحفل. استقبل الجمهور الأغنية بالتصفيق والغناء الجماعي، وظهر الارتياح وبعض التأثر على وجوه منشدي ومنشدات الفيحاء إثر بداية الليلة المشحونة.

غي مانوكيان وكورال الفيحاء، من عرضهم في الأسيمبلي هول، الجامعة الأميركية في بيروت بيروت ترنم معازف

غي مانوكيان وكورال الفيحاء، من عرضهم في الأسِّمبلي هول، الجامعة الأميركية في بيروت

سرعان ما تحول الحفل إلى ما يشبه أمسية كاريوكي بين الكورال والجمهور، أكثر خلالها غي مانوكيان من النهوض عن البيانو والتوجه إلى الجمهور ملوحًا لتحميسهم، في محاكاة لأسلوب ياني. خلا البرنامج بشكل كامل من أي أغنية أو لحن من تأليف غي، فزخرت الأمسية بالأغنيات الشعبية مثل طلعت يا محلى نورها، وصوت العيد، وقمرة يا قمرة، وغيرها من العناوين التي سبق للفيحاء تقديمها. على الرغم من مشكلات الصوت وارتباك أداء الكورال مقارنة بالحفل السابق، نجحت الأمسية في تقديم أغنيات تجاوب معها الجمهور بشكل كبير، وترسخت حدثًا فنيًا مفصليًا.

في منتصف الأمسية، دعا غي مانوكيان مديرة المهرجان ميشلين أبي سمرا كي تصعد على المسرح وتلقي كلمة. بدت السيدة القوية، ولأول مرة منذ انطلاق المهرجان، خائفة. خفت صوتها فجأة عندما أوشكت على شكر إحدى الشركات الراعية للحفل. ما إن أنهت ميشلين كلمة الشكر المقتضبة، حتى علا صوت من الصفوف الأمامية صارخًا: “لأ مش شكرًا، هودي مصريّاتنا!” وقوبل هذا الهتاف بتصفيقٍ حار.

بعد إلغاء حفل مشروع ليلى في جبيل، ثم رفض مارسيل خليفة أداء النشيد الوطني في بعلبك، جاء طرد السنيورة في بيروت ترنّم دليلًا إضافيًا على استحالة الفصل بين السياسة والموسيقى، في بلد لطالما هيمنت السياسة على مهرجاناته، وأملت شروطها على إنتاجاته الثقافية والفنية. كان من الصعب حضور عروض بيروت ترنّم دون ملاحظة هذا الارتباك الذي يزعزع تبعيّة الحياة الثقافية في لبنان، من وجود عرضين اثنين لكورال من طرابلس، المدينة التي خرجت من تهميشها واستردت صوتها خلال الأشهر الماضية، إلى الإكثار من الأغاني الوطنية التوافقية، لإضفاء المشروعية على استمرار المهرجان في الظروف الحالية، انتهاءً بتوجس الجمهور من علاقة الدعم / التبعية التي تجمع الساسة والشركات الضخمة بالحياة الثقافية في لبنان. تصبح المفارقة أوضح بسبب طبيعة المهرجان، فبينما تبدو العروض ظاهريًا تقليدية وتراثية ورسمية، ميّالة إلى تبجيل الماضي، إلا أنه في الواقع كلّ شيءٍ يتغير.

Leave a Reply