خديعة الميتال العظمى

كتابةمعازف - October 8, 2020

ظهر المقال الأصل لكاتبه دايفد كوشنر في مجلّة رولينج ستون في كانون الأوّل / ديسمبر ٢٠١٨، وترجمه عمّار منلا حسن وعبد الهادي بازرباشي.


قبل أيامٍ من عيد الشكر، وصل جارد “ثرِت-إن” إيمس، ابن الـ ٢٩ عامًا الهزيل المتشح بالسواد وصاحب الشعر الأقصر بقليل من أريانا جراندِه، إلى جناحه في فندق في وِست هوليوود، واسترخى في كرسيّه. بدا شاحبًا ومعتلًّا، يتعافى من ١٣ ساعة في فرانكفورت تركت عينيه حمراوتين، ومن الأسبوع الأكثر جنونًا في حياته، حين حاول أن يعيش أحلامه الفانتازيّة بنجوميّة الروك بينما انكشف على الملأ كمحتالٍ غامض. “لم يكن هناك أي طريقة تسمح لي بشدّ الانتباه كفنّان روك في ٢٠١٨” يقول جارد، “حتى قمتُ بأمرٍ دفع الناس إلى الالتفات.”

في تشرين الثاني / نوفمبر، بدأ مدراء أندية الروك حول المملكة المتحدة يحكون القصة الغريبة ذاتها. استأجر مغنّي بوب ميتال، يعرف بـ ثرِت-إن، نواديهم لأجل جولته الأوروبية في ١٠ مدن. لم يسمع أيٌّ من أصحاب النوادي عن ذلك الموسيقي عندما تواصلت معهم وكيلة حجز حفلات تعدهم بصالاتٍ ممتلئة. كان لدى ثرِت-إن متابعون مهوسوون، وفرة في اللايكات، وطوابير من التعليقات المحابية تحت فيديوهات حفلاته على يوتيوب، التي تظهره يتمايل أمام بحرٍ من المعجبين. استندت مصداقيّة سيرة جارد على موقع شركة التسجيل المتعاقدة معه، ومدراء أعماله وشركة العلاقات العامة التي تمثّله. كما زخرت صفحته على فايسبوك بمئات المعجبين الذين سجّلوا حجزهم المسبق لجولة إطلاق ألبومه في أوروبا: بريكينج ذّ وورلد.

لكن رغم كل هذا الزخم، لم يحضر أي أحد تقريبًا إلى الحفلات. لم يكن هناك سوى ثرِت-إن وفرقته المساندة الثلاثيّة وزوجته كِلسي تصوره من حلبة الرقص الخالية. مع ذلك، لم يبدُ على ثرِت-إن الاكتراث – أدّى حفلاته بحماس وكأنّ المسرح ممتلئ. عندما واجهه مُلّاك النوادي المرتبكون، أعرب ثرِت-إن عن عدم اهتمامه، وألقى باللوم على ضعف الترويج. “كان من الواضح أن أمرًا غريبًا يحدث” قال جوناثان “مينتي” مينتو، الساقي في الليلة التي لعب فيها ثرِت-إن في نادي ذَ إكستشاينج في بريستول، وتابع: “لكننا لم ندرك مدى غرابة الأمر.” مدفوعين بالفضول، بدأ مينتو وأصدقاؤه بالبحث وراء صفحة ثرِت-إن على الفايسبوك، ليجدوا أن معظم معجبيه يقطنون في البرازيل: “كلما ضغطنا على حساب معجبٍ جديد، كلما بدا من الواضح أن كل الحسابات مزيّفة.”

اتضح أن كل شيء مفبرك، وأنّ جميع مواقع شركات التسجيل والعلاقات العامة والإدارة مسجّلة على نفس الحساب على منصّة استضافة المواقع GoDaddy. حتى حشود المعجبين في فيديوهات حفلة ثرِت-إن على اليوتيوب كانوا من تسجيلات أرشيفية، ولم يأتِ أحد ممن حجزوا الحفلات مسبقًا على الفايسبوك. عندما انتشر خبر خديعة ثرِت-إن الواضحة، احتار مُلّاك النوادي: ما الذي يدفع أحدهم لتكبّد كل هذا العناء حتى يلعب أمام صالاتٍ خالية؟

إعلان

ألغيت بقيّة الجولة، واختفى ثرِت-إن دون تقديم أيّ شرح. انطلقت هذه القصة الغريبة إلى الشعبيّة، لتظهر في كل مكان من مواقع الميتال إلى صحيفة النيو يورك تايمز، التي سمتها “أكثر خدعة محيّرة، حتى بالنسبة لـ ٢٠١٨.” عبر كل هذا، بقي ثرِت-إن صامتًا، عدا عن منشورٍ واحد على وسائل التواصل الاجتماعي: “ما هي الأخبار المفبركة؟ لقد حوّلت صالةً خالية إلى خبرٍ متصدّرٍ حول العالم. إن كنتم تقرأون هذا [المنشور] فأنتم جزءٌ من الوهم.” هذا الكلام تحديدًا صحيح بالفعل. في عصرٍ يجاهد فيه الفنانون للفت الأنظار، هذا الميتالجي الغامض سرق الأضواء بواحدة من أكثر الحيل الإعلامية جنونًا في الذاكرة القريبة.

حفلة لـ ثرِت-إن، تصوير لويس بارلو لصالح رولينج ستون

حفلة لـ ثرِت-إن، تصوير لويس بارلو لصالح رولينج ستون

عندما أسأل إيمس، الذي يقابلني لكسر صمته للمرة الأولى، يعترف بالقصّة بأكملها: حركة شنيعة صابت أو خابت من فنان دِث ميتال عاثر الحظ من الغرب الأوسط، حاول وفشل في أن يصنع لنفسه اسمًا بالطريقة الاعتيادية، فقرر أن يُزيّف نجوميته. “إنها حيلة إعلامية، لكن الموسيقى حقيقية للغاية”، يقول إيمس.

لم يكن إيمس موهومًا فيما يتعلّق بالفرص حين نشأ في موبرلي، ميزوري، البلدة المسوّرة ذات الـ ١٣ ألف نسمة من الطبقة العاملة. يقول إيمس: “أول ما تراه عندما تدخل البلدة تلةٌ مرتفعة عليها مقبرة. في كلّ مرة كنت أغادر فيها المدينة أو أعود إليها، كنت أفكّر: ’هذا أفضل مجاز لهذا المكان – لا أريد الموت هنا.” أقسم إيمس، ابن المستشار النفسي المختص في علاج إدمان الكحول والمخدّرات، أن يحقق طموحه في أقرب وقت ممكن: “طوال فترة وجودي عبارة عن بحث عن طريقة للمغادرة.”

خلاف شخصيته على الإنترنت الأكثر ميلًا إلى الجلام ميتال، يبدو إيمس شخصيًا كعفريتٍ قوطي، شخصٌ مشرق يتكلم بسرعة وثقة من لديه خطة دائمًا. بدأ إيمس عزف الجيتار في العاشرة: “أذكر قولي لنفسي وقتها: ستحمل هذه الآلة كل يوم، وستتقن العزف عليها.” أحبّ جارد وشقيقه سكوت، الذي يكبره بخمس سنواتٍ ونصف، الميتال عبر استكشاف مكتبة والدهم التي ضمّت تسجيلاتٍ لميتاليكا وبلاك ساباث وأمثالهم. يقول سكوت، الجيتاريست والمغني في فرقتَي الدِث ميتال نيفالرا وثاي أنتي-كرايست: “لم يوجد سميعةٌ ميتال بين أطفال موبرلي مثلنا.” بوصولهما الثانوية، جارد على البايس وسكوت على الجيتار، شكّل الأخوان فرقة الدِث ميتال سايتيث، مع ذلك، كما يقول سكوت: “عُرفنا كفرقة أخوة.”

مع دعم والديهما (اللذين رفضا أن يشاركا في مقابلة لأجل هذا المقال)، تمرّن الأخوان بهوس، مصدرين أغانٍ ذات أسطر جيتار (riffs) شيطانيّة، مثل Mass Graves of Decapitated Christians وعازفين أمام خلفية منزلية الصنع من الصلبان المعكوسة والنجمات الخماسية الحمراء كالدم. شحذ جارِد مهاراته بالعزف في نوادٍ ليلية محلية في مراهقته. حتى في الثانوية، يقول سكوت، كان جارد مهووسًا بلفت الانتباه: “كنا ننزل من على المسرح، فأعود لكوني سكوت، لكنه لا يعود ليكون جارد.” يستذكر سكوت: “كان يشارك في التجمعات العائلية وكأنه آتٍ ليقدم عرضًا – بالجاكيت والنظارات شمسية والمشية. وصل الأمر حد أن أغلبنا كان يقلب عينيه ضجرًا.”

