حتى إشعارٍ آخر | ١٠ مؤلفي موسيقى تصويرية

هذا المقال جزء من سلسلة حتى إشعارٍ آخر.


عندما حجبت شركة يونيفرسال دعمها عن المخرج ألفرِد هيتشكوك لدى إصراره على صناعة فيلم سايكو، قرر المضي في الأمر وإن اضطر لتمويل الفيلم بشكل شخصي وخفض الميزانية. لم يُعجب أمر خفض الميزانية المؤلف الموسيقي الكبير برنارد هرمانّ، ورفض المشاركة أكثر من مرة، قبل أن يضعف أمام إلحاح هيتشكوك. بعد إتمام الفيلم وقبل إضافة الموسيقى، وجد هيتشكوك النتيجة مخيبة لدرجة أنه فكر بإعادة مونتاج الفيلم ليصلح للعرض ضمن حلقة في برنامجه التلفزيوني: ألفرِد هيتشكوك يُقدّم. عندما شاهد هيتشكوك الفيلم مع موسيقى هرمانّ استطاع أخيرًا أن يؤمن بالفيلم، بل ووافق على استخدام الموسيقى حتى في مشهد القتل الذي كان مصرًا على أنه لا يحتاجها. اليوم، يُعد ذلك المشهد وموسيقاه المعزوفة بذبح الوتريات من ركائز ثقافة البوب. هذا ما يميّز مؤلف الموسيقى التصويرية الذي تحركه السينما الجيدة ويلهم بصرُه سمعَه، والذي جعل مسيرة هِرمانّ المظفّرة تبدأ بـ سيتيزن كاين وتُختتم بـ تاكسي درايفر وأوبسِشن.

في القائمة عشر مؤلفي موسيقى تصويرية أصحاب صوت ملفت وأعمال كبيرة، وفي نفس الوقت أصحاب مسيرة تليق بسينيفيلي (الشغوف بالسينما، أعمالها ونظريتها ونقدها) عتيق، تجعل أفلامهم بالكامل مؤهلة للمشاهدة بناءً على مشاركتهم / توصيتهم.

ميكا ليفي

المشترك بين أعمال ميكا ليفي أنه مهما كان عالم الفيلم الذي تعمل عليه مألوفًا، يجب أن تجذبه إلى مساحة جديدة، دون استعراض يحاول منافسة الصورة في الوقت الخطأ؛ فنجدها تهمس بهدوء في خلفية فيلم سيرة مثل جاكي، في حين تقدم شريط صوت يتقاسم التجربة مع الصورة بالكامل في فيلم تجريبي مثل أندر ذَ سكين، لأن الفيلم يتطلب ذلك.

بدأت ميكا (ميكاتشو) مسيرتها السينمائية بتسجيل الموسيقى التصويرية لـ أندر ذَ سكين في سن الـ ٢٦. ربما يبدو مخرج الفيلم خيارًا آمنًا كونه عمل سابقًا مع نجوم في أفلام مرشحة للأوسكار والجولدن جلوب، لكن موسيقى ميكا في الفيلم أبعد ما يكون عن الطرق الآمنة، وأعمالها بعده تؤكد أنها تُحسن تمييز صاحب الرؤية المختلفة والقادر على منحها تحدٍّ جديد. أفلامٌ مثل مارجوري برايم ومونوس وزولا، خارجة عن المألوف ومن مخرجين صاعدين، لكن ميكا لمست أنهم يعلمون ما يفعلون.

إعلان

برايان إيزدايل

حقق المؤلف الكلاسيكي برايان إيزدايل نجاحًا كبيرًا قبل عمله في الموسيقى التصويرية بسنوات، بأعمال بين المارش والقصيد السيمفوني والأوبرا، لكن بشكلٍ ما بدا أنه وجد ضالته عند الثنائي السينمائي مايكل باول وإمريك برسبرجر، كما وَجَدَا ضالتهما عنده. لدى عمل باول وبرسبرجر على تحفتهما ذَ رِد شوز، لم يستطيعا الوصول مع مؤلف موسيقى أعمالهما الأولى إلى صيغة مُرضية، فلجآ إلى إيزدايل الذي قدّم أكثر أعماله خلودًا في الفيلم. تابع إيزدايل العمل مع الثنائي حتى انحلال شركتهما، وعمل مع باول منفصلًا على فيلمه الجدلي الأيقوني الذي يُعتبر سبب إنهاء مسيرته، بيبينج توم، ثم دخل في شبه اعتزال عن التأليف قطعه مرتين، أول مرة لصالح بضعة ألحانٍ لقصائد من مجموعة ليفز أُف جراس الشعرية لـ والت ويتمان، والأخيرة لصالح فيلم باول الأخير عام ١٩٧٨.

