نحو تاريخٍ موجز للتلاوة | قراءات في أفق التلقي العام

هذه مقدمة القسم الثاني من كتاب هوامش على متون أبي زيد، الصادر عن دار النهضة العربية. بإمكانكم العثور على الكتاب في مكتبات أنطوان، أو طلبه عبر أمازون ومتجر نيل وفرات.


يندرج كلّ تأويل أو قراءةٍ تأويلية للنصّ القرآنيّ في سياق تفتيح إمكاناتِ هذا النصّ وبلورة رهاناته الوقتية. وإلى ذلك، فإنّ تفتيحَ النصّ المؤسّس والمهيمِن في الحضارة الإسلامية يُعيد، بالضرورة، تشكيل أفق التلقّي النصّيّ العام تبعًا لماهية وأوضاع المستقبِلين، دارسين أو سُمّاعا أو مريدينَ أو حتّى ملتزمين دينيًا. إنّ قدرة هذا النصّ الفائق تتركز في كونه نصًا شفّافًا إلى حدود بعيدة، وذا قابلية كبرى للتماهي مع إمكانات هؤلاء المستقبِلين.

تُبرزُ طوبولوجيا المعنى المنبثق من هذا النصّ للمريدِ خريطةً معقّدة وشائكة، إذ إنّ معانيَ النصّ وإرسالاته في أفق التلقي العام هي من التعقيد والتراكب والمراوغة الصعبة بمكانٍ يضعُ الرائي موضعَ المتوثب دائمًا للإقامة في مستوى غائر من مستويات المعنى. لا تكون هذه العملية ناجزة، بطبيعة الحال، دون الانحياز غير المشروطٍ للنصّ بما هو نصٌّ جماليّ ذو وجوه وطبقات كثيرة أو بطونٍ، وعصيٌّ على كلّ آليات الحصر والإكراه الخارجيّ التي تسدّ آفاقه من أي صوبٍ أتتْ.

إنّ كل آليات التعرض المثمر للنصّ القرآني هي آليات مشحونة بالطاقة النصية، ومشروطة بجهوزية الفاعل البشريّ لاستقبال إرسالات النصّ الموجّهة نحوه ذاتيًا، أو نحوه بما هو فرد من زمرةٍ / حضرةٍ أو حلقة دراسيّة أو جماعة. فالقراءة الأكاديمية التي تؤسس لوعي معرفيّ جديد بالنصّ، هي تعرّضٌ للنصّ من وجه كونه سلطة بلاغية / أدبية في ذاته، قبل تكريسه حضاريًا في الوعي الجمعيّ من جانب المؤسسة الدينية التقليدية لدواعٍ يطول التفصيل فيها. أما التلاوة، فإنها أيضًا تعرّضٌ للنص بوجهٍ من الوجوه. لكنه تعرّض قديم متجدد ومتواصل للنصّ، وذو سمات خاصة جدًا. ويبقى التساؤل، في هذا الحيز، هو التالي: ما التلاوة؟

التلاوة وجهٌ من وجوه الهيمنة التي يمارسها النصّ في المجال السوسيوثقافي العام. إنها نتاج الاستغراق والذوبان في الطاقة النصيّة المنبثقة بالضرورة من تفاعل التراكيب الفائقة قرائيًّا. والاستغراق، في هذا الحيز، استغراقان؛ استغراق فرديّ واستغراق ذاتيّ، يشتبكان في كونهما يتآزران عكسيًا في إنتاج النزوع اللاوعي إلى تثمير طاقة النصّ في تفكيره بذاته عبر المقرئ، تثميرًا جماليًا. التلاوة، بتعبيرٍ موجز، رؤية النص جماليًا إلى ذاته. لكنها رؤية لا تنفصل، بحالٍ من الأحوال، عن الفاعل البشريّ، مستقبِلِ الوحي، الكائنِ الذوّاق. فالنص يرى إلى ذاته بعين المتلقي وأذنه وكلّ كيانه. على أن المتلقي، إذ يتفاعل سماعيًا بالنصّ ومع النصّ، يكون مساهمًا بالعمق في تشكيل فضاء الطاقة النصيّة. طاقةٌ يمكن عدّها المحفّز المركزيّ لإنتاج مجمل مستويات التعاطي البشريّ مع النصّ. ومن هذه المستويات مستوى التلاوة. التلاوة، إذًا، أثر الطاقة النصيّة ورغوتُها في الفضاء العام. إنها تَراكمُ حدوسٍ بشرية هائلة في قلب الواقع النصيّ. حدوس تعيد التلاوةُ إطلاقها عبر ذات الفاعل البشريّ.

هوامش على متون أبي زيد معازف حسن نصور كتابة مكتبة أنطوان

نحو تاريخٍ موجَزٍ للتلاوة

نزل الوحي على محمد النبيّ، وما لبث، في بضعة عقودٍ، أن غدا مصحفًا تفرّق في الأمصار، وأمسى مع الوقت، نصًّا محوريًا تنبثق منه وترجع إليه في حركة دائبة شتى المعارف والتصورات الفكرية عند المسلمين. لقد هيمنَ النصّ تدريجيًّا على فضاء التلقي العام، ملزِمًا كلّ متعرّضٍ قارئٍ له، فردًا أو جماعة، العناية بآياته وسوَره على نحو يعكس تلك المحورية.

قبل تقعيد القواعد النحوية وتبلور علم القراءات، هيمنَ الوحي على أذهان المتلقّين الأوائل المفتونين بالتراكيب النصيّة. كانوا متيقّنين أن ما يتلقَّوْنه ليس كلامًا عارضًا، بل حدثٌ مفصليّ له ما بعده. فقد شكّل الذوبان الإيمانيّ المبكر في السور المتقاصرة الأولى النازلةِ على محمد لحظةً عميقة وغائرة في ذاكرة فنّ التلاوة القرآنية المتبلور لاحقًا. ذلك أن تلك القراءات الأوّلية التي انبثقت من فم النبيّ واشتبكت بالصحابة الأولين قد أنتجت لحظة قِرائيّة مفصلية، ليس بمقدورنا اليوم اكتناه سماتها التكوينية وآليات اشتغالها البِكر، إلا أنْ نُعمل ملكة الخيال معطوفة على ما ورد من النقل بهذا الخصوص.

لا نستطيع، إذًا، أن نحدد تقنيّا سمات التلقّي السماعيّ الأول من فم الرسول، تلقّي الدائرة الأولى من الصحابة المستمعين. نقصد الأنماط والكيفيات والمستويات الصوتية التي قرأ بها النبي السوَر، طازجةً، أمام الآخرين. لا نشكّ بسحر تلك اللحظة وفتنتها. في المقابل، نستطيع القول إن القراءات التوصيلية التواصلية الأولى، قراءاتِ الصحابة فيما بينهم، أو تلك الموجّهة نحو الآخرين، كانت قراءاتٍ مجبولة بالطاقة النصيّة الكامنة. الطاقةُ النصّية إذ تُجلي بحدوساتها فائقيّة هذا التركيب المتفرّد قياسًا بتعابير أعلام البلاغة آنذاك. إنها قراءاتُ أفرادٍ ذائبين بالدائرة المحمدية الأولى ومنطبعين بالإيقاع الرساليّ المبكر. إيقاعٌ من وظائفه صعق المتلقي بالبيان المتلوّ وجذبه إلى أفق الرسالة وتذويبه بالدائرة المحمّدية. في سياق من هذا النوع، نستطيع أن نفهم مغزى أن يُثنيَ النبي على العذوبة الصوتية عند بعض الصحابة إذ يقرؤون القرآن. إنه إقرارٌ وتقرير من النبيّ بالخصائص التركيبية الجمالية التي من شأن العناية بها صوتيًا أن تُسهم في أداء إحدى وظائف الوحي بتأسيس ذائقة سماعية تهيمن على قلوب المريدين.

“يحزّنون به أنفسهم ويستثيرون به دواء دائهم، فّإذا مرّوا بآيةٍ فيها تشويق ركنوا إليها طمعًا وتطلعت نفوسهم إليها شوقًا وظنوا أنها نصب أعينهم، وإذا مروا بآيةٍ فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم وظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم” – نهج البلاغة

 

“كتابًا مثانيَ تقشعرّ منه جلود الذين يخشون ربّهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم” – سورة الزمر

يمكن القول إن القراءات العشر بانبثاقها في بحر قرن، من بدايات القرن الثاني الهجريّ إلى أوائل القرن الثالث الهجريّ، قد أبرزت، في وجه من الوجوه، سياقات انتقال المصحف، مكانةً، إلى كونه النصّ المركزيّ في الحضارة العربية الإسلامية. لقد غدت الحاجة إلى الاعتناء بالمصحف، لدواعٍ كثيرة، سببًا في انبثاق أولى الدوائر المعرفية من حوله، ونعني الدوائر المتصلة بعلوم اللغة من نحو وصرف وسوى ذلك. بهذا المعنى، كان على القرآن، بما هو نصّ، أن يقوم بتشكيل محوريته الذاتية التي من شأنها أن تعكس وحدة الأمة الفاتحة، وكان عليه بنفس القدر أن يقوم بصهر الاختلافات القرائية بين الصحابة وأن يجذبها إلى دائرة الهامش المكرَّس والمتاح بما لا يخدش وحدة هذا النصّ ومكانته وبما لا يؤدي إلى تعارض في بنيته أو خلاف.