قبل مرور وقتٍ طويل، أصبح الأخوان إيمس نسخة بلدة موبرلي من أوايسس [Oasis]. بينما اعتقد سكوت أن جارد يمر برحلة إيجو [ego trip]، اعتقد جارد أنّ سكوت لا يؤدي المستوى المطلوب منه. “كان يعاني لمواكبتي، وكان الأخ الأكبر” قال جارد، “لطالما علمت أنني أفضل.”

السبب الوحيد الذي دفع جارد، وفقًا لقوله، للبقاء في سايتيث كان مسايرة والديه. “أخبرتني أمّي أن الفرقة هي التي تبقي على كلّ شيءٍ متماسكًا (في الأسرة)” يقول جارد. واصل هو وسكوت ما يقومان به، سجّلا شرائط تجريبية ولعبا حفلًا في بويرتو ريكو. لكنّ جارد أراد لعب موسيقى روك لحنيّة أكثر، مثل دايفد بووي وكوين، الموسيقى التي اعتبرها سكوت ناعمة. لم تخبُ نار الخلاف في فرقة سايتيث. “ببساطة لم نتفق مع بعض” يقول جارد، “لكننا حاولنا أن نُنجح الفرقة.”

عندما كان جارد في السابعة عشر، انتقل ليعيش مع خليلته آنذاك، كِلسي، فيما حصّل عيشه من عملٍ في قطاع الوجبات السريعة وحضر دروسه في جامعة كولومبيا القريبة، حيث تحصّل على درجة البكلوريس في علم النفس، وبدأ يسعى لمتابعة الدراسات العليا. “لطالما كنت مبهورًا بالسلوك الإنساني والتسويق (…) وكيف بإمكانك أن تزرع فكرةً في رأس أحدهم.”

لكن حينها، كما يقول إيمس، خانه جسده. في يومٍ ما، في سن العشرين، كانا هو وكِلسي يمزحان ويضحكان عندما، كما يدّعي، انتابته نوبة من السعال الدامي. “لم تكن كميّة صغيرة من الدم” يقول إيمس، “كان هذا الحوض مليئًا بالدماء. قلت لنفسي: أوكي، أنا ميّت.” لكن رغم رجاء كِلسي، ولاحقًا الممرضة، رفض إيمس الحصول على مساعدة طبيّة. “لن أذهب إلى الطبيب اللعين” يقول، “هؤلاء الأشخاص غير مؤهلين، لا يعرفون ما الذي يقومون به.”

إعلان

هذه اللمحة من فناء الحياة، وتوتّرات الأسرة المتزايدة، ألهما إيمس مغادرة موبرلي كليًا. قرّر الاتجاه إلى لوس آنجلس، حيث عثرت فرق الموسيقى على فرص نجاحها على مدى العقود. “لقد سئمت، سأرحل” قال لأسرته غير مكترثٍ باستيائهم. لم يخبرهم عن مرضه الغريب لخوفه من إلحاحهم عليه بالبقاء. في صيف ٢٠١٢، جهّز إيمس وكِلسي سيارتهم الفورد إكسبيديشن والمقطورة السوداء المربوطة بها، واتجها خارج المدينة متجاوزين المقبرة للبحث عمّا هو حقيقي.

“تسمع الجميع يرددون ذات العبارة: بفضل الإنترنت، أصبح البروز ولفت الانتباه سهلًا”، يخبرني إيمس. “لكن الواقع عكس ذلك.” رغم توق إيمس لإطلاق مسيرته الموسيقية بنفسه في لوس آنجلس، كان لا يزال يشعر بوخزة من تجربة سايتيث. اتّبع هو وسكوت كل النصائح المعروفة – لعبوا موسيقاهم بلا تعب، روجوا لأنفسهم، وانكبّوا على شركات التسجيل – ولأجل أي نتيجة؟ لم يعرف إيمس كيف كان سيحقق نجاحه الكبير كفنّانٍ فردي، لكنه كان مصممًا على العثور على طريقة.

في الوقت الذي حصلت فيه كِلسي على عملٍ مكتبيّ، غدا إيمس مهووسًا بموسيقاه، يعيش بتقشّف على المدّخرات في منزلٍ اشترياه في هسبيريا، على بعد حوالي ٨٠ ميلًا من لوس آنجلس. بعد مرور عام، كان إيمس قد ألّف ٧٠ أغنية شبيهة بالكلاسيك روك، يعزف كافة الآلات فيها – الجيتار والبايس والطبول والكيبوردات؛ بما في ذلك أغنية برايكنج ذ وورلد التي تسعى لحثّ الجمهور على الغناء، وما اعتقد إيمس أنّها ستكون أغنيته المنفردة، ليفينج إز دايينج. صرف حوالي ١٠ آلاف دولار على التسجيل، مصرًّا على أنه أنفق من مدّخراتٍ جمعها على مدى عقد. “أنا لست فتًى ثريًا لعينًا ما” يقول إيمس، “كل هذه النقود [هي نتيجة] براعة في إدارة النقود.”

تضمّن ذلك إنفاق بضعة آلاف لإتقان الألبوم من قبل جرِج كالبي، مهندس الصوت الذي عمل مع جون لينون، بروس سبرينجستين وآخرين (إحدى الحقائق النادرة في سيرة ثرِت-إن التي اتضح أنها صحيحة). يقول كالبي إنّه بينما تولى إتقان الألبوم بالفعل، إلّا أنّه لم يحتك مع ثرِت-إن سوى فيما يخص العمل على الألبوم. “من وجهة نظر تقنيّة، ليس هناك من خطب [في الألبوم]” يقول كالبي، “تسجيل استعادي مبتذل، يبدو كموسيقى مسجّلة في ١٩٨٧.”

بخلاف صوته النوستالجي، أراد إيمس أن يخلق شخصيّة أدائيّة [persona] تشبه إحدى نسخ [دايفد] بووي [alter ego]. قدّم أبطال إيمس، آليس كووبر وأوزي أوسبورن وماريلن مانسون، أنفسهم باعتبارهم “الشخصيّات الشريرة” في الروك كما يسميهم إيمس، وحققوا نجاحًا واسعًا. لمعت فكرة تسويقيّة في رأسه – تتعلق بجاذبيّة تقابل] الخير في وجه الشر. “لو كنت البطل، فستجذب ربع الانتباه الذي تجذبه الشخصيّة الشريرة” يقول إيمس، “تستمر القصص السعيدة ليوم، لكن التراجيديا تدوم لعمرٍ كامل.”

تشكّلت شخصيّة إيمس الأدائيّة الشريرة ببساطة نتيجة نفخ الإيجو الخاص به، والضخم كما هو، ليبلغ مراحل جديدة، ويتحوّل إلى إله روك مجعجع مستعد للقيام بأي شيء لصالح موسيقاه. اختار اسمًا فنيًا اعتقد أن له وقع خبيث، ثرِت-إن [Threat-in]. “فَك شو الناس بتفكّر” يشهر إيمس، “أنا مستعد للقيام بما يلزم لأحاول إعادة الروك إلى بقعة الضوء.”

كان مبشّر الميتال – الذي يعتني بأسلوبه ومظهره بنفسه – مبهورًا بفنانين مثل آندي وورهول، والكوميدي المفضّل لديه آندي كوفمان، الذي تلاعب بدهاء بالإعلام وبجمهوره بأداءات تميّع الحدود بين الواقع والخيال. هذه الطبيعة البائسة التي تظلّل تمثيليّة إيمس، قد تعود جزئيًا إلى خوفه من كونه مريضًا. “لو اعتقدتّ أنك على وشك الموت، ستفكّر بأن عليك أن تبدأ بما تقوم به بسرعة” يقول إيمس. مدفوعًا بذلك، قرّر تصنيع نجوميّة ثرِت-إن.

أنشأ إيمس موقعًا لشركة تسجيلات غير موجودة، Superlative Music Recordings، تضمّن تاريخًا مختلقًا (” … تم تأسيسها عام ١٩٦٤ عقب ظهور البيتلز على برنامج ذ إد سوليفان شو … “) وأضاف اسمه إلى قائمة من الفنانين الزائفين (ذ جرايت وايت … فيبرواري مورنينج … بوس توبس … جارد ثرِت-إن). “عرفت أن الناس ستطّلع على القائمة وتفكّر “تبدو [قائمة فنانين] جيّدة” دون التوقف عندها.”

نشر إيمس أيضًا مواقع مشابهة لشركة التسويق الزائفة، ماجنيفايد ميديا بي آر، وكالة حجز زائفة، ستايجرايت، وفرَشَ صفحته على فايسبوك بمتابعين زائفين. “أحاول فقط تصنيع أثر العربة [١]” يقول إيمس، “ينظر الناس إلى هذه الأرقام التي يمكن اختلاقها بسهولة ويتعاملون معها كأنها معيار من نوعٍ ما – وهذه الحقيقة ترينا خللًا كبيرًا في صناعة الموسيقى بالمثل.” بعد أن هيّأ عربته، أصدر إيمس ألبوم Breaking the World في ٢٥ آب / أغسطس ٢٠١٧.

باع إيمس بضعة مئات من نسخ الألبوم، لكن خطوته الرئيسية كانت لا تزال أمامه: جولة الحفلات. ليلًا نهارًا، تدرّب في منزله على حركاته الاستعراضيّة المسعورة، وقفز كثيرًا في أرجاء المنزل، كما يقول، حتّى أنّه أصاب ركبته واضطر لاستخدام كرسي مدولب لفترة. على مدى ربيع ٢٠١٨، مستخدمًا هوية زائفة: وكيلة حجز الحفلات كاسي مارشال، تفاوض إيمس مع أندية الروك في أرجاء أوروبا، وقبل مرور وقتٍ طويل، أنفق حوالي ٥٠٠٠ دولار من مدّخراته لحجز عشر صالات أداء من إنكلترا إلى ألمانيا لجولة [للألبوم] في تشرين الثاني / نوفمبر. مع تأكيد مواعيد الجولة، عيّن إيمس فرقة مساندة. تلقى عازف الجيتار في لاس فيجاس، جو برونيرا، دعوةً إلى أداء تجريبي [audition] للانضمام للفرقة من ليزا جولدينج، التي تعمل في وكالة Aligned Artist Management (شخصيّة مختلقة أخرى من قبل إيمس).

في البداية، وجد برونيرا أن ثرِت-إن يبدو تجاريًا زيادة بعض الشيء بالنسبة لذوقه، لكنّه ذهب إلى لوس آنجلس لتجارب الأداء على كل حال، حيث بدا له إيمس “موسيقيًا موهوبًا بحقّ وشخصًا متّزنًا.” اكتملت الفرقة المساندة بعازف الطبول داين دايفس، أيضًا من لاس فيجاس، وعازف البايس من لوس آنجلس جافين كارني، وبدأت المجموعة بالتدرّب بانتظام.

في أيلول / سبتمبر، باغت الواقع إيمس مجددًا حين عاوده السعال الدامي وفقًا لقوله. يدّعي أن الأطباء أخبروه بأن لديه مرضًا غير طبيعيٍّ في القلب، وأنّه من الممكن أن ينزف حتى الموت. يقول إيمس إنّه رفض إجراء عمليّة قبل الجولة: “قضيت أربعة أيام في المشفى، ثم عدت إلى تدريبات الفرقة في اليوم التالي (…) هذه [الموسيقى] حياتي بالكامل.”

بعد شهرين، وصل إيمس إلى نادي ذ آندرجراوند في لندن بصحبة كِلسي والفرقة لأداء حفله الأوّل. أراد من كِلسي توثيق كافة المكائد في تمثيليّته، وكانت سعيدةً بالتواطؤ معه. “لو تعلمت شيئًا واحدًا، فهو عدم التقليل من شأنه” تقول كِلسي. لم يكن من المهم ما إذا توافد الناس على الحفل أم لا، ففي العالم الذي خلقه، كان إيمس نجمًا بالفعل.

انكشفت الخديعة بعد أسبوع وستّة عروض فقط. يعترف إيمس بأنّه لم يتوقع مدى سلبيّة وشخصيّة ردّة الفعل الغاضبة. بدأت النكسة بفرقته المساندة، التي تركته بعد أن عرفت عن القصّة. يقول برونيرا أن إيمس “لم يكذب على الأندية والإعلام فحسب، بل كذب علينا أيضًا.” عند سؤاله عن هذا الموضوع، يختفي سلوك إيمس المتبجّح المعهود: “هل أشعر بالسوء لأنهم يشعرون بالسوء؟ أجل، أتمنى لو كانوا نظروا إلى الأمر من منظورٍ إعلاميّ.”

