حوا | هيفاء وهبي

كتابةليال حداد - September 30, 2018

يصعب الفصل بين حياة هيفاء وهبي الشخصية والفنية، ولا تبدو هيفاء نفسها مهتمة بهذا الفصل. تنتشر أخبار عن فشل إحدى علاقاتها العاطفية، فلا تتأخّر عن إصدار أغنية عن الانتقام من الحبيب. تنتشر أخبار أخرى عن عقدها زواجًا سريًا، فتزيد الغموض بإصدار أغنية عاطفية. في ألبومها الجديد حوا، ترسم هيفاء تفاصيلًا إضافية من تلك الحياة الشخصية المتداخلة مع الفنية، لكنها في هذه المرة أنضج في تعاملها مع نفسها، وفي تقديمها لإنتاجها الفني.

يضم الألبوم الجديد ١٣ أغنية يصعب التعامل معها ككتلة واحدة، منها ثماني أغاني جديدة، وخمس منفردة سبق أن أصدرتها هيفاء وهبي في السنوات السابقة كما يظهر على متجر آيتيونز. هذه الأغاني هي: ما تيجي نرقص (٢٠١٦)، أهضم خبرية (٢٠١٦)، قلّها بحبك (٢٠١٧)، بحب الحياة (٢٠١٧) وتوتة (٢٠١٨). بدت توتة الصادرة في نيسان / أبريل الماضي كختام لمرحلة معيّنة في حياتها، وإعلان لعودتها إلى ساحة الغناء، بعدما انشغلت في التمثيل الدرامي في مصر، وبعد ٦ سنوات من إصدار آخر ألبوماتها ملكة جمال الكون. وبالفعل، عادت هيفاء إلى الغناء في حوض للاستحمام، بفستان سهرة أسود، وملايين المشاهدات على يوتيوب.

في حوا، الأغنية التي تحمل اسم الألبوم، تظهر هيفاء بشكل شبابي جميل، تمسك الجيتار وخلفها عشرات الأحذية النسائية. تحاول هيفاء في الأغنية تجربة توليفات معهودة بالعموم لكن جديدة في مسيرتها، كمزج الروك بقليل من البوب. تطغى الموسيقى الصاخبة على كل شيء، فيسيطر صوت الدرامز والجيتار الكهربائي، حتى نكاد لا نسمع صوت هيفاء، رغم أنها تبدو كأنها تصرخ طيلة الأغنية. على مدى ٣ دقائق و١٥ ثانية، لا نفهم إن كانت هيفاء غاضبة من حبيبها أم من العلاقة أم من الناس، تختفي المشاعر تحت صوتها المسطح.

تواصل هيفاء لعب دور المرأة القوية في أغنية اجمدي من كلمات أحمد الملكي وألحان محمد الوزيري وتوزيع شريف مكاوي. تعود مرة أخرى إلى الموسيقى الإلكترونية والإيقاع الطاغي، موجهة كلامها إلى صديقاتها اللواتي يتعذبن مع أحبائهن، داعية اياهن للتماسك. تطغى الموسيقى الصاخبة مجددًا على الكلام. أغنية سهرات بكلام قليل لا يُغنّى بقدر ما تردده ليتماشى مع الإيقاع المكرّر مع لحن مكرر في الكثير من أغنياتها.

تبدو هيفاء عالقة في أغلب أغاني الألبوم في إيقاع صاخب خارج عن السيطرة. هي تدرك حجم مساحات صوتها فلا تخاطر، مفضلة التنويع في اللحن والتوزيع، وهو ما يحصل تحديًدا في مزيكا هادية من ألحان أحمد برازيلي، التي لا تكاد تبدأ حتى يدخل الإيقاع إياه، ثم يرتفع بشكل هستيري حتى يكاد يختفي صوت هيفاء وصوت الكورس ونعجز عن فهم ما تقوله. فيما تقترب واحشني من التكنو الذي طمس هوية الأغنية تمامًا، يختفي صوت هيفاء في مساحات كثيرة في الأغنية، تضيع هوية اللحن، وتبقى الغلبة للموسيقى الإلكترونية.

في قالوا سابني تترك هيفاء شخصيتها القوية والمرأة المتمردة على من هجرها، لتكشف عن أخرى أكثر رومانسية، تتعامل مع انتهاء العلاقات بنضج. يحمل الأغنية إيقاع صاخب لا يناسبها ولا يناسب طبيعة الفيديو الذي تظهر فيه هيفاء هادئة مكسورة.

“ليالي جميلة فاكراها أنا ليه / وأحلام ياما شاركني فيها

وزي ما هو جرحني بإديه / لمسني وطيب خاطري فيها”

في أغانٍ مثل ست البنات، ألحان وتوزيع نييس، ينعكس الأمر توزيعيًا. الإيقاع الشرقي التقليدي والطبلة التي تستمر طوال الأغنية لون تتقنه هيفاء وهبي جيدًا. تأتي كلمات أحمد علاء الدين هنا لتكون نقطة القوة في الأغنية، لتغنّي هيفاء بطريقتها وبدلعها وبـ “كيدها”، موجّهة كلامها إلى امرأة أخرى (أو ربما أخريات) تغار منها، تقلّدها بالشكل بينما تكمل هيفاء حياتها بشكل طبيعي. قصف جبهة ناجح:

“عملالك مشكلة / نفسية و للأسف

نقصك بيبان قوي / أول ما بنختلف

ست البنات انا / وصعبه مقارنتي

بوحدة فاضية دارسة / تفاصيل شخصيتي

آه منها النفسيات / عارفينها يا بنات

ده الواحد ياما شاف / فحياته منها نوعيات

والجدعة مايشغلهاش / ناس كده تتباع ببلاش

وما يشغلناش مين يتكلم / دي حاجات ما نبصلهاش”

تأتي أغنية في يوم من الأيام، من كلمات تامر حسين وألحان إسلام زكي وتوزيع هادي شرارة، بموسيقى أكثر هدوءًا وإيقاع أقل صخبًا، وإن كان الكلام لا يزال يدور في فلك الهجران والوعد بالندم. نميز تناسقًا وتناغمًا بين اللحن والكلام، حتى الإيقاع يرتفع مع ارتفاع نبضات هيفاء وازدحام مشاعر الحب والحسرة، وينخفض مع تخفيف نبرة العتب في صوتها. فيما يضيّع الإيقاع الشرقي الموسيقى الإلكترونية في هفضل، التي تستعيد فيها هيفاء نبرتها المتحدية للرجل. كلام الأغنية يخيّل لنا أن هيفاء قد تقوله في حياتها العادية، وهي ترقص تمامًا كما تفعل في فيديو الكلمات الخاص بالأغنية. على الأقل هذه الصورة التي نرسمها في أذهاننا عنها. من غيرها بإمكانه أن يردّد كلامًا بهذه المباشرة وهذا التصالح مع الذات؟

“هفضل زي ما انت عارفني / إيه اللي هيوقفني

أنا من زمان حرة

هغلط و مش مهم اشرحلك / أنت مش مسموحلك

تناقشني بالمرة

افهم حياتي مش طبيعية / ولا هبقى وحدة عادية

ولا حتى معقولة

أصلًا لو حبي هيعطلني / ولو انت هتأخرني

أنا همشي بسهولة”

في أغنية يتيمة باللهجة اللبنانية، جنّ الصبي، نسمع اللحن المستهلك والإيقاع الصاخب مجددًا من نييس، بالإضافة إلى كلمات جاد الخوري البليدة والتي يصعب تصنيفها شعرًا عاميًا أو محكيًا، ما جعل العمل مجرد دوشة مستمرة طيلة ٣ دقائق و٤٩ ثانية.

كان التوزيع والإيقاع بطلي أغاني هيفاء قبل أن يصبحا بطلي أغاني الجميع وحيز المنافسة الأكثر احتدامًا في ساحة البوب العربي، ربما هذا ما جعل هيفاء أكثر خبرةً في استعمالهما والبحث عن المختلف فيهما. مع الحرية التي تكتسبها هيفاء من كونها لا تلام إن لم يكن لصوتها الأولويّة، تقدم صخبًا مسليًا بالفعل مع خفتها المعتادة حينًا وجرأة ملفتة حينًا آخر في اختيار الكلمات، وحين يتراجع الصخب بعض الشيء نجد أن هيفاء حنّت بالفعل للغناء، إلى دورها المفضل الذي تلعبه بكل نضجه وتنوعه، دور حوا.