تقيم التلاوة القرآنية، اليومَ، في قلب مناخات الاختلاف القرائي المتاح. على أن التلاوة تتأسّس، في العمق، على اختلاف المساحات الصوتية وتقنيات الوقف والفصل والوصل المنبثقة من دائرة التقعيد النحويّ عمومًا، والاختلاف القرائيّ على وجه الخصوص. إنّ تكريس القراءات العشر بمجالات قرّائها ومنابتهم قد ساهم على نحوٍ واضح في ترسيم الدائرة التقنية التي أمكنت في حقبٍ لاحقةٍ تفريعَ المجالات التلاواتية المتنوعة. فالتنوع التلاواتي قد مثّل حاجة مريدي النصّ القرآنيّ إلى إبرازه على نحوٍ منتاه في الجمالية والكمال، ونعني إبرازه شكلانيًا وأدائيًا، على نحوٍ فائق، يوازي فائقية التركيب المعنويّ البالغ الشفافية.

لا يمكن، بحالٍ من الأحوال، الرؤية إلى فنّ التلاوة القرآنية الراهن بمعزل عن تدرجات المكانة القرآنية / النصيّة منذ المطلع، مرورًا بمختلف الحقب المعرفية في الحضارة العربية الإسلامية. فالعناية الراهنة بالتلاوة القرآنية، بما هي أحد أشكال استحضار النصّ وتثبيته في فضاء التلقي العام، يعيد طرح تساؤل مركزي عن ماهية الأساليب والأدوات التي تمّ من خلالها استحضار النصّ قرائيًا خلال الحقب الإسلامية، فضلًا عن مدى تأثير السياقات المعرفية الجدلية المتصلة بالنصّ، على اختلافها، في تبلور هذه المكانة. في مثل هذا التصور، يصير متاحًا ومشروعًا أمام الباحث تأسيس تاريخٍ وصفيّ تقريبيّ موجز للتلاوة النصية، ربطًا ببدايات التشكل القرائيّ واللغويّ، وربطًا بالمنقول عن الرسول وقبل كل ذلك، ربطًا بمستويات نضج المعارف التي تؤثر جوهريًا في كل حقبة من الحقب على المكانة النصيةّ.

يعدّ تقعيد النحو وتقريرُ قواعد الاختلاف بين القراءات خطوة منهجية مؤسِّسة في رحلة استكمال تفتيح الأفق التلاواتي للنصّ القرآنيّ. فتقعيد الاختلافات وتشريعها قد عكس منذ البداية ذلك النزوع الواعي إلى تنسيق كل ما يتصل بالنصّ القرآنيّ على نحوٍ مرجعيّ، إنْ من حيث الشكل أو من حيث المعنى. بتعبير آخر، باشر المصحف / النصّ من خلال احتكاكه بالمريدين، صحابةً وتابعين وتابعي تابعين، آليتَه الذاتية في بثّ حدوساته في فضاء التلقي العام. حدوسات ليست، في المؤدّى، غير تعبيرات عن فعالية النصّ إذ يحتك بالفاعل البشري ويسعى للهيمنة عبره على مناخات المعرفة.

إن فنّ التلاوة القرآنية، في خلاصته، وجهٌ من وجوه هيمنة النصّ على فضاء التلقّي العام. إنه تثمير إيقاعيّ جماليّ للقدسية النصيّة عبر إدماج المتلقي / الفاعل البشريّ في مناخ هذه الهيمنة. إلى ذلك، فإن القراءة، بما هي انبثاق للطاقة النصيّة، تبقى متجذرة في ذلك الاشتغال التراثي المبكر على التراكيب النصيّة والعناية بتقعيدها وتنسيق أنماط قراءتها، على نحوٍ يسدّ كل الفجوات التي يُشتبه أنها قد تخدش طرائق ومستويات التوصيل المتواضَع عليه. في هذا الحيّز، تعيد التلاوة القرآنية، بإرسالاتها وحضوريتها المهيمِنة على غير مستوى من المستويات، ترويض مجالات التلقي البشريّ عبر إدماج المتلقّي في نظام علاماتها الصوتية. نظام يرمز، فيما يرمز إليه، إلى قدرة هذا النص، ولو من خلال تقنية الإيقاع فقط، على فرض نسخة من نسخ تجلياته الجمالية وطرحها، مرارًا وتكرارًا، على التساؤل المركزي حول ماهية التلاوة.

