جايمز | ماد وإلجراندي توتو

كتابةمعازف - فبراير/شباط 11, 2019

كتب هذه المراجعة كل من هيكل الحزقي وعمار منلا حسن.


بين أواخر الثمانينات وأواخر التسعينات، كان من الصعب أن تمر بجوار غرفة فتىً يافع دون أن تسمع ذلك اللحن الجاف الذي تسهل دندنته *، اللحن الذي ساهم بجعل لعبة تتريس سادس أكثر ألعاب منصة النينتِندو مبيعًا على الإطلاق. اليوم، بإمكانك التعثر بذات اللحن على مكبرات الصوت لدى العديد من الشباب في المغرب، لكن بدل اقترانه بالبارات العمودية والأفقية للعبة، أصبحت ترافقه بارات راب من ماد وإل جراندي توتو.

من بداية الألفينات، ظهرت موجة استعادة واسعة للأصوات الجافة والخشنة لألعاب الفيديو اليابانية الثمانيناتية، سمِّيت أحيانًا بموسيقى النينتندو أو الآتاري، وأحيانًا أخرى موسيقى الـ ٨-بيت، لاقترانها بشرائح صوتية محدودة بالذاكرة الصغيرة لتلك الأجهزة، والتي لم تتجاوز الثمانية بيتّات (bits). كانت دوافع هذه الموجة إما استعادية، أو على شكل تحدٍ لمنتجين أرادوا دفع هذه الأصوات المحدودة إلى إمكانياتها القصوى. على كل حال، لم تترك موجة موسيقى النينتندو آثارها على مشاهد الموسيقى الإلكترونية والراب في المنطقة العربية، باستثناء حضورات خجولة كهذه الجملة القصيرة عند الثانية ٣٣ من أغنية أبيوسف. في جايمز، لا يكتفي ماد وإلجراندي توتو باستخدام موسيقى النينتندو، بل يجعلان منها العمود الفقري للأغنية.

كما يوحي اسمها، تدور ثيمة جايمز بالعموم حول الألعاب. إلى جانب الفيديو الذي صوره المخرج حكيم الراجعي من داخل قاعة ألعاب آركايد، تستخدم كلمات الأغنية بكثافة مجازات لها علاقة بالألعاب على كافة أنواعها، في اعتراض ذكي على رتابة معجم الدسات التقليدية التي تشبع بها مشهد الراب المغربي مؤخرًا. يتحدث ماد عن العالم التنافسي العدواني الذي يعيشه عبر تشبيهه منذ أول سطر في الأغنية بلعبة كول أُف ديوتي (باستخدام اسمها المختصر COD)، بينما يصيب توتو عصفورين بحجر متحدثًا عن سرعة تدفقاته وعن انطلاقه نحو نجاح وشهرة على مستوى عالمي: “ليفيل ديالي كي مبابي.”

إعلان

المثير أن الأغنية نفسها تتحول إلى لعبة على مستوىً ما. ينضم ماد وتوتو كفريق في لعبة أونلاين، ليواجهان الوحش في الأغنية، وهو السطر الإيقاعي الجاف والفقير نغميًا من لعبة التتريس، والذي مزجه المنتج ناجي رازي بصوتٍ عالٍ في العديد من أجزاء الأغنية ليجبر الرابرز على مواجهاته. سلاح ماد الخاص هو خامة صوته التي تشوبها مسحة ميلانكولية، بينما يطلق توتو باراته بالسرعة والطاقة المعتادة منه ليدخل في معركة صخب مع إيقاع التتريس.

يعرف ماد وتوتو كيف يضمان ميزاتهما الفردية لتشكيل فريق قوي، إذا طوّرا مع الوقت تقاربًا بعد أن ظهرا سويةً في أغانٍ مثل تشا را أو في حفلات مشتركة في المغرب وفرنسا. بينما يحارب الاثنان إيقاع التتريس في مقاطع الأغنية، ينضمان في اللازمة إلى جوار الإيقاع نفسه ليغنيان ويدندنان “لا لا لا لا” برفقته، ويمنحان الأغنية مركزها الحماسي والمرقّص.  بعد الفوز بكل تحدي صغير في ألعاب الفيديو، ينتقل اللاعب إلى المرحلة التالية، وهذا ما يحصل مع طموحات ماد وتوتو الإنتاجية هنا.


* الحقيقة أن اللحن البسيط للعبة تتريس يحمل قصة غير بسيطة خلفه. أتى اللحن بالأصل من أغنية شعبية روسية اسمها “الباعة المتجولون Korobeiniki”، مستندة على قصيدة بنفس الاسم للشاعر نيكولاي نِكراسوف، قد نشرت للمرة الأولى عام ١٨٦١. أصبحت النغمة مشهورة عالميًا بفضل نسخة عام ١٩٨٩ التي أصدرتها شركة نينتندو من لعبة تتريس، وتضمنت نسخة ٨-بيت من النغمة تحت اسم A-type، كاعتراف بالأصل الروسي للعبة التي اختراعها المهندس ألِكسي باجيتنوف عام ١٩٨٤. يربط البعض بين الصوت الجاف والمقفر لنسخة النينتندو من الأغنية، وبين التأويلات الفلسفية للعبة، التي يقول البعض أنها انتقاد لرتابة وبيروقراطية الشيوعية، أو فرار من فوضى اليوم نحو مجال للانتظام والهدوء، أو حتى تذكير بحتمية الفناء، كون اللعبة عصية على الفوز ولا نهاية لها، كل ما بإمكان اللاعب القيام به هو تأجيل خسارته لأطول وقت ممكن.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply