جايمس بلايك | أسيوم فورم

كتابةهلا مصطفى - مارس/آذار 15, 2019

يقود القليل من الفضول والبحبشة حول حياة جايمس بلايك الشخصية إلى فهمٍ أفضل لمصدر الإشراق في ألبومه الجديد. خلال السنوات الثلاث التي انقضت منذ ألبومه الملانكولي الأخير ذ كلر إن أنيثينج، وجد بلايك حب حياته وارتبط بالشريكة المثالية الممثلة البريطانية جميلة جميل التي تربطها ببلايك علاقة عاطفية منذ العام ٢٠١٥ التي ينسب لها الفضل في إلهام كتابة ألبومه الجديد أسيوم فورم. الأمر الذي جعل معظم أغنياته تتمحور حول هذا الحب والتأثير الإيجابي المفاجئ الذي أحدثه في حياته. لذا، بدت الأغنية  الافتتاحية أسيوم فورم التقديم المثالي لمنعطف في أسلوب كتابة بلايك لأغنياته. فبعد توظيفه لعينة صوتية من قصيدة مقروءة لـ رايج آلمايتي بعنوان الاكتئاب في إنتاج الأغنية، يختتم بلايك بجملة: “ألا تشعر بالدفء / لمجرد معرفة أن الشمس ستشرق قريبًا؟” وكأنه يخبرنا أن بلايك السوداوي الذي عرفناه عبر ثلاثة ألبومات وعلى امتداد تسعة أعوام لديه اليوم سر سعيد قرر البوح به. أما موسيقيًا فيُفتتح التراك ببيانو مهذب وعزف أنيق، سرعان ما تداخله إيقاعات إلكترونية تبدل تدفقها كل حين بانسيابية حذقة، لتبدو عشوائية وإن لم تكن كذلك. التناقض الصوتي بين هذين الخطين هو كذلك التقديم المثالي لرؤية الألبوم الإنتاجية، وإن صدّعت هذه الرؤية أحيانًا لحظات من الزخرفة المبالغة.

في بداية مسيرته ومنذ ألبوماته القصيرة الأولى، تبنى بلايك خطًا إنتاجيًا تجريبيًا في الدَبستِب بشكل أساسي. على امتداد سنوات بقي المنتج يجرّب بذات البراعة، مع القليل من التوسع باتجاه الآر آند بي المعاصر والسول والموسيقى الإلكترونية، إلى أن أوصله هذا التوسع ليظهر كمنتج في أعمال لأهم فناني البوب اليوم، مثل بيونسيه وفرانك أوشن وكندريك لامار وغيرهم. تظهر تأثيرات هذا الدخول إلى عالم البوب جليًا في ألبوم جايمس بلايك الجديد، وتأخذ أوضح أشكالها في تعاونات الألبوم مع الأسماء الأكثر بريقًا في مشهد البوب اليوم.

في أغنية مايل هاي يستضيف بلايك ترافيس سكوت إلى جانبه في الأداء، ومترو بومن كشريك في الإنتاج. كان من المتوقع أن يخرج تعاون منتجين بحجم بلايك وبومن بنتيجة أكثر حرفية، لكن الحد الأدنى من انسجام الرؤية كان غائبًا ما بين خلطة التراب التي باتت تميز بومن فلا نخطئه، والتي تدمج البايس بإيقاعات قوية تقود لحنًا تقليليًا، وبين صوت اللو-فاي سنث الدرامي لبلايك. لم ينقذ هذا المزيج مجموعة التأثيرات الصوتية المضافة في الخلفية دون أي توظيف جمالي، وبدا أن كثرة الأيدي قد أحرقت الطبخة. تمتد المشكلة إلى الأداء، رغم أنها ليست المرة الأولى التي يتشارك فيها الاثنان الغناء، إذ أدى بلايك بصوته جسرًا شديد التميز في نهاية أغنية ستوب تراينج تو بي جَد من ألبوم سكوت الأخير. سيحعلك تكرار الاستماع للازمة الجذابة تستسلم لحب الأغنية، ذلك لا ينفي أن كل انتقال من مقطع ترافيس سكوت إلى المقطع المخصص لبلايك بمثابة لحظة نشوة غير مكتملة. يربك جايمس بلايك نفسه بمحاولة تقليص الشرخ بين الغناء على طريقته وبين راب سكوت فيخرج بمقطع لا هو راب ولا هو غناء، بل أشبه بالنتيجة بصوت روبوت بُرمج لأداء جمل على قافية واحدة في باتل راب، ثم تلقى ضربة جعلت الصوت يصدر عنه على وضع الإبطاء.