توفي إيزدايل عام ١٩٩٥،  بعد قرابة عقدين من آخر أعماله لم يقدم خلالهم أي مؤلف. ارتبط إرث إيزدايل ووجدانه إلى هذه الدرجة بـ باول وبرسبرجر. رأى فيهما ما لم يبصره نقاد ذلك الوقت، ما يجعل رؤيته السينيفلية محل ثقة، ويمكن مشاهدة أي عمل شارك فيه مع باول وبرسبرجر أو غيرهما، خاصةً تعاونه مع كارول ريد: آوتكاست أُف ذ آيلاندز.

دانيل لوباتين

يبني الموسيقي الإلكتروني المهم أونيوتريكس بوينت نيفر (دانيل لوباتين) جل موسيقاه من الخامات نفسها، ويغنيها بمساحات واسعة ومشاهد صوتية آسرة تجعلها ميالةً لتكون تصويرية، حتى خارج الأفلام التي عمل عليها.

مسيرة لوباتين السينمائية قصيرة نسبيًا. في رصيده خمس أفلام روائية طويلة، فيلم كرتون تجريبي، فيلمَي الأخوين بِن وجوش سافدي المذهلَين والممدوحَين: جود تايم وأنكَت جِمس، وفيلمَي ذ بلينج رينج وبارتيزان اللذَين قسما النقّاد. هذه الأعمال كافية إلى حدٍّ كبير لإدراك أن لوباتين يستحق الإصغاء، وأنه مؤلف متطلّب وميّال إلى الرؤية الجامحة.

أرماند آمار

تكشف موسيقى الفرنسي مغربي الأصل أرماند آمار، بروحانيتها ومقاربتها التصوّف، عن مؤلف يعيش للجمال، ويكتفي بذلك. انعكس هذا التصوف في اختيارات أمار لنجده زاهدًا بالفرص الكبيرة بشكل غريب.

بعد موسيقى ٤٦ فيلم روائي طويل حقق بها أصداءً عالمية وتقديرًا في أهم المحافل، من الصعب اعتبار عدم عمل آمار على إنتاجات ضخمة مجرّد صدفة؛ خاصةً عندما نعلم أنه يسكب جل شغفه في التأليف للرقصات، وسيُلفت أي صانع فيلم غنائي. كأن آمار يرتاح للإنتاجات الصغيرة وما يرافقها من حرية إبداعية ولا يساوم ذلك، إلى جانب حسن اختياره دومًا لتلك الإنتاجات، الذي تؤكده الثنائيات المجيدة التي شكلها مع مخرجين أوروبيين وعرب.

راي كوودر

في موسيقى راي كوودر، مؤلف الأغاني وعازف الجيتار رقم ٨ على قائمة الرولينج ستونز لأفضل عازفي الجيتار في التاريخ (٢٠٠٣)، طاقة نجم روك جامح، وتهادي وروقان شيخ ريفي قاص، والكثير من النوستالجيا التي ساهمت في جعل جمهور الأفلام التي عمل عليها مخلصًا، وإن لم يكن غفيرًا في معظم الأحيان.

على مدار ٥٣ عامًا، قصر كوودر موسيقاه التصويرية على ١٦ فيلم روائي طويل، منقسمة بين ٧ مخرجين، ٦ منهم لا يُشبه أحدهم الآخر إلا في كونه صاحب رؤية لا تشبه غيره؛ أما السابع فكانت ضربة كوودر الخائبة الوحيدة. بكون كوودر مؤلف ومنتج أغانٍ وعازف كبير، لم يعتمد على عمله في الموسيقى التصويرية، وإنما صنعها حين اقتنع بالعمل، ومن الواضح والمُجزي أنه لا يقتنع بسهولة، وأنه حين يقتنع تعلق النتيجة في الذاكرة.

إلِني كارايندرو

“نبدأ، في معظم الحالات، قبل أن يصبح هناك نص. نعمل انطلاقًا من أفكار الفيلم الأساسية. أنجلوبولوس رجلٌ كثير المشاعر قليل الكلام، لذلك من المهم بالنسبة لي فهم الأفكار الكامنة في أصل كل عمل، وكيف يمكنني التعبير عما لن يُحكى في الفيلم. أحيانًا تصبح الثيمة الرئيسية جاهزة في الوقت الذي يكتمل فيه النص.” هكذا وصفت اليونانية إلِني كارايندرو، رفيقة درب ثيودوروس أنجلوبولوس خلال الربع قرن الأخير من مسيرته، طريقة عملها. تجربتها مع أنجلوبولوس وطريقة تناولها تلك التجربة كفيلان بوضعها بين نخبة مؤلفي الموسيقى التصويرية، المتشرّبين لمختلف عناصر العمل السينمائي. لذلك يتوسع منجز إلِني ليشمل أعمالًا بارزة لمخرجين متنوعي الثقافات والأساليب، مُثبتةً كل مرة أن موسيقاها – كما ذكر الكاتب نيكولاس تراياندافيليديس: “تمثل الدم الذي لم يُسفك على الشاشة.”