يعدّ شياع فنّ التلاوة القرآنية في حقب متأخرة نتاجًا من نتائج هيمنة الرؤية الأحادية على فضاء القراءات القرآنية. ونعني الرؤية التي تحسم كون النصّ كلامًا إلهيًا قديمًا مقدّسًا بالغ التمام، شكلًا ومضمونًا، على حساب باقي الآراء التي ظلت تتيح حتى القرن الرابع الهجريّ تصوّرات مختلفة في الرؤية إلى طبيعة النصّ. في مثل هذا التصور التقديسيّ المتعالي الذي يعنى بأيقنة المصحف شكلًا ومضمونًا، تغدو التلاوة، بما هي أداة من أدوات توصيل الكلام الإلهي القديم، حاجةً مجتمعية يعيد الفاعل البشريّ المهيمَن عليه تظهيرَها بالإيقاع على نحوٍ يعكس المصدر القديم المتعالي. من هنا، يمكن فهم مجمل الاعتراضات الفقهائية “الأرثودوكسية” على توصيل هذا الكلام بأنماط قد تشذّ عن مواضعات الأفق التلاواتي المكرَّس. نعني تلك التعرّضات الإيقاعية للنصّ فيما يشبه الدندنة الغنائية التي تقرّبه من أي شعرٍ إيقاعيّ مغنّى وسارح في المجال العام (يمكن الإحالة هنا إلى قضية غناء سورة يوسف للّبناني مرسيل خليفة).

من نافل القول، أن للتلاوة القرآنية، كشكل من أشكال تجلّي النصّ في المجال الإسلامي العام عبر العصور، سياقاتٍ تاريخية يمكن تلمّسها تبعًا لأنماط التلقي البشري في كل حقبةٍ من الحقب. ربطًا بذلك، فإن إهدار تلك السياقات، بمعنى الرؤية إلى التلاوة القرآنية بمعزل عن وضعية المتلقي أو المريد، قد يكون بالغ التأثير في استيعاب التطور الذي أصاب هذا النمط من أنماط التوصيل القرآني. مع الحال هذه، قد يكون متاحًا، في وجه من الوجوه، الرؤية إلى التلاوة القرآنية كشكلٍ تاريخيّ من أشكال توصيل النصّ المركزي المؤسس في الحضارة الإسلامية. بهذا، تسلتزم الرؤية إلى التلاوة، كشكلٍ تاريخي من أشكال توصيل النص، بناء تصورٍ أو نسقٍ علميّ متكامل عن معنى هذا التوصيل / التلاوة في كل حقبةٍ من الحقب، وعن وضعية الفاعل البشري / المتلقي إزاء هذا التوصيل. نتحدث، إذًا، عن بحثٍ يعيد تصوّر مناخات الثقافة والاجتماع والعمران التي تشكلت في صلبها عملية التوصيل القرائي / التلاواتي. مناخاتٍ يتيح تصوُّرها والتفصيلُ فيها فهمَ الوضعيات النفسية للمتلقين داخل دائرة التوصيل التلاواتي، وتاليًا، فهم النوازع الخاصة والعامة التي أثرت على نحو بالغ في وصول فنّ التلاوة القرآني إلى ما هو عليه اليوم.

في مثل هذا التصور، يمثل الفاعلُ البشريّ، بما هو قارئٌ أو مستمعٌ، الركنَ المركزي في إنتاج المكانة المعنوية للنصّ في الفضاء العام إذ يحتكّ بالقراء والمستمعين. يحيل الإيقاع التلاواتي، إذًا، كلّ مرة، إلى نقطة مركزية غائرة في ذاكرة الجماعة التاريخية، ونعني نقطة الانبثاق القرائيّ الأول من فم النبيّ. يقيم المريد أو المستمع في كل مرة يتلى بها النص بين حدّين: حدّ التذكر وحدّ النسيان. فالتذكر يعكس محاولة حثيثة لاستحضار الحالات السماعية الأولى من فم الرسول ونعني سماع الصحابة، أما النسيان فإنه شكل من أشكال الخروج من الوجود اللحظي الواعي المتحقق في المكان والإقامة في المكانة المعنوية، إذ ينشئها إيقاع السوَر والآيات. تمثل التلاوة القرآنية، إذًا، إحدى أقنية الاتصال الذهنية للفرد المؤمن / المريد. إنها الأصل الأول الذي انبثقت منه الإرسالات النصية الأولى. إذّاك، يكونُ الإيقاع القرائيّ دائريًا أو نسيجًا متصلًا، يربط على الدوام أولَ الأمر بآخره، ونعني الحدث الانفجاريّ الأول بتجلياته القرائية المتعددة، والتي لا يمكن إحصاؤها بحال من الأحوال. في المؤدّى، تنتفي الفواصل، في روع المتلقي، بين الحدث الأول من جهة وما تلاه لاحقًا من تجليات قرائيةٍ.

Leave a Reply