إعلان

مع بداية الأغنية الثالثة تِل ذِم تصبح رحلة التعاونات أكثر متعة. يستبدل بلايك ترافيس سكوت بـ موسس سمني، الذي يبدو أن خلفيته كمغني فولك جعلت أداءه يبدو منسجمًا مع أسلوب بلايك. تتوالى أصواتهما فوق إيقاع شديد الانضباط، يقودنا عبره على نحو سحري صوت تصفيق هادئ في الخلفية. أما اللازمة نفسها فيضبطها صوت بلايك موجهًا الحديث إلى قلبه ومبتدئًا جملها الثلاث بـ “يا قلب …”. يعني ترجمناها لتونا للعربية الفصيحة واحتفظت مع ذلك بحميمية الإنسان التائه الذي يتوجه إلى قلبه للبحث عن إجابات، أو للتأنيب. لأن الجمال دومًا نادر وسريع المرور فإن التصفيق لا يتكرر في المقطع المخصص له في النصف الثاني من الأغنية، ونكتفي بمتابعة الأصوات وهي تقودنا الى زوايا أكثر ظلامًا مما نتوقع سماعه عادةً في مقاطع الراب.

بحلول تراك باير فوت إن ذ بارك بالاشتراك مع روزاليا نجد أنفسنا وسط تجربة تتجاوز أية صورة نمطية قد نملكها حول أغنية بوب عاطفية. منذ بداياتها قبل عامين استقطبت مغنية الإلكترو فلامنكو الإسبانية روزاليا الاهتمام بصوتها الدافئ، ونجحت بتقديم رؤية معاصرة لأسلوب غناء تراثي تقليدي. قام مدير أعمال بلايك بتعريفه إلى روزاليا بأن أسمعه مقطعًا من أغنية لوس أنجلس من ألبومها الأول: “جاءت إلى الاستديو وخلال يوم واحد كنا قد خرجنا بعدة نتائج. أحببت تناغم صوتينا سويًا.” بالفعل امتلك هذا التناغم بين الصوتين، إلى جانب كون روزاليا التعاون الأنثوي الوحيد في الألبوم، القدرة على تعزيز ثيمته العاطفية: “من يحتاج إلى التوازن؟ / سوف أراك كل يوم.” إلى جانب مقاطع غناء روزاليا بالإسبانية، يستعين الإنتاج بأغنية فيل أ رونو من التراث الأيرلندي كعينة أساسية تستند إليها الأغنية.

ثم هناك أغنية ويرز ذ كاتش بالاشتراك مع أندريه ٣٠٠٠، من نوعية الأغنيات القادرة وحدها على تحريك مسيرة أي موسيقي بالكامل نحو الأمام. فهي تمتلك من ناحية الجاذبية الكافية لإيصالها إلى جمهور واسع على اختلاف ذائقته، كما أنها صنعت بحرفية عالية ومخمخة وتأن بحيث تصمد كقطعة موسيقية فنية بمعزل عن زمنها وجمهورها. مسلمًا دفة القيادة للبيانو من جديد على امتداد الأغنية، يُحكم بلايك تسارع وتباطؤ الإيقاع بحيث يستفيد كلا المؤديين منه كل كما يناسبه.

كذلك، كتب أندريه ٣٠٠٠ للتراك فيرسًا شديد القتامة وشديد الجاذبية في الوقت نفسه وكأنه أحدث أفلام لارس فون ترير. توازن الأغنية بذلك أسلوب الكتابة في الألبوم، بحيث لا يشرد بلايك بعيدًا أكثر من اللازم بتصريحات: أنا مغرم / أنا سعيد / والحياة كلها شهر عسل.  يلعب أندريه على لفظ الكلمات بين الكتابة والأداء، ليبدو أنه يقول ما يختلف تمامًا عما يقصده: “غير متأكد ولكن المؤكد أن تنبيهًا خاطئًا وصلني / العبء في اللحظات الجميلة كأفعى الحديقة / لن تلسعني ولكنها ترعبني وكأنه سيتم التهامي.”

إلى جانب المستجدات العاطفية في حياة جايمس بلايك الشخصية التي امتد أثرها إلى حياته الفنية، وسمحت لنا برؤية جانب جديد منه كموسيقي وكاتب كلمات، شهدنا تجديدًا إضافيًا في ألبوم أسيوم فورم يتمثل بالجنوح المفاجىء له نحو البوب. في محاولة بلايك لـ ألا يُظهر هذا الانتقال بين الجنرات فجًا، لا تمر عليه في الألبوم ولا لحظة استسهال واحدة، لكن تتسرب لحظات تذاكي ومبالغة في بعض الأحيان، ينتابك مع كل واحدة منها شعور من تفاجأ بمطب أثناء جلوسه في المقعد الخلفي لسيارة منخفضة. ردم هذا الشرخ الصغير ما بين اجتهاد بلايك وتذاكيه قادر بلا مبالغة على وضعه بين أهم منتجي جيله، ومنحه مع تعدد أدواته الحالي كمنتج ومغني وكاتب كلمات وعازف القدرة على إحداث تغييرات فارقة في شكل موسيقى البوب المعاصرة.

 

في السنين الخمس الماضية، أثبتت معازف أن القارئ العربي متعطش لمحتوى يحترم ذكاءه. ازداد عدد قرائنا باضطراد كل سنة، كبر فريقنا وكبرت أهدافنا. ولأن طريقة عملنا تتطلب الكثير من الجهد والوقت، وتقع خارج أطر التمويل المعتادة، نحتاج إلى دعمكم كي نستمر في الكتابة عما نحب كتابًا وقراء: الموسيقى.


Leave a Reply