داريو ماريانِلّي

حفظ معظمنا اسم داريو ماريانِلّي من أعماله في أفلام جو رايت: برايد آند برِجوديس وأتونمنت وآنا كرنينا وداركِست آور، التي تبدو موسيقاه فيها مخمليّةٌ كوقع اسمه، تحس بسماعها أنك أُلبست بزّةً وحُمّلت غليونًا. لكن لدى تفقّد تاريخ ماريانِلّي يتضح مدى مرونة هذا الشخص، ومدى اهتمامه بمن يقف وراء كل فيلم سيشارك فيه، ما أثمر ربع قرن من المختارات؛ جزء كبير منها من نصيب ثلاث مخرجين: جو رايت وآسيف كاباديا وبادي برِثناك. حتى الأفلام القليلة ما دون المتوسطة التي شارك فيها كانت كبواتٍ لمخرجين يعلمون ما يفعلون عادةً، كما في حالة ذ ريترن لـ كاباديا. من أجمل ما ألفه ماريانِلّي في السنين الأخيرة، والشاهد على مرونته، موسيقى فيلم كوبو آند ذَ تو سترينجز.

إعلان
إعلان

زبيجنيِف برايزنر

مع البولندي زبيجنيِف برايزنر صاحب الأرشيف الكبير، هناك دومًا ذلك الفضاء الواسع الذي يحتوي موسيقاه الجليلة، والوقت الذي يبدو أنه يصر عليه، حيث يجب أن يُمنح كل شيء وقته على الشاشة لأن مقطوعاته لا تُبنى وتتراكب إلا بتمهُّل وتأمُّلٍ يجعلانها تمتصك داخلها.

بعكس بقية الأسماء في القائمة، لم يكن برايزنر صاحب تلك الذائقة الانتقائية، فتناثرت موسيقاه عدة مرات بين أفلامٍ متواضعة فما دون. في نفس الوقت، وكونه مؤلفٌ استثنائي، كانت الغالبية العظمى من منجزه في أفلامٍ ومع مخرجين اختاروه لأنه الوحيد الذي سيُكمل رؤيتهم، أبرزهم كريستوف كيشلوفسكي الذي شكّل مع برايزنر ثنائيةً عزيزة على قلب كل سينيفيل، حفلت بصلوات موسيقية تلف الروح. لذلك، يمكنك أيضًا مع برايزنر مشاهدة أي فيلم شارك فيه، تقريبًا.

تنمون وجاستن هورويتز

كملامح رئيسية، تبدو أعمال الياباني تنمون منقادةً بالعاطفة، قادرة على احتضانك وتمزيقك والتحكم بمجرى دمعك؛ في حين يبدو قلب الأمريكي جاستن هورويتز عقولًا، قادرٌ على سكب زخم حسي غامر، وعلى مختلف الأجواء الأُخرى، بما في ذلك الغرائبية وغير الحاسمة.

يجمع كلًّا من تنمون وهورويتز أن كليهما قصر عمله في السينما على اسمٍ واحد حتى الآن، عبقري الأنيمي ماكوتو شينكاي في حالة تنمون، وأصغر فائز بأوسكار أفضل إخراج: داميان شازيل، في حالة هورويتز. قد لا يشير ذلك بشكل قاطع إلى أنهما يحسنان تمييز جودة ما يُعرض عليهما، لكن بعدم مشاركتهما في أي عملٍ سينمائي لغير مخرجهما المفضّل، رغم تحقيقهما نجاحات هائلة، يبدو أنهما على الأقل حذران.

تورو تاكِميتسو

موسيقى تاكِميتسو تصويرية، حتى دون معرفة السياق، قادرة على تأسيس عوالم خاصة وغامضة، وحاملة لنفس محلي محبب ومهيب، لا يتوه حتى عندما توزّع على أوركسترات غربية.

على مدى أربعين عامًا، بنى تاكِميتسو مسيرةً سينمائية مذهلة. لا تكفي صدفة لتجعل جل مسيرته – التي شملت ٨٦ فيلمًا روائيًا طويلًا – مع دزينتين من أهم مخرجي السينما اليابانية، وفي أهم أفلامهم. مع رؤية سينمائية لم تخطئ مرة كهذه، من غير المفاجئ أنه لم يكتف بالموسيقى وشارك في كتابة نص الفيلم المهم دَبل سويسايد عام ١٩٦٩.

Leave a Reply