إعلان

لكنّ إيمس لم يقف في مواجهة فرقته فقط، بل كامل الإنترنت الذي انتفض كخليّة نحل هائجة. لم يكتف الناس على الإنترنت بالسخرية من “شخصيّته”، بل كانوا يسخرون من الشيء الوحيد الذي يعنيه بالفعل: موسيقاه. استخفّ موقع Tone Deaf المختص بالموسيقى بالأغنية القصصية النابضة Living Is Dying، بوصفها “بمقدار الشناعة الذي توحي به.” أزعجت الانتقادات إيمس، خاصةً كل تلك المقارنات التي تشبّهه بالفرق الثمانيناتيّة المعروفة بالـ hair bands [نسبةً إلى تصفيفات شعرها]. “ربما أبدو جميلًا على نحوٍ ما بشعرٍ طويل وجاكيت جلد” يقول، “لكنني لا أرتدي الفكاينج سباندكس، ولا أغني: جرلز جرلز جرلز.”

لا يفهم الكثيرون جديّة إيمس بالطريقة التي يتخيّلها. “إنه يحاول الآن تبرير ما حصل على أنّه كلّه جزء من الخطّة، لكن الوهم الوحيد هو تصديق إيمس لذلك” يقول مينتو، “يبدو مضللًا على نحوٍ واضح، ونرجسيًا متطرفًا.”

مينتو ليس الشخص الوحيد الذي يحمل هذا الرأي. في وقتٍ متأخّر من إحدى الأمسيات في موبرلي، تعثّر شقيق جارد، سكوت، على قصّة إخباريّة حول ثرِت-إن. “حسنًا، عثرت على أخي للتو”، أخبر سكوت خليلته. بعد مرور ست سنوات من عدم حديثه مع جارد، اجتاح الغضب سكوت بينما تعرّف على شخصية أخيه الجديدة وعلى موسيقاه. “قلت لنفسي: لا بدّ أنك تمزح معي. لم تعد الأمور كما قبل ببساطة” يقول سكوت، “كان [جارد] ليضحك على هذه الموسيقى لو سمعها في السابق. كنّا فتية بلاك ميتال!” رغم قوله ذلك، لا يزال سكوت يأمل بمصالحة بينه وبين شقيقه، وربما حتى اتحاد فرقة سايتيث.

على كلٍ، لا يبدو على جارد أنّه على وشك إعادة إحياء سايتيث، أو علاقته مع شقيقه – إلا لو كان ذلك ضمن إطار إنتاج قيلمٍ وثائقي، الأمر الذي يأمل إنجازه بفضل التسجيلات التي صوّرتها كِلسي. “لو كان [تصالحنا] يخدم القصّة، وكان [الوثائقي] مثيرًا للاهتمام أكثر في حالة المصالحة، عندها سآخذ الموضوع بعين الاعتبار” يقول جارد، “عدا عن ذلك، ليس لدي مصلحة.” الآن، باتت بعض الأندية التي لعب جارد فيها مستعدةً لحجزه مجددًا. أخبرني منظّم الحفلات من شركة ريبليون في مانشستر، آد جوسلينج، أنّ “[ثرِت-إن] على الأغلب سيبيع كل التذاكر.”

في الحقيقة، رغم كل خدعه الماضية – وربما المستمرّة – قد يكون ثرِت-إن على طريقه كي يصبح فنانًا كارثيًا، مثل تومي ويزو وطائفة جمهوره المخلص، بما في ذلك فرقة بريطانية تدعى The Perverts، قدّمت عرضًا بعنوان جارد ثرِت-إن: عرض موسيقي لم يحضره أحد.

من جانبه، يأمل إيمس بلعب المزيد من الحفلات قريبًا، وإصدار تسجيله المقبل، وأجل، لديه المزيد من الحيل التي يخطط لها. “الأخبار المفبركة” يقول إيمس، “من السهل صناعتها.”


[١] مصطلح يشير إلى أنّ اعتناق مجموعة من الناس لصيحةٍ ما له أثر بتشجيع باقي الأفراد على اعتناق ذات الموضة و”ركوب العربة”.

Leave